بعد الصبر جبر بقلم نورهان العشري 1
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد الصبر جبر بقلم نورهان العشري
ـ تتجوزي! تتجوزي دا ايه؟ يادي العيبة! واحدة في سنك تفكر في الجواز؟ أنتِ عايزة الناس تاكل وشنا؟ بدل ما تعملي حاجة لآخرتك جاية تقولي عايزة اتجوز! دي تبقى فضيحة..
الجملة دي سمعتها من اختي اللي شقيت عليها و علمتهاو جهزتها و جوزتها و مش هي وبس. دي هي و تلاته غيرها كمان. المشكلة مكنتش في الجملة دي وبس.. دانا اكتشفت أن اللي ضيعت عمري عشانهم هما اللي خربوا حياتي..
اسمي زينات عندي اتنين و أربعين سنة أمي أتوفت و أنا عندي ١٥ سنة و سابتلي أربع اخوات غيري بنتين وولدين اول واحد سامي كان عنده ١٣ سنة، و اللي بعديه هبة كان عندها ١١ سنين و اللي بعديها سحر ٩ سنين و أخرهم علي ٦ سنين. والدي اتوفى قبل ما يشوف علي دا. كانت أمي لسه حامل فيه. بعد ما اتوفت أمي حاوطت على أخواتي وطلعت اشتغلت في كل حاجة عشان اقدر أصرف عليهم. مرة في مواسم الجمع قطن أو فاكهة، و مرة في المباني مع الستات اللي بتروح تشيل مونة. مكنش حياتنا غير الشقة الأوضتين و صالة هي اللي كانت لمانا، الدنيا خبطتني كتير اوي و بكيت أضعاف ما ضحكت. ياما نمت من غير عشا، و كنت اضحك في وش أخواتي وانا قلبي بيبكي.
وانا عندي عشرين سنة ربنا كرمني و اشتغلت في مشغل صاحبته كانت ست طيبة، صعبت عليها و ساعدتني و علمتني الخياطة و مشتملاتها و ربنا كرمني و بقيت اشتغل في المشغل طول النهار ولما أروح الناس تجيبلي هدومهم اللي عايزة تضيق و اللي عايزة رفية و اللي عايزة تتقصر.
ربنا كرمني و ساعدت أخواتي و محوجتهمش لحد. اشتغلت و اتمرمطت و طفحت الدم عشان خاطرهم. كنت بجوع نفسي عشان ياكلوا هما. اخواتي البنات كنت بجيبلهم أحسن لبس وانا افضل لابسه الطقم من الموسم للموسم.
لما كنت ابقى عيانه وحد فيهم محتاج حاجة كنت أديله فلوس الدوا وانا مش مهم. مكنتش عبيطة وأنا بعمل كدا. لكن كنت بحبهم. كنت معتبراهم ولادي، و كنت أشوف الفرحة في عنيهم الدنيا كلها تضحكلي.
وانا خمسة و عشرين سنة. شفت شاب أخو واحدة صاحبتي في المشغل كان في كل حاجة تتمناها أي بنت. متعلم واخد بكالوريوس تجارة وشكله حلو، طول بعرض، عارف ربنا وبيصلي، و بيشتغل محاسب في شركة. غصب عني زيي زي اي بنت حلمت أن الشاب دا يكون من نصيبي، بالرغم أنه أحسن مني في كل حاجة. و خصوصا اني مكنتش كملت تعليمي.
غصب عني حبيته بالرغم اني عمري ما كلمته أنا كنت بتكسف اوي، ومعنديش وقت حتى أبص في مراية، و يشاء ربنا أن الدنيا لأول مرة تضحكلي و اتفاجئ بصاحبتي بتقولي أن اخوها دا عايز يخطبني..
حسيت أن قلبي هيقف من الفرحة. مبقتش مصدقة لما سمعتها بتقولية:
ـ محمود أخويا من أول يوم شافك هنا وهو حاطط عينه عليكِ، و سأل عنك في منطقتكوا والناس قالوله عنك كل خير، و قصدني افاتحك في الموضوع. أنتِ ايه رأيك؟حكايات نورهان العشري
مش هكذب أو قولت أن جسمي كله قشعر مكنتش قادرة أصدق. معقول أنا هفرح؟ معقول بعد المرمطة دي تكون الدنيا مخبيالي حاجة حلوة كدا؟
اتلجلجت مكنتش عارفة أرد عليها اقولها ايه. حاولت أداري فرحتي على قد ما اقدر وانا بقولها بارتباك:
ـ ييجي ينور طبعًا.
صاحبتي ضحكت وقالتلي وهي فرحانه أوي:
ـ والله يا زينات أنا أول ما محمود قالي. قولتله يا زين ما اختارت. دي زينات دي ست البنات و جدعة و بميت راجل.
كلامها فرحني اوي، زيادة على فرحتي اللي مكنتش اعرف انها هتموت جوايا قبل ما اعيش دقيقة واحدة منها لما لقيتها بتكمل وبتقول:
ـ و محمود مش عشان أخويا بس هو راجل ولا كل الرجالة. مكافح و عارف ربنا و جدع لو اي حد قصده في حاجة ميتأخرش، هو دا اللي هيستتك و هيعوضك عن كل البهدلة اللي اتبهدلتيها.
ابتسمت قولتلها:
ـ ربنا يقدم اللي فيه الخير.
نهلة بفرحة:
ـ أنا هبلغ محمود موافقتك، و هقولك بكرة ايه اللي هيتم أن شاء الله..
وقتها كان سامي أخويا خلص جامعة و خلص جامعته و الجيش بتاعه و بدأ يشتغل بس يدوب شغله كان بيغطي مصاريفه بالعافية دا كتير كان بياخد مني كمان، وانا مكنتش بدق كنت فرحانه بيه. كان نجاحه انجار كبير بفتخر بيه. زي اللي زرع زرعه و قعد يتفرج عليها وهي بتكبر واحدة واحدة. مكنتش اعرف أن زرعتي دي في يوم من الأيام هيبقى شوك يتغرز في قلبي.
الليلة دي منمتش من الفرحة، و كنت عايزة النهار ييجي بفارغ الصبر بعد ما كنت بتمنى أن الليل يطول عشان انام و أرتاح شوية، و فعلا جه النهار و نزلت جري على الشغل وأول حد قابلته كان نهلة اللي خدتني على جنب وقالتلي بصوت واطي:
ـ أنا بلغت محمود موافقتك، وهو عايز يقعد و يتكلم معاكي ايه رأيك؟
أتاخدت و مكنتش عارفة أقولها ايه لقيتها بتكمل وبتقولي:
ـ في ايه يا بنتي؟ هو أنا بقولك قابليه في شقة! دا انتوا هتقعدوا في مكان عام، و تتكلموا مع بعض.
اقتنعت بكلامها و جه اليوم اللي هنتقابل فيه وهي كانت موجودة اول ما وصلت سلمت عليا وقامت، و قعدت لأول مرة في حياتي قدام شاب، اتكلم معاه، والحقيقة أنه كان احسن ما اتوقعت. أسلوبه كويس، محترم، كلامه حلو.
كأني قاعدة قدام فارس الأحلام اللي كنت رسماه في خيالي، وانا بنت مراهقة.
قعد يحكيلي عن ظروفه، وقالي أنه معجب بيا من أول يوم شافني فيه، وأنه فضل مراقبني فترة قبل ما يقرر أنه يكلم أخته عشان تكلمني.
كان دمه خفيف ولقيت نفسي بتكلم معاه على طبيعتي. شوية نهزر و شوية نتكلم جد. حسيت كأنه اعرفه من سنين. اتقابلنا مرة و اتنين و تلاته لحد ما حبينا بعض. هو حبني أوي، وانا كمان، و في يوم لقيته بيقولي:
ـ أنا هاجي اطلب ايدك من سامي أخوكي، بس قبل أي حاجة. عندي شرط وحيد
استغربت من كلامه و قولتله:
ـ شرط ايه؟
قالي بلهجة فيها حزم:
ـ تسيبي الشغل. من اليوم اللي هتحطي دبلتي في ايدك مش هتنزلي تشتغلي، ولو على الجهاز، فأنا مش عايز منك حاجة خالص. مش عايزك تجيبي قشايه في الشقة. حتى شنطة هدومك هجبهالك..
انصدمت صدمة عمري. مفيش شغل! طب هصرف على أخواتي ازاي؟ دا علي لسه في ثانوي، و سحر و هبة في جامعة، و هبة مخطوبة و عماله أحط القرش على القرش عشان اجمع جهازها.
معرفش هو استنى كل دا ليه قبل ما يقول الشرط دا؟ هل كان مستني يعلقني بيه؟ مكنتش فاهمة بس حاولت افهمه ماينفعش أسيب الشغل عشان اخواتي. دول ملزمين مني.
ـ مينفعش يا محمود اسيب الشغل. اخواتي ملزمين مني، وكلهم لسه اللي بيدرس واللي خلاص فرحها قرب. أنا مينفعش اتخلى عنهم..
وقتها انفعل وقالي:
ـ أنا مش هقبل أن الست اللي اسمها على اسمي تخرج كل يوم تروح الشغل. اخواتك مش صغيرين و يقدروا يشتغلوا ويصرفوا على نفسهم.
اتناقشنا كتير و شدينا مع بعض لدرجة أنه انفعل وقالي بغضب:حكايات نورهان العشري
ـ أنتِ عندك في اخواتك راجلين. ازاي يستحملوا يعيشوا على قفا واحدة ست.
كلامه عن اخواتي ضايقني و عصبني، قمت وقفت وقولتله بانفعال:
ـ مسمحلكش تتكلم عن اخواتي كدا، و لو دا شرطك فأنا مش قابله بيه.
حسيته اتصدم و أتوجع بس لقيته طلع حساب الكافية من جيبه و حطه على الترابيزة وهو بيقولي بلهجة باردة دبحتني:
ـ يبقى كل شيء قسمة و نصيب..
الجملة دي كانت سكاكين دبحتني. فضلت اعيط زي العيال الصغيرة لما وصلت البيت. جريت على أوضت أمي و قعدت اعيط و أنا قلبي بيتعصر و بقيت اكلم صورتها واقولها
ـ سبتيني ليه ؟ أنا محتاجة حضنك اوي.
كنت فعلا حاسة اني محتجاها حاسة اني نفسي حد يطبطب عليا. هموت من الوجع و القهرة.
غبت من المشغل أسبوعين و صاحبته عشان عرفاني و بتحبني سابتني. بس غصب عني اضطريت ارجع زي ما بعمل كل حاجة في حياتي مضطرة، وياريتني ما رجعت.
سك..ينة تانية انغرزت في قلبي لما لقيت نهلة غايبة بسأل عليها. عرفت ان النهاردة كتب كتاب محمود أخوها…
حسيت أن قلبي دا بيتمزع من كتر الوجع. بقيت نفسي اصرخ و اصوت و اقول مبقتش قادرة اتحمل لكن كالعادة كتمت في قلبي و عدت الأيام، ربنا كرمني و قدرت اجوز و هبة و خلفت وجوزت سحر، و سامي ساعدته باللي قدرت عليه و جبتله شقة واتجوز مبقاش غير علي هو اللي خاطب، ربنا كرمني وقدرت انفذ وصية أمي الله يرحمها ووقفت جنب اخواتي لحد ما اطمنت عليهم، وروحت عملت عمرة، و زورت بيت ربنا وهنا بكيت لما شبعت. معرفش كنت ببكي ليه بس حسيت اني محتاجة حد يطبطب عليا، و مفيش أحن من ربنا.
خصوصا أن اخواتي مكنوش حنينين اوي. يعني كل فين وفين على ما يكلموني الا لو محتاجين حاجة. حتى اخواتي البنات. ميكلمونيش غير عشان يفكروني بالمواسم.
بقيت حاسة اني لوحدي، و العمر جري بيا. لكن كنت بحمد ربنا. الحمدلله رضاني وبقى عندي محل و اشتريت المشغل من صاحبته و حالتي المادية ارتاحت وارتحت عن شقى زمان لحد ما في يوم بالصدفة دخلت محل اشتري هدوم ليا، و فجأة لقيتني واقفة قدام محمود. كانت صدمة صعبة، و صدفة غريبة. لقيت نفسي بدور وشي وهمشي لكن صوته وقفني:
ـ زينات. استني.
اتفاجأت أنه لسه فاكرني لكن محاولتش ابين اني متفاجأة بالعكس لفيتله وبصتله و كأني بحاول افتكره. لقيته بيقول بعتب:
ـ ياااه. معقول نستيني؟
رنة العتاب في صوته وجعتني لكن الدنيا علمتني امي اكون جامدة و مش اي حاجة تهزني رديت بصوت بارد قولتله:
ـ محمود صح؟ حكايات نورهان العشري
رد عليا بصوت حزين:
ـ صح. عاملة ايه؟
رديت بصوت جامد:
ـ الحمد لله أنت عامل ايه؟
رد عليا بصوت هادي:
ـ الحمدلله. مبسوط اوي أني شوفتك..
رسمت ابتسامة بسيطة على وشي وقولتله بمجاملة:
ـ ربنا يخليك.. عن اذنك..
وقفتني جملته اللي جمدت الدم في عروقي لما قالي:
ـ جوزك عامل ايه؟
اتلفتله وقولتله بصدمة:
ـ جوزي!
محمود قالي بتأكيد:
ـ أيوا جوزك. مش أنتِ اتجوزتي ابن عمك بردو؟؟
اتصدمت لدرجة أن عيني برقت، وقولتله باستنكار:
ـ أنت بتقول ايه؟ ابن عمي مين اللي اتجوزته؟ أنا ماليش ولاد عم أصلًا. أنت جبت الكلام دا منين؟
لقيته هو التاني اتصدم وقالي
ـ أنتِ بتهزري؟ اخوكي سامي اللي قالي كدا..
حسيت اني هيغمي عليا. قولتله بنبرة صوت بترتعش:
ـ هو أنت شوفت سامي فين؟
رد عليا بصوت باين فيه الغضب:
ـ بعد آخر مقابلة بيننا بشهر حسيت اني مش قادر اعيش من غيرك، و كنن قابل بكل شروطك. سألت وعرفت هو شغال فين و روحت اطلب ايدك منه، وقالي انك اتخطبتي لابن عمك، و هتتجوزوا.
حسيت أن الدنيا بتلف بيا. معقول؟ معقول أخويا يقول كدا و يكذب، و فجأة افتكرت أنه كتب كتابه بعدها باسبوعين قولتله بغضب:
ـ وانت كنت جاي تدور عليا ليه بعد ما كتبت كتابك؟
لقيته استغرب كلامي، وقالي وهو مندهش:
ـ مين دا اللي كتب كتابه؟ أنا متجوزتش لحد دلوقتي..
كل اللي فات كان كوم و جملته دي كوم تاني. و صرخت وقولتله:
ـ ازاي؟ أنا روحت المشغل وقالوا إن نهلة غايبة عشان كتب كتاب اخوها…
ابتسم بحزن وقالي:
ـ دا بلال اخويا الكبير…
حسيت أسوأ احساس في الدنيا. الغدر. الغدر من اقرب الناس ليا.. ليه سامي يكذب و يقول كدا ؟ و فجأة بدأ شريط طويل يتعاد قدامي، وانا بفتكر رفضهم لأي عريس يتقدملي، وكل مرة بحجة شكل، وانا مكنتش بدق عشان الموضوع مكنش في بالي.. كسرتي في موضوع محمود خلاني اكره الجواز و الارتباط، فكنت برفض على رفضهم بس النهاردة حسيت بقهرة يمكن محستهاش لما عرفت أن محمود خطب، وقررت وقررت اعرف أيه اللي جواهم، و اوقعهم في شر أعمالهم….