اول ما دخلت

قصة فني المطبخ والست اللي كانت بتطبخ له بإيديها كاملة 📌👇

أول ما دخلت المطبخ، كانت واقفة قدام البوتاجاز تقلب الصوص ببطء، وريحة الأكل مالية البيت كله…
لفّت ناحيتي، ومسكت المعلقة، وقالت بابتسامة هادية:
تعالى دوّق بإيدك… أصل أنا ما بثقش غير في اللي بيشتغـ . ـل في المطبخ وهو جعان.

أنا اسـ . ـمي حسام، عندي 32 سنة، وشغال فني مطابخ ووحدات خشب وأسطح رخام. يعني شغـ . ـلانتي باختصار بتدخلني قلب البيوت، وتحديدًا أكتر مكان في البيت بيكشف أصحابه: المطبخ.
فيه مطبخ تعرف من أول دقيقة إن اللي فيه ست منظمة بزيادة.
وفيه مطبخ تعرف إن البيت عنده أولاد كتير من لعبهم وفتافيتهـ . ـم.
وفيه مطبخ تحس إنه ميـ . ـت، ما فيهوش نفس، حتى لو أنضف من المـ . ـستشفى.
وفيه مطبخ… تحس إن فيه حكاية مستخبية في الأدراج، وفي الهدوء، وفي الحاجات اللي بتتبخ فجأة من غير مناسبة.

أنا شوفت ستات كتير في الشغـ . ـل.
ستات محترمة، ستات متعصبة، ستات عملية، وستات بتحب تفتح كلام زيادة.
وفيه نوع تاني بقى، النوع اللي أي راجل يدخل بيته، لازم ياخد باله من نفسه مرتين:
الست اللي بتتعامل براحة زيادة.

مش لازم تكون قليلة الأدب.
بالعكس، ساعات بيبقوا أهدى وأرتب وأشيك من الكل.
لكن الراحة الزيادة دي بتدخل الواحد في سكة وحـ . ـشة لو ما عرفش يمشي صح.

وعشان كده أنا كنت عامل لنفسي قانون:
ما تفسرش حاجة بزيادة.
ولا نظرة، ولا كلمة، ولا كوباية شاي، ولا حتى لقمة.

لكن اليوم ده…
أنا نفسي وقـ . ـعت في التفسير الغـ . ـلـ . ـط من أول ربع ساعة.

الحكاية بدأت لما صاحب المعرض اللي بتعامل معاه، عم جابر، كلمني الصبح وقال:

“يا حسام، عندك شغـ . ـل مهم. مطبخ في فيلا في الشـ . ـروق، تعديل في الأدراج ووحدة مخفية، والست مستعجلة جدًا. قالتلي عايزة نفس الفني اللي جالك المرة اللي فاتت عشان بيعرف يفهم بسرعة.”

أنا افتكرت الشغـ . ـلانة القديمة.
آه، رحت الفيلا دي قبل كده من 3 شهور أظبط مفصلة في وحدة صغيرة. كانت زيارة سريعة جدًا، وما شفتش غير خدامة وبنت صغيرة.

قلتله:
“تمام. هروح.”

قال:
“بس خليك رايق… الست دي شـ . ـكلها من الناس اللي بتحب كل حاجة على مزاجها.”

أخدت العدة وركبت العربية وروحت.

الفيلا كانت في شارع هادي، سورها عالي، وبابها الإلكتروني اتفتح بعد ما كلمت الرقم اللي معايا. دخلت، وركنت، ولسه هخبط لقيت الباب الداخلي اتفتح.

هي بنفسها اللي فتحت.

في أول الأربعينات تقريبًا، جمالها من النوع النضيف، مش الفج. لابسة جلابية بيت قطن ناعمة، شعرها متساقط على ضهرها، ومفيش مكياج واضح، لكن ريحتها وهدوءها يخلوا أي راجل ياخد باله منها من غير ما يحاول.

قالت:

“أستاذ حسام؟”

قلت:
“أيوه.”

قالت وهي تفتح الباب أكتر:
“اتفضل… أنا مستنياك من بدري.”

دخلت.

البيت كان هادي، هدوء مش مريح، لكن مش مخيـ . ـف.
بس أول حاجة خدت بالي منها…
ريحة الأكل.

مش ريحة أكل عادي.
ريحة حاجة معمولة على نـ . ـار هادية من وقت.
صوص أو طاجـ . ـن أو أكلة محتاجة صبر.

قالت وهي ماشية قدامي:
“الشغـ . ـل كله في المطبخ.”

دخلت وراها، ولما دخلت المطبخ…
وقفت.

المطبخ كان واسع، شيك جدًا، وكل حاجة فيه متوضبة، لكن مش ترتيب استعراض. ترتيب حد بيستخدمه فعلًا. على الرخامـ . ـة في صينية متغطية، وعلى البوتاجاز حلة كبيرة بتطلع بخار خفيف، والفرن شغال.

وقالت وهي بتقلب حاجة بالمعلقة:

“أنا قلت أعمل الغدا على ما تيجي.”

بصراحة، الجملة دي لوحدها ما فيهاش حاجة.
بس الطريقة اللي اتقالت بيها، والمطبخ، والهدوء، وكونها لوحدها… كل ده خلى عقلي يتحرك لحته أنا مش راضي عنها.

قلت وأنا بحاول أبقى عملي:
“فين الجزء اللي حضرتك عايزاه؟”

قالت وشاورت على وحدة خشب طويلة في جانب المطبخ:
“هنا… الدرف دي بتقفش، والدرج اللي تحتها مش بيفتح غير لو اتشد بطريقة معينة. وأنا عايزاه يفضل كده… لكن يبقى أهدى.”

العبارة نفسها غريبة.

قلت:
“يعني عايزاه يفضل مستخبي؟”

قالت وهي تبصلي نص بصّة:
“أيوه. بس ما يبانش إنه متعمد.”

هنا أول لمبة حمراء نورت.

درج مخفي.
في مطبخ.
وست عايزاه يفضل مستخبي.

لكن برضه…
أنا ما علقتش.

بدأت أبص على المفصلات والسكة.
وهي واقفة جمبي، قريبة زيادة سنة، وبكل هدوء قالت:

“إنت بتشتغـ . ـل أحسن وانت جعان… ولا بعد ما تاكل؟”

أنا ضحكت وقلت:
“حسب الأكلة.”

قالت وهي تمد المعلقة ناحيتي:
“تعالى دوّق بإيدك… أصل أنا ما بثقش غير في اللي بيشتغـ . ـل في المطبخ وهو جعان.”

وساعتها…
أيوه، افتكرت إنها بتفتح باب واضح جدًا.

يعني:

ست جميلة
لوحدها
في مطبخ
ريحة أكل
وبتقولك تعال دوق بإيدك
أي راجل في الدنيا هيشوف إن فيه أقل واجب إيحاء.

لكن وأنا قربت آخد المعلقة، لاحظت حاجة صغيرة جدًا:

على طرف الرخامـ . ـة…
كان فيه 3 أطباق متجهزين.
مش اتنين.

وقفت.

وبصيتلها.

هي لاحظت إني شفتهـ . ـم، وقالت بسرعة:

“أنا بطبخ زيادة دايمًا.”

كـ . ـذبة سريعة.
لأن الأطباق كانوا مترتبين كأنهم لناس، مش زيادة.

قلت وأنا بأخد المعلقة من غير ما أظهر حاجة:
“تسلم إيدك.”

دوقت.
الأكل كان حلو فعلًا.

قالت:
“بصراحة؟”

قلت:
“جداً.”

ابتسـ . ـمت.
وقالت:
“كويس. يبقى لسه ذوقك شغال.”

لسه.

نفس الكلمة اللي لما تتقال في موقف عادي، ما تفرقش.
لكن في موقف مشحون… تبقى ملغومة.

وأنا من اللحظة دي، حسيت إن البيت فيه حاجة تانية خالص غير اللي شـ . ـكلي فهمته.

بدأت أفك الوحدة، وهي فضلت واقفة في المطبخ معايا.

الناس العادية تسيب الفني يشتغـ . ـل وتمشي.
لكن هي كانت موجودة طول الوقت.
تسألني عن كل تفصيلة، وتقف في حتة تشوف إيدي كويس، وتتحرك بهدوء زيادة عن اللازم.

قالت:
“إنت متجوز؟”

قلت وأنا بفك السكة:
“لأ.”

قالت:
“أحسن.”

أنا ضحكت من الإحراج وقلت:
“هي الناس كلها بقت بتقول أحسن ليه؟”

قالت وهي بتحرك الحلة على النـ . ـار:
“لأن المتجوزين بيبقوا مكسورين من بدري.”

الجملة دي طلعت بطريقة تقيلة.
مش هزار.
ولا حكمة.
ولا تلميح واضح.

قلت:
“دي خبرة يعني؟”

قالت من غير ما تبصلي:
“دي مشاهدة.”

وسكتت.

الجمل دي كانت كفاية تودي أي عقل لحتة:
أكيد عندها مشـ . ـاكل.
أكيد جوزها مش موجود.
أكيد الوحدة ضاغطة.
أكيد بتختبر حدودك.

لكن في نفس الوقت…
البيت نفسه كان مش راكب مع الصورة دي.

ليه؟

لأن فيه تفاصيل صغيرة كانت بتقول عكس الجو اللي هي بتحاول تعملُه:

3 أطباق متجهزين
ساعة رجالي قديمة على الرخامـ . ـة جـ . ـنب علبة دواء
كرسيين متحطين ناحية السفرة، والتالت بعيد سنة
صورة عائلية على الثلاجة، فيها هي مع راجل وبنتين صغيرين، لكن الراجل ملامحه متشال عليها بقلم أسود خفيف
ودي كانت علامة مرعـ . ـبة.

يعني إيه صورة راجل ومتعمل عليه بالقلم؟
مش شخبطة أطفال.
شطب متعمد.

بصيت للصورة ثانية، وهي لاحظت.

قالت بسرعة:
“ركز في شغـ . ـلك.”

قلت:
“ماشي.”

لكن الغريب إن التوتـ . ـر الحقيقي بان عليها في اللحظة دي، مش لما كانت بتمد لي المعلقة ولا بتسألني متجوز ولا لأ.

يعني الأكل والكلام ماكانوش جوهر الموقف.
فيه شيء تاني هي بتحرسه.
وأنا شغال في الدرج المخفي، لاحظت إن السكة مش معمولة عادي.
لا.
دي متفصلة مخصوص.
فيها حركة ضغط معينة، وبعدها تطلع وحدة صغيرة تحت الرف.

يعني اللي عاملها ماكانش نجار عادي.
دي معمولة بقصد إخفاء شيء.

قلت:
“مين اللي عمل الحركة دي؟”
قالت وهي تقطـ . ـع حاجة على الرخامـ . ـة:
“جوزي.”

قلت:
“جوز حضرتك نجار؟”

قالت:
“كان بيعرف يخبّي.”

الكلمة دي وقفتني.

قلت:
“يخبي إيه؟”

قالت:
“حاجات.”

الجو بقى تقيل.

قلت وأنا ببص للدولاب:
“فيه حاجة جوا؟”

قالت بسرعة:

“ما يخصكش.”

الرد خرج حـ . ـاد.
وبعدين هديت نفسها وقالت:
“أقصد… سيبه زي ما هو.”

قلت:
“أنا أصلّحه من بره من غير ما أفتح، بس لو السكة عايزة تغيير لازم أشوف.”

قالت بصوت أوطى:
“ما تفتحوش.”

أنا هنا حسيت إن الحكاية بدأت تتحول.

الست من أول ساعة تحاول تخلق جو فيه نعومة، أكل، قرب، وأسئلة شخصية.
لكن أول ما أقرب للدرج…
تتوتـ . ـر.

يعني الإغراء اللي أنا شايفه… ستارة.
فيه شيء أهم مستخبي وراه.

قلت:
“لو الدرج فيه حاجة خاصة، مش هلمـ . ـسه. بس لازم أعرف عشان ما أبهدلش السكة.”

هي سكتت.
وبعدين قالت وهي مش باصة ليا:

“فيه مفاتيح.”

قلت:
“مفاتيح إيه؟”

قالت:
“بيت العيلة.
أوضة فوق.
ودولاب.”

أنا ما سألتش زيادة.
لكنّي افتكرت الصورة المشطوب عليها الراجل فيها.

وساعتها بدأت الاحتمالات تتحرك ناحية حاجة أغمق من خـ . ـيانة أو تلميح.

وأنا بفكّ، سـ . ـمعت صوت باب بعيد جوه البيت.

وقفت.

هي وقفت معايا.

قلت:
“فيه حد؟”

قالت بسرعة:
“لأ.”

قلت:
“سـ . ـمعت باب.”

قالت:
“الهواء.”

قلت:
“الهواء بيفتح بيبان؟”

بصتلي لأول مرة بنظرة حـ . ـادة فعلًا، وقالت:

“هو لازم تلاحظ كل حاجة؟”

أنا سكت.

لأن السؤال نفسه كان إجابته:
أيوه. لازم.

خاصة لما أبقى في بيت ست لوحدها، وبتتصرف كأنها بتغويني، وفي نفس الوقت فيه درج مخفي وصور مشطوب عليها و3 أطباق وصوت أبواب.

قلت:
“أنا بس مش مرتاح.”

قالت بهدوء رجع تاني:
“ارتاح.
أنا ما باكلش الناس.”

وضحتك.

بس الضحـ . ـكة ما وصلتش لعينيها.

وبعدين، كأنها افتكرت الخطة اللي ماشية عليها، قالت:

“بصراحة…
أنا بحب الراجل اللي ياكل من إيدي.
بحسه أهدى.”

دي كانت أوضح جملة لحد دلوقتي.
وأكتر جملة كان ممكن تغـ . ـلـ . ـطني.

لكن بدل ما أتجاوب، بصيت على الأطباق التلاتة وقلت:

“والتلات أطباق دول لمين؟”

وشها اتغير.

ثانية واحدة بس.
لكن واضحة.

قالت بسرعة:
“أنا وبناتي.”

قلت:
“وبناتك فين؟”

قالت:
“فوق.”

قلت:
“طب ما قلتِ إنك لوحدك.”

سكتت.

وهنا…
السكوت قال كل حاجة.

أنا سيبت المفك في إيدي، وقمت واقف.

قلت بهدوء:
“حضرتك من أول ما دخلت وأنا حاسس إن في حاجة غـ . ـلـ . ـط.
يا تقولي الحقيقة، يا أنا همشي.”

هي فضلت باصة لي كام ثانية.
والطبخة بتغـ . ـلي على نـ . ـار هادية في الخلفية، وصوت الفقاقيع فيها كان عامل جو أعصـ . ـاب زيادة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *