طول عمري
طول عمري مؤمنة إن القرش الأبيض ينفع في اليوم الأسود. من أول ما اشتغلت في التدريس وأنا بقطع من نصيبي وبدخل جمعيات، لحد ما كونت مبلغ محترم وقررت أحوله لشهادات استثمار باسمي في البنك. كنت حاطة الوديعة دي سند ليام الضيق، ومكنتش جيبة سيرة لحد، ولا حتى لـ “شريف” جوزي.
بعد سنة من جوازنا، الظروف ضاقت على شريف في شغله، وبدأ يتذمر ويقول إن الحمل تقيل عليه. قلبي حن وحبيت أقف جنبه، رحنا البنك وفكيت جزء من الشهادات، وأديته المبلغ عشان يسدد ديونه ويوقف على رجله تاني. وقتها بصلي بامتنان وقال لي: *”عُمري ما هنسالك الوقفة دي يا نورهان، الدين ده في رقبتي لحد ما أردّهولك أضعاف.”*
مرت الأيام والشغلة مشيت معاه، بس الباقي من فلوسي فضل زي ما هو في البنك. وفي يوم، طلبت مني أختي مساعدة في تجهيز بيتها، فقررت أفك باقي الشهادة عشان أقف جنبها وأشتري لها الأجهزة اللي ناقصاها.
نزلت البنك وأنا كلي ثقة، وبقدم بطاقتي للموظف عشان يسحب المبلغ.. الموظف بص للشاشة، ورجع بصلي وقال بنبرة هادية:
ـ **الموظف:** *”حضرتك الوديعة دي تم سحبها بالكامل من شهرين بموجب التوكيل الرسمي المرفق في الحساب.”*
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. توكيل؟ توكيل إيه؟! افتكرت وقت ما شريف جابلي ورق تبع الشقة وقال لي امضي هنا عشان التسجيل.. كان مدخل وسطهم توكيل عام للتعامل على الحسابات!
رجعت البيت والدموع مالية عيني، وشي كان أصفر وزي الميتة. شريف دخل ولما شافني بالمنظر ده، سأل ببرود غريب:
ـ **شريف:** *”مالك يا نورهان؟ فيه إيه مقومة القيامة ليه؟”*
ـ **نورهان (بصوت ضعيف ):** *”الفلوس يا شريف! باقي شقايا اللي في البنك.. التوكيل اللي خليتني أمضيه غدر، سحبت بيه الفلوس راحت فين؟!”*
شريف عدل ياقت قميصه، وبصلي بقلة حيلة تمثيلية وقالي:
ـ **شريف:** *”جرى إيه يا نورهان؟ هي الفلوس هتفرق بيني وبينك؟ أنا أخدتهم دخلت بيهم صفقة مع ناس كبار وكان لازم أثبت وجودي بقرشين تقال.. والصفقة مكملتش والفلوس طارت. استعوضي ربنا، وكله عشان بيتنا!”*
ـ **نورهان:** *”تستعوض ربنا في شقايا؟! دي تحويشة عمري! أنت ضيعتني، قوم معايا نبيع أي حاجة أو تتصرف وترجعلي قرشي!”*
ـ **شريف (زعق بحدة وعروقه اتنفخت):** *”جرى إيه يا ست هانم؟ إنتي عايزة تصغريني وتفضحينا وسط الناس؟! أنا كلمة ‘نصب’ دي مسمعهاش تاني! اللي راح راح، وبطلي نكد وعيشي عيشتك بدل ما تبوظي بيتك بإيدك!”*
سابني وخرج، وساب ناري قايدة جوايا. كان بيتعامل عادي جداً، ولا كأنه أكل حق مراته وشقاها.
بعد أسبوعين، كان فيه عزومة كبيرة في بيت عيلة شريف بمناسبة افتتاح مشروع جديد لـ “ريهام” بنت عمه. طبعاً مكنش ليا نفس أروح، بس هو أصر عشان شكله قدام عيلته، ورضخت ورحت وأنا شايلة هموم الدنيا فوق كتفي.
قعدنا وسط العيلة، والكل بيبارك لـ ريهام. وفجأة، ريهام وقفت وسط الصالة وقالت بصوت عالي وهي بتبصلي بابتسامة متكبرة:
ـ **ريهام:** *”طبعاً كلكم عارفين إن المشروع الجديد ده كان محتاج رأس مال تقيل عشان يبتدى على نظافة.. والحقيقة أنا بشكر ابن عمي وسندنا، شريف!”*
شريف كان واقف بعيد بيبتسم بغرور، وريهام كملت كلامها وهي بتبصلي من فوق لتحت بانتصار:
ـ **ريهام:** *”شريف جالي من شهرين، وأول ما عرف إني مزنوقة في المبلغ، طلع من جيبه الشيك وقالي: ‘الفلوس دي عشان تحطي اسم العيلة فوق، مفيش حاجة تغلى عليكي يا ريهام’.. شريف ضحى عشان هيبة العيلة قدام الناس ورجعلي حقي اللي كنت مستنياه!”*
سكتت لحظة، وقربت مني وقالت بصوت واطي ومسموع للشرذمة اللي حولين منها:
ـ **ريهام:** *”على فكرة يا نورهان.. شريف زمان لما جه يتقدم لي وأهلي رفضوه عشان مكنش معاه القرش اللي يسند، خرج من بيتنا وهو مكسور.. دارت الأيام، وجالي لحد عندي النهاردة ورجع اعتباره واشترى هيبته ومكانته بفلوس تقيلة.”*
كنت أسمع الكلام والدم بيغلي في عروقي. شريف مكنش مجرد أخد فلوسي عشان صفقة خسرانة.. شريف سرق شقايا وتعب سنيني عشان يروح “يشتري” كرامته قدام بنت عمه اللي رفضته زمان عشان الفلوس!
بصيت لشريف، كان واقف بعيد ماسك كاس العصير، بيشرب ويطالعني بثبات وبرود، ومستني يشوف النكسة في عيني قدام أهله.
وقفت من مكاني، وفي لحظة، القاعة كلها سكتت. النظرات كلها اتوجهت ليا. شريف ابتسامته بدأت تختفي بالتدريج، وعيونه اتسعت بدشة ممزوجة برعب مكتوم وهو شايفني بتقدم خطوتين ناحية ريهام.. خطوتين بكل ثبات الدنيا، بعد ما كان فاكر إني هتهد وأبكي قدامهم.
بصيت لـ ريهام ابتسامة صغيرة، هادية جداً، بس أبرد من التلج، وقلت بصوت واضح يرن في الصالة كلها من غير ما أزعق:
ـ **نورهان:** *”ألف مبروك يا ريهام.. مبروك عليكي شقايا وتعب سنيني في المدارس. مبروك عليكي فلوس الشهادات اللي شريف سرقها مني بتوكيل مزور عشان ييجي يرميها تحت رجليكي ويشتري بيها منظرة كدابة!”*
الصدمة نزلت على المكان زي الصاعقة. عم شريف وطنط بصوا لبعض بذهول، وريهام وشها اتخطف والألوان طارت منه، وبقت تبص لشريف وتبصلي ومش عارفة تنطق.
شريف جيه يجري عليا، عروق رقبته هتنطرق، ومسك دراعي بقسوة وهو بيوشوشني بصوت مخنوق من الغيظ:
ـ **شريف:** *”إنتي أجننتي يا نورهان؟! إنتي بتقولي إيه؟! قسماً بالله لو ما قفلتي بقك وشديتك معايا على البيت لأكون…”*
قطعت كلامه ونفضت إيده عن دراعي بقوة وعنف مكنتش أعرف إنهم جوايا، ورفعت صوتي أكتر وأنا ببصله في عينه:
ـ **نورهان:** *”لأكون إيه يا شريف؟! هتهددني بـ إيه تاني؟ بالنصب؟ ولا بالغدر؟ أصل المضحك في الموضوع يا ريهام.. إن الشريف سندي وأصيل العيلة، لما جالي من أسبوعين ووشه الأرض، قالي إن الفلوس طارت في صفقة خسرانة مع ‘ناس كبار’! ومكنتش أعرف إن الصفقة الكبيرة هي إنه يروح يسدد عقده النفسية بفلوس مراته اللي استأمنته!”*
عم شريف وقف بغضب وبص لابنه وقال بصوت جوهري:
ـ **العم:** *”إيه الكلام اللي بتقوله مراتك ده يا شريف؟! الكلام ده بجد؟! إنت واخد فلوس مراتك ومن غير علمها تديهم لـ ريهام؟!”*
شريف بقى يرتبك، يلجلج في الكلام ووشه يجيب ألوان، يبص لأبوه وبعدين يبص للناس اللي بدأت تتوشوش حوالينا:
ـ **شريف:** *”لا يا بابا.. دي.. دي مجنونة وبتهرتل! دي فلوسي وأنا حاططها باسمها.. وهي بتعمل دراما عشان غيرانة من ريهام!”*
ضحكت بصوت عالٍ، ضحكة فيها كل الوجع والقرف اللي في الدنيا، وطلعت تليفوني من شنطتي بسرعة. فتحت المسج المكتوب فيها إشعار البنك بالتوكيل، ورسالة الواتساب اللي كان باعتها لي زمان وهو بيترجاني أفك له أول جزء من الشهادة ويوعدني يردهم أضعاف.
وريت الشاشة لعمّه ولقرايبه الملمومين وقلت:
ـ **نورهان:** *”دي رسايله، وده كشف الحساب باسمي من قبل ما أعرفه أساساً، وده التوكيل اللي مضاني عليه بحدق وغفلة. شريف المكسور زمان، خرج من بيتكم مكسور الكرامة، والنهاردة خرج من بيتي معدوم الشرف والأمانة.”*
قربت منه خطوة واحدة، وهو واقف زي الصنم مش عارف يدافع عن نفسه ولا ينكر قدام الأدلة وفي وسط عيلته اللي بقت تبصله بنظرات احتقار واستحفار.
قلت له بمنتهى الهدوء والنبرة القاطعة:
ـ **نورهان:** *”الهيبة والكرامة المشتراة بفلوس مسروقة يا شريف.. بتبقى أرخص من القماش اللي لابسه. والقرش الأبيض اللي كنت شايلاه لليوم الأسود؟ أهو نفعني النهاردة عشان يكشفلي إن أسود يوم في حياتي كان اليوم اللي دخلت فيه بيتك.”*
قلعت دبلتي من إيدي، ورميتها في كاس العصير اللي كان ماسكه، والصوت رن في القاعة الساكتة.
ـ **نورهان:** *”التوكيل هيتلغي بكره الصبح، وورقة طلاقي توصلني، والفلوس اللي سرقتها هترجع بالقانون وببلاغ للنيابة بتهمة خيانة الأمانة والنصب.. وساعتها ابقى شوف مين هيشتري هيبتك في السجن.”*
دَفَرْت الناس بعزم ما فيا ومشيت من وسطهم، راسي مرفوعة لأول مرة من أسبوعين. كنت حاسة بكسرة قلب اه، بس جوايا نار انطفت وحل محلها قوة جديدة.. قوة ست عرفت إن أصل الحق مابيموتش، وإن اللعبة خلاص اتعكست.
نزلت السلالم بخطوات سريعة وثابتة، وصوت الكعب وهو بيخبط على الأرض كان بيلعن كل لحظة ضعف عشتها الأسبوعين اللي فاتوا. الريح البردة في الشارع خبطت في وشي، بس كأنها أحييتني من جديد.. كأنها نفضت عني تراب الهوان.
ورايا، سمعت صوت الباب الكبير بتاع البيت بيتفتح بدبّة قوية، وصوت خطوات شريف الجارية ومشتتة وهو بينادي بصوت مكتوم ومشحون غضب وخوف:
ـ **شريف:** *”نورهان! استني هنا يا نورهان! إنتي اتجننتي؟! إنتي متخيلة إنتي عملتي إيه جوه?!”*
لفيت له بمنتهى الهدوء. كان طالع بيجري، ياقته ملوية، وشعره منكوش، ووشه اللي كان مليان غرور من شوية بقى شاحن ومخطوف زيه زي الميتين. أهله كلهم كانوا واقفين في بلكونة الدور الأول يتفرجوا عليه وعليا، وصورته “السند ابن الأصول” اتفرتكت قدام عينه في دقائق.
قرب مني ومسك دراعي بصرامة محاولة منه إنه يسترد سيطرته اللي ضاعت:
ـ **شريف:** *”إنتي فاكرة نفسك هتخرجي من هنا كدة عادي؟ فاكرة إنك هتفضحيني قدام عيلتي وتدوسي على كرامتي وتعملي فيها البطلة الشريفة ونسيبك تروحي؟ الفلوس دي فلوس بيت أختي ومستقبلي، وإنتي مراتي يعني مالنا واحد!”*
بصيت على إيده اللي ماسكة دراعي، وبعدين رفعت عيني فيه، وقلت بنبرة هادية جداً بس يرعش ليها الجدع:
ـ **نورهان:** *”شيّل إيدك دي عني يا شريف.. عشان لو ما شلتهاش حالا، الصويت اللي هصوته في الشارع ده هيخلي أمن المنطقة والناس يلموا عليك، وهتطلع من هنا على القسم متلبس بالاعتداء، غير قضايا خيانة الأمانة والنصب اللي هترفع عليك بكره الصبح.”*
شريف بصل بذهول، كأنه أول مرة يشوف الست اللي عايشة معاه في بيت واحد. إيده ارتلخت بالتدريج وشالها، وخطى خطوة لورا وهو بيتنفس بصعوبة:
ـ **شريف:** *”إنتي بقيتي قاسية كده إزاي؟ إنتي نسيتي أنا مين؟ نسيتي حبنا والأيام اللي بيننا؟ كل ده عشان شوية فلوس؟”*
ابتسمت بسخرية مريرة وقلتله:
ـ **نورهان:** *”لأ يا شريف، مش عشان الفلوس.. الفلوس تحويشة شقايا وتغور، لكن عشان الغدر. عشان استرخصتني، واستغللت ثقتي، وبعت كرامة مراتك وشقاها عشان ترضي عقدة نقص جواك قدام ناس رفضوك زمان.. الفلوس ترجع بالقانون، لكن إنت؟ إنت خرجت من حياتي للابد ومعدلكش أي وجود.”*
في اللحظة دي، تليفونه رن في جيبه. بص للشاشة ووشه اصفر أكتر.. كان اسم أبوه “عمي” هو اللي بيتصل عشان ينزله ويحاسبه قدام العيلة كلها على الفضيحة والفلوس المسروقة اللي أدّاها لـ ريهام.
بصيت له للمرة الأخيرة وقلت:
ـ **نورهان:** *”رد على أبوك يا شريف.. روح وريهم هيبتك المشتراة بفلوسي هتسندك إزاي قدامهم دلوقتي.”*
شاورت لأول عربية تاكسي معدية، فتحت الباب وركبت، وقبل ما السواق يتحرك، بصيت من الشباك وشفته واقف في نص الشارع، صغيّر، مكسور، ومجرد من أي هيبة.. تماماً زي ما دخل حياتي، بس المرة دي بدون أي فرصة ثانية.
سندت راسي على شباك العربية، والدمعة الوحيدة اللي نزلت من عيني مسحتها بسرعة وبقوة. كان اليوم ده أسود فعلاً.. بس القرش الأبيض اللي ضاع، كشفلي السر اللي كان هيضيع عمري كله، والنهاردة بس.. ابتدت حياتي الحقيقية.
