لحد ما امي
ـ لحـد ما أمـي تـأذن لك، إياكـي تفكـري تقعدي على السفـرة!… صرخ فيها وهو بيزق طبق مراته بعيد عنه.
كانت “تحـية” راجعة من الشغل، ماشية في الشارع المعتاد من محطة المترو للبيت، حاسة بوجع في رجليها بعد يوم طويل في المخزن. شغلها كأمينة عهدة في شركة مقاولات مش سهل، اليوم كله واقفة على رجليها، بتراجع بضايع وفواتير وبتتعامل مع موردين. بس المرتب كان ثابت، وده اللي كان يهمها، خصوصاً إن “مراد” جوزها كان عاطل تاني.
طلعت الدور التالت في الشقة الإيجار اللي ساكنين فيها، وطلعت المفاتيح. بمجرد ما فتحت الباب، حست إن فيه حاجة غلط. مراد قاعد على الكنبة ووشه في الأرض، وجنبه واقفة صاحبة البيت، ست كبيرة وباين عليها الغضب.
“مساء الخير يا جماعة،” قالت تحية وهي بتشيل الجاكت وبتعلقه.
ردت صاحبة البيت وهي مربعة إيديها: “المسا بيبقى خير لما بنشوف الحقوق بتيجي لأصحابها. أنا حذرتكم من شهر، لو متأخرتوش في الإيجار، لازم تسيبوا الشقة. إنتوا بقالكم أسبوعين متأخرين، وأنا مش فاضية أطارد ورا حد، محتاجة ناس تلتزم بالدفع.”
بصت تحية لمراد، فبص في الأرض.
“يا طنط زينب، إحنا وعدناكي إننا هندفع أول الأسبوع الجاي…”
“أنا مش عايزة وعود، أنا عايزة فلوس، وإلا الشقة تتسلم النهاردة قبل بكرة. أنا عندي ناس تانية مستنية تاخدها. قدامكم 3 أيام، يا إما تدفعوا إيجار شهرين مقدم، يا إما توكلوا على الله.”
مشيت الست وخبطت الباب وراها. قعدت تحية على كرسي السفرة بتعب.
“يا مراد، إيه اللي بيحصل ده؟”
قام جوزها وبدأ يروح وييجي في الصالة.
“أنا اتفصلت من الشغل. من أسبوع.”
“من أسبوع؟ طب ليه مقلتليش؟”
“كنت مكسوف، كنت فاكر إني هلاقي شغل بسرعة ومفيش حد هياخد باله.”
#انجي_الخطيب
غمضت تحية عينيها وأخدت نفس عميق. دي تالت مرة مراد يتفصل من الشغل في سنتين. كل مرة بحجة؛ المدير رخم، زمايله بيغيروا منه، الشغل متعب.. بس الحقيقة إن مراد مبيعرفش يثبت في مكان، بيتأخر، يمشى بدري، يتخانق مع الناس، ويهرب من الشغل التقيل.
“يا مراد، إحنا ممعناش فلوس إيجار، ولا حتى جنيه. أنا مرتبي هينزل كمان أسبوعين، وحتى ده مش هيكفي إيجار شهرين مقدم.”
رد مراد وهو حاطط وشه بين إيديه: “عارف.. كنت بفكر.. إيه رأيك نطلب مساعدة أهلي؟”
“أهلي ممعهمش، بابا على المعاش، وماما بتشتغل في سوبر ماركت بالعافية.”
“قصدي أمي.”
اتسمرت تحية في مكانها. أم مراد.. الحاجة إحسان. كانت ست مقتدرة، عايشة لوحدها في فيلا في حي راقي، وجوزها الله يرحمه كان دكتور كبير. إحسان كانت ست حادة، قليل لما بتشوف تحية، بس في كل مرة كانت بتشوفها بتبص لها بنظرة استعلاء وكأنها مش مالية عينها.
“عايزنا نروح نعيش عندها؟”
“أومال هنعمل إيه؟ الفيلا كبيرة وأوضها فاضية.”
“مراد، دي أمك صعبة جداً…”
“يا تحية، أنا عارف، بس ده وضع مؤقت لحد ما ألاقي شغل وألم قرشين، وبعدين نأجر مكان تاني.”
بصت تحية لجوزها، كان نفسها ترفض وتقوله دي فكرة مهببة، بس كان في إيدها إيه؟ مفيش حيلة.
“ماشي، كلمها.”
اتصل مراد، وكان بيتمشى في الصالة بتوتر.
“يا ماما.. إزيك.. بصي فيه مشكلة، أنا اتفصلت من الشغل وصاحبة البيت طردتنا، ممكن نيجي نقعد عندك فترة؟.. أيوة.. فاهم.. شكراً يا ماما.”
قفل الخط وبص لمراته: “وافقت، قالت مؤقت ونلتزم بالهدوء.”
يومين وعدوا في “كركبة” ونقل عفش. الحاجة إحسان استقبلتهم ببرود، كانت لابسة عباية شيك وشعرها متسرح ببراعة، وعينيها بتفحص كل صندوق داخل الفيلا.
“دخلوا الشنط، بس أقلعوا الجزم بره، أنا لسه ماسحة الأرض.”
طلعتهم الدور التاني، فتحت أوضة كانت مكتب المرحوم جوزها.
“دي أوضتكم، فيها سرير ودولاب، مش محتاجين أكتر من كده.”
كانت أوضة كئيبة وجدرانها مدهونة رمادي.
“الحمام مشترك تحت، بلاش دوشة الصبح، أنا بصحى الساعة 7. المطبخ مسموح تستخدموه بس تنظفوه في نفس اللحظة، أنا مبحبش الكركبة. الغسيل يومين في الأسبوع، الأربع والسبت. مفهوم؟”
هزت تحية رأسها بضعف، بينما كانت حاسة إن العيشة دي هتكون أصعب بكتير من ضياع الشقة. مرت الأيام، وبدأ النقد؛ “الأطباق مش مغسولة كويس”، “ريحة الأكل نفاذة”، “ليه النور منور في الصالة؟”.. وبدأ قلب تحية ينقبض أكتر وأكتر وو…!!!
#انجي_الخطيب
عدت الأيام في فيلا الحاجة “إحسان” زي السنين، كل يوم بيعدي كان بيسحب من أعصاب “تحية” حتة. الفيلا اللي كانت مفكرة إنها ملاذ أمان، اتحولت لزنزانة بتتحرك فيها “إحسان” زي السجان، عينيها اللي بتلمع ببرود كانت بتلاحق تحية في كل ركن، بتراقبها وهي بتكنس، بتشوفها وهي بتغسل، وحتى وهي بتتنفس.
مراد، اللي كان بيوعدها إنها فترة مؤقتة، كان كل يوم بيزيد في “الاسترخاء”. بيلبس البيجامة، يفضل قاعد قدام اللابتوب نص ساعة يدور على شغل، وبعدين يسيب كل حاجة ويقوم يلعب جيمز على الموبايل، أو يفضل نايم لبعد الظهر. إحسان كانت بتبص له من بعيد بنظرة كلها احتقار، بس كانت بتصب غضبها كله على تحية.
في ليلة من ليالي شهر أكتوبر، كانت الرطوبة عالية والجو خانق جوه الفيلا. رجعت تحية من شغلها في المخزن، ضهرها مكسور من التعب، وكانت بتحلم بس بطبق شوربة دافي وسرير ترمي عليه عضمها. دخلت المطبخ، لقت إحسان واقفة بتعمل “شاي بالنعناع” ببرود أعصاب.
“أنا قولت يا تحية، المطبخ يتساب زي ما هو.. لمعة الرخامة دي مش عاجباني، باين فيها بصمات إيدك،” قالت إحسان وهي بتلف ببطء.
تحية مسحت عرقها بمنديل، وحاولت تبتسم بهدوء: “حاضر يا طنط، أنا بجد تعبانة النهاردة، المخزن كان فيه جرد، وهخلص كل حاجة قبل ما أنام.”
إحسان ضيقت عينيها وقربت منها خطوة: “التعب مش مبرر للهمال. إنتي فاكرة إن عشان جوزك ابني، يبقى تاخدي وضعك في بيتي؟ إنتي هنا ضيفة، وضيوف الغفلة لازم يحترموا القوانين.”
تحية حست بغصة في حلقها، بس سكتت. دخلت أوضتها، لقت مراد نايم، الشاحن في إيده، ومسلسل شغال على التليفزيون. دخلت قعدت على حرف السرير، ودموعها نزلت بصمت. هي مش دي الحياة اللي كانت عايزاها. هي كانت عايزة بيت صغير، دافي، فيه راجل بيسندها، مش عالة بياكل من إيد أمه وبينام في حضنها.
ثاني يوم الصبح، حصلت “المعركة”.
تحية كانت بتجهز الفطار في المطبخ، رن تليفونها. كانت مكالمة من المدير بتاعها في الشركة، بيبلغها إنهم قرروا يثبتوها في وظيفة “مشرفة مخازن” بمرتب أكتر، بس بشرط إنها تسافر فرع الشركة في مدينة تانية لمدة شهر للتدريب. كانت فرصة عمرها، مرتب هيخليها تقدر تأجر شقة لوحدها وتعيش بكرامة.
فرحت وجرت على الأوضة: “مراد! مراد قوم.. اسمع الخبر ده!”
مراد فتح عين واحدة بكسل: “إيه يا تحية؟ فيه إيه من الصبح؟”
حكت له كل حاجة، والابتسامة مش سيعاها. مراد قعد على السرير، ووشه اتغير تماماً.
“تسافري؟ شهر؟ يعني هسيبيني لوحدي هنا مع أمي؟ إنتي عارفة إنها مش طايقاني، وعارفة إنها كل يوم بترميني بكلمتين عن فشلي. وبعدين، مين هيطبخ ومين هينظف؟”
تحية اتجمدت في مكانها: “مراد، دي فرصتي! دي فلوس هتخلينا نستقل، هتخلينا نرجع نعيش لوحدنا، مش أنت اللي قولتلي إن الوضع ده مؤقت؟”
“مش دلوقتي يا تحية، مش الوقت المناسب،” قالها بحدة وقام دخل الحمام وقفل الباب.
خرجت تحية من الأوضة، مكسورة، خبطت في إحسان اللي كانت واقفة بره بتسمع كل حاجة. نظرات إحسان كانت مسمومة.
“تستقلي؟ وتسيبي ابني؟ إنتي فاكرة نفسك مين يا شاطرة؟ مراد محتاجني، ومحتاج وجوده هنا، وإنتي مكانك مش هنا.”
تحية، لأول مرة، حسيت بوجع أقوى من الخوف. “أنا مراته يا مدام إحسان، ومن حقي أعيش معاه في بيت يجمعنا، مش في بيت كل اللي فيه بيحاسبني على لقمة العيش.”
إحسان ضحكت ضحكة صفرا: “بيت يجمعكم؟ مراد مبيعرفش يفتح بيت. مراد ابني أنا، وإنتي مجرد غلطة في حياته.”
كلمة “غلطة” دي كانت هي القشة اللي قصمت ظهر البعير. تحية بصت في عين إحسان، وشافت جواها فراغ كبير. إحسان مش بس بتكرهها، إحسان بتكره فكرة إن ابنها كبر وبقى ليه حياة تانية.
رجعت تحية المطبخ، لقت مراد واقف بياكل، ولا كأن فيه أي حاجة حصلت.
“أنا قررت،” قالت تحية بصوت ثابت.
مراد بص لها باستغراب: “قررتي إيه؟”
“هسافر التدريب. ومعايا الأسبوع ده بس، وبعدها هأجر شقة صغيرة، وهروح أعيش فيها. اللي عايز يجي معايا، أهلاً بيه، واللي حابب يفضل تحت جناح أمه، هو حر.”
مراد ساب المعلقة من إيده، ووشه احتقن بالدم: “إنتي اتجننتي؟ هتسيبيني وتطلعي لوحدك؟ الناس هتقول إيه؟ مراته سابته وراحت تعيش لوحدها؟”
“الناس هتقول إنها ست شقيانة وعايزة تعيش في بيتها، مش في سجن،” ردت تحية وهي بتبدأ تلم هدومها في الشنطة اللي كانت لسه مفرغتهاش تماماً.
في اللحظة دي، دخلت إحسان المطبخ، وشافت المشهد. مراد كان بيزعق، وتحية بتلم هدومها.
“يا ماما، شوفي مراتي اتجننت، عايزة تسافر وتتطلق وتعيش لوحدها!”
إحسان بصت لتحية، نظرتها كانت بتتحداها، مستنية تشوفها هتنكسر ولا لأ. تحية بطلت تلم الهدوم، بصت لمراد اللي كان واقف بيترعش من الغيظ، وبصت لإحسان اللي كانت متمسكة بزمام الأمور، وفجأة، حست ببرودة غريبة. هي مكنتش خايفة.
“مش هطلق يا مراد، بس مش هعيش هنا تاني. القرار عندي، وأنا اخترت كرامتي.”
خرجت تحية من المطبخ، والبيت كله كان صمت مطبق. إحسان كانت واقفة، لأول مرة في حياتها، مش عارفة ترد. مراد كان باصص لها وعينه فيها نظرة عتاب، بس عتابه كان ضعيف، زي كل حاجة في حياته.
طلعت تحية أوضتها، قفلت الباب، وطلعت الشنطة القديمة. بدأت تحط فيها هدومها، كل قميص، كل طرحة، كانت بتشيل معاها ذكريات وجع، بس كانت بتشيل معاها كمان أول خطوة في طريق الحرية.
الليلة دي، الفيلا كانت هادية جداً، بس كان فيه عاصفة بتتحضر جوه الجدران. تحية قعدت على طرف السرير، وفتحت الموبايل، كلمت المدير بتاعها وأكدت له قبولها للسفر. كانت عارفة إن دي الليلة الأخيرة اللي هتقضيها في المكان ده، وكانت عارفة إن بكره الصبح، هيكون بداية جديدة، يا إما مع مراد لو فاق لنفسه، أو من غيره لو اختار يفضل “ابن أمه” للأبد.
صوت خبط خفيف على الباب. إحسان.
“افتحي يا تحية، عايزة أتكلم معاكي.”
تحية مسحت دموعها، وقفت قدام الباب، أخدت نفس عميق، وفتحت. كانت إحسان واقفة، ولأول مرة، مكنتش بتنظر لها باستعلاء، كان في عينيها حاجة تانية.. يمكن خوف؟ أو يمكن، بداية احترام؟
“أنا سمعت كلامك،” قالت إحسان بصوت واطي. “وعايزة أقولك كلمة واحدة بس قبل ما تمشي.”
تحية استنت، قلبها بيدق بقوة. كانت حاسة إن الكلام اللي جاي ده هو اللي هيحدد كل شيء.
**سؤال للمتابعة:** ما الذي تنوي إحسان قوله لتحية في هذه اللحظة الحاسمة؟ وهل تعتقد أن مراد سيختار الوقوف بجانب زوجته في اللحظة الأخيرة، أم أن ارتباطه بأمه سيهدم كل شيء؟