امى بعاتتنى اعيش عند خالتى
أمي بعثتني أعيش عند خالتي وكأني عبء تقيل، في الوقت اللي أولادها كانوا بيتريقوا عليّ لأني بشتغل في مغسلة وبنام في عربيتي. لكن في ليلة، لما برد شيكاغو كاد يقتلني، خالي ظهر قدام الشباك المتجمد وقال: “أظن لازم نتكلم”. الحاجة اللي كانت في إيده غيرت كل حاجة.
الليلة اللي عربيتي بطّلت تدور فيها، افتكرت إن دي النهاية… هتكون قصتي انتهت وأنا متجمدة ورا مغسلة هدوم، لابسة 3 سويتشرتات، الموبايل فاصل، ومفيش حد في الدنيا سائل أنا فين.
كان عندي 19 سنة لما قدرت أقول ده بصوت عالي، لكن الحقيقة إن كل حاجة بدأت قبل كده بكتير.
وأنا عندي 14 سنة، أبويا توفى بالسرطان. قبلها حياتي كانت بسيطة: مدرسة، بيتزا كل خميس، واجبات رياضيات، ونكاته السخيفة اللي كان بيقولها عشان يطمنّي أنا وماما. آخر جملة قالها قبل ما يرجع المستشفى كانت:
“خلي بالك من أكل مامتك… ما يخلصش عليك قبل ما أرجع”.
لكنه ما رجعش.
بعدها، أمي اتكسرت… أو ده اللي أنا افتكرته. بعد شهرين بس، بدأت ترتبط براجل غني اسمه كريم، شغال في العقارات. قبل ما أستوعب إن أبويا خلاص مشي، كانت هي لبست فساتين جديدة، وسافرت، وبقت عايشة حياة مفيهاش مكان لوجعي.
بعد أقل من سنة، اتجوزته.
وبما إن قصر كريم في الساحل مكنش فيه “مكان ليا”، بعتوني القاهرة عند أخت أبويا، خالتي نجلاء.
قالتلي أمي: “هتكوني مرتاحة هناك”.
مرتاحه لمين؟ لحد دلوقتي مش عارفة.
خالتي نجلاء كانت عايشة في بيت كبير في التجمع مع جوزها خالي محمود، وأولادها: أحمد وريم. زمان كنا قريبين، لكن لما وصلت بشنطة وقلبي مكسور، بقيت مش “بنت خالتهم اللطيفة”… بقيت الدخيلة.
أحمد كان “بالغلط” يبوّظ حاجتي.
ريم كانت تعلق على لبسي.
وخالتي نجلاء من أول يوم وضحت إني تقيلة عليهم.
وبعدها بدأت تاخد مني إيجار.
وأنا عندي 15 سنة.
لما قلت لها: “أنا عندي 15 سنة”، ما رمشتش حتى.
أمي كانت ساعات تبعت فلوس، بس ما كانتش تكفي. لما كنت أكلمها ما كانتش ترد… لكن على إنستجرام كانت دايمًا مبتسمة في حفلات ورحلات مع جوزها الجديد.
فاشتغلت.
أول شغلانة كانت في مغسلة 24 ساعة، من نص الليل لـ 6 الصبح. الراجل صاحبها، عم سيد، قاللي إني صغيرة على الشغل ده، لكنه وافق يشغلني. بعد كده اشتغلت كمان في محطة بنزين من 4 العصر لـ 10 بالليل.
مدرسة… محطة… مغسلة… واجبات… نوم متقطع… برد… ونفس الدائرة كل يوم.
أولاد خالتي حولوا تعبي لمسرحية.
أحمد وأصحابه كانوا يجوا المحطة، يرموا أكل، ويكبوا مشاريب، ويضحكوا وأنا بنضف.
ريم كانت تجي مع صحابها ويتكلموا عني كأني مش موجودة.
“تخيلي نشتغل هنا؟ أنا ممكن أموت!”
وبعدين ينزلوا صوري على السوشيال ميديا.
في المدرسة، بقوا يحطوا عملات معدنية على ديسكي.
وحد كتب على دولابي: “بنت المغسلة”.
أنا كنت بس عايزة أعيش.
كنت بخبّي الفلوس القليلة اللي بجمعها في دبدوب قديم كان أبويا جايبهولي قبل ما يموت. كان أملي الوحيد إني أهرب من البيت ده. لكن في يوم رجعت لقيت أوضتي متبهدلة… والدبدوب متقطع، وحشوه على الأرض.
والفلوس اختفت.
ريم قالت إنها كانت “بتنضف”.
وفي نفس الأسبوع، خالتي زودت الإيجار.
ساعتها فهمت… مفيش أي فرصة أكسب في البيت ده.
فاخدت قرار: بطلت أدفع، وقررت أكمل دراستي. لمّيت حاجتي في عربيتي القديمة، وفرشت شوية بطاطين ورا، وبدأت أنام ورا المغسلة.
في الأول افتكرت إني أقدر أستحمل.
لحد ما دخل الشتاء.
برد يوجع العين… يخلي صوابعك مش حاسس بيها.
كنت بروح المدرسة وهدومي ريحتها مسحوق، وكراساتي مكرمشة، ونفس 3 أطقم بلبسهم كل يوم. الأخصائي الاجتماعي كان بيحاول يسألني، بس أقول له إيه؟
“آه، أنا عايشة في عربيتي… بس متقلقش، المنظر حلو!”
وفي يوم، أحمد مشي ورايا.
تاني يوم نزل فيديوهات على تيك توك:
“بنت خالتي المشردة: فيلم وثائقي”.
صور العربية وهي متجمدة…
صورني وأنا بذاكر على نور يافطة المغسلة…
حتى صورني وأنا بغير هدومي.
ناس بقت تيجي بالليل تضرب كلاكس وترمي حاجات على عربيتي.
وأمي؟ ولا كأن في حاجة.
لكن كان في حاجة غريبة…
كام ليلة لاحظت عربية سودا واقفة بعيد. زجاجها غامق، وموتورها داير. كل مرة في مكان مختلف… بس دايمًا موجودة.
افتكرت إنها شرطة… أو حد خطر.
لحد الليلة دي.
الحرارة نزلت تحت الصفر. حاولت أدور العربية… ما دارتش. الموبايل فاصل. المغسلة مقفولة. لفيت نفسي بكل اللي معايا… وفعلاً حسيت إني ممكن ما أصحاش.
وفجأة… حد خبط على الشباك.
بصيت لقيت خالي محمود واقف في التلج، لابس معطف غالي، ورافع عينه ناحيتي، والعربية السودة وراه.
ما صرخش… ما وبخشنيش… ما اتصلش بالشرطة.
بس قال:
“أظن لازم نتكلم”.
خدني لمكتب فوق المغسلة… أنا ما كنتش أعرف إنه موجود. فيه تدفئة، وماكينة قهوة، ومكتب، وحمام صغير. وأنا بحاول أدفي إيدي بكوب القهوة، كان بيبصلي كأنه أول مرة يشوفني بجد.
وبعدين قال حاجة جمدتني مكاني:
“أنا وأبوك كنا بننام في عربية برضه”.
طلع صورة قديمة… شابين رفيعين قاعدين في عربية بياكلوا من علبة أكل. واحد فيهم خالي… والتاني أبويا.
نفس الابتسامة.
بعدها فتح درج، وطلع ملف كبير. فيه درجاتي، وتقارير عم سيد عن شغلي، وصور من الفيديوهات اللي أحمد وريم نزلوها عشان يذلوني.
أنا ما كنتش فاهمة.
خالي لمس الملف وقال:
“هم كانوا فاكرين إنهم بيكسروك… أنا شايف واحدة رفضت تستسلم”.
وبعدين طلع مفتاح.
ما كانش مفتاح المغسلة.
ولما حطه قدامي، فهمت إن في باب فوق دماغي طول الوقت… محدش ورهولي.
الجزء الثاني قريب…
خالي محمود حط المفتاح قدامي على الترابيزة، وبصلي بنظرة هادية وقال:
“المكتب ده مش كل حاجة… المفتاح ده لشقة صغيرة فوق السطح. كانت زمان مخزن، وأنا جهزتها من فترة… تحسبًا لليوم ده.”
بصيت له وأنا مش مصدقة.
“كنت عارف؟”
هز راسه وقال:
“كنت شاكك… بس كنت مستني أشوف إنتي هتعملي إيه. وشفـت.”
طلعنا سوا السلم الضيق اللي ورا المكتب. فتح الباب، ودخلنا. الشقة كانت بسيطة جدًا… سرير صغير، بطانية نضيفة، دولاب، ومطبخ صغير فيه حاجات أساسية.
لكن بالنسبة لي… كانت جنة.
أول مرة من شهور أحس إن عندي سقف بجد.
قعدت على السرير، وحسيت برجلي بتترعش من التعب والبرد اللي لسه ساكن جوايا. خالي سابني دقيقة، وبعدين قال بهدوء:
“من النهارده… إنتي مش لوحدك.”
—
تاني يوم، صحيت على ريحة قهوة… مش صوت عربيات ولا برد. نزلت لقيت خالي مستنيني، وسلّمني موبايل جديد.
“ده ليكي… وخليكي دايمًا متاحة.”
وقبل ما أتكلم، قال:
“وفي حاجة تانية… الفيديوهات.”
قلبي وقع.
“سيبها عليا.”
—
بعد يومين، المدرسة كلها كانت بتتكلم.
فيديوهات أحمد اختفت فجأة. الحساب بتاعه اتقفل. واللي حصل ما وقفش هنا… الإدارة استدعته هو وريم للتحقيق بعد شكاوى رسمية.
أول مرة… يشوفوا إن اللي كانوا بيعملوه له عواقب.
—
رجعت البيت الكبير عشان آخد باقي حاجتي.
أول ما دخلت، خالتي نجلاء بصتلي باستغراب:
“إنتي كنتي فين؟ وايه التهريج اللي حصل ده؟”
أحمد كان قاعد ساكت… أول مرة ما يبصليش بتكبر.
وريم كانت متوترة.
حطيت الشنطة على الأرض، وقلت بهدوء:
“جاية آخد حاجتي… وبس.”
خالتي ضحكت بسخرية:
“وتفتكري هتمشي كده؟ بعد ما عيّشناكي وصرفنا عليكي؟”
قبل ما أرد… صوت خالي محمود جه من ورايا:
“كفاية لحد هنا يا نجلاء.”
البيت كله سكت.
دخل وهو هادي… بس نبرته كانت حاسمة:
“أنا عارف كل حاجة… الإيجار، الفلوس اللي اتسرقت، والفيديوهات.”
وشه خالتي اتغير:
“إنت بتصدقها هي؟!”
رد عليها بهدوء أخطر من أي صوت عالي:
“لا… أنا شفت بنفسي.”
بص لأحمد:
“إنت فاكر اللي عملته هزار؟”
أحمد ما ردش.
وخالي كمل:
“من النهارده… مفيش جنيه هيتصرف من حسابي في البيت ده غير بعلمي. وكل واحد فيكم هيتحاسب.”
—
خدت حاجتي ومشيت.
وأنا نازلة السلم، حسيت بحاجة غريبة… خفّة.
كأني سيبت ورايا حمل كان تقيل على قلبي سنين.
—
الأيام عدّت… وحياتي بدأت تتغير.
بقيت أنام في سرير دافي.
أروح المدرسة وأنا مركزة.
وأشتغل… بس مش عشان أعيش، لأ… عشان أبني نفسي.
خالي بدأ يساعدني في دراستي… وعلّمني حاجات كتير عن الشغل والحياة.
وفي يوم، قال لي:
“إنتي مش بس قوية… إنتي ذكية. وده أخطر.”
ابتسمت لأول مرة من قلبي.
—
بعد شهور، جالي قبول في منحة دراسية كويسة.
وأول حد كلمته… ما كانتش أمي.
كانت أنا.
وقلت لنفسي:
“إنتي عملتيها.”
—
أما أمي… فظهرت فجأة.
اتصلت بيا بعد ما شافت بوست عن نجاحي.
صوتها كان فيه نفس النعومة القديمة:
“وحشتيني يا حبيبتي…”
سكت شوية… وبعدين قلت بهدوء:
“أنا كمان وحشتني… بس مش هرجع لنفس المكان تاني.”
—
قفلت المكالمة… وبصيت حواليا.
المكتب… السلم… الشقة الصغيرة.
كل حاجة بدأت بمفتاح.
بس الحقيقة… الباب أنا اللي فتحته.
النهاية
حكايات محمد عبده