وصلت بيت أهلي، والباب لما اتفتح وأمي شافت وشي، صرخت بصوت واطي ومسكتني من إيدي:
ـ **الأم:** *”مالك يا نورهان؟! وشك أصفر زي الميتة ليه يا بنتي؟ فين شريف؟!”*
قعدت على أول كرسي قابلني في الصالة، وجسمي كله كان بيموت من التعب والشد العصبي. بابا خرج من أوضته على صوت أمي، وجابلي كباية مية وهو بيترجاني أتكلم.
بصيت لهم وبصوت هادي طالع بالعافية، حكيت كل حاجة.. من أول التوكيل اللي اتدبس فيه، لحد سحب الشهادات، وفضيحة بيت عيلته، ورمي الدبلة في كاس العصير.
أمي لطمت على صدرها وبكت بحرقة، وبابا وقّف طوله ورعشة الغضب حركت شنبه، وطرق بعصايته على الأرض وقال بصوت يرعب:
ـ **الأب:** *”والله ما هسيب له حقك يا نورهان! قليل الأصل، أكل شقاكي وغدر بيكي عشان يداري خيبته؟! دا أنا أوديه في ستين داهية بالقانون!”*
مسكت إيد بابا وقلت له وثبات جديد ساكن جوايا:
ـ **نورهان:** *”حقك عليّ يا بابا، بس الفلوس والحق هيجوا بالقانون.. أنا مش هسيب له مليم واحد من شقايا، والتوكيل ده هتسحب صلاحياته بكره الصبح من الشهر العقاري، والبنك هيترفع عليه ق\ضية خيانة أمانة بفرق التواريخ ومحاضر النصب.”*
طول الليل، تليفوني مكنش بيبطل رن. شريف كان بيبعت رسايل زي المعتوه.. شوية يترجى ويعتذر ويقول إن ريهام هي اللي أغرته بالكلمتين وإن الفلوس هتترد بس أصبر عليه، وشوية يهددني بإن السمعة لما تروح مش هتعرفي تعيشي في بلدنا وأهلي مش هيسيبوكي.
عملت له “بلوك” على كل حاجة، ونمت لأول مرة من أسبوعين وأنا حاسة إن صدري مفتوح والنفس داخل طالع بسهولة.
ثاني يوم الصبح، نزلت مع المحامي وقدمنا بلاغ رسمي، ولغينا التوكيل في الشهر العقاري، والخبر وصل لمدير البنك اللي كان يعرفني وشهد على الواقعة.
مر شهر.. وشريف كان بيحاول يوصل لي بأي طريقة، بس الباب كان مقفول في وشّه تماماً. وعرفت من القرايب إن عمّه أجبره يبيع نصيبه في حتة أرض صغيرة كان يملكها عشان يسدد الشيك لـ “ريهام” ويلم الفضيحة اللي طالت اسم العيلة، بس الشيك كان اتصرف والرصيد اتسحب لحساب المحكمة بطلب التحفظ على أمواله!
وفي يوم.. وأنا طالعة من المدرسة بعد حصصي، لقيته واقف مستنيني جنب باب المدرسة. وشحه باهت، أوعيته بارزة، ولابسه كأنه مبهدل ومش هو شريف المغرور بتاع زمان.
قرب مني بخطوات مكسورة، وقال بصوت رايح:
ـ **شريف:** *”نورهان.. أرجوكي اسمعيني، أنا اتبهدلت! أبويا طردني من البيت، والمشروع بتاع ريهام وقف والقضايا نازلة عليا.. حني عليا يا نورهان، أنا جوزك!”*
وقفت، وبصيت له من فوق لتحت ببرود تام، وعدلت شنطتي على كتفي وقالت له:
ـ **نورهان:** *”كنت جوزي لما كنت راجل وبيتك صاينك.. إنما دلوقتي؟ إنت مجرد خصم في قض\ية نصب. والقرش الأبيض اللي استخصرته فيا، هو اللي بيلف الحبل حوالين رقبتك دلوقتي.”*
سبته ومشيت بخطوات واثقة، وصوت توسلاته بيموت ورايا مع زحمة الشارع. عرفت وقتها إن الضرب اللي ما بيموتش بيبني ست جديدة.. ست ما بتنحنيش، وما بتفرطش في حقها أبداً.
مرت ست شهور.. ست شهور كانت كفيلة إنها تقلب الموازين كلها وتغير شكل حياتي بالكامل.
أنا مكنتش قاعدة مستنية المحكمة بس، أنا رجعت لنفسي ولشغلي بكل طاقتي. زودت مجموعاتي في المدرسة، والدروس اللي كنت بجهد نفسي فيها بقت هي معبري عشان أقف على شغلي وقدمي من تاني. كونت مبلغ جديد، بس المرة دي.. من غير توكيلات، ومن غير ما أدخل أفعى حياتي.
وفي يوم، جالي اتصال من المحامي بتاعي، أستاذ محمود. صوته كان مليان راحة وهو بيبلغني:
ـ **المحامي:** *”مبروك يا أستاذة نورهان.. حكم الجلسة صدر النهاردة. المحكمة ألزمت شريف برد كامل المبلغ المسحوب بالفوايد القانونية، ورُفض الطعن اللي كان مقدمه، وورقة طلاقك صدرت رسمياً بقوة القانون.”*
غمضت عيني، وطلعت تنهيدة طويلة كأنها كانت محبوسة جوة صدري من سنين. المية رجعت لمجاريها، والحق اللي اتسرق بالباطل والغل رجع بأمر القانون.
بعدها بأسبوعين، كنت ماشية في الشارع القريب من مجمع المحاكم عشان أستلم بقية أوراقي. وفجأة، لمحت شخص قاعد على رصيف القهوة اللي في الوش.
كان شريف.
وشه كان دبلان، ودقنه خفيفة ومش متظبطة، ولابس قميص متكسر ومبهدل.. مكنش فيه أي أثر للـ “سند” ولا “هيبة العيلة” اللي كان راح يشتريها بفلوسي. عرفت بعدين من المعارف إن أبوه حط إيده على كل أملاكه عشان يدفع المبلغ للمحكمة ويتجنب حبسه، وطرده من الشغل بعد ما القضايا أثرت على سمعته في الشركة.
حس بوجودي ورفع عينه. لما شافني واقفة بكامل أناقتي، راسي مرفوعة، والابتسامة الهادية على وشي.. حاول يقوم من مكانه بسرعة، بس خطواته كانت تقيلة ومكسورة.
قرب مني خطوتين وهو بيحاول يبص في عيني، بس عينه كانت بتهرب في الأرض، وقال بنبرة مكسورة ومبحوحة:
ـ **شريف:** *”مبروك يا نورهان.. أخدتي حقك، ودمّرتيني.”*
وقفت، وبصيت له ببرود تام، نبرة صوتي كانت أهدى من الموج بس أثقل من الجبال:
ـ **نورهان:** *”أنا مادمرتكش يا شريف.. إنت اللي دمرت نفسك لما افتكرت إن الرجولة والمكانة بيتشتروا بفلوس غدر. أنا بس استرديت شقايا، والقرش الأبيض اللي فاكره ضاع؟ هو اللي اشترالي حريتي وكرامتي وكشفك قدام نفسك.”*
سكت وماعرفش يرد، أصل الكلام لما بيطلع من موقف ضعف بيبقى مالوش قيمة.
سيبته واقف على الرصيف، ودورت ظهري وكملت طريقي. الشارع كان زحمة والشمس طالعة مالية المكان دفء، وأنا ماشية بخطوات واثقة وثابتة.
الدرس كان قاسي، بس حقيقته كانت واضحة زي الشمس: اللي يفتكر إن حق الناس هينفعه عشان يبني بيه منظرة كدابة.. بيفوق في الآخر على حقيقة إنه خسر كل حاجة، وأولهم نفسه.