سمعته

​سـمـعـت صوت مـازن من ورا بـاب الأوضة، وهو بيـضـحـك بصوت واطي ومـكـتـوم مـع صـاحـبـه بـاسـم..
​— الـنـهـاردة جـايـبـة عـقـد الـشـقـة يـا صـاحـبـي.. خـلاص دفـعـت الـمـقـدّم الـلـي كـان مـوقّـف جـوازتـنـا. فـاكـرة إنـها كـدة بـتـنـقـذنـي. أنـا مـسـتـنـي بـس أشـوف شـكـل وشـها كـدة وهي بـتـطـلّـع الـعـقـد قـدامـ أمـي لـمّـا أقـولـها “أنا مـش هـتـجـوز فـي شـقـة بـنـت هـي الـلـي دفـعـت مـقـدّمـها”.
​وقـفـت مـتـخـشـبـة فـي الـمـطـبـخ الـصـغـيـر، إيـدي مـتـعـلّـق فـيـها كـيـس الـبـاتـيـه وفـنـجـانـيـن الـقـهـوة بـيـتـرعـشـوا. عـقـد الـشـقـة.. الـشـقـة الـلـي لـفـيـنـا عـلـيـها سـنـة كـامـلـة ومـازن كـان بـيـتـهـرّب بـحـجـة إن مـعـاهـوش الـمـقـدّم.. الـمـقـدّم الـلـي دفـعـتـه لـلـصـاحـب الـعـقـار بـالـتـقـسـيـط عـلـى 8 شـهـور مـن شـغـل إضـافـي وعـمـولات، كـان مـسـتـخـبـي جـوه شـنـطـتـي. فـجـأة حـسـيـت بـالـورق تـقـيـل زي حـجـر الـصـوان.. مـعـرفـتـش أعـيّـط وقـتـها.. الـوجـع كـان أكـبـر مـن الـدمـوع. حـسـيـت إن فـيـه حـاجـة جـوايا طـفـت، طـفـت بـهـدوء مـرعـب.
​— مـش قـلـة أصـل مـنـي والـلـه — كـمّـل مـازن كـلامـه مـع بـاسـم — بـس نـدى مـحـتـاجـة تـفـهـم إن كـونـها مـعـاها فـلـوس أكـتـر مـنـي مـيـدّيـهـاش الـحـق تـمـشّـي الـمـركـب بـمـزاجـها. ديـمًـا عـايـشـة لـعبـة الـبـطـلـة والـمـنـقـذة الـلـي جـايـة تـحـل مـشـاكـلـي.. أنـا كـل الـلـي عـايـزه أكـسـر مـنـاخـيـرها شـويـة وأفـهّـمـها إن كـلـمـتـي هـي الـلـي هـتـمـشـي حـتـى لـو هـي الـلـي دافـعـة.
​بـاسـم ضـحـك بـعـلـو صـوتـه عـلـى الـنـاحـيـة الـتـانـيـة مـن الـتـلـيـفـون:
​— يـخـرب بـيـتـك.. أنـت مـفـتـري قـوي يا مـازن! هـتـكـسـفـها قـدامـ أهـلـك؟
​— لأ مـش مـفـتـري، بـعـلّـمـها الـأصـول.. لـو رضـيـت بـالـشـروط وبـالـلـي بـمـشّـيـه، وكـتـبـت الـشـقـة بـاسـمـي كـقـوامـة.. يـمـكـن نـكـمّـل.. مـش عـاجـبـها؟ مـا هـو كـدة كـدة الـبـنـات كـتـيـر ويـتـمـنّـوا رضـاي.
​فـتـحـت الـبـاب وهـجـمـت بـمـنـتـهـى الـطـبـيـعـيـة كـأنـي مـسـمـعـتـش حـاجـة..
​مـازن كـان قـاعـد عـلـى الـسـريـر، الـتـلـيـفـون مـكـبـوس عـلـى ودنـه، والـضـحـكـة مـاتـت فـي نـص وشـه لـمّـا شـافـنـي.
​— هـكـلّـمـك بـعـديـن.. — قـالـها بـسـرعـة وزي الـمـخـضـوض — حـبـيـبـي؟ جـيـتِ مـتـأخـر لـيـه؟
​— لأ أبـداً، الـفـرن مـكـانـش فـيـه زحـمـة.
​حـطـيـت كـوبـايـة الـقـهـوة بـتـاعـتـه عـلـى الـكـمـوديـنـو. بـصّـلـي بـالـوش الـسـمـح بـتـاع الـولـد الـبـريء الـلـي أنـا عـشـقـتـه 4 سـنـيـن.. الـوش الـلـي بـقـى لـي الـنـهـاردة كـأنـه مـاسـك مـبـخـوخ مـن مـسـرحـيـة رخـيـصـة.
​— كـلـه تـمـام؟
​— كـلـه تـمـام..
​كـدبـت كـدبـة نـضـيـفـة قـوي.. نـضـيـفـة لـدرجـة إنـي خـفـت مـن نـفـسـي.
