تاني يوم جوازنا علطول 4

وقفت مكاني على سلم المحكمة، وبصيت لـ إيفلين بحدة: “سر إيه اللي يقلب الطاولة علينا؟ إنتِ بتقولي إيه يا إيفلين؟”

إيفلين بلعت ريقها وبصت في التابلت وهي بتبعد عن زحمة الممر: “المحامي بيقول إن طارق لما انهار في التحقيق الأولي بتاع النيابة واعترف بكل حاجة، قال إن الـ 45 مليون جنيه اللي اختلسهم من حسابات شركة ‘النيل ميريديان’، مكنوش بيروحوا لحساب أخته بسمة عشان يهربوهم… الحساب ده كان مجرد محطة عبور.”

ضايقت عيني بتركيز: “يعني إيه محطة عبور؟ الفلوس راحت فين؟”

إيفلين كملت بنبرة قلقانة: “راحت لشركة واجهة تانية اسمها ‘الشرق للاستثمارات العقارية’، والشركة دي لسه شارية الأسبوع اللي فات حصة حاكمة بنسبة 51% في شركة الشحن والتفريغ اللي بتنقل كل بضائع وأجهزة مجموعتك من بره مصر! وطارق بيقول إن معاه مستندات تثبت إن الشريك المستتر والمالك الفعلي لشركة الشرق دي… هو عمك، عاصم زهران!”

الصدمة المرة دي خلتني أقف في مكاني لثواني مش قادرة أتحرك. عمي عاصم؟

عمي اللي كان واصي عليا بعد وفاة أبويا، واللي حاول يكسرني ويقنعني إني بنت ومقدرش أدير الشغل لحد ما وقفت على رجلي وأجبرته يتراجع؟ طارق مكنش بيلعب لوحده… طارق كان مجرد “مغفل” أو أداة في إيد عمي عشان يضربوني في مقتلي، وياخدوا السيطرة على خطوط الإمداد والشحن بتاعة شركتي!

“فريدة هانم؟” إيفلين نادت عليا بقلق: “إحنا كده داخلين في مواجهة مباشرة مع عاصم بيه، وطارق شكله قاصد يورط عمك عشان يجبرك تتنازلي عن القضية مقابل إنه ميفضحش تلاعبات عمك اللي ممكن تهز أسهم ‘النيل ميريديان’ في البورصة.”

عدلت نضارتي الشمسية وبصيت لـ إيفلين بابتسامة مرعبة، الابتسامة اللي بطلعها لما اللعب بيحلو: “طارق غبي… وفاكر إنه لما يرمي كارت عمي في وشي هخاف وأتراجع. هو ميعرفش إني مستنية غلطة لعمي عاصم من سنين عشان أخلص من قرفه في مجلس الإدارة تماماً.”

قلت لـ إيفلين: “اتصلي بمدير الأمن حالا. عاوزه جرد كامل لـ فواتير شركة الشحن من سنة لورا، وعاوزه المستندات اللي طارق قدمها للنيابة تتوثق وتتبعت لي على الإيميل في خلال ساعة. طارق افتكر إنه لقى طوق نجاة، وميعرفش إنه سلمني رقبة عمي عاصم على طبق من ذهب.”

رجعت على الفيلا بتاعة الساحل اللي لسه تحت حراسة أمن شركتي، ورفضت أرجع القاهرة. كنت عاوزه أقعد في نفس المكان اللي انضربت فيه، عشان يفضل غليلي قايد ومبردش لحد ما أنهي المعركة دي كلها.

عدى يومين، وطارق وبسمة لسه محبوسين على ذمة التحقيق. وفي اليوم الثالث بالليل، كنت قاعدة في تراس الفيلا وبشرب قهوتي، ولقيت عربية بورش سودا بتقف قدام البوابة برعونة.

الباب انفتح، ونزل منه عمي “عاصم زهران” بكامل هيبته وسنه اللي عدا الخمسين، بس ملامحه كانت متوترة وعينه بتطق شرار. دخل الفيلا والحرس مامنعهوش لأني كنت مدية أمر بدخوله.

أول ما وصل التراس، خبط بعصايته الأبنوس على الأرض وزعق: “إنتِ اتجننتي يا فريدة؟! إيه السيرك اللي عاملاه في المحاكم ده؟ وعاوزة تخربي بيتنا وتدخلي جوزك وأهله السجن ليه؟”

قمت من على الكرسي بهدوء، ومسكت فنجان القهوة في إيدي وبصيت له بروقان: “منور يا عمي في فيلا ‘النيل ميريديان’. تشرب إيه؟ ولا ندخل في الـ 45 مليون جنيه علطول؟”

وش عمي عاصم اتخطف، وحاول يداري ارتباكه بـ إنه يزعق أكتر: “فلوس إيه وزفت إيه! الواد طارق ده كداب ومخرف وبيتبلى عليا عشان يخرج نفسه من مصيبته! إنتِ عاوزة تصدقي واحد رد سجون وتكذبي عمك اللي من دمك؟”

قربت منه، وطلعت التابلت وبدأت أعرض قدامه صور من التحويلات البنكية الموثقة اللي إيفلين جابتها: “طارق كداب في حاجات كتير يا عمي… بس في دي بالذات، طلع مسجل كل مكالمة وكل اتفاق بينك وبينه. طارق كان فاكر إنه بيتجوز موظفة غلبانة عشان يدخل عيلتكم جوه الشغل، وإنت كنت بتستخدمه كـ جاسوس وحرامي عشان تسرقوني من جوه. العقد بتاع شركة الشرق للاستثمارات ممضي بـ إيدك البايظة دي يا عاصم بيه.”

عاصم زهران سكت تماماً، وعروق وشّه برزت من كتر الغيظ والخوف. نبرة صوته اتقلب من الزعيق للمساومة: “طب وإخريتها يا فريدة؟ عاوزه إيه؟ الفلوس ومطاعم نصار كلها بقت بتاعتك، والواد وخد علقة في التخشيبة وأخته اتبهدلت… عاوزه تهدي المعبد كله على دماغنا؟ أسم شركتنا لو اتهز في البورصة كلنا هنفلس!”

“أنا مبهدش المعبد يا عمي… أنا بنظفه من الفئران.” قلتها بكل حسم. “شروطي مفيهاش فصال: إنت هتنازل عن كل حصصك في شركة ‘النيل ميريديان’ وفي شركة الشحن فوراً وبسعر اليوم، وتخرج من مجلس الإدارة وتختفي من حياتي خالص. في مقابل إني مش هقدم المستندات دي للنيابة وهسيب قضية الأموال العامة تلبس طارق وأخته لوحدهم.”

عاصم بص لي بنظرة حقد عمري ما هنساها: “بتلوي دراع عمك يا فريدة؟”

“إنت اللي حطيت دراعك تحت الضرس يا عمي.”

في نفس اللحظة، تليفون عمي رن، وكان المحامي بتاعه، سمع كلام المحامي ووشه بقى أزرق تماماً، بص لي وقال بـ إيد بترعش: “النيابة جددت حبس طارق وبسمة 15 يوم… وطارق انهار وجاب اسمي رسمي في المحضر ودلوقتي فيه أمر باستدعائي للتحقيق الصبح!”

ضحكت بصوت عالي وقلت له: “الوقت بيجري يا عاصم بيه… يا تمضي على التنازل حالا ورجال الأمن بتوعي يخرجوك بره البلد قبل الصبح… يا تدخل تبات مع طارق وبسمة في التخشيبة، وأهو بالمرة بسمة تلاقي حد يغسل له الأطباق ويسليها جوه.”

عمي عاصم قعد على الكرسي وهو مكسور تماماً، وطلب القلم عشان يمضي…

لكن وأنا باصة عليه وهو بيمضي صك نهايته، جالي إشعار على تليفوني من حرس السجن… رسالة غير متوقعة تماماً من طارق، بعتها مع عسكري، ومكتوب فيها جملة واحدة خلت جسمي كله يقشعر…

 

الرسالة اللي بعتها طارق كانت بتقول: **”فريدة، لو فاكرة إن اللعبة انتهت بتمضية عمك عاصم، إنتي غلطانة. اللي في السجن مبيبقاش عنده حاجة يخسرها، وأنا مجهز مفاجأة هتخلي ‘النيل ميريديان’ تقع على دماغك قبل ما الشمس تطلع.”**

قرأت الرسالة وحسيت ببرودة في أعصابي، لكن قلبي كان بيدق بسرعة مش من الخوف، لأ… من الأدرينالين اللي بيحفزني أكتر.

بصيت لعمي عاصم اللي كان لسه بيمضي في الأوراق وهو بيترعش، وقلت له بصوت هادي ومُرعب: “الكلب لما بيتحشر في الزاوية بيعض، وطارق شكله قرر يعض في الكل.”

أخدت الورق من عمي، ورميته لإيفلين وقُلت: “خدي عمي عاصم، ووصلي الخبر للمحامي بتاعه إن التنازل ده هو تمن حريته. يخرج من هنا يروح المطار، ومنه على أقرب بلد مفيش بيننا وبينها اتفاقية تسليم مجرمين. لو شفته في مصر تاني، هفعل المستندات اللي معانا.”

عاصم مشي وهو بيبص لي بنظرة خايبة، مكنش مصدق إن “البنت الغلبانة” اللي كان بيخطط يسرقها هي اللي طردته بره مملكته.

بمجرد ما باب الفيلا اتقفل وراه، التفت لإيفلين: “طارق عاوز يلعب على المكشوف؟ ماشي. إيه المفاجأة اللي ممكن يهدد بيها؟ إيه الكارت اللي لسه في إيده وميعرفوش غيره؟”

إيفلين فتحت التابلت وبدأت تدور في ملفات طارق الشخصية اللي سحبناها من الكمبيوتر بتاعه، وفجأة اتغير لون وشها وبصت لي بصدمة: “فريدة هانم… طارق مكانش بس بيسرق الشركة. طارق كان مخبي هنا “سيفر” (سيرفر) خاص متوصل بـ سيستم المطاعم، وفيه تسجيلات فيديو وصوت لكل الشخصيات العامة اللي كانت بتتردد على مطاعم نصار في غرف VIP… طارق كان بيصورهم عشان يبتزهم!”

شهقت من الصدمة: “يابتز وزراء ورجال أعمال؟ ده لو الكلام ده اتسرب، أو لو الشرطة عرفت بوجود السيرفر ده، الفضيحة هتطول كل حد دخل مطعم من مطاعم نصار… بما فيهم شخصيات بتستثمر معانا في ‘النيل ميريديان’!”

إيفلين كملت: “والأخطر من كده يا فندم… إن طارق باعت رسالة لمساعده بره، بيقوله فيها لو محصلش على صلح خلال 12 ساعة، السيرفر ده هيتبعت لكل الصحف والمواقع العالمية.”

طارق مكنش بيهددني أنا بس، كان بيهدد أمن البلد كلها وبيهددني أنا كمان بالتبعية، لأن وجودي كـ مالكة للشركة هيحطني في وش المدفع مع الناس دي.

قمت من مكاني بسرعة: “إيفلين، جهزي العربية، لازم نتحرك على السجن فوراً. طارق فاكر إنه ماسك كارت ضغط، بس هو ميعرفش إنه بيحفر قبره بإيده. لو السيرفر ده ظهر، هو أول واحد هيتصفى… مش من القانون، من الناس اللي صورهم.”

ركبنا العربية، وفي الطريق للسجن، كان مخي شغال بأسرع من أي كمبيوتر. طارق مش بس محتاج يتحبس، طارق محتاج “يُسكت” للأبد.

وصلنا السجن، وطلبت مقابلة طارق في غرفة التحقيق بحكم إني صاحبة البلاغ والطرف المتضرر. دخلت الغرفة، كان طارق قاعد، شكله كان مزري أكتر من يوم المحكمة. أول ما شافني، ضحك ضحكة مجنونة: “جيتي يا فريدة؟ كنت عارف إنك هتخافي.”

قعدت قدامه، وحطيت إيدي على الطاولة ببرود: “أنا مش خايفة يا طارق. أنا جاية أقولك إنك بتمضي على وثيقة وفاتك. السيرفر ده لو طلع، إنت مش هتبقى سجين… إنت هتبقى هدف مطلوب لأقوى ناس في البلد.”

طارق اتسعت عينه: “أنا معنديش حاجة أخسرها! يا أنا يا أنتم!”

ميلت عليه وهمست في ودنه بصوت واطي: “إنت فاكر إن السيرفر ده لسه معاك؟ المساعد بتاعك اللي كنت بتبعت له الرسائل، قبضنا عليه من ساعة، والسيرفر دلوقتي في إيدي… والنسخة اللي كانت معاك هي الوحيدة اللي ممكن تضرك. دلوقتِ، قدامك خيار واحد: يا تمضي تنازل كامل وتعتذر وتعلن قدام النيابة إنك كنت بتكذب في كل تهمك، يا هسلم السيرفر ده للجهات اللي إنت صورتهم… وساعتها لا سجن ولا قانون هيحموك من اللي هيحصلك جوه.”

طارق وشه بقى أبيض زي الميت، بدأ يترعش، كان عارف إن “الناس اللي فوق” اللي صورهم مبيسيبوش حقهم.

“هتمضي؟” سألته وهي ماسكة القلم.

طارق بص لي بضعف، وعرف إن “فريدة زهران” مش بس ست غنية… هي الشيطان نفسه لما يقرر ينهي اللعبة. وبدأ يمد إيده للقلم… لكن في اللحظة اللي مسك فيها القلم، سمعنا صوت انفجار بعيد… انفجار جاي من ناحية مقر الشركة الرئيسي!

هل دي خطة تانية لطارق؟ ولا حد تاني دخل اللعبة؟

الانفجار اللي هز أركان القاهرة مكنش مجرد حادث؛ كان إعلان حرب من طرف تالت مكنش في الحسبان. السيرفر اللي كان فيه تسجيلات الابتزاز لم يسرق، بل تم تدميره بعبوة ناسفة صغيرة، وكأن حد عاوز يمسح الأدلة اللي بتدين كبار رجال الأعمال قبل ما أي حد يقدر يوصل لها.

بصيت لطارق في أوضة التحقيق، كان باين عليه الصدمة الحقيقية، انفجاره ومفاجأته مكنوش هما السبب في اللي حصل. طارق كان مجرد بيادق في لعبة أكبر بكتير.

قمت من مكاني، وخرجت من السجن والشرطة والحراسة في حالة استنفار. إيفلين كانت مستنياني بملامح شاحبة: “فريدة هانم، الحريق في الشركة متعمد، وفي تقارير بتقول إن فيه جهة سيادية سحبت كل الملفات والقضايا اللي تخص ‘مجموعة نصار’ و’شركة الشرق’، ومفيش حد مسموح له يقرب من التحقيق ده تاني.”

فهمت اللعبة. عمي عاصم، أو الناس اللي كان بيشتغل لحسابهم، قرروا يقطعوا خيوط اللعبة تماماً. طارق وعيلته اتحولوا لـ ‘أوراق محروقة’ مش بس بمعنى الكلمة، دول أصبحوا خطراً على اللي فوق، وكان لازم يتخلصوا منهم أو على الأقل يضمنوا صمتهم للأبد.

في اليوم التالي، لقيت الخبر في كل الجرايد: “وفاة طارق نصار وأخته بسمة في محبسهما إثر تسمم غذائي مفاجئ”، وحمايا نصار توفى في المستشفى بعد تعطل أجهزة التنفس الصناعي بشكل غامض.

العيلة اللي بدأت حياتها معايا بتكبر وغرور، انتهت في ظرف 72 ساعة، وكل اللي فضل منهم مجرد أسماء في سجلات الوفيات.

وقفت في مكتبي الجديد، اللي نقلته لمكان أكثر أماناً، وبصيت من الشباك على القاهرة. الناس فاكرة إن فريدة زهران انتصرت، والناس فاكرة إن عيلة نصار خدت جزاءها. بس الحقيقة كانت أعمق. أنا خسرت في المعركة دي جزء من إنسانيتي، وخسرت أوهام “الحياة الوردية” اللي كنت متخيلاها.

أنا مكنتش بحارب عيلة نصار بس… أنا كنت بحارب نظام كامل، والانتصار في معركة مبيخلينيش آمنة من الحرب اللي جاية.

تليفوني رن، رقم مجهول. رديت، ومكنش فيه صوت، بس سمعت صوت نَفَس عميق وبعدين صوت راديو شغال بـ أغنية “الفرح” اللي كانت شغالة في يوم جوازي المشؤوم. الصوت قفل، ووصلتني رسالة نصية واحدة بس:

**”اللعبة الحقيقية لسه بتبدأ… يا فريدة.”**

حطيت التليفون على المكتب، وفتحت درج المكتب وطلعت المسدس اللي كنت مخبياه من أيام التدريب، وسحبت الأجزاء. القصة اللي بدأت بقلم على وشي، انتهت بدخول عالم ملهوش قواعد.

أنا فريدة زهران… اللي عيلتها اتدمرت بسببي، واللي الأعداء بيحاصروها من كل اتجاه. بس المرة دي، أنا مش مستنية حد يضربني القلم… أنا اللي هحدد مين هيعيش، ومين هيمحي من الوجود.

**انتهت الحكاية، بس الحرب… لسه في بدايتها.**

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *