كل يوم الجار بينده
قصة الجار اللي بينده باسـ . ـمها
“كل يوم من البلكونة، الجار العجوز كان بينادي مراتي باسـ . ـم مش اسـ . ـمها… وهي كانت كل مرة تتجمد، وأنا كنت بافتكر الراجل خـ . ـرف… لحد اليوم اللي ناداها فيه قدامي وقال: يا نادية… كفاية هرب.”
لحد اللحظة دي، أنا كنت فاكر إني فاهم الست اللي متجوزها.
فاكر إني عارف ضحكتها إمتى تبقى من قلبها، وسكوتها إمتى يبقى تعـ . ـب، ونظرتها إمتى تبقى زعل، وإمتى تبقى سرحان. كنت فاكر إن سبع سنين جواز كفاية يخلوك تعرف اللي نايم جـ . ـنبك، مهما كان غامض أو قليل الكلام.
بس الحقيقة إن فيه بشـ . ـر… حتى وهما في حـ . ـضنك، بيبقوا شايلين حتة مقفولة جواهم، حتة لو اتفتحت مرة واحدة، ممكن توقع البيت كله.
أنا اسـ . ـمي مازن. عندي 36 سنة. شغال في شـ . ـركة دعايا وإعلانات، ومتجوز يارا بقالي سبع سنين، وعندنا بنت واحدة اسـ . ـمها تيا، عندها خمس سنين، وعندها موهبة خارقة إنها تختار أسوأ وقت تقول فيه الحقيقة أو شبه الحقيقة.
إحنا كنا ساكنين في شقة إيجار قديم نسبيًا في عمارة متوسطة في مصر الجديدة. العمارة من بره شـ . ـكلها شيك، لكن من جوه فيها ريحة عمارات الزمن القديم: رخام بارد، أصوات أبواب تقيلة، سكان كل واحد فيهم شايل حكاية لوحده.
وكان في الدور المقابل لينا، شقة آخر الطرقة، ساكن فيها راجل عجوز اسـ . ـمه الحاج رفعت.
الراجل ده كان من النوع اللي أول ما تشوفه تقول عليه “طيب”، ولما تتعامل معاه تحس إن فيه حاجة مش مريحة. دايمًا واقف في البلكونة أو عند باب شقته، لابس جلابية نضيفة، شعره أبيض خفيف، وعينيه ثابتين بطريقة تخليك تحس إنه بيشوف اللي وراك، مش أنت.
في الأول، علاقتنا بيه كانت سطحية جدًا. صباح الخير، مساء النور، لو المصعد عطلان يقول كلمة، لو البواب غايب يعلّق. لكن بعد حوالي شهر من نقلتنا العمارة، بدأت المواقف الغريبة.
أول مرة حصلت، كنت أنا ويارا واقفين في البلكونة بنشـ . ـرب شاي بالليل، والدنيا هادية، والجو فيه نسـ . ـمتين حلوين على غير عادة أغسطس.
فجأة سـ . ـمعنا صوت الحاج رفعت من البلكونة اللي قدامنا بينادي:
“يا نادية…”
أنا بصيت ناحيته.
يارا اتجمدت.
ثانية واحدة بالظبط.
ثانية قصيرة جدًا، لكنها كانت واضحة.
بعدها بصتلي وضحكت وقالت:
“واضح إنه بينادي على حد تاني.”
وأنا فعلًا ماخدتش بالي من تجمدها وقتها، أو أخدت بالي وفسرته بشـ . ـكل بسيط.
الراجل بص ناحيتنا تاني، وقال بصوت أعلى:
“أصل هي دي نادية؟”
ضحكت وقلتله:
“لأ يا حاج، دي يارا.”
هز راسه وقال:
“آه… معلش، العين خانتني.”
وقفل الموضوع.
أنا نسيته بعدها بدقائق.
لكن يارا ما نسيتهوش.
شوفتها يومها وهي داخلة من البلكونة أسرع من الطبيعي.
وشوفتها وهي بتحاول تشتت الموضوع.
بس قلت: أكيد اتضايقت من اللخبطة وخلاص.
لحد تاني مرة.
تاني مرة كانت أوضح.
كنت راجع من الشغـ . ـل العصر، وواقف تحت العمارة بكلم واحد صاحبي في الموبايل، ولقيت يارا طالعة البقالة اللي جـ . ـنب البيت، شايلة كيسين خفاف، ماشية بسرعة. في نفس اللحظة، الحاج رفعت كان واقف في البلكونة.
أول ما شافها، مال بجسـ . ـمه شوية ونادى:
“يا نادية! استني.”
يارا وقفت.
مش الوقفة العادية.
لا.
وقفة واحدة حد ناداك باسـ . ـم ميـ . ـت بالنسبة له.
لفت ببطء.
بصت فوق.
وشها شحب.
أنا هنا قفلت المكالمة، وفضلت واقف مكاني تحت العمارة، مش ظاهر لهم قوي.
الحاج رفعت قال بصوت واضح:
“مش هتفضلي هربانة كتير.”
قلبي ضـ . ـرب خبطة قوية.
يارا ردت بسرعة، بعصبـ . ـية مضغوطة:
“أنا اسـ . ـمي يارا.”
قال وهو باصص لها في ثبات:
“يمكن.”
وساب البلكونة ودخل.
أنا ساعتها طلعت السلم بسرعة، بس لما وصلت، كانت دخلت الشقة بالفعل.
دخلت وراها، لقيتها حاطة الأكياس على الرخامـ . ـة، وبتحاول تتصرف عادي بشـ . ـكل مقصود زيادة عن اللزوم.
قلت لها:
“هو الراجل ده ماله؟”
قالت وهي بتفك الكيس:
“مين؟”
قلت:
“الحاج رفعت.”
قالت:
“معرفش، شـ . ـكله خـ . ـرف.”
قلت وأنا مركز في وشها:
“هو ليه بيناديكي باسـ . ـم نادية؟”
ضحكت ضحـ . ـكة صغيرة مصطنعة وقالت:
“ماقولتلك خـ . ـرف.”
قلت:
“طب ليه قالك مش هتفضلي هربانة كتير؟”
هنا بقى، إيديها وقفت ثانية.
ورجعت تتحرك تاني.
قالت من غير ما تبصلي:
“ماسـ . ـمعتش الجملة دي.”
قلت:
“أنا سـ . ـمعتها.”
قالت:
“يمكن يقصد حد تاني.”
قلت:
“حد تاني مين؟ إنتي واقفة لوحدك.”
لفت ناحيتي، وقالت بنبرة دفاع سريعة:
“يعني إيه؟ هو أنا أعرفه؟”
الجملة نفسها كانت عادية، لكن طريقتها ما كانتش.
أنا كنت متجوز ست هادية بطبعها، مش بتعلّي صوتها بسهولة، ومش بتحب المواجهات. لكن لما بتبقى خايـ . ـفة من حاجة، بيبان عليها في نفس العلامـ . ـات كل مرة: سرعة ردود، ضحـ . ـكة ناشفة، وشيها بيشد، وإيدها بتقلب في أي حاجة قدامها من غير لازمة.
وده كله كان حاصل قدامي.
بس برضه… ماحبتش أظلـ . ـمها.
قلت في سري: يمكن فعلًا راجل مخـ . ـرف، وخلاص.
بس من بعد اليوم ده، بقيت ألاحظ حاجة ماكنتش واخد بالي منها:
يارا بتتجـ . ـنب البلكونة.
أيوه. الست اللي كانت كل يوم العصر تقعد تسقي الزرع عشـ . ـر دقايق، وتعلق الغسيل، وتقف تتفرج على الشارع، فجأة بقت تبعتني أنا أعمل كل حاجة.
“معلش يا مازن علّق القميصين دول.”
“بص على الزرع لو سـ . ـمحت.”
“هاتلي الكرسي من البلكونة.”
في الأول، ماجمعتهاش.
لكن بعد أسبوع تقريبًا، لقيت نفسي واقف بسقي الزرع بدلها، وبصيت ناحية بلكونة الحاج رفعت… لقيته واقف فعلًا، وباصص ناحية شقتنا.
مش ناحيتي.
ناحية الصالة من جوه.
كأنه مستنيها.
ساعتها أول شـ . ـرارة شـ . ـك حقيقية دخلت قلبي.
أنا بطبعي مش راجل شـ . ـكاك. بس برضه مش غبـ . ـي.
فيه حاجات بتحس بيها، مش لازم تمسكها بإيدك.
التوتـ . ـر اللي في البيت زاد.
يارا بقت أكثر شـ . ـرودًا.
كل ما ييجي سيرة الراجل، تقفل الكلام بسرعة.
ولو جرس الباب رن فجأة، تبص بعين متوسعة للحظة قبل ما تهدى.
أنا ابتديت أسأل نفسي أسئلة أنا أصلًا كنت بحتقر الناس اللي بتسألها.
هل يارا كانت تعرفه من قبل؟
هل كان فيه حاجة قديمة بينهم؟
هل “نادية” دي اسـ . ـم كانت مستخبيّة وراه؟
هل مراتي أصلًا مش اسـ . ـمها الحقيقي يارا؟
أنا عارف إن الأفكار دي شـ . ـكلها مجـ . ـنون.
بس لما جارك العجوز يبص لمراتك بالطريقة دي، ويناديها باسـ . ـم غير اسـ . ـمها، وهي كل مرة تتوتـ . ـر وتحاول تهرب، أنت مش بتفكر بمنطق كامل… أنت بتفكر بوجـ . ـع.
وفي ليلة، كنت راجع متأخر من الشغـ . ـل، ولقيت يارا في الحمام. موبايلها كان على الكنبة، وراح عليه إشعار واتساب.
ما كنتش من النوع اللي يفتش ورا مراته. لكن الاسـ . ـم اللي ظهر خلاني أحس إن الدنيا مسكت في رقبتي.
“الحاج رفعت”
الإشعار كان قصير:
“لازم نتكلم.”
أنا وقفت باصص للشاشة، كأنها هتشـ . ـرحلي نفسها.
مفيش قلوب.
مفيش كلام قديم ظاهر.
بس الرسالة وحدها كانت كفاية تحوّل الشـ . ـك لنـ . ـار.
يعني إيه “لازم نتكلم”؟
إيه اللي بين جوزتي والراجل العجوز ده أصلًا؟
في ثانية واحدة، قدرت أتخيل ألف قصة.
فيها سر قديم.
فيها عـ . ـلاقة محـ . ـرمة.
فيها اسـ . ـم متغيّر.
فيها هروب.
فيها راجل من الماضي رجع يفضـ . ـح كل حاجة.
إيدي راحت للموبايل.
كنت هفتحه.
لكن صوت باب الحمام اتفتح.
سيبته مكانه بسرعة، وقعدت كأني بتفرج على التلفـ . ـزيون.
هي طلعت، وشافت الموبايل، وخدت بالها من الإشعار فورًا.
أنا شايف عينها وقـ . ـعت على الشاشة.
شايف لون وشها اتغير.
رفعت عيني وقلت بهدوء مصطنع:
“الحاج رفعت بيبعتلك؟”
وقفت مكانها.
ثم قالت بسرعة:
“كان بيسأل على البواب.”
أنا ضحكت جوه نفسي.
الراجل العجوز معندوش تليفون البواب… عنده تليفون مراتي؟
قلت:
“وبيسألك إنتي؟”
قالت:
“عشان مرة كنت باعتاله رقم السباك لما المواسير عنده كانت بايظة.”
قلت:
“لازم نتكلم… دي على البواب؟”
قالت:
“يمكن عايز يشتكي من حاجة.”
أنا سبت الريمـ . ـوتعلى الترابيزة، وبصيت لها مباشـ . ـرة:
“هو في إيه بينك وبينه؟”
هنا حصلت لحظة صمت تقيلة.
وبعدين قالت بعصبـ . ـية:
“مفيش حاجة.”
قلت:
“طب هاتِ الموبايل.”
قالت فورًا:
“ليه؟”
قلت:
“نشوف الرسايل.”
قالت:
“إنت مش من حقك—”
قاطعتها:
“من حقي جدًا لما يبقى راجل بيبعت لمراتي لازم نتكلم.”
هي مسكت الموبايل بإيدها، وفضلت باصة لي.
وشها فيه غضـ . ـب.
وفيه خـ . ـوف.
وفيه… حـ . ـزن؟
قالت بصوت منخفض:
“أنا مش هديك الموبايل.”
الجملة دي كانت كافية تخليني أقوم واقف.
قلت:
“ليه؟”
قالت:
“عشان مش كل حاجة ينفع تتقري بالطريقة دي.”
قلت:
“يعني في حاجة.”
قالت بسرعة:
“مش زي ما إنت فاهم.”
قلت وأنا الصوت بيعلى رغمًا عني:
“أمال زي إيه؟”
قالت:
“ماقدرش أقولك دلوقتي.”
وهنا… أنا خلاص.
خلاص ما بقتش شايف قدامي غير أسوأ احتمال.
مش لأنها خبت رسالة.
لكن لأنها قالت الجملة اللي أي راجل يكـ . ـره يسـ . ـمعها من مراته:
“مش زي ما إنت فاهم.”
الجملة دي عمرها ما بتطمن حد.
دي بتفتح أبواب سودا أكتر.
أنا ماكلمتهاش بقية الليلة.
وهي ما حاولتش تشـ . ـرح أكتر.
وده زود الشـ . ـك بدل ما يهديه.
تاني يوم الصبح، وأنا لابس عشان أنزل، لقيت تيا قاعدة بتلون على الترابيزة الصغيرة في الصالة. قلتلها بهزار:
“مامي كانت بتكلم مين امبارح؟”
قالت من غير ما ترفع عينها من الورقة:
“الراجل اللي بيزعق من البلكونة.”
قلبي شد.
قلت:
“كان هنا؟”
قالت:
“لأ… على التليفون. ومامي قالتله ماينفعش.”
أنا ساعتها حسيت بشيء زي التلج في ضهري.
يعني فيه مكالمـ . ـات كمان.
قلت:
“قالتله إيه تاني؟”
قالت وهي لسه بتلون:
“قالتله لو ما بطلتش هاقول لمازن.”
الاسـ . ـم طلع من بوق بنتي كأنه طلقة.
أنا نزلت الشغـ . ـل وأنا مش شايف.
في العربية، دماغي كانت بتعيد الجملة ألف مرة:
“لو ما بطلتش هاقول لمازن.”
بطّل إيه؟
بطّل يبتزها؟
بطّل يهددها؟
بطّل يفتكر إنه له حق عندها؟
ولا بطّل يطلب منها حاجة قديمة بينهم؟
كل الاحتمالات وسـ . ـخة.
وفي عز الغـ . ـليان ده، عملت الغـ . ـلـ . ـطة اللي كل واحد بيقول لنفسه مش هيعملها.
ما رحتش الشغـ . ـل.
قعدت في عربية على أول الشارع، تحت البيت، وقررت أراقب.
أنا عمري ما تخيلت نفسي في الوضع ده.
راجل نازل الصبح يتجسس على بيته.
بس الإنسان لما بيتوجـ . ـع في كرامته، بيعمل حاجات كان بيحتقرها.
من 9 لحد 12، ماحصلش حاجة.
البواب طلع نزل.
ساعي بريد.
مندوب.
جارتنا أم سليم.
لكن ماحدش دخل يخص الحاج رفعت، ولا حد جه لشقتنا.
في 12:20، يارا خرجت مع تيا.
أنا تابعتهـ . ـم بعيني.
راحوا السوبر ماركت اللي عند أول الشارع.
رجعوا بعد عشـ . ـرين دقيقة.
وفي اللحظة اللي دخلوا فيها العمارة، الحاج رفعت ظهر في البلكونة ونادى:
“يا نادية!”
يارا ما رفعتش عينها.
هو كمل:
“إنتي فاكرة إن السكوت هيضيع الحق؟”
أنا حسيت النـ . ـار ولـ . ـعت جوه صدري.
يارا دخلت العمارة بسرعة، من غير ما ترد.
والراجل فضل واقف، باصص لتحت، كأنه متعمد يتسـ . ـمع.
أنا ماقدرتش أكمل دقيقة واحدة.
نزلت من العربية، وطلعت العمارة.
وصلت الدور وأنا سامع صوت باب شقتنا بيتقفل.
ولقيت الحاج رفعت لسه واقف عند باب شقته، كأنه مستنيني.
بصلي وقال بهدوء غريب:
“خير يا أستاذ مازن؟”
أنا قربت منه، وقلت من بين سناني:
“إنت إيه حكايتك مع مراتي؟”
هو بصلي كام ثانية.
ولا اتهز، ولا خـ . ـاف، ولا حتى استغرب.
قال:
“مراتك؟”
قلت:
“آه مراتي. اللي إنت كل يوم بتناديها باسـ . ـم نادية.”
قال:
“وأنا ماأنكرش.”
أنا قربت أكتر، وقلت:
“إيه اللي بينك وبينها؟”
هنا بقى، الراجل عمل حاجة ما توقـ . ـعتهاش.
ابتسـ . ـم.
ابتسامة صغيرة، مرهقة، فيها وجـ . ـع قديم.
وقال:
“أسألها هي.”
أنا حسيت إيدي هتتمد عليه.
قلت بعصبـ . ـية:
“لو قربت من مراتي أو كلمتها تاني—”
قاطـ . ـعني وقال بهدوء ثابت:
“أنا لا بقرب، ولا بطلب، ولا باخد. أنا بس بنادي على الاسـ . ـم اللي أعرفه.”
أنا بصيتله بعدم تصديق.
قال:
“مش كل اسـ . ـم بيتقال يبقى فضيحـ . ـة يا أستاذ مازن.”
وقفل باب شقته في وشي.
وأنا لأول مرة… خفت.
مش منه.
من المعنى.
دخلت شقتي وأنا خلاص مش شايف غير سينـ . ـاريو واحد:
مراتي ليها ماضي استخبّى.
اسـ . ـمها مش يارا.
والراجل ده يعرفها من زمان.
وراجع دلوقتي يضغط عليها أو يهددها أو يذكّرها بحاجة.
دخلت لقيتها بتحط الأكياس في المطبخ.
قلت من غير مقدمـ . ـات:
“هو قاللي اسألها هي.”
وقفت مكانها.
ولا سألت مين.
ولا قالت قالك إيه.
كأنها كانت متوقعة.
قلت:
“دلوقتي هتقعدي وتتكلمي.”
قالت وهي مغمضة عينيها:
“مش دلوقتي.”
قلت:
“بل دلوقتي.”
قالت:
“مازن… الموضوع مش سهل.”
قلت وأنا قربت منها:
“اللي مش سهل أكتر إني أحس إني عايش مع واحدة معرفهاش.”
الجملة وجـ . ـعتها.
شوفتها في عينها.
لكنها قالت:
“أنا هي أنا. والله أنا هي.”
قلت:
“طب نادية مين؟”
سكتت.
قلت:
“هو كان يعرفك قبل الجواز؟”
سكتت.
قلت بصوت أعلى:
“كان فيه حاجة بينكم؟”
هنا رفعت عينها لي فجأة، بعنـ . ـف، وقالت:
“إنت قليل الأدب.”
أنا اتفاجئت من الرد.
بس برضه ده ما وقفنيش.
قلت:
“طب جاوبيني.”
قالت وهي بتلهث من التوتـ . ـر:
“مفيش اللي إنت فاكـ . ـره.”
قلت:
“أمال فيه إيه؟”
قالت:
“الموضوع مش بتاعي لوحدي.”
الجملة دي خلّتني أهدى لحظة… لكن شـ . ـكّي ما هديش.
مش بتاعها لوحدها؟
يعني فيه حد تاني؟
حد من أهلها؟
حد من الماضي؟
حد شـ . ـريكها في السر؟
قلت:
“يعني إيه مش بتاعك لوحدك؟”
قالت:
“يعني لو اتقال… حياتك إنت كمان هتتغير.”
والله لو كانت رمت قنبلة في الصالة ماكانتش أثرت فيا بالشـ . ـكل ده.
قلت ببطء:
“حياتي أنا؟”
هزت راسها.
قلت:
“هو أنا طلعت أعرفه كمان؟”
قالت:
“أكتر ما إنت متخيل.”
في اللحظة دي، أنا بصراحة فقدت السيطرة.
مسكت الكرسي اللي قدامي وزقيته بعيد بعصبـ . ـية، وقلت:
“كفاية ألغاز! أنا مش ناقص! يا تقولي دلوقتي يا أنا هطلعله أخلص معاه بنفسي.”
جريت هي ناحيتي بسرعة، وقالت لأول مرة بصوت عالي فعلًا:
“لا! ما تطلعلهوش!”
وقفت.
أنا كنت سامع نفسي بيتنفس.
قلت:
“ليه؟”
قالت وشفايفها بتترعش:
“عشان لو طلعتله دلوقتي هتبوّظ كل حاجة.”
قلت:
“إيه هي كل حاجة؟”
قالت بعد صمت طويل:
“أصلًا… هو مش المفروض كان يعرف إني هنا.”
أنا حسيت إن الأرض اتحركت.
يعني إيه مش المفروض يعرف؟
يعني هربانة منه؟
يعني كان بيدور عليها؟
يعني رجع بعد سنين؟
وأنا رغم إني كنت شايفها مرعـ . ـوبة، مخي كان بياخدني ناحية حاجة واحدة بس:
الراجل ده كان في حياتها قبلّي.
الليل ده كان خنـ . ـقة.
هي نايمة جـ . ـنبي، لكن بينا حيطان.
وأنا كل ما أبص لوشها، أشوف سؤال.
هو إيه اللي كان قبلّي؟
وإزاي ماعرفتوش؟
وإزاي راجل عجوز من العمارة يقلب حياتنا بالشـ . ـكل ده؟
الساعة كانت 2 تقريبًا، وأنا صاحي، لما حسيت بيها قامت من جـ . ـنبّي بهدوء.
فتحت عين نص فتحة.
شوفتها بتاخد الموبايل وتطلع الصالة.
قلبي نط.
استنيت كام ثانية، وطلعت وراها من غير صوت.
لقيتها واقفة في البلكونة… في الضلمة… وبتتكلم واطي في الموبايل.
ما كنتش سامع كل الكلام، لكن سـ . ـمعت:
“أنا قلتلك بلاش…”
“…مش هنا…”
“…هو شاكك…”
“…أنا مش هقدر أخبي أكتر من كده…”
حسيت إن الدم سخن في وشي.
هي ساكتة لحظة… وبعدين قالت:
“طب بكرة. آخر مرة.”
آخر مرة.
الجملة دي كانت كفاية تكسـ . ـر أي احتمال بريء في دماغي.
رجعت أوضة النوم قبل ما تشوفني.
ونمت دور المتغفل.
وهي دخلت بعد دقايق ونامت جـ . ـنبي كأن مافيش حاجة.
ومن ساعتها، أنا اتخذت قرار.
لازم أعرف بنفسي.
تاني يوم، ادعيت إني نازل شغـ . ـل عادي.
لكن بعد ساعة، رجعت العمارة من السلم الجانبي اللي قليل الاستخدام، واستخبيت في نص الدور اللي فيه منور صغير شايف باب شقتنا وباب الحاج رفعت.
عارف إن اللي عملته ده حقير.
وعارف إن الثقة لو وصلت للمرحلة دي يبقى في كارثـ . ـة.
بس أنا وقتها ماكنتش شايف إلا الحقيقة… بأي تمن.
فضلت واقف أكتر من ساعة.
لحد ما في 11 ونص تقريبًا، باب شقتنا اتفتح.
خرجت يارا.
لابسة إسدال البيت، وماسكه شنطة صغيرة.
بصت يمين وشمال، وبعدين خبطت على باب الحاج رفعت.
قلبي وقع.
هي اللي خبطت.
يعني العـ . ـلاقة مش مطاردة من طرف واحد.
يعني في لقاء فعلي.
يعني في كلام من ورايا.
يعني كل شـ . ـكوكي كانت ماشية في السكة الصح.
باب الحاج رفعت اتفتح، ودخلت.
أقسـ . ـم بالله في اللحظة دي، كان نفسي أطلع أكسـ . ـر الباب.
لكن شيء ما وقفني.
غضـ . ـب؟
خـ . ـوف؟
فضول أعرف قبل ما أواجه؟
مش عارف.
وقفت بره حوالي عشـ . ـر دقايق.
أطول عشـ . ـر دقايق في حياتي.
كل ثانية كنت بتخيل فيها أسوأ من اللي قبلها.
تاريخ قديم.
لمـ . ـسة ممنوعة.
صور.
فضيحـ . ـة.
ابتزاز.
اسـ . ـم حقيقي.
حكاية كاملة متخبّية عني.
بعد عشـ . ـر دقايق، الباب اتفتح.
خرجت يارا.
وشها… كان عليه دمـ . ـوع.
مش بكـ . ـاء هستيري.
لكن واضح إنها كانت بتعيـ . ـط.
وفي إيدها… ملف قديم.
أنا رجعت بسرعة ورا السلم قبل ما تشوفني.
وهي دخلت شقتنا تاني.
بعدها بدقيقتين، الباب اتفتح مرة كمان.
المرة دي الحاج رفعت خرج، وبص في الطرقة، وبعدين دخل تاني.
واضح إنه كان متأكد إنها راحت.
أنا فضلت واقف مكاني، حاسس إن غضـ . ـبي بقى ممزوج بحاجة تانية:
الخـ . ـوف من اللي في الملف.
استنيت نص ساعة، وبعدين دخلت البيت كأني جاي من بره.
لقيتها قاعدة في الصالة، والملف مش باين.
لكن عينيها حمرا.
قلت من غير أي لف:
“كنتي عنده.”
رفعت راسها لي، وسكتت.
قلت:
“شوفتك.”
هي بصّت لتحت.
قلت:
“وده آخر خيط صبر عندي. يا تقولي كل حاجة دلوقتي، يا والله ما هبات في البيت ده الليلة.”
هي فضلت ساكتة ثواني طويلة.
وبعدين قالت جملة غيرت كل اتجاه القصة:
“هو كان صاحب أبوك.”
أنا حسيت إني سـ . ـمعت غـ . ـلـ . ـط.
قلت:
“إيه؟”
قالت وهي بترفع عينها بالعافية:
“الحاج رفعت… كان صاحب أبوك من زمان. قوي.”
أنا اتسـ . ـمرت.
أبويا مـ . ـات من 12 سنة.
كان راجل صارم، محترم، قليل الكلام، وعمره ما جاب سيرة صاحب اسـ . ـمه رفعت.
قلت:
“وأنا إيه علاقتي؟”
قالت:
“علاقتك إن أبوك قبل ما يمـ . ـوت… كان بيدور على واحدة اسـ . ـمها نادية.”
نفسي وقف.
قلت ببطء:
“نادية مين؟”
قالت:
“أختك.”
أنا ماقدرتش أتكلم.
مش لأن الكلمة غريبة.
لكن لأنها مستحيلة.
أنا ابن وحيد.
طول عمري ابن وحيد.
مافيش أخوات.
قلت بصوت مبحوح:
“إنتِ اتهبـ . ـلتي؟”
قالت وهي دمـ . ـوعها بتنزل:
“يا ريتني.”
قعدت.
أيوه… حرفيًا رجلي ما شالتنيش.
وقعدت على الكنبة، وبصيت لها وأنا حاسس إني مش فاهم اللغة أصلًا.
قلت:
“قولي من الأول.”
قالت:
“الحاج رفعت عرفني من أول يوم شافني. أو بالأصح… افتكرني.”
قلت:
“افتكرك إنتي؟”
قالت:
“لأ. افتكرني شبه حد.”
قلت بعصبـ . ـية:
“مين؟”
قالت:
“نادية.”
وسكتت شوية، وبعدين كملت:
“نادية كانت بنت صغيرة مرتبطة بأبوك.”
قلبي دق بعنـ . ـف.
قلت:
“مرتبطة إزاي؟”
قالت:
“مرتبطة يعني… بنته.”
أنا هزيت راسي بعنـ . ـف.
“لأ.”
قالت:
“أيوه.”
قلت:
“مستحيل. أبويا عمره—”
قالت:
“ما أنا كنت بقول كده. وكنت فاكرة الراجل بيهذي. لحد ما مرة من كام شهر، وقفني تحت وقاللي: إنتي شبهها قوي. نفس العينين. نفس الوقفة. وسألني اسـ . ـم باباكي إيه.”
سكتت.
وأنا سامع قلبي أكتر منها.
قالت:
“لما قلتله اسـ . ـمك، واسـ . ـم والدك، الرجل اتهز. وقالي: ما تقوليش لمازن دلوقتي. استني. أنا لازم أتأكد.”
قلت:
“إنتِ صدّقتيه؟”
قالت:
“لأ. في الأول لأ. لكن بعدها بيومين، ناداني باسـ . ـم نادية وأنا لوحدي، وبعدين اعتذر. وبعدها بدأ يحكيلي. وقال إن أبوك زمان، قبل ما يتجوز والدتك، كان متجوز عرفي واحدة لفترة قصيرة، وخلف منها بنت. حصلت مشـ . ـاكل كبيرة، والبنت اتاخدت من أمها وربّاها ناس تانيين بعد وفـ . ـاة الأم. وأبوك فضّل سنين يدور عليها في السر.”
أنا كنت سامع، لكن حاسس إني بفصل.
قلت:
“والراجل ده عرف الكلام ده منين؟”
قالت:
“عشان هو كان صاحبه الوحيد اللي يعرف.”
قلت:
“طب هو جاب اسـ . ـمي أنا منين؟”
قالت:
“من أبوك نفسه. كان بيحكيله إنه لما خلّف ولد بعدين، حس إنه خان البنت الأولى أكتر.”
الجملة دي نزلت عليا تقيلة أوي.
تقيلة لدرجة إن الغضـ . ـب نفسه تراجع للحظة.
قلت:
“طب ليه بيناديكي باسـ . ـمها؟”
قالت بصوت مكسور:
“عشان أنا شبهها.”
أنا بصيتلها.
وأقسـ . ـم بالله، ساعتها لأول مرة، وأنا باصص في ملامحها، حسيت إن فيه فعلًا شيء مألوف غريب. مش ملامحها كزوجتي… لكن كأنها نسخة من صورة ممكن تبقى من عيلتي. حاجة مش واضحة، لكن مزعجة.
قلت:
“وإنتِ خبّيتي عليّا ليه؟”
قالت:
“عشان في الأول افتكرته خـ . ـرف. وبعدها لما جابلي صورة…”
قلت بسرعة:
“صورة؟”
قامت، ودخلت الأوضة، ورجعت بالملف القديم اللي شفتها خارجة بيه من شقته.
فتحته.
طلعت صورة قديمة مصفرة.
فيها أبويا… أصغر بكتير.
واقف جـ . ـنب ست شابة.
وشايل بنت صغيرة عندها تقريبًا 3 سنين.
والبنت دي…
شبه يارا.
مش شبه خفيف.
لأ.
الشبه اللي يخض.
في العينين.
في الفم.
حتى في رفعة الحاجب.
أنا مسكت الصورة بإيديا الاتنين، وبقيت ببص فيها كأني هطلع منها إجابة تانية.
قلت:
“دي… مين؟”
قالت:
“نادية.”
أنا حسيت إن الصالة بتلف بيا.
قلت:
“ولو ده صح… تبقي إنتِ مالك؟”
قالت:
“وده اللي أنا كنت بحاول أفهمه.”
وبعدين حكتلي.
قالت إن الحاج رفعت في أول مرة فاتحها في الموضوع، كان فاكـ . ـرها هي نادية نفسها بعد ما كبرت وغيّرت اسـ . ـمها. لكن لما عرف سنها، فهم إن ده مستحيل. ومع ذـ . لك، فضل مقتنع إن بينها وبين نادية صلة.
وسابها كام شهر، لحد ما لقى عنده صندوق قديم من حاجات أبويا كان محتفظ بيه من سنين، لسه ما فتحوش. ولما فتحه، لقى جواه شوية ورق وصور، وفي وسطهم خطاب مكتوب عليه:
“لو شوفت نادية أو أي حد يشبهها… بلغ مازن.”
اسـ . ـمي أنا.
أنا افتكرت قلبي وقف وقتها فعلًا.
قلت:
“خطاب من أبويا؟”
قالت:
“أيوه.”
طلّعتلي جواب قديم.
خط والدي.
أنا أعرفه كويس.
قرأته وإيدي بتترعش:
“يا رفعت، لو الأيام سبقتني، وشوفت نادية أو شوفت حد يشبهها بالشـ . ـكل اللي يفكرك بيها، بلغ مازن. يمكن هو اللي يكمل اللي أنا فشـ . ـلت فيه. أنا دوّرت كتير، ومش عارف أوصل. ولو وصل لأخته، قوله إني ما سبتهاش بإيدي. لكني سبتها بجبني، والجبن ساعات أسوأ من الخـ . ـيانة.”
أنا ماقدرتش أتنفس.
السطور كانت بتدبـ . ـحني.
“الجبن ساعات أسوأ من الخـ . ـيانة.”
يعني أبويا… كان عنده بنت فعلًا.
وسابها.
أو ضاعت منه.
أو ماعرفش يرجعها.
لكن في الآخر، كان عارف إنه غـ . ـلـ . ـطان.
قلت وأنا بصعوبة برجع أبص ليارا:
“طب ليه الحاج رفعت ما كلمنيش أنا من الأول؟”
قالت:
“قال إنه كان عايز يتأكد. وخـ . ـاف يقولك حاجة زي دي من غير دليل. ولما شافني، افتكر إن نادية رجعت. وبعدها لما عرف الحقيقة، قال يمكن شبهها مش صدفة.”
قلت:
“يعني إنتِ كنتِ بتقابليه من ورايا عشان…”
قالت:
“عشان أفهم. وعشان كنت خايـ . ـفة أقولك من غير ما يكون في ورق. كنت خايـ . ـفة تفتكرني مجـ . ـنونة… أو بتبني قصص.”
قلت وأنا بضحك بوجـ . ـع:
“وأنا طبعًا ما بنيتش قصص.”
هي نزلت عينها.
واضح إنها فهمت أنا عدّيت بإيه.
قلت:
“إيه اللي كنتِ بتكلميه فيه بالليل؟”
قالت:
“كان بيقولي إنه خلاص لازم تعرف. وإنه مش هيستحمل يمـ . ـوتقبل ما يقول.”
قلت:
“وليه قالك مش هتفضلي هربانة كتير؟”
هي اتنهدت وقالت:
“كان يقصد إني بتهرب من مواجهتك بالحقيقة… مش منه.”
أنا سكت.
كل الجمل اللي فهمتها أنا غـ . ـلـ . ـط… ابتدت تقلب معنى قدامي.
“لازم نتكلم.”
“لو ما بطلتش هاقول لمازن.”
“آخر مرة.”
“مش هتفضلي هربانة.”
كلها في دماغي كانت ماشية ناحية خـ . ـيانة أو فضيحـ . ـة.
وطلعت ماشية ناحية حاجة أوجـ . ـع بكتير:
عيلة ناقصة.
لكن برغم كل اللي اتقال، كان لسه في سؤال واحد أساسي:
فين نادية؟
لو هي أختي فعلًا… فين راحت؟
هل عايشة؟
هل تعرف عنّا حاجة؟
هل يارا شبهها صدفة وبس؟
ولا فيه صلة تانية؟
سألت يارا:
“قالك أي حاجة عن مكانها؟”
قالت:
“شوية خيوط.”
وراحت مطلعة من الملف ورقة فيها أسـ . ـماء وعناوين قديمة، وصورتين، وشهادة ميلاد باهتة.
اسـ . ـم الأم: سلوى فريد
اسـ . ـم الطفلة: نادية محمود
اسـ . ـم الأب… مش مكتمل، لكن الحرف الأول من اسـ . ـم أبويا واضح.
ورقة تانية كانت عنوان قديم في شبرا.
قلت:
“ليه ماقُلتيليش من أول يوم؟”
بصتلي وقالت بصراحة وجـ . ـعتني:
“عشان أول ما شوفت قد إيه الموضوع هيهزك، خـ . ـوفت. وبعدها كل ما كنت أقولك النهارده، أرجع أقول لما يبقى معايا دليل أكتر. ولما شـ . ـكيت فيا… خـ . ـوفت أكتر.”
الجملة الأخيرة نزلت تقيلة.
لأنها صح.
لو كانت قالتلي من أول مرة: “الجار بيناديني باسـ . ـم بنت أبوك القديمة”… كنت غالبًا هافتكـ . ـرها بتفبرك.
لكن برضه… الوجـ . ـع من إخفائها ماقلش.
قلت:
“إنتِ كنتِ لازم تثقي فيا.”
قالت:
“وأنت كنت لازم تثق فيا برضه.”
سكتنا.
والسكوت في اللحظة دي ما كانش هروب.
كان اعتراف ضمني إن كل واحد فينا غـ . ـلـ . ـط بطريقته.
تاني يوم، أنا ويارا طلعـ . ـنا للحاج رفعت.
أنا كنت داخل عليه وأنا حاسس إني داخل على باب ماضي كامل مش مجرد شقة جار.
فتح الباب، وأول ما شافني، عرف من وشي إن يارا قالتلي.
قال بهدوء:
“اتفضل يا ابني.”
“يا ابني.”
الكلمة نفسها هزتني.
دخلنا. شقته قديمة جدًا، ريحة خشب وعطر رجالي قديم. على الحيطة صور ناس ماعرفهمش، وفي الركن مكتبة متربة، وعلى الترابيزة علبة أدوية ونضارة.
قعدنا.
قلت له مباشـ . ـرة:
“عايز أعرف كل حاجة.”
هو بصلي طويل، وبعدين قال:
“أبوك ماكنش وحـ . ـش… لكنه كان جبان.”
الجملة خبطتني.
لأنها نفس معنى الخطاب.
بدأ يحكي.
قال إن أبويا، قبل ما يتجوز أمي بحوالي خمس سنين، كان بيحب ست اسـ . ـمها سلوى. العـ . ـلاقة دي حصلت بسرعة وبعيد عن أهله، واتجوزوا عرفي لفترة لأن أهله رفـ . ـضوها. وبعد سنة تقريبًا، خلفوا بنت: نادية.
لكن المشـ . ـاكل بينهم كبرت، وأهل أبويا ضغطوا عليه بشـ . ـكل بشـ . ـع، والأمور وصلت إن سلوى سابت البيت ومشيت بالبنت. وبعدها، مـ . ـاتت في حـ . ـادث وهي البنت عندها 4 سنين تقريبًا.
البنت اتسلمت لأهل أمها شوية، وبعدها اختفت من السكة بسبب خـ . ـلافات ومشـ . ـاكل، واتنقلت من بيت لبيت. وأبويا وقتها ما كانش عنده الجرأة يعلن الحكاية لأهله ولا لمراته اللي اتجوزها بعدين. ففضل يدور في السر، ويحط فلوس، ويوصل لأخبار متقطـ . ـعة، لكن من غير ما يقدر يرجعها.
قلت له:
“طب وليه ماقاليش؟”
قال:
“عشان كان عارف إنك لما تكبر هتبص له بنظرة مختلفة.”
قلت:
“وإنت ليه سكت كل السنين دي؟”
قال:
“لأن صاحبك لما يبقى مكسور، ساعات بتستر عليه لحد ما تدرك إن السترة بقت مشاركة في الغـ . ـلـ . ـط.”
بصراحة… ماعنديش رد على الجملة دي.
سألته:
“وليه أول ما شفت يارا ناديتها نادية؟”
قال وهو باصص ليارا:
“عشان دي أول مرة في حياتي أشوف نسخة منها قدامي. نفس الملامح. حتى طريقة رفع العين.”
أنا بصيت ليارا.
هي كانت ساكتة، ومتوتـ . ـرة، لكنها ثابتة.
قلت له:
“طب هي مش نادية. يبقى الشبه ده إيه؟”
هنا سكت الحاج رفعت لحظة، وبعدين قال حاجة ما توقـ . ـعتهاش أبدًا:
“لأن مراتك تبقى بنت نادية.”
أنا حسيت إني اترميـ . ـت في بحر.
يارا نفسها اتخشبت.
قالت:
“إيه؟”
هو قال بهدوء:
“أنا كنت شاكك… وبعدين تأكدت.”
أنا وقفت مرة واحدة.
“إزاي؟!”
قال:
“من الشامة اللي ورا ودنها. ومن تاريخ ميلادها. ومن اسـ . ـم الأم اللي قالتلي عليه لما سألتها عن شهادة ميلادها القديمة.”
يارا كانت مبحلقة فيه، وأنا مبحلق فيها.
قالت:
“أنا متربية عند خالي من وأنا صغيرة… وماما مـ . ـاتت وأنا عندي ست سنين.”
الحاج رفعت هز راسه.
“آه. ومامتك اسـ . ـمها في الورق كان نهى… لكن اسـ . ـمها الأصلي نادية.”
أنا حسيت رجلي مش شايلاي.
يعني مراتي…
بنت أختي؟
الفكرة نفسها رعـ . ـب.
لكن الحاج رفعت كمل بسرعة، كأنه فاهم احنا رايحين فين:
“استنوا… لأ. مش بالمعنى اللي في دماغك. نادية ماكانتش أختك من الأب بس. نادية أصلًا ماطلعتش بنت أبوك بيولوجيًا.”
أنا اتجـ . ـننت.
“يعني إيه؟”
قال:
“دي الحقيقة اللي أبوك عرفها متأخر. سلوى كانت حامل قبل ما تتجوزه، وهو قبل يربي البنت باسـ . ـمه. ولما مـ . ـاتت، كان معتبرها بنته، حتى بعد ما عرف إنها مش من دمه. لكن فضل متعلق بيها، وفاكر إنه مسؤول عنها.”
أنا قعدت تاني، لأن الدنيا بقت أسرع من قدرتي على الوقوف.
يارا كانت بتتنفس بسرعة.
قالت:
“يعني… أنا؟”
قال:
“إنتي تبقي بنت نادية فعلًا. لكن لا نادية بنت دمه، ولا إنتي من دمه. يعني لا إنتِ تقربي له، ولا تقربي لمازن.”
أنا حطيت إيدي على وشي.
كنت محتاج دقيقة.
يوم.
شهر.
من أول الشـ . ـك في الخـ . ـيانة، لفكرة إن مراتي اسـ . ـمها مش اسـ . ـمها، لفكرة إن عندي أخت، لفكرة إن مراتي بنتها، لفكرة إن كله في الآخر طلع مش نسب أصلًا… بس وجـ . ـع ومسؤولية وشبه.
الحاج رفعت قال بهدوء:
“أبوك حب البنت دي كأنها بنته، ودور عليها كأنها بنته، وعاش مذنـ . ـب تجاهها كأنها بنته. والدم مش دايمًا هو اللي بيعمل الوجـ . ـع.”
الجملة دي دخلت في قلبي بطريقة موجـ . ـعة جدًا.
رجعنا البيت وأنا ويارا ساكتين.
دي من المرات النادرة اللي يكون الصمت فيها مليان جدًا، مش فاضي.
أنا كنت ببص لها كل شوية، ومش عارف أشوفها كمراتي وبس.
فيه بعدها طبقة جديدة: إنها طالعة من نفس الحكاية القديمة اللي أبويا عاشها.
مش كقريبة.
لكن كقطعة ضايعة من الماضي.
وهي أكيد كانت شايفة فيا شيء مشابه.
مش جوزها وبس.
لكن باب لحكاية أمها اللي مـ . ـاتت وهي مش فاهمة عنها حاجة.
دخلنا، وقعدنا.
بعد شوية، قالت لي:
“أنا كنت فاكرة إن أمي اسـ . ـمها نهى.”
قلت:
“يمكن كان الاسـ . ـم اللي عاشت بيه بعدين.”
قالت:
“أنا خالي عمره ما حب يتكلم عنها. دايمًا يقول مـ . ـاتت وخلاص.”
قلت:
“وأبوك؟”
قالت:
“ماعرفوش.”
قعدنا نفكر.
كل واحد فينا بيجمع قطع من حياته اتغير معناها فجأة.
هي تفتكر صور قديمة شاحبة لست جميلة كانت بتحـ . ـضنها.
أنا أفتكر شـ . ـرود أبويا ساعات، وورق قديم كان بيخبيه، وسفرات قصيرة كان بيقول عليها شغـ . ـل.
فجأة بقت الحاجات دي مفهومة.
مش كاملة.
لكن مفهومة.
بعد نص ساعة، قالت يارا بصوت واطي:
“إنت شـ . ـكيت فيا صح؟”
أنا ماقدرتش أكـ . ـدب.
قلت:
“آه.”
هي هزت راسها كأنها كانت عارفة، وقالت:
“وجـ . ـعني.”
قلت:
“وإنتِ خبيتي عليا. وجـ . ـعني برضه.”
قالت:
“أنا كنت خايـ . ـفة.”
قلت:
“وأنا كنت مرعـ . ـوب.”
سكتنا.
ثم قالت:
“إنت كنت فاكر إيه؟”
سؤالها كان صعب.
لكن لازم يتجاوب.
قلت بصراحة:
“أسوأ حاجة.”
نزلت عينها.
مش زعلانة مني… زعلانة من الفجوة اللي وصلتنا لكده.
قلت بسرعة:
“بس دلوقتي أنا فاهم إن خـ . ـوفي سبق عقلي.”
قالت:
“وأنا خـ . ـوفي سبق صدقي.”
ولأول مرة من بداية القصة، حسيت إننا رجعنا نتكلم زي اتنين في نفس المركب، مش خصمين.
الأيام اللي بعد كده، حياتنا اتغيرت بطريقة غريبة.
مش دراما صاخبة.
لكن هدوء تقيل، فيه إعادة ترتيب.
أنا رجعت أطلع للحاج رفعت كل كام يوم. أقعد معاه، آخد ورقة، صورة، اسـ . ـم، عنوان قديم. هو كان تعـ . ـبان، ومريض، وواضح إنه كان مستني يفضي الحمل ده قبل ما يمشي.
عرفت منه إن نادية كانت فعلًا ست جميلة جدًا، قوية، وعنيدة، وشبه يارا بشـ . ـكل يكاد يكون مخيـ . ـف.
وعرفت إن أبويا آخر مرة قرّب يوصلها فيها، كانت ساكنة فترة قصيرة في المنصورة، وبعدها اختفت تاني. ولما مـ . ـاتت، بنتها يارا راحت لخالها في القاهرة.
سألته:
“طب ليه ماوصلتش لحد دلوقتي؟”
قال:
“عشان كل واحد في الحكاية كان بيجري من حاجة. أبوك بيجري من الاعتراف. ونادية بتجري من الماضي. وأنا بجري من واجبي.”
وكان عنده حق.
حتى يارا نفسها، لما عرفت، افتكرت حاجات صغيرة كانت دفـ . ـناها:
صورة قديمة لست جميلة جدًا، كانت خالتها تقول عليها “صاحبتنا”.
شامة تحت الأذن.
اسـ . ـم “نادية” كانت سـ . ـمعته مرة وهي صغيرة في خنـ .ـاقة، وبعدها خالها ضـ . ـربها لما سألته عنه.
يعني كلنا كنا عايشين على أطراف الحقيقة، لكن محدش جمعها.
قبل ما الحاج رفعت يمـ . ـوتبأسبوع تقريبًا، طلب يشوفنا أنا ويارا.
طلعـ . ـنا له.
كان تعـ . ـبان جدًا، وصوته أضعف بكتير.
بص ليارا وقال:
“سامحيني عشان خـ . ـوفتك.”
هي قالت بهدوء:
“أنا كنت بخـ . ـاف من معنى النداء… مش منك.”
ابتسـ . ـم.
وبصلي أنا وقال:
“وإنت سامح أبوك… لو قدرت.”
الجملة دي كانت أصعب من أي حاجة.
لأني فعليًا ماكنتش عارف.
أبويا ماخنش أمي بالشـ . ـكل اللي كنت متخيله.
ولا طلع راجل وسـ . ـخ بمعنى واضح.
لكنه كان جبان.
والجبن فعلًا خلّى ناس كتير تدفع الثمن.
قلت للحاج رفعت:
“مش عارف أسامحه ولا لأ.”
قال:
“يكفي تفهمه.”
وبعدها بشوية، سلّمنا ظرف صغير، وقال:
“ده كان عندي ليارا. من أمها.”
رجعنا البيت وفتحناه.
كان فيه صورة صغيرة لنادية، وهي شايلة طفلة رضيعة — غالبًا يارا — وخلف الصورة مكتوب:
“لو ماعرفتكيش وأنا عايشة، يكفي إنك تعرفي إني حاولت أهرب بيكي من الوجـ . ـع… حتى لو معرفتش أهرب أنا.”
يارا يومها عيـ . ـطت لأول مرة من أول الحكاية كلها.
مش عياط الخـ . ـوف.
عياط الفقد.
النوع اللي يطلع متأخر أوي، بعد ما الحقيقة تخلـ . ـص صدمتها وتبدأ توجـ . ـعك بجد.
بعد شهور، الحياة رجعت تمشي.
مش زي الأول.
لكن يمكن أصدق.
بقيت أنا ويارا نقول لبعض الحاجات الصعبة بدل ما ندفـ . ـنها.
بقت تحكيلي لما حاجة تخـ . ـوفها بدل ما تسكت.
وبقيت أنا أسأل قبل ما أبني ألف فيلم في دماغي.
وأكتر حاجة غريبة؟
إني بقيت كل ما أبص لها، ما أشوفش “نادية” زي ما الحاج رفعت كان بيشوف.
أشوف يارا.
مراتي.
وأم بنتي.
بس شايل جوّاها ظل ست تانية ضاعت بدري.
وفي يوم، تيا كانت واقفة في البلكونة، وقالتلي:
“بابا… مين نادية؟”
أنا بصيت لها وسكت شوية.
ويارا خرجت من المطبخ ووقفت تسـ . ـمع.
قلت لتيا:
“دي واحدة قديمة… كانت نفسها ترجع بيتها.”
تيا سألت ببراءة:
“ورجعت؟”
أنا بصيت ليارا.
ويارا ابتسـ . ـمت ابتسامة حـ . ـزينة جميلة، وقالت:
“أيوه… بطريقتها.”
وفي اللحظة دي فهمت حاجة ما فهمتهاش طول القصة:
إنه مش كل اسـ . ـم بينادي عليه الماضي يبقى فضيحـ . ـة.
ساعات يبقى أمانة.
وساعات يبقى حق ضايع.
وساعات يبقى حد بيدوّر على بيته متأخر.
وأيوه… أنا في الأول افتكرت إن جاري العجوز بينادي مراتي باسـ . ـم راجل يعرفها من زمان، وإن في خـ . ـيانة مستخبية في الضلمة.
لكن الحقيقة كانت أوجـ . ـع… وأنضف.
الحقيقة إن الراجل ماكانش بينادي على خـ . ـيانة.
كان بينادي على حكاية ما خلصتش.
وكان شايف في وش مراتي
آخر فرصة
قبل ما يمـ . ـوت
يقول لحد:
“أنا لسه فاكـ . ـرها.”