​أنـا اسـمـي نـدى نـصّـار، عـنـدي 33 سـنـة، وشـغّـالـة مـهـنـدسـة حـسـابـات عـمـلاء فـي وكـالـة إعـلانـات كـبـيـرة فـي الـقـاهـرة. مـش مـلـيـونـيـرة، ولا أنـا كـامـلـة ومـا عـمـريـش اتـمـنـظـرت بـالـلـي عـنـدي.. بـس طـول الـ 4 سـنـيـن الـلـي فـاتـوا كـنـت بـدفـع نـص عـمـر وتـعـب مـازن كـان مـسـتـمـتـع بـيـه لـوحـده كـامـل.. شـقـتـنا الـلـي مـأجـريـنـها دلـوقـتـي إيـجـار جـديـد كـتـبـت الـعـقـد بـاسـمـي عـشـان هـو مـكـانـش مـعـاه مـفـردات مـرتـب، الـعـربـيـة بـنـسـوقـها إحـنـا الـاتـنـيـن بـس مـقـدّمـها كـان تـحـويـشـة عـمـري، ومـصـاريـف الـبـيـت والـجـمـعـيـات ديـمًـا مـن كـارت الـمـشـتـريـات بـتـاعـي لـمّـا مـازن بـيـكـون “مـزنـوق فـي الـأقـسـاط”. وبـعـد كـل ده، لـمّـا لـقـيـت حـلـم الـجـواز بـيـطـيـر بـسـبـب “مـقـدّم شـقـة الـتـمـلـيـك Tanner”، قـررت أشـيـل الـحـمـل لـوحـدي وأمـضـي الـعـقـد وأدفع الـمـقـدّم مـن وراه عـشـان أفـاجـئـه فـي الـعـزومـة الـعـائـلـيـة فـي بـيـت أهـلـه فـي مـصـر الـجـديـدة ونـحـدد مـعـاد كـتـب الـكـتـاب الـمـنـتـظـر.
​أمـه، الـحـاجـة كـريـمـة، كـانـت ديـمًـا تـقـولـي:
​— أنـتِ بـقـيـتِ بـنـتـي يا نـدى، وإحـنـا مـا نـصـدق نـفـرح بـيـكـم.
​وأنـا صـدّقـتـها..
​الـلـيـلـة دي مـعـرفـتـش أغـمـض عـيـنـي.. مـازن نـام كـأنـه مـعـمـلـش حـاجـة، بـيـتـنـفّـس بـهـدوء ونـفـسـه طـالـع رايـق، ولا كـأنـه كـان بـيـرسم لـمـذبـحـة يـجـرجـر فـيـها كـرامـتـي وكـبـريـائـي كـبـنـت قـدامـ أهـلـه. أنـا فـضـلـت قـاعـدة فـي الـصـالـة بـاصّـة لـظـرف الـمـسـتـنـدات الـلـي فـيـه الـعـقـد وقـصـاقـيـص وصـولات الـإسـتـلام.. كـنـت مـتـخـيـلـة الـلـقـطـة مـيـت مـرة: عـم حـسـيـن أبـوه يـبـارك لـنا، والـحـاجـة كـريـمـة تـزعـرد مـن الـفـرحـة ونـحـدد الـفـرح بـعـد شـهـر.. والـحـيـن الـحـالـي مـفـيـش غـيـر جـمـلـة واحـدة بـتـنـقّـط فـي ودنـي زي حـنـفـيـة مـبـوظـة:
​“مـسـتـنـي أشـوف شـكـل وشـها لـمّـا تـطـلّـع الـعـقـد وقـولـها لأ”.
​يـوم الأحـد جـه بـسـمـاحـتـه الـبـاردة.. مـازن كـان بـيـسوق طـول الـطـريـق لـمـصـر الـجـديـدة وهـو بـيـهـزر ويـحـكـي عـن مـسـلـسـل جـديـد، وفـجـأة سـألنـي:
​— أنـتِ مـتـوتـرة يـا نـدى؟ شـكـلـك مـتـغـيّـر قـوي.
​— تـعـبـانـة شـويـة..
​— مـا أنـتِ ديـمًـا تـعـبـانـة مـؤخـراً!
​قـالـها بـصـيـغـة عـتـاب ولـوم، مـش كـلام حـنـيّـن لـحـد خـايـف عـلـى عـيـنـكِ.
​أول مـا فـتـحـوا لـنـا الـبـاب كـانـت ريـحـة الـمـحـشـي والـمـكـرونـة الـبـشـامـيـل الـسـخـنـة مـمالـيـة الـمـكـان. الـحـاجـة كـريـمـة قـابـلـتـنـي بـالأحـضـان وبـوسـتـيـن عـلـى الـخـديـن.. عـم حـسـيـن طـبـطـب عـلـى كـتـفـي بـطـيـبة.. وريهام أخـت مـازن الـصـغـيـرة غـمـزت لـي لـمّـا لـمـحـت شـنـطـة إيـدي، كـأنـها عـارفـة إن فـي خـبـر حـلـو مـسـتـخـبـي جـوه.. مـحـدش كـان عـارف إن الـخـبـر ده اتـكـتـبـت نـهـايـتـه قـبـل مـا الـسـفـرة تـتـفـرش أصـلاً.
​قـعـدت جـنـب مـازن.. وتـحـت الـتـربـيـزة ضـغـط عـلـى كـف إيـدي:
​— اضـحـكـي وفـكّـي كـدة.. أمـي مـسـتـنـيـة عـلـى نـار تـسـمـع الأخـبـار الـحـلـوة.
​كـان نـفـسـي أنـفـض إيـده بـعـنـف.. بـس كـل الـلـي عـمـلـتـه إنـي عـدّلـت الـمـنـديـل الـلـي قـدامـي.
​طـول الـغـدا مـا اتـكـلـمـتـش تـقـريـبـاً. عـم حـسـيـن سـألـنـي عـن مـنـاقـصـة تـبـع الـشـغـل الـلـي كـسـبـتـها الـأسـبـوع ده، وريهام قـالـت إنـها بـتـفـكّـر تـقـدّم عـلـى شـغـل فـي الإسـكـنـدريـة.. الـحـاجـة كـريـمـة بـصّـت لـنـا وقـالـت بـحـنـان الأمـهـات:
​— الـلـه يـهـديـكـم يـا ولاد، مـش تـفـكّـروا بـقـى تـعـمـلـوا حـاجـة جـد فـي حـيـاتـكـم؟ الـعـمـر مـش بـيـسـتـنـى حـد يـا مـازن يـا بـنـي.. والـشـقـق بـتـغـلـى كـل يـوم.
​مـازن ضـحـك بـاسـتـهـتـار وبـص لـي:
​— يـا أمـي مـا هـي نـدى لـفّـت تـقـريـبـاً ولـقـت حـل وسـط.. مـش كـدة يـا لـولا؟
​عـيـنـيـه كـانـت بـتـراقبـنـي.. مـش بـحـب.. كـان بـيـبـص لـي بـخـبـث وتـرقّـب.. كـان مـسـتـنـي أطـلّـع عـقـد الـشـقـة وأقـولـهم إنـي دفـعـت الـمـقـدّم تـحـت كـلـمـتـه ورغـبـتـه، عـشـان يـهـب فـيـا ويـقـولـي قـدامـهم: “أنـتِ بـتـلـوي دراعـي بـفـلـوسـك؟ أنـا مـش مـوافـق عـلـى الـشـقـة دي ومـش هـتـجـوز دلـوقـتـي”.
​اسـتـأذنـت أدخـل الـحـمّـام. وفـي الـطـرقـة الـلـي بـيـن الـأوض شـفـت صـوره مـن صـغـره.. صـور مـدرسـتـه، وصـور جـامـعـتـه، وصـور تـصـيـيـفـهم فـي جـمـصـة والـسـاحـل.. وفـيـه صـورة لـنـا فـي الـسـخـنـة كـان كـتـفـي فـي كـتـفـه وكـنـت بـضـحـك مـن قـلـبـي لـمّـا كـان بـيـهـزر مـعـايـا.. الـصـورة دي وجـعـتـنـي أكـثـر مـن الـمـكـالـمـة الـلـي سـمـعـتـها.
​جـوه الـحـمّـام فـتـحـت الـتـلـيـفـون.. أنـا كـنـت سـجّـلـت الـمـكـالـمـة بـالـصـدفـة يـوم الـجـمـعـة، الـتـسـجـيـل كـان 52 ثـانـيـة مـتـواصـلـة.. شـغّـلـتـه والـصـوت واطـي قـوي عـلـى ودنـي:
​الـنـهـاردة جـايـبـة عـقـد الـشـقـة يـا صـاحـبـي…
​قـفـلـتـه بـسـرعـة.. خـلاص مـبـقـيـتـش مـحـتـاجـة أسـمـع أكـتـر مـن كـدة.
​وأنـا طـالـعـة، لـقـيـت مـازن واقـف لـي فـي الـطـرقـة:
​— كـنـتِ بـتـعـمـلـي إيـه كـل ده؟
​— مـفـيـش..
​— نـدى أنـتِ بـجـد غـريـبـة.. مـخـبّـية عـلـيـا حـاجـة؟
​بـصـيـت لـه وبـعـيـون واقـفـة مـا بـتـتـهـزش:
​— لـقـيـتـك أنـت الـلـي مـخـبّـي عـلـيـا حـاجـة؟
​بـرمـش بـعـيـنـيـه كـأنـه مـخـضـوض، بـس رجـع يـضـحـك بـثـقـة:
​— يـا بـنـتـي بـلاش الـنـكـد وبـلاش جـو الـدرامـا بـتـاعـك ده.
​وقـتـها، وفـي الـمـكـان ده، وسـط صـور عـيـلـتـه وتـاريـخ عـمـره، عـرفـت إنـي مـش هـنـهـي الـمـوضـوع بـعـيـاط.. الـدمـوع دي مـقـامـها أكـبـر مـمـنـه.. الـنـهـايـة دي لـازم تـكـون بـشـيـاكة وبـالـأدلّـة الـدامـغـة.
​رجـعـت الـسـفـرة.. وأول مـا نـزلـت صـيـنـيـة الـبـسـبـوسـة والـروانـي، كـلـهم سـكـتـوا وهـديـوا.. الـعـيـلـة مـنـتـظـرة الـحـدث الـكـبـيـر.. ومـازن فـرد ضـهـره عـلـى الـكـرسـي وكـأنـه جـاهـز لـلـقـطـة الـلـي هـيـكـسـر فـيـها كـبـريـائـي الـلـي بـيـسمـيـه “إيـجـو”..
​مـديـت إيـدي لـشـنـطـتـي ومـازن جـسـمـه تـشـنّـج بـالـنـصـر الـمـنـتـظـر.
​طـلّـعـت مـنـديـل ورق مـن شـنـطـتـي، وبـصـيـت لـأمـه بـتـمـاسـك قـاتـل:
​— طـنـط كـريـمـة.. هـو مـمـكـن كـوبـايـة شـاي بـالـنـعـنـاع بـعـد إذنـك؟
​الـضـحـكـة الـلـي عـلـى وش مـازن.. اتـجـمّـدت مـكـانـها..
​الـلـيـلـة ديـك، وإحـنـا راجـعـيـن عـلـى الـشـقـة، مـازن انـفـجـر فـيـا طـول الـطـريق:
— إيـه الـلـي حـصـل جـوه ده؟ أنـتِ لـيـه كـنـتِ بـتـتـصـرفـي كـأنـك مـغـصـوبـة تـقـعـدي مـع أهـلـي؟
— أنـا أكـلـت مـع عـيـلـتـك.. هـو ده كـل الـلـي حـصـل.
— لأ.. أنـتِ كـنـتِ نـاويـة تـعـمـلـي حـاجـة وما عـمـلـتـيـهـاش!
​إشـارة شـارع الـمـيرغـنـي قـفـلـت حـمـرا. بـصـيـت لـه بـطـرف عـيـنـي:
— كـنـت فـاكـرنـي هـعـمـل إيـه مـثـلاً؟
سـكـت ثـانـيـة زيـادة.. ثـانـيـة فـضـحـت كـل حـاجـة:
— مـش عـارف.. بـس كـنـتِ غـريـبـة.
— طـالـمـا مـش عـارف، مـاتـسـألـش كـأنـك مـتـأكـد مـن حـاجـة.
​طـلّـع مـوبـايـلـه وبـدأ يـكـتـب بـسـرعـة.. أكـيـد كـان بـيـبـعـت لـبـاسـم: “الـلـقـطـة بـاظـت.. شـكـلـها عـرفـت حـاجـة”.
​لـمّـا وصـلـنـا، مـازن دخـل يـأخـد دش وقـفـل الـبـاب. لـاب تـوب بـتـاعـه كـان مـفـتـوح عـلـى الـتـربـيـزة، ومـتـوصّـل بـالـواتـس آب ويـب. الـشـاشـة كـانـت مـنـوّرة قـدامـي كـأنـها اعـتـراف صـريـح مـكـتـوب.. كـان فـيـه شـات بـيـنـه وبـيـن بـاسـم.
“رجـعـت فـي كـلامـها يـا صـاحـبـي.. أظـن سـمـعـت مـكـالـمـتـنـا”.
“وعـقـد الـشـقـة؟”
“أكـيـد فـي شـنـطـتـها.. لـو طـلّـعـتـه فـي أي يـوم تـانـي هـوقـفـها عـنـد حـدّها.. أنـا مـش هـسـافـر دبـي وهـي مـتـعـلّـقـة فـي رقـبـتـي”.
​إيـدي كـانـت بـتـتـرعـش، بـس صـوّرت الـشـاشـة بـمـوبـايـلـي بـسـرعـة. بـعـديـن لـمـحـت شـات تـانـي مـعـمـولـه تـثـبـيـت فـوق بـاسـم “إيـمـان سـلـطـان”.
إيـمـان سـلـطـان.. مـديـرة شـركـة تـسـويـق فـي دبـي.. الـسـت الـلـي مـازن كـان بـيـقـولـي إنـها مـجـرد “عـمـيـل مـحـتـمـل”.
“أول مـا تـخـلّـص مـن حـكـايـة خـطـيـبـتـك دي، نـتـكـلّـم فـي الـعـقـد والـمـنـصـب الـجـديـد”.
“هـانـت.. أنـا بـس عـايـز أخـرج مـن الـمـوضـوع مـن غـيـر مـا يـبـان إنـي اسـتـغـلـّيـتـها”.
“تـمـام، بـس بـلاش تـكـسـرها قـوي.. أنـا مـش عـايـزة درامـا ومـشـاكـل”.
“مـاتـقـلـقـيـش.. دي فـي الآخـر بـتـيـجـي تـبـوس إيـدي وتـعـتـذر”.
​قـعـدت عـلـى أرِض الـمـطـبـخ.. مـش قـلـة حـيـلـة، بـس كـنـت مـحـتـاجـة مـسـاحـة عـشـان مـأكـسـرش كـل حـاجـة حـوالـيـا.
تـانـي يـوم الـصـبـح، أول حـاجـة عـمـلـتـهـا رحـت الـبـنـك وفـتـحـت حـسـاب جـديـد لـوحـدي. راجـعـت حـسـابـنا الـمـشـتـرك ولـقـيـت سـحـوبـات كـاش كـتـيـرة، وعـزاوم عـشـا كـان بـيـقـولـي إنـها جـلـسـات شـغـل، وفـنـادق فـي الـزّمـالـك، وفـنـادق فـي الـزّمـالـك، وفـواتـير لـبـس بـمـبـالـغ خـيـالـيـة.. كـل ده فـي الـشـهـور الـلـي كـنـت بـدفـع فـيـها إيـجـار الـشـقـة لـوحـدي عـشـان هـو “مـزنـوق فـي الـمـصـاريـف”.
​بـعـتّ رسـالـة لـصـاحـبـتـي مـي، هـي مـحـامـيـة شـاطـرة وواصـلـة:
— مـي، عـايـزة أعرِف إزاي بـالـقـانـون أطـرّد شـخـص مـن الـشـقـة لـو عـقـد الـإيـجـار بـاسـمـي؟
ردّت عـلـيـا فـي خـلال 3 دقـايـق:
— مـاتـعـمـلـيـش أي حـاجـة مـتـهـوّرة.. تـعـالـي لـي الـمـكـتـب حـالاً.
​بـعـد الـظـهـر، مـي حـطـت الأجـنـدة بـتـاعـتـها عـلـى الـمـكـتـب وقـالـت لـي بـهـدوء:
— أنـتـوا مـش مـكـتـوب كـتـابـكـم، ومـفـيـش أطـفـال، والـعـقـد بـاسـمِـك.. ده كـلـه فـي مـصـلـحـتِـك. بـس هـنـمـشـيـهـا نـضـيـفـة وبـالأصـول: إنـذار رسـمـي، مـهـلـة 30 يـوم، جـرد لـكـل حـاجـتِـك الـلـي فـي الـشـقـة، ومـش عـايـزة سـكـي..ـنـة ولا صـوت عـالـي.
— أنـا عـايـزة أهـلـه يـعـرفـوا حـقـيـقـتـه.
— هـيـعـرفـوهـا بـالـورق والـمـسـتـنـدات، مـش بـالـخـنـاق والـشـتـيـمـة.
الـجـمـلـة دي سـنـدتـنـي قـوي.
​يـوم الأربـع، ريهام أخـت مـازن كـلـّمـتـنـي:
— نـدى.. هـو فـيـه إيـه؟ مـازن عـمّـال يـقـول لـمـامـا إن حـالـتِـك الـنـفـسـيـة مـش مـظـبـوطـة الـيـومـيـن دول.
غـمّـضـت عـيـنـي بـتـعب:
— هـو قـال كـدة؟
— أه.. بـيـقـول إنـك ضـاغـطـة عـلـيـه فـي مـوضـوع الـجـواز ومـقـدّم الـشـقـة وهـو مـش عـارف يـعـمـلـك إيـه. بـس أنـا مـش مـصـدّقـاه.. أنـا شـفـت وشـّك يـوم الأحـد، أنـتِ مـكـنـتـيـش مـهـتـزة نـفـسـيـاً.. أنـتِ كـنـتِ مـجـروحـة.
نـفـسـت بـعـمـق:
— ريهام.. أنـا هـقـابـل طـنـط كـريـمـة قـريـب قـوي.. بـس طـالـبـة مـنّـك مـاتـجـيـبـيـش سـيـرة لـمـازن.
— مـش هـقـول.. بـس خـلّـي بـالِـك مـن نـفـسِـك.. أخـويـا بـيـعـرف يـعـيـش فـي دور الـضـحـيـة قـوي.
​يـوم الـجـمـعـة، جـرّيـت الـحـاجـة كـريـمـة لـكـافـيه فـي مـنـطـقـة الـمـهـنـدسـيـن. جـت لـابـسـة شـال كـحـلـي، وعـلـى وشـها نـظـرة الأم الـلـي حـاسـة إن فـي مـصـيـبـة جـايـة فـي الـطـريـق.
— يـا بـنـتـي خـضّـيـتـينـي.. هـو فـي حـاجـة حـصـلـت بـيـنِـك وبـيـن مـازن؟
حـطـيـت مـظـروف حـكـومـي أصـفـر كـبـيـر عـلـى الـتـربـيـزة:
— أه يـا طـنـط.. وعـايـزاكِ تـشـوفـي ده بـنـفـسِـك قـبـل مـا هـو يـحـكـي لـك نـسـخـتـه.
​جـوه الـمـظـروف كـان فـيـه صـور مـطـبـوعـة لـلـشـات، وكـشـف حـسـاب الـبـنـك، ووصـولات الـفـنـادق، والـتـفـريـغ الـمـكـتـوب لـلـفـويـس نـوت. الـحـاجـة كـريـمـة بـدأت تـقـرأ فـي صـمـت.. فـي الأول حـواجـبـها اتـقـفـلـت كـأنـها مـش فـاهـمـة.. بـعـديـن قـلـعـت الـنـظـارة.. ولـمّـا وصـلـت لـكـلامـه مـع إيـمـان سـلـطـان، شـفـايـفـها بـدأت تـتـرعـش.
— هـو كـان عـارف إنـك دافـعـة مـقـدّم الـشـقـة وجـايـة تـفـرحـيـنـا؟
— أه.. كـان عـارف.
— وكـان نـاوي يـحـرجِـك ويـكـسـرِك قـدامـنـا؟
— عـشـان يـعـلـّمـنـي الـأصـول ويـورّيـنـي مـيـن الـلـي بـيـمـشّـي الـكـلـمـة.
​الـسـت خـبـّت وشـها بـإيـديـهـا:
— سـامـحـيـنـي يـا بـنـتـي.. أنـا الـلـي شـجّـعـتِـك.. أنـا الـلـي قـلـت لـك إنـك بـقـيـتِ مـمنـنـا.
— أنـتِ مـالـكـيـش ذنـب يـا طـنـط.. أنـتِ مـعـمـلـتـيـش حـاجـة وحـشـة.
مـسـكـت إيـدي وجـسـمـها بـيـتـهـز:
— بـس هـو عـمـل.. ومـش هـسـمـح لـه يـقـلـب الـحـقـيـقـة ولا يـتـمـسـكِـن.
سـلـّمـتـهـا نـسـخـة مـن الـمـظـروف:
— أنـا الـنـهـاردة هـدّيـلـه إنـذار الإخـلاء عـشـان يـسـيـب الـشـقـة.
— عـايـزانـا نـكـون مـعـاكِ؟
​كـنـت هـقـول لـأ.. بـس افـتـكـرِت ضـحـكـة مـازن الـخـبـيـثـة، وهـو مـحـتـاج جـمـهـور يـتـفـرّج عـلـيه، ومـتـعـتـه وهو بـيـرسِـم لـكـسـرة نـفـسـي.
— أه يـا طـنـط.. يـاريت تـيـجـوا.. الـمـرة دي مـش هـسـمـح لـه يـخـرج بـالـقـصـة الـلـي عـلـى مـزاجـه.
​الـلـيـلـة دي، لـمّـا دخـلـت الـشـقـة، مـازن كـان فـي الـمـطـبـخ بـيـعـمـل مـكـرونـة واولـيـو إي أولـيـو.. الـحـركـات الـلـي بـيـعـمـلـهـا بـس لـمّـا يـعـوز يـبـان حـنـيّـن ولـطـيـف.
— حـبـيـبـي.. إحـنـا لـازم نـقـعـد ونـصـفـي الـلـي بـيـنـنـا — قـالـها بـابـتـسـامـة سـاحـرة.
حـطـيـت الـمـفـاتـيـح عـلـى الـتـربـيـزة:
— فـعـلاً.. الـنـهـاردة بـالـذات.
​وفـي نـفـس الـلـحـظـة، جـرس الـبـاب رن.. مـازن بـص لـلـبـاب وهـو مـسـتـغـرِب ومـش فـاهـم.. رحـت فـتـحـت.. وكـكان واقـف عـلـى الـبـاب: الـحـاجـة كـريـمـة، وعـم حـسـيـن، وريهام.
​وش مـازن.. الـدم هـرب مـنـه مـرّة واحـدة وبـقـى لـونـه زي الـحـيـطـة.
​—
تـفـتـكـروا لـو كـنـتـوا مـكـانـي كـنـتـوا هـتـسـيـبـوه يـحـكـي نـسـخـتـه الأول ويـكـدب، ولا كـنـتـوا هـتـكـشـفـوا الـحـقـيـقـة كـدة وتـقـفـلو الـبـاب فـي وشـه؟
​— أنـتـوا إيـه الـلـي جـايـبـكـم هـنـا؟ — مـازن قـالـها وهو بـيـبـص لـأمـه كـأنـها خـانـت اتـفـاق سـرّي بـيـنـهم.
​الـحـاجـة كـريـمـة دخـلـت مـن غـيـر مـا تـسـتـأذن حـتـى.. عـم حـسـيـن كـان جـاي وراها، وشـه مـتـقـفّـل وجـاد بـشـكـل عـمـري مـا شـفـتـه بـيـه قـبـل كـدة. ريهام فـضـلـت واقـفـة جـنـبـي.. مـش مـجـرد مـتـفـرّجـة، دي كـانـت شـاهـدة عـلـى الـمـحـكـمـة الـلـي عـمـلـتـها بـنـفـسـي.
​— نـدى هـي الـلـي عـزمـتـنـا يـا مـازن — أمـه قـالـتـهـا بـصـوت نـاشـف.
​مـازن طـلّـع ضـحـكـة صـفـرا مـتـكـلّـفـة:
​— والـلـه؟ بـقـيـتِ تـعـمـلـي مـجـالـس وِقـعـة وتـلـمّـي أهـلـي عـشـان تـتـكـلّـمـي عـلـيـا مـن ورا ضـهـري؟
​— أنـا مـش مـحـتـاجـة أتـكـلّـم عـلـيـك وحـش — رديـت بـمـنـتـهـى الـثـبـات — أنـت كـتـبـت بـإيـدك الـلـي يـكـفّـي وزيـادَة.
​حـطـيـت الـمـظـروف الـأصـفـر عـلـى الـتـربـيـزة. مـازن بـص لـلـورق كـأنـه قـنـبـلـة مـوقـوتـة هـتـفـرّق لـحـمـه، وحـاول يـبـتـسـم تـانـي:
​— وإيـه ده بـقـى إن شـاء الـلـه؟ داسـتـة الـنـكـد الـجـديـدَة?
​— ده جـدول تـمـثـيـلـيـاتـك وكـدبـك الـلـي عـيـشـتـنـي فـيـه.
​بـدأت أفـتـح الـورق صـفـحـة صـفـحـة: سـكـريـن شـوتـس الـشـات مـع بـاسـم، مـكـالـمـات الـواتـس آب ويـب، كـشـف الـسـحـوبـات الـنـقـديـة مـن فـلـوس الـبـيـت، فـواتـيـر عـشـا الـفـنـادق فـي الـزّمـالـك مـع إيـمـان، والـتـفـريـغ الـنـصّـي بـالـكـلـمـة لـلـفـويـس نـوت الـلـي سـجّـلـتـهـا لـك. مـا زَعـقـتـش.. مـا عـيّـطـتـش.. كـل ورقـة كـانـت بـتـنـزل عـلـى الـخـشـب بـصـوت خـفـيـف، بـس كـان صـوت نـهـائـي وقـاطـع كـأنـه حـكـم قـاضـي.
​مـازن جـري عـلـى أول حـجـة جـت فـي دماغه:
​— كـل ده مـfهـوم غـلـط والـلـه.. كـلام وجـر شـكـل بـيـنـي وبـيـن صـاحـبـي وبـنـهـزر!
​ريهام لـوَت بـوقـها وبـصّـت لـه بـقـرف:
​— هـو فـيـه هـزار بـتـخـطـط فـيـه إزاي تـكـسـر بـنـت وتـذلّـهـا قـدام أهـلـك يـا مـازن؟ إيـه الـمـفـهـوم الـصـح فـي كـدَة؟
​طـنّـشـها وبـص لـأمـه لـقـاها مـربّـعـة إيـديـهـا:
​— يـا أمـي أنـتِ مـش فـاهـمـة حـاجـة.. نـدى بـنـت مـتـسـلـّطـة.. بـتـخـنـقـنـي بـتـفـاصـيـلـها وفـلـوسـها وعـايـزة كـل حـاجـة تـمـشـي عـلـى مـزاجـها الـخـاص.. أنـا كـنـت بـفـش غـلّـي مـع بـاسـم مـش أكـتـر.
​الـحـاجـة كـريـمـة رفـعـت إيـدها وبـصّـت لـه بـنـظـرة نـشّـفـت ريـقـه:
​— الـنـبـرة دي مـتـسـتـخـدِمـهـاش مـعـايـا.. أنـا قـريـت كـل كـلـمـة وزيـادَة.
​لـفّ وشـه لـأبـوه الـلـي كـان واقـف مـتـكـرّس مـكـانـه:
​— حـتـى أنـت يـا حـج هـتـحـكـم عـلـيـا وتـظـلـمـنـي؟
​عـم حـسـيـن خـد نـفـس طـويـل وقـالـه بـصـوت يـهـز الـبـيـت:
​— أنـا مـش بـحـكـم عـلـيـك عـشـان مـشـاعـرك اتـغـيّـرت.. دي حـاجـة بـتـحـصـل لـلـنـاس كـلـها.. أنـا بـحـكـم عـلـيـك عـشـان أنـت كـنـت بـتـخـطـط تـأذيـها وتـكـسـر خـاطـرِها قـدامـنـا فـي بـيـتـي، وفـي نـفـس الـوقـت عـايـش فـي خـيـرِها وبـتـصـرف مـن فـلـوسـها وأنـت بـتـدور لـنـفـسِـك عـلـى سـكـة تـهـرب بـيـهـا لـدبـي!
​مـازن جـزّ عـلـى سـنـانـه، ومـاسـك الـضـحـيـة الـلـي كـان لـابـسـه بـدأ يـتـقـطّـع حـتـت:
​— مـا أنـا كـنـت بـدفـع مـعـاها وبـشـيـل الـبـيـت بـالـلـي مـعـايـا!
​طـلّـعـت لـه كـشوف الـحـسـابـات بـالـقـلـم الـفـلـومـاسـتـر:
​— كـنـت بـتـدفـع لـمّـا الـمـوضـوع يـكـون عـلـى مـزاجـك.. الـ 4 شـهـور الـلـي فـاتـوا أنـا الـلـي دفـعـت إيـجـار الـشـقـة جـديـد كـامـل، مـصـاريـف الـسـوبـر مـاركـت، الـنـور، وجـمـعـيـة مـصـاريـفـك لـمّـا كـنـت بـتـقولـي الـمـرتـب مـا فـيـهـوش الـبـركـة.. كـل ده وأنـت بـتـحـجـز فـنـادق وبـتـعـشّـي الـهـانـم!
​— دي كـانـت مـقـابـلـات شـغـل وسـيـفـيـهـات..
​— مـع إيـمـان سـلـطـان.. الـلـي كـنـت مـسـتـنـيـا تـبـعـت لـك تـأشـيـرَة الـسـفـر.
​الـاسـم لـمّـا اتـقـال فـي الـصـالـة خـلّـى ريـق مـازن يـنـشـف وتـبـلـع صـدمـتـه بـالـعـافـيـة..
​— مـا حـصـلـش بـيـنـي وبـيـنـهـا حـاجـة تـعـيـبـنـي!
​فـي الـلـحـظـة دي تـلـيـفـونـي هـز فـي إيـدي، كـانـت رسـالـة مـن صـاحـبـتـي الـمـحـامـيـة مـي.. بـعـتـت لـي سـكـريـن شـوت مـن إيـمـيل وصـل لـهـا عـن طـريـق تـواصـل مـع الـحـاجـة كـريـمـة.. إيـمـان سـلـطـان لـغـت عـرض الـشـغـل بـتـاع مـازن كـلـه الـنـهـاردة الـصـبـح.. بـعـد مـا جـالـها تـلـيـفـون مـن الـحـاجـة كـريـمـة تـفـهـّمـها حـقـيـقـة الـمـوضـوع. الـمـوضـوع مـكـانـش جـدعـنـة، كـان خـوف عـلـى سـمـعـة الـشـركـة.. الـسـت مـش عـايـزة تـشـغّـل عـنـدها حـد كـدّاب ومـسـتـغـل فـي حـيـاتـه الـشـخـصـيـة عـشـان هـيـخـون الـشـغـل بـعـديـن..
​مـا رضـيـتـش أوريـه الـرسـالـة دي دلـوقـتـي.. خـلّـيـتـهـا لـلـآخـر.
​طـلّـعـت الـورقـة الأخـيـرة الـلـي فـي الـمـظـروف:
​— وده بـقـى إنـذار رسـمـي بـطـرْدِك وإخـلـاء الـشـقـة دي.. مـعـاك 30 يـوم بـالـتـمـام والـكـمـال تـلـم فـيـهم حـاجـتـك كـلـهـا.. الـعـقـد بـاسـمـي، وحـاجـتـي أنـا جـردتـهـا بـالـقـلـم، ومـن بـكـرة أنـا مـش هـنـام هـنـا.. هـقـعـد فـي مـكـان تـانـي.
​مـازن اتـسـمّـر فـي مـكـانـه:
​— أنـتِ مـش مـن حـقّـك تـطـرديـنـي فـي الـشـارع!
​— أنـا مـش بـرمـيـك فـي الـشـارع، أنـا بـبـلّـغـك بـالـقـانـون وبـالأصـول.
​وقـف فـجـأة وزعّـق بـغـِل:
​— أنـتِ لـيـه عـمـلـتِ كـدة؟ عـشـان تـنـتـقـمـي مـنّـي وتـخـرّبـي بـيـتـي؟
​— لـأ.. مـش انـتـقـام.. دي نـضـافـة.. الـكـدب والـخـسـة بـيـوسّـخـوا أي مـكـان بـيـدخـلـوه والـمـكـان هـنـا كـان لـازم يـنـظـف.
​ريهام خـرجـت نـفـس كـبـيـر كـأنـها كـانـت كـاتـمـة نـفـسـهـا طـول الـقـعـدة. الـحـاجـة كـريـمـة قـرّبـت مـنّـي وحـضـنـتـنـي حـضـن طـويـل مـلـيـان رعـشـة وخـجـل مـن عـمـايـل إبـنـها.
​— سـامـحـيـنـي يـا بـنـتـي إنـي مـا شـوفـتـش ده فـيـه مـن الأول.
​— ولا أنـا شـفـت حـاجـات كـتـيـر يـا طـنـط.. الـقـلـوب بـتـعـمـي.
​— بـس أنـتِ عـعرفـتِ تـتـصـرفـي لـمّـا نـوّر بـصـيـرتِـك الـلـه.
​الـلـيـلـة دي لـمـيـت شـنـطـتـي ورحـت قـعـدت عـنـد مـي.. وفـي جـيـب شـنـطـتـي الـصـغـيـرَة كـان الـعـقـد، وجـوايا راحـة نـفـسـيـة غـريـبـة.. مـكـنـتـش فـرحـانـة لـسـه، بـس كـان جـوايا مـسـاحـة هـوا.. نـفـس نـقـي.. دي أول لـيـلـة أنـام فـيـهـا مـن غـيـر مـا أسـمـع صـوت نـفـسـه الـهـادي بـعـد مـا كـان نـاوي يـدبـحـنـي.
​بـعـد أسـبـوع، رحـت لـصـاحـب الـعـقـار وفـسـخـت عـقـد الـشـقـة الـتـمـلـيـك الـلـي كـنـت دافـعـة مـقـدّمـهـا، وأخـدت فـلـوسـي الـلـي دفـعـتـهـا بـالـتـراضـي بـعـد مـا خـصـم جـزء بـسـيـط.. وبـالـفـلـوس دي دفـعـت مـقـدّم لـشـقـة إيـجـار جـديـدَة ولـطـيـفـة فـي مـنـطـقـة الـنـزهـة الـجـديـدَة، واشـتـريـت تـربـيـزة صـغـيـرَة لـلـقـهـوة و4 قـصـاري زرع أخـضـر مـش مـحـتـاجـيـن مـوافـقـة مـن حـد عـشـان يـكـبـروا ويـعـيـشـوا.
​مـازن حـاول يـكـلـّمـنـي 18 مـرّة مـن نـمـر مـخـتـلـفـة.. وبـعـت إيـمـيـلـات كـتـيـرَة ورسـائل يـتـمـسـكِـن فـيـهـا.. مـا رديـتـش عـلـى كـلـمـة واحـدَة.. مـي عـلـّمـتـنـي إن الـبـاب الـلـي يـتـقـفـل بـالـمـفـتـاح هـو فـي حـد ذاتـه رد قـاطـع.
​بـعـد الـ 30 يـوم، عـم حـسـيـن راح مـعـاه الـشـقـة الـقـديـمـة عـشـان يـلـم حـاجـتـه.. أنـا مـرحـتـش ومـا كـنـتـش مـحـتـاجـة أشـوف الـلـقـطـة دي عـشـان أتـأكـد إن الـحـكـايـة انـتـهـت.. هـي انـتـهـت جـوايا مـن يـوم الـجـمـعـة الـلـي سـمـعـت فـيـه صـوتـه.
​شـهـور عـدّت، وريهام عـزمـتـنـي عـلـى فـنـجـان قـهـوة.. قـالـت لـي إن أمـهـا لـسـه بـتـسـأل عـلـيـا بـالـخـيـر وتـدعـي لـي، وإن مـازن دلـوقـتـي قـاعـد مـع بـاسـم صـاحـبـه فـي أوضـة إيـجـار وبـيـلـف عـلـى الـشـركـات يـدور عـلـى شـغـل بـمـرتـب ضـعـيـف، وإيـمـان سـلـطـان عـمـلـت لـه بـلـوك مـن كـل حـتـة ومـبـتـردش عـلـىـه.. والـأهـم مـن كـل ده، إن كـل مـا تـيـجـي سـيـرة جـواز أو خـطـوبـة فـي قـعـدَة عـيـلـة، مـازن بـيـقـوم ويـسـيـب الـقـعـدَة ويـدخـل الـحـمّـام.
​مـا حـسـيـتـش بـالـشـمـاتـة.. ولا حـسـيـت بـالـصـعـبـانـيـة.. حـسـيـت بـالـمـسـافـة.. الـبـُعـد الـنـفـسـي.
​لـأن فـيـه وجـع كـنـا مـفـهـمـيـن نـفـسـنـا إنـه حـب، لـحـد مـا الـنـور بـيـطـلـع ونـشـوف الـحـقـيـقـة عـريـانـة.
​أنـا مـا نـزلـتـش عـلـى ركـبـي يـوم الأحـد ده.. ومـا خـلّـيـتـهـوش يـكـسـر ضـهـري قـدام أهـله.. ومـا عـمـلـتـش خـنـاقـة فـي الـشـارع والـنـاس تـتـفـرّج وتـصـقّـف لـي.. أنـا كـل الـلـي عـمـلـتـه إنـي سـمـعـت، وشـِلـت أدلـّتـي، وحـمـيـت فـلـوسـي وتـعـبـي، واتـكـلـّمـت بـالأصـول، ومـشـيـت قـبـل مـا قـسـاوة قـلـبـه تـبـقـى عـادة أنـا مـسـتـسـلـمـة لـهـا.
​واتـعـلـّمـت حـاجـة أتـمـنـى مـفـيـش بـنـت تـتـعـلـّمـهـا بـالـطـريـقـة الـمـوجـعـة دي: الـلـي يـfكّـر يـهـيـنِـك ويـذلِّـك عـشـان يـثـبـت “مـيـن الـراجل ومـيـن الـلـي مـمـشّـي كـلـمـتـه”، ده مـش مـحـتـاج فـرصـة تـانـيـة.. ده مـحـتـاج بـاب يـتـرِزَع فـي وشـه لـلـأبـد.
​—
​لـو كـنـتـوا مـكـانـي وسـمـعـتـوا الـبـنـي آدم الـلـي بـتـحـبـوه بـيـتـفـق عـلـى كـسـرة نـفـسـكـم ودمـوعـكـم قـدام الـنـاس كـلـها.. كـنـتـوا هـتـتـخـانـقـوا فـي نـفـس الـلـحـظـة؟ ولا كـنـتـوا هـتـصـبـروا لـحـد مـا تـجـمـعـوا الأدلـّة وتـخـرجـوا خـروج يـلـيـق بـكـم؟ شاركوني رأيكم في التعليقات 💬✨
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *