من كتر الغل والحقد
من كتر الغل والحقد المالي قلوبهم، قطعوا لها ال 4 فساتين بتوع فرحها قبل الساعات الأخيرة من ليلتها الكبيرة.. كانوا فاكرين إنهم كسروا فرحتها وهيقعدوها في البيت بدموعها، بس ميعرفوش إنها هتوصل الفرح بحاجة خلت عيلتها كلها توطي راسها في الأرض من الكسوف والندم!
من كتر الغل والحقد المالي قلوبهم، قطعوا لها ال 4 فساتين بتوع فرحها قبل الساعات الأخيرة من ليلتها الكبيرة.. كانوا فاكرين إنهم كسروا فرحتها وهيقعدوها في البيت بدموعها، بس ميعرفوش إنها هتوصل الفرح بحاجة خلت عيلتها كلها توطي راسها في الأرض من الكسوف والندم! الأوضة كانت مليانة بريحة الداوني وورق الفساتين الجديد، واللمبة بتاعة الدولاب منورة على أربع شنط فساتين كبار، وكل ما مريم تمشي صوابعها عليهم تحس بالدانتيل والخرز وتطمن إن حلمها خلاص بيتحقق، ولأول مرة من أسابيع طويلة سابت نفسها تتنفس براحتها وتفرح. الناس في مصر دايماً بتقول إن الأفراح بتهدي النفوس وبتجمع العيلة، والكلام ده مريم كانت بتسمعه كتير من جاراتها والستات في السوق، بس جوة بيت مريم الوضع كان مختلف تماماً، الفرح مهدّاش النفوس بالعكس، ده خلاهم يطلعوا كل الغل اللي في قلوبهم قبل الميعاد. مريم كان عندها اتنين وتلاتين سنة، شغالة كابتن طيار بشرطة الطيران المدني بمطار القاهرة، من الستات اللي تصحى قبل الفجر تكوي بدلتها الميري وتهتم بكل تفصيلة في رتبتها، وعندها ثبات انفعالي يخليها تحل أي کاړثة وهي هادية. طول عمرهم بيقولوا عليها ناشفة ومتكبرة عشان مكنتش بتقبل تتهان أو تعيش بالطريقة اللي أبوها عايز يفرضها عليها. أبوها الحاج رأفت كان بيكره فكرة إن بنته بتسافر وبتسوق طيارات وكلمتها بتمشي وعايشة حياتها بكرامتها، وأمها الحاجة كوثر كانت پتكره نجاحها بس ببرود، متزعقش زي رأفت لكن تتنهد وتبص الناحية التانية وتحسسها بالذنب كأنها عاملة چريمة، وأما حازم أخوها الصغير اللي عنده تمانية وعشرين سنة فده كان عايش عالة على الكل والكل بيدلعه ويسقف له على خيبته. العيلة لما تلاقيك ناجح وملتزم بيترجموا ده على إنه غرور وتكبر، وبيفتكروا إن كسرتك هي التربية والصح. خطيبها طارق كان مهندس من الإسكندرية، اتعرفوا على بعض في مأمورية شغل وقت أزمة وسيول والكل كان متبهدل، ومن يومها وهو بيحترمها ويشجعها ومطلبش منها أبداً تتنازل عن حلمها، وهنا مريم عرفت إنه الراجل اللي هيصونها. الفرح كان مترتب له في قاعة كبيرة، وقسيمة الجواز جاهزة في شنطتها جمب فواتير الفساتين اللي شرياهم بفلوسها وشقا عمرها، كانت منقية أربع فساتين عشان ليلتها فستان منفوش للميكب والفوتوسيشن، وفستان رقيق ل كتب الكتاب، وفستان تالت خفيف عشان حر الصيف، وفستان رابع سمبل خالص لأنها بتعشق البساطة. الساعة كانت عشرة بالليل لما صورت شنط الفساتين وهي متعلقة في الدولاب وبعتتها لطارق،
موقع أيام نيوز
ورد عليها في ثواني مش قادر أستنى لحد بكرة يا عروسة قلبي. برة الأوضة، كان رأفت قاعد بيبرطم قدام التلفزيون، وكوثر بترزع الحلل في المطبخ بضيق، وحازم بيضحك بصوت عالي مع أصحابه على الموبايل، محدش فيهم قالها مبروك ولا سألها محتاجة مساعدة وأنتِ مسافرة بكرة. على الساعة اتنين بعد نص الليل، البيت كله هدي ومبقاش فيه غير صوت التلاجة. مريم صحيت فجأة من غير ما تعرف السبب، سمعت تزييق خفيف في باب الدولاب، وبعدها خطوة رجل حذرة، وصوت كيس بلاستيك بيتكرمش. جسمها اتمسمر في السرير، بس بحكم تدريبها وشغلها تغلبت على الخۏف وفي ثانية مدّت إيدها نورت أباجورة الأوضة. الصدمة كانت فوق الاحتمال، باب الدولاب كان مفتوح، وشنط الفساتين مقطوعة ومرمية في الأرض، فستان الفرح مقسوم نصين، وفستان كتب الكتاب الصدر بتاعه متبهدل ومتقطع بمقص، والستان والدانتيل بقى حتت صغيرة على السيراميك، أربع فساتين وتعب شهور وفرحة العمر كله اتهدت في ثانية قبل الفجر. مريم اترمت على ركبها في الأرض وصوابعها بترعش وهي بتلم القماش المتقطع والخرز اللي غرقان في الأرض، وفي اللحظة دي الباب اتفتح. رأفت كان واقف بالفانلة الداخلية وبنطلون البيجامة بكل برود، وكوثر واقفة ورا كتفه ومربعة إيديها وبتبص للغيط والخړاب وعينيها في الأرض، وحازم ساند على الحيطة وكاتم ضحكة خبيثة. الأوضة كلها اتجمدت، ومحدش فيهم نطق ولا قال كلمة مواساة. رأفت بص لها بجمود وقال أنتِ اللي عملتِ في نفسك كده. مريم بصت له وهي غرقانة وسط فساتينها اللي دفع ډم قلبها فيها من مرتبها وشغلها، ورأفت كمل بغل عشان تفوقي من الغرور اللي أنتِ فيه وتعرفي حجمك كويس ومتقوليش أنا أحسن منكم. مريم بصت لأمها بنظرة رجاء أخيرة، نظرة أي بنت لأمها في وقت الكسرة، بس كوثر دارت وشها وناولت بنتها ضهرها، وحازم ضحك بسخرية. رأفت قال وهو خارج بانتصار مفيش فساتين يعني مفيش فرح.. الموضوع انتهى. في الثانية دي، مريم كان نفسها تصرخ وتلم عليهم الجيران، كان نفسها ترمي القماش المتقطع في وش أبوها وتكسر تليفون حازم فوق راسه، بس معملتش أي حاجة من دي، سكتت خالص، وهدوءها كان مرعب.. الهدوء اللي بيسبق القرار المصيري في كابينة الطيارة وسط العاصفة. رأفت مشي وأمها وأخوها قفلوا الباب وراهم، ومريم فضلت قاعدة في الأرض لحد ما البيت كله نام. بعدين عينيها راحت لآخر الدولاب ورا الجواكت القديمة، وشافت الشنطة الخامسة اللي رأفت والكل نسوا إنها موجودة
أصلاً. مريم وقفت على رجليها بكل قوة، مسحت دمعتها بإيدها، ولما مدت إيدها تجيب الشنطة دي، كانت عارفة ومتاكدة إن اللي هتعمله بكرة في الفرح هيخلي عيلتها كلها توطي راسها في الأرض وميعرفوش يوروا وشهم للناس!
ياترى مريم هتعمل إيه بالشنطة الخامسة
دي؟ وإزاي هتقلب الطاولة على عيلتها في قلب الفرح وتكسر عينهم قدام الناس كلها؟ الصدمة اللي هتحصل بكرة محدش يتوقعها، والحكاية لسه هتبدأ!
مريم فتحت الشنطة الخامسة بإيد ثابتة، وطلعت منها فستان أبيض بسيط جدًا، من غير خرز ولا تطريز مبالغ فيه.
ابتسمت وسط دموعها.
ده كان أول فستان اشترته قبل شهور، ولما جابت الأربع فساتين التانيين احتفظت بيه احتياطًا، وقالت لنفسها وقتها يمكن ربنا يخبيلي فيه الخير.
قفلت الشنطة، وغسلت وشها، وبدلت هدومها، واتصلت بواحدة من زميلاتها في المطار.
قالت لها بهدوء
ممكن تيجي تاخديني؟
بعد أقل من نصف ساعة، كانت عربية زميلتها واقفة قدام البيت.
مريم خرجت من غير ما تصحي حد.
ومن غير ما تبص وراها.
…
الصبح، صحيت العيلة على صوت الموبايلات.
كل الناس بتسأل
العروسة راحت فين؟
رأفت افتكر إنها أكيد قاعدة ټعيط بعد اللي حصل.
ابتسم پشماتة وقال
هتعقل أخيرًا.
لكن بعد دقائق…
وصلته رسالة على تليفونه.
فتحها.
كانت صورة لمريم.
لابسة الفستان الأبيض البسيط.
واقفة قدام قاعة الفرح.
وجنبها طارق.
وتحت الصورة رسالة قصيرة
اللي بيتجوز إنسانة… مش بيتجوز فستان.
اتجمد مكانه.
…
في القاعة…
كل حاجة كانت ماشية بشكل طبيعي.
المدعوين موجودين.
الورد متزين.
والموسيقى الهادية مالية المكان.
أول ما مريم دخلت، الكل وقف.
مش لأن فستانها أغلى واحد.
لكن لأن ابتسامتها كانت أرقى من أي فستان.
طارق قرب منها، وباس إيدها قدام الناس كلها وقال
أنا كنت مستني أتجوزك… مش مستني فستان.
القاعة كلها سقفت.
وفي اللحظة دي…
دخل رأفت وكوثر وحازم.
وشوشهم كلها ثقة.
كانوا متوقعين يلاقوا الفرح متلغي.
لكن أول ما شافوا مريم داخلة وسط التصفيق…
اتجمدوا.
واحدة من قريباتهم قالت بصوت عالي
إيه يا حاج رأفت؟ سمعت إنكم قولتوا الفرح اتلغى!
ردت واحدة تانية
واضح إن العروسة أجدع من الكل.
الهمسات بدأت تزيد.
حد قال
دي البنت اللي جابت كل حاجة من تعبها.
وواحدة كبيرة في السن قالت وهي باصة لرأفت
اللي يكسر فرحة بنته… عمره ما يكسب احترام الناس.
رأفت حس لأول مرة إن الأرض بتتهز تحت رجليه.
…
بعد كتب الكتاب…
مريم طلبت الميكروفون.
القاعة سكتت.
قالت بابتسامة هادية
أنا مش هتكلم عشان أفضح حد.
وسكتت ثانيتين.
لكن هقول كلمة واحدة لكل أب أو أم… متبقوش أول ناس ټكسروا ولادكم.
الناس كلها كانت مركزة معاها.
وأضافت
الفساتين اللي اتقطعت كانت مجرد قماش… لكن اللي بيكسر قلب بنته أو ابنه، الچرح ده بيفضل سنين.
كوثر بدأت ټعيط.
أما حازم فوشه احمر من الإحراج.
ومريم كملت
أنا مسامحة… لكن المسامحة مش معناها إني هرجع أعيش نفس الۏجع.
وسابت الميكروفون.
القاعة كلها وقفت تصفق.
…
بعد انتهاء الفرح، طارق أخد مريم وخرجوا من القاعة.
قبل ما يركبوا العربية، وقف قدامها وقال
في حاجة لازم تشوفيها.
فتح شنطة العربية.
كانت مليانة أربع علب كبيرة.
فتح أول واحدة.
جواها فستان جديد.
وفتح التانية…
والتالتة…
والرابعة.
ابتسم وقال
أنا عرفت اللي حصل من زميلتك بالليل… ونزلت قبل الفجر لفيت على محلات كتير لحد ما جبتلك أربعة فساتين جداد.
مريم دموعها نزلت.
وقالت
بس أنا اتجوزت خلاص.
ضحك وقال
عارف… دول لكل ذكرى حلوة بينا بعد كده… علشان محدش يقدر يسرق منك الفرحة تاني.
حضنته وهي پتبكي.
ولأول مرة حست إن ربنا عوضها عن
سنين كاملة من القسۏة.
…
بعد أسبوعين فقط…
وصل لمريم استدعاء من النيابة.
إحدى الجارات كانت مركبة كاميرا على مدخل العمارة.
الكاميرا صورت حازم وهو داخل أوضتها بعد منتصف الليل، ومعاه مقص كبير.
وصورته وهو خارج بعدها بدقائق.
ولما واجهوه بالفيديو…
اعترف.
قال إن أبوه هو اللي أمره يقطع الفساتين علشان الفرح يتلغى، والبنت ترضخ وتنفذ كلامهم.
القضية انتهت بحكم عليه بتعويض كامل عن قيمة الفساتين وكل التلفيات، مع إلزامه بالمصاريف.
أما رأفت…
فخسر احترام كل العيلة.
مبقاش حد يبرر تصرفاته.
حتى الناس اللي كانت بتقول ده أبوها وله حق، سكتت بعد ما عرفت الحقيقة.
…
مرت سنة.
مريم استمرت في شغلها، وحققت ترقية جديدة.
وكل مرة كانت تقلع بطائرتها في السماء، كانت تفتكر الليلة اللي حاولوا فيها يكسروا جناحاتها.
لكنهم فشلوا.
وفي أول عيد جواز ليها، دخل عليها طارق وهو شايل صندوق صغير.
فتحته.
لقيت جواه قطعة صغيرة من قماش الفستان الأبيض البسيط، متحطوطة في برواز زجاج.
وتحتها مكتوب
مش الفستان اللي صنع أجمل عروسة…
الكرامة هي اللي عملت كده.
ابتسمت، وعلقت البرواز في بيتها الجديد.
أما بيت أهلها…
فضل كما هو.
كله صمت.
وكل ما حد يجيب سيرة فرح مريم، كانت الرؤوس تنخفض خجلًا، لأن الجميع عرف أن البنت التي حاولوا كسرها، خرجت من بيتهم مرفوعة الرأس، بينما بقيت الخسارة الحقيقية من نصيب من ظنوا أن الحقد يمكن أن يهزم الكرامة.