هوريك دلوقتي بسرعة 3

الجزء الثالث
مرّت ست شهور.

وكل حاجة في حياة سلمي كانت بتتغير واحدة واحدة.

رجعت تشتغل.

رجعت تخرج مع صحابها.

ورجعت تضحك من قلبها من غير ما تبص وراها كل شوية.

كانت ساكنة في شقة صغيرة قريبة من شغلها.

مش كبيرة.

ولا فخمة.

بس كانت مملوكة ليها هي وبس.

مفيش حد يفرض أوامر.

ولا حد يراقب أنفاسها.

وفي يوم وهي راجعة من الشغل، لقت أبوها قاعد مستنيها في كافيه صغير تحت البيت.

أول ما شافته ابتسمت.

وقعدت قدامه.

قال وهو بيقلب فنجان القهوة:

— مبسوطة؟

ضحكت وقالت:

— أكتر من أي وقت فات.

هز راسه وهو مرتاح.

لكن بعدها سكت شوية.

وكأن فيه حاجة شاغلاه.

سألته:

— مالك يا بابا؟

بصلها وقال:

— كريم رجع تاني.

اتجمدت الابتسامة على وشها.

وقالت بهدوء:

— عمل إيه؟

— جه البيت.

عايز يقابلني.

فضلت ساكتة ثواني.

وبعدين سألت:

— وقالك إيه؟

تنهد أبوها وقال:

— شكله متغير.

مش الراجل اللي شوفته يوم الفرح.

بيقول إنه ندمان.

وإنه عايز يعتذر.

ضحكت سلمي بسخرية خفيفة.

— بعد ست شهور؟

— أيوه.

سكتت وهي بصّة للشارع.

العربيات ماشية.

والناس رايحة جاية.

والدنيا كلها كملت حياتها.

إلا بعض الجروح اللي بتحتاج وقت أطول.

قال أبوها:

— القرار قرارك.

لو مش عايزة تشوفيه… محدش هيجبرك.

هزت راسها.

لكن طول الليل ماعرفتش تنام.

فضلت تفكر.

مش فيه هو.

في نفسها.

وفي البنت اللي كانت واقفة في المطبخ ليلة الفرح.

وفي الست اللي بقت عليها دلوقتي.

وفي الآخر أخدت قرار.

تاني يوم بعتت رسالة قصيرة:

“موافقة أقابلك.
نص ساعة بس.
وفي مكان عام.”

—

بعد يومين.

كانت قاعدة في كافيه هادي على النيل.

لابسة بدلة بسيطة لونها أوف وايت.

وواثقة من نفسها بشكل عمرها ما كانت عليه.

دخل كريم.

وأول ما شافته عرفته.

لكن في نفس الوقت حسّت إنه شخص تاني.

كان أهدى.

أكبر.

وتعبان أكتر.

قعد قدامها.

وماحدش اتكلم أول دقيقة.

وفي الآخر قال:

— شكرًا إنك جيتي.

ردت بهدوء:

— اتفضل.

تنهد وقال:

— أنا جيت أعتذر.

بس.

مش عايز أرجع.

ومش مستني تسامحيني.

أنا بس اكتشفت متأخر إني كنت فاكر السيطرة قوة.

وطلعت ضعف.

رفعت عينها ليه لأول مرة.

وكان واضح إنه صادق.

لكن الصدق أحيانًا بييجي بعد فوات الأوان.

قال:

— الليلة دي غيرت حياتي كلها.

خسرتك.

وخسرت نفسي.

ولما مشيتي… بدأت أفهم أنا كنت عامل إيه.

سكتت سلمي.

ثم قالت:

— كويس إنك فهمت.

ابتسم بحزن.

— متأخر صح؟

— أيوه.

بكل هدوء قالتها.

من غير قسوة.

ومن غير شفقة.

الحقيقة فقط.

نزل كريم عينه.

وفهم الإجابة كلها.

وقف بعدها بدقائق.

وقال:

— أتمنى تكوني سعيدة.

ابتسمت ابتسامة خفيفة.

— أنا سعيدة فعلًا.

ولأول مرة من سنين…

حس كريم إن الكلام ده حقيقي.

لف ومشي.

من غير ما يبص وراه.

أما سلمي ففضلت قاعدة مكانها.

تبص للنيل.

وتشوف الشمس وهي بتغيب ببطء.

وفي اللحظة دي أدركت حاجة مهمة.

إن الانتصار الحقيقي عمره ما كان إنها تهزم كريم.

الانتصار الحقيقي…

إنها أنقذت نفسها قبل ماتضيع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *