زميلة زوجي اماني السيد 2

وقفت في مكاني ثابتة زي الصخر، وميرنا بتبص لي بنظرة انتصار رخيصة، مستنية الكلمة اللي هتكسرني قدام الناس. حسين وصل وهو ينهج، وقف بيني وبينها وعينه بتلف في الممر اللي بدأ يتملي بالموظفين، قال بصوت واطي ومبحوح وهو بيحاول يداري رُعبه:

“أهو أنا جيت.. كويس إنك جيتي بعقلك يا هناء. قولي الكلمتين اللي اتفقنا عليهم عشان نخلص من المولد ده وكل واحد يرجع على مكتبه.

بصيت له بنظرة قرف خلته ينزل عينه الأرض، وبعدين لفيت وشي لميرنا، وعلّيت صوتي على الآخر عشان الممر كله يسمع، وقلت بكل برود ونبرة تِهد:

“أنا جيت يا ميرنا.. جيت عشان أقولك الفيلم اللي عملتيه إنتي وحسين المحترم المخرج الفاشل ده مياكلش معايا. وجيت أقولك قدام الشركة كلها.. مبروك عليكي.”

الممر كله سكت، وميرنا حواجبها اترفت بذهول، وحسين وشه جاب مية لون ولون وبدأ يتلعثم: “انتي بتقولي إيه؟ بوظتي إيه؟”

كملت كلامي وأنا ببتسم ابتسامة ثقة:

“مبروك عليكي راجل دخل عليا الأوضة في نص الليل يمد إيده عليا ويهددني عشان خاطر دموعك.. راجل ساب بيته وعياله وعِشرة سنين عشان يجري ورا واحدة واخداه سِلم عشان تداري على خيبتها وفشلها في الشغل! أنا جيت أقولك إني سايباهالك باللي فيها.. اشبعي بيه، واشبعي بمدير الحسابات اللي طالع بكرة في قض..ية طلاق للضرر، والشقة اللي كان واخدك فيها هي والمؤخر والنفقة هيدفع تمنهم غالي أوي من برستيجه وفلوسه.”

ميرنا وشها اتقلب وبقى زي الطماطم من الكسوف، ولقت نفسها فجأة فرجة قدام الموظفين اللي بدؤوا يبتسموا ويشمتوا فيها، بعد ما كانت مفهمة الناس إنها الضحية، ظهرت قدام الكل إنها خطافة رجالة وفاشلة في شغلها.

أما حسين، فالدم هرب من عروقه. حس إن مركزه وهيبته اللي بقاله سنين بيبنيهم في الشركة اتهدوا في دقيقة. زعق بصوت مرعوب وهو بيحاول يمسك إيدي: “انتي اتجننتي؟! انتي بتخربي بيتك بإيدك؟!”

نفضت إيده عني بكل قسوة وقلت له:

“البيت ده إنت اللي هديته من الليلة اللي فاتت يا حسين. ودلوقتي.. أنا هطلع لمدير الشركة أقدم استقالتي، مش عشان هربانة، لأ.. عشان مكاني ووضعي كمهندسة ديكور في الشركة دي أكبر بكتير من إني أقعد في مكان بيجمعني بأشكالكم.”

لفيت ضهري ومشيت في الممر وراسي مرفوعة لفوق، وخطوات جزمتي كانت بتدب في الأرض بكل ثقة. كنت سامعة صوت وشوشة الموظفين ونظرات الاحترام اللي في عينيهم، وسامعة ورايا صوت حسين وهو بيحاول يلم الليلة مع ميرنا اللي بدأت تصرخ فيه وتعيط من الفضيحة.

طلعت مكتب المدير، قدمت استقالتي بكل هدوء، ونزلت ركبت عربيتي. أول ما قفلت باب العربية على نفسي، أخدت نفس طويل وعميق.. نفس بقالي ست شهور مش عارفة آخده. الطريق قدامي كان طويل، والمحاكم هتاخد وقت، بس اللحظة دي.. لحظة ما أخدت حقي وحق كرامتي تمنها يسوى عمري كله.

دورت عربيتي وطلعت من ريتم الشركة المحموم وأنا حاسة إن جبل كان شغال على نفسي وانزاح. طوال الطريق لبيت أبويا، كان موبايلي مابيبطلش رن.. حسين. عشر مكالمات ورا بعض، وبعدها بدأت تيجي رسائل وتساب:

“انتي فضحتيني في الشركة!”

“انتي خربتي بيتك وعيالك هيتشتتوا!”

“ردي عليا بدل ما أعمل تصرف مش هيعجبك!”

بصيت للموبايل بكل برود وعملت له “بلوك” من كل حتة. الراجل اللي يهدد بقطع العيش ويهين كرامة مراته عشان يرضي نزواته، ملوش عندي غير لغة واحدة.. لغة القانون.

وصلت بيت أبويا، دخلت لقيت أمي قاعدة مع الولاد بتفطرهم وتحاول تلهيهم عشان ما يحسوش بحاجة. أول ما شافتني، قامت واخداني على جنب وقالت لي وقلق الدنيا في عينها: “عملتي إيه يا بنتي؟ وشك منور بس قلبي وكلني.”

ابتسمت لها وبست إيدها وقلت: “رديت اعتباري يا أمي. رحت الشركة وجبت حقي قدام الكل، وقدّمت استقالتي.. أنا مش هقعد في مكان فيه الخيانة والظلم عين عينك كده.”

أمي دمعت، بس المرة دي كانت دموع فخر، طبطبت على كتفي وقالت: “جدعة يا بنتي، أبوكي الله يرحمه ما سابش وراه حريم تتكسر. والرزق بتاع ربنا، الشغل يغور، والمهم راسك تفضل مرفوعة.”

عدى اليومين اللي بعدهم في هدوء حذر. كنت قاعدة مع الأستاذ فريد المحامي في مكتبه، بنمضي على أوراق قض..ية الطلاق للضرر، وقضايا النفقة والتمكين من شقة الزوجية. الأستاذ فريد بص لي من فوق نظارته وقال بيطمنّي:

“إحنا موقفنا زي الحديد يا هناء. شهادة زمايلك في الشركة عن اللي حصل، واعترافه هو بنفسه باللي عمله، مع المحضر اللي هنثبت فيه طردك من البيت، كل ده يخلي القاضي يحكم لك وبسرعة. الشقة هترجعيها معززة مكرمة بالولاد، وهو اللي هيلف حوالين نفسه.”

وفعلاً، بعد أسبوع واحد من الفضيحة، بركان حسين انفجر بس المرة دي برا الشركة..

كنت قاعدة مع الولاد بنذاكر، ولقت جرس الباب بيرن بهستيرية. أمي راحت تفتح، ولقينا حسين واقف على الباب، بس مكنش حسين بتاع زمان.. مكنش المدير الرزين ولا المراهق اللي داخل يكسر الأوضة. كان وشه شاحب، لبسه مش متظبط، وعينه فيها كمية غل وخوف متداري.

حاول يزق الباب ويدخل وهو بيزعق: “فين هناء؟ خلّيها تطلع لي! الست هانم رافعة عليا قضايا وميدانيش تمكين من الشقة؟ وعايزة تخرب بيتي؟”

قمت وقفت بكل ثبات وطلعت له عند الباب، وقفت بينه وبين أمي والولاد، وقلت له بنبرة صوت حادة زي الموس:

“البيت ده إنت اللي خربته لما مديت إيدك، ولما فكرت إنك تقدر تدوس عليا عشان ترضي الست ميرنا. إنت جاي هنا ليه يا حسين؟”

حسين بص لي، وحسيت بنبرة صوته اتهزت وهو بيقول: “انتي فاكرة نفسك هتكسبني؟ أنا هفصلك من الشغل.. أقصد.. إحنا خسرنا مكاننا في الشركة بسببك! ميرنا قدمت استقالتها بعد الفضيحة اللي عملتيها، والمدير العام لفت نظري وأجبرني أخد إجازة مفتوحة بسبب الشوشرة! ارتاحي كده؟ بوظتي شغلي وشغل البنت، وعايزة تاخدي شقتي كمان؟”

ضحكت بصوت عالي، ضحكة هزت كيانه، وقلت له:

“يعني ميرنا سابتك لما لقت السِلم اتهد؟ ولما لقتك مبقتش مدير الحسابات اللي بيمضي لها على ورقها ويداري على خيبتها؟ وبتقول لي بوظت شغلك؟ الشغل ده أنا اللي سيبته بكرامتي، إنما إنت مطرود ومغضوب عليك بسبب مراهقتك. والشقة دي مش شقتك لوحدك، دي شقة ولادي اللي كنت عايز تشحنّي برة البيت عشان خاطرها.”

حسين رفع إيده وهو بيترعش من الغضب: “أنا هوريكي يا هناء.. مش هطول مليم واحد مني، وهخليكي تلفي ورايا في المحاكم!”

وقبل ما يكمل كلمته، لقيت الأستاذ فريد المحامي طالع على السلم ومعه اتنين رجالة، وبص لحسين وقال بصوت جهوري:

“المحاكم اللي بتهدد بيها دي يا أستاذ حسين، إحنا اللي بدأناها. والورقة اللي في إيدي دي إعلان رسمي بالقضايا. اتفضل امشى بالذوق، بدل ما أطلب لك النجدة ونعمل محضر عدم تعرض هنا وتبقى فضيحتك بجلاجل في المنطقة كمان بعد الشركة!”

حسين بص حواليه، لقى الجيران بدؤوا يفتحوا الأبواب ويبصوا عليه، ولقى نفسه وحيد، خسران كل حاجة؛ خسر مراته اللي صايناله بيته، خسر ميرنا اللي جريت أول ما المركب غلقت، وخسر برستيجه في الشركة وفي وسط الناس.

لف ضهره ونزل السلم وهو بيبرطم ويجر أذيال الخيبة. قفلت الباب ورايا، وبصيت لأمي وللأستاذ فريد، ونفست عن صدري براحة. المشوار لسه فيه محاكم وجولات، بس أنا مكنتش خايفة.. أنا كنت حاسة إن كل خطوة باخدها بتبني هناء الجديدة، الست اللي مش هتقبل بنص عيش ولا بنص احترام، واللي هتعيش راسها مرفوعة ومبتنحنيش لأي عاصفة.

مرت الأيام والشهور، وجولات المحاكم بدأت تاخد شكلها الرسمي. حسين حاول بكل الطرق يماطل؛ يبعت ناس واسطة من قرايبه عشان أتنازل عن القضايا ونرجع، ولما يلاقيني قافلة الباب تماماً، يرجع يهدد من تاني إنه هيسحب عياله مني ويحرمني من المصاريف. بس الأستاذ فريد كان واقف له بالمرصاد، وكل خطوة كان بيحسبها بالملّي.

الحقيقة، الخبطة اللي حسين أخدها في الشركة مكانتش سهلة. ميرنا زي ما توقعت بالظبط، أول ما حست إن المركب بتغرق وإن “حسين” مبقاش الحصان الرابح اللي هيشيل عنها الشغل ويترقى على كتافه، نفضت إيدها منه تماماً وقدمت استقالتها، وسمعت من زمايلي القدام إنها راحت شركة تانية تدور على “صيد جديد”. أما حسين، فالإجازة المفتوحة اللي أخدها اتحولت لقرار نقل لفرع أصغر وبمرتب أقل، بعد ما الإدارة لقت إن برستيجه كمدير حسابات اتهز، ومبقاش ليه عين يملى مركزه قدام الموظفين.

في يوم، كنت قاعدة في الصالة عند أمي، والباب رن. فتحت لقيت محضر ومعاه قرار التمكين من الشقة.

أمي زغرطت من قلبها، والولاد كانوا بيتنططوا من الفرحة وهم مش فاهمين أوي أبعاد الموضوع، بس كفاية إنهم راجعين لأوضتهم ولعبهم.

يوم تنفيذ القرار، رحت ومعايا الأستاذ فريد وقوة من الشرطة عشان أستلم الشقة. حسين كان واقف هناك، ملامحه كانت دبلانة، والبيت من غيري كان يضرب يقلب؛ السجاير في كل حتة، والمواعين متكومة، كأنه كان عايش في خرابة. بص لي وهو بيلم آخر حاجتين ليه في شنطة، وقال بصوت مكسور ومن غير زعيق:

“ارتحتي يا هناء؟ أهو البيت فضي عليا، وخسرت كل حاجة.. الشغل، والبرستيج، وانتي والولاد. مكنتش تسوى كل ده.”

بصيت حوليا في الشقة اللي تعبت في كل ركن فيها كمهندسة ديكور وكست بيت، وقلت له ومن غير غل، بس بمنتهى الجفاء:

“إنت اللي اخترت يا حسين. اخترت تبيع العِشرة والأصل عشان سراب، وفكرت إن الطيبة ضعف. اللي بيعمل بأصله مبيخسرش، وإنت خسرت نفسك قبل ما تخسرنا.”

ساب الشقة ومشي، وقفلت الباب ورايا. أول حاجة عملتها إني فتحت الشبابيك كلها عشان أدخل الشمس والهوا النضيف، وكأني بطرد آخر طيف ليه من حياتي.

الشهور اللي بعد كده كانت مرحلة “بناء هناء الجديدة”. بمساعدة زمايل قدام ومعارفي في مجال الديكور، بدأت أشتغل “فري لانس” (عمل حر). صممت كذا شقة ومكتب، والناس بدأت تتكلم عن شغلي ولمستي الخاصة. المرتب مكنش ثابت زي الشركة، بس الإحساس بالحرية والنجاح كان بيعوض أي حاجة. بقيت بنزل شغلي وراسي مرفوعة، برجع لبيتي وولادي وأنا كلي طاقة وأمان.

بعد سنة كاملة من القض..ية الأولى، المحكمة حكمت لي بالطلاق النهائي للضرر، وبكامل حقوقي المؤجلة والنفقة.

يوم ما استلمت ورقة الطلاق في إيدي، وقفت في بلكونة شقتي، وبصيت للسما. مكنتش حاسة بالندم، ولا حتى بالحزن على الست سنين اللي ضاعوا. أنا كنت حاسة بالفخر.. الفخر إني مسمحتش لكرامتي تتأكل، وإني علمت ولادي إن الست مش حيطة مايلة، وإن الحق لما بيموت في قلوب الظالمين، بيرجع بصوت القانون وبقوة السعي.

حسين عاش في دوامته بيدور على نفسه، وأنا كملت طريقي، مش بس كمهندسة ناجحة وأم قوية، لأ.. كإنسانة عرفت قيمتها بجد، ومستحيل ترضى بأقل مما تستحق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *