سبوع ابني ندى الجمل 2

فتحت الباب ست كبيرة في السن، باين على وشها الفرحة والترحيب، وافتكرت ملامحها على طول.. دي كانت أم ريم. أول ما شافتني استغربت وقالت: “أفندم؟ مين حضرتك؟”

دخلت خطوة لجوه من غير ما تستأذنّي، وبقوة عمري ما تخيلت إنها عندي، قلتلها بصوت عالي وثابت هز أركان الصالة: “أنا مروة.. الزوجة الأولى والوحيدة للأستاذ أحمد عبد السلام اللي جوه ده، وجايه أبارك للعروسة وأشارك في السبوع!”

الصوت طلع لجو الصالة، وفجأة سكتت كل الضحكات والهمسات. خرج أحمد من الأوضة الجوانية وهو شايل ابنه “عمر” في إيده، وأول ما عينه جت في عيني، وشه اتقلب ألوان، والطفل كاد يقع من إيده من كتر الرعب. ريم خرجت وراه بفستان سهرة شيك، وشها اصفّر وبقت تبص لأحمد وتبصلي وهي مش فاهمة حاجة.

أحمد تقدم عليا وهو بيترعش، وحاول يمسك إيدي ويجرني لبره الشقة وهو بيهمس بصوت مخنوق: “مروة! إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ فضحتيني.. اطلعي بره وأنا هجيلك البيت وأفهمك كل حاجة!”

نفضت إيده عني بكل قرف وزعقت فيه قدام أهل ريم كلهم: “تفهمني إيه؟ تفهمني إنك متجوز عليا من خمس سنين؟ ولا تفهمني إنك مخلف بنت عندها تلات سنين ولسه واضع الولد ده يوم سبوع ابني؟ ولا تفهمني إنك كنت عايش معايا بوشين وبتاكل في عرق شقايا وصبري عشان تصرفه هنا؟”

والد ريم خرج على الصوت، راجل وقور لكن ملامحه اتغيرت من الصدمة، وبص لأحمد وقال بغضب: “أحمد! الكلام اللي الست دي بتقوله ده صح؟ مش إنت قايلنا إنك مطلق مراتك الأولى من سنين ومبينكمش غير العيال وبس؟”

ضحكت بصوت عالي مليان سخرية وقلت لحماة أحمد: “مطلقني؟ ده لسه سايبني يوم الحد اللي فات، وكاتبلي الشقة اللي قاعدين فيها تمليك، وموقعلي على تنازل عن أرض المحل اللي بيجيب منه القرش كـ مؤخر صداق جديد! أحمد مملكش في الدنيا دي دلوقتي غير الهدوم اللي هو لابسها دي يا حاج!”

أحمد عينه برقت بصدمة مكنش متوقعها، وبصلي بذهول وقال: “مروة.. إنتِ بتقولي إيه؟ الشقة والأرض؟”

المحامي بتاعي خطى خطوة لقدام، وطلع من شنطته المحافظ الرسمية وصور العقود المسجلة في الشهر العقاري، وحطها على الترابيزة قدام والد ريم وقال ببرود: “كل كلمة الأستاذة مروة قالتها حقيقية يا فندم. الأستاذ أحمد م بقاش يملك أي أصل تجاري أو عقاري باسمه، وكل أملاكه اتنقلت قانوناً لزوجته الأولى وأولادها تلاتة، وده بعقود بيع وشراء وتنازلات موثقة ومفيش فيها ثغرة واحدة”.

ريم بدأت تصرخ وتهلوس وتبص لأحمد وهي بتضربه في صدره: “أضحكت عليا يا أحمد؟ قولتلي إنك غني وكل حاجة باسمك، وإن الشقة دي كتبتهالي عشان بتحبني، وهي أصلاً من فلوس المحل اللي مبقاش ملكك؟ يعني إنت دلوقتي حيلتك إيه؟ هتصرف عليا وعلى عيالي منين؟”

أحمد بقى يبصلي بنظرة رجاء وانكسار، النظرة اللي كنت مستنياها من شهرين، وقال بصوت مكسور: “ليه يا مروة؟ ده أنا جوزك وأبو عيالك.. تعملي فيا كده؟ تخرب بيتي وتأخذي شقا عمري؟”

قربت منه لحد ما بقيت في وشه بالظبط، وقلتله بلهجة حاسمة زي الس*كين: “شقا عمرك ده كان شقايا أنا كمان.. عشر سنين وأنا بوفق وبأيد معاك، وبستحمل غيابك وكذبك. إنت اللي خربت بيتك يوم ما فكرت إن طيبتي غباء، ويوم ما سبت سبوع ابنك التالت عشان تجري ورا وهمك القديم. أنا مخدتش غير حق ولادي وحق كرامتي اللي داست عليها”.

التفت لريم وأهلها اللي كانوا في حالة ذهول وخناقة بدأت تدور بينهم وبين أحمد، وقلت لهم بابتسامة نصر: “مبروك عليكم السبوع.. ومبروك عليكي يا ريم الحب القديم وهو مبيملكش مليم في جيبه”.

ودرت ضهري ومشيت وأنا سامعة صوت خناقة وطرد أحمد من الشقة وصراخ ريم ووالدها ورايا.. نزلت السلم وأنا حاسة إن الهوا بيدخل صدري لأول مرة من شهرين.. لكن دي مكنتش النهاية، دي كانت مجرد بداية الخراب اللي هيعيشه أحمد، واللي لسه هيكمل في المحاكم!

نزلت من العمارة وركبت عربيتي، والمحامي بتاعي بصلي بنظرة إعجاب وقال: “برافو يا مدام مروة، خطوتك كانت بمثابة ضربة قاضية، بس لازم تعرفي إن أحمد مش هيسكت، واللعب التقيل لسه هيبدأ في المحاكم أول ما يفوق من الصدمة”.

بصيت قدامي بثبات وقلتله: “أنا جاهزة لأي حاجة يا متر، اللي قلبها مات مبتحسش بالخوف”.

تاني يوم الصبح، تليفوني متبطلوش رن.. أحمد، وأمه، وأخته، كل العيلة اللي كانت بتشهد بأدبي وطيبتي انقلبوا عليا وبقوا يبعتوا رسائل تهديد وشتايم. أحمد بعتلي رسالة كاتب فيها: “ورحمة أبويا يا مروة مش هسيبك، وهرفع عليكي قضية حجر ونصب، وهثبت إنك مضيتيني تحت التهديد أو الدجل، وهندمك على اليوم اللي اتولدتي فيه”.

مسحت الرسالة ببرود ودخلت جهزت فطار لولادي، وقعدت وسطهم وأنا بحاول أظهر قوية ومش مبينة أي حاجة من المعركة اللي شغالة بره.

على العصر، لقيت الباب بيخبط بعنف.. فتحت ولقيت أحمد واقف، وشه شاحب، وعينيه حمرا من قلة النوم، وهدومه متبهدلة، كأنه منامش من يومها. حاول يزق الباب ويدخل، لكن وقفت في وشي زي السد وقلتله: “خطوة جوه الشقة دي وهطلبلك النجدة، الشقة دي ملكي بقوة القانون، وإنت غريب عني دلوقتي”.

بصلي بكسرة وندم، ونزل على ركبه قدام الباب وقال بصوت مخنوق: “مروة.. عشان خاطر العشرة، عشان خاطر العيال.. بلاش تخربي بيتنا، أنا غلطت، وركبتني دماغي، ريم وأهلها طردوني بعد ما عرفوا إن المحل والشقة بقوا باسمك، وريم طلبت الطلاق ورفعت عليا قضية نفقة ومتعة وشايلة العيال وقاعدة عند أبوها.. أنا اتدمرت يا مروة، مبقاش حيلتي مليم، وأبوها هددني بالحبس بالوصولات اللي عليا”.

بصيتله ومحركتش ساكن، مفيش أي مشاعر هزتني، وقلتله: “والله؟ يعني ريم حبت فلوسك ومحبتكش إنت؟ حبت الأستاذ أحمد صاحب الأملاك والمحلات، ولما بقيت على الحديدة رمتك؟ سبحان الله.. الدايرة دارت عليك بسرعة قوي يا أحمد.. زي ما سبتني وسبت ابنك في سبوعه عشانها، هي سابتك في سبوع ابنها عشان الفلوس”.

وقف على رجله وتغيرت ملامحه للغل وقال: “يعني مش هترجعيلي حاجتي؟ مش هتنازلي؟”

قلتله: “الحاجة دي حق ولادك اللي كنت بتسرق من وراهم عشان تبني لغيرهم.. المحل شغال والمحامي بتاعي هيعين عليه حارس قضائي، والربح هيتوزع على عيالي بالمليم، وإنت ليك نصيبك كعامل في المحل لو تحب تشتغل باليومية!”

كلمتي نزلت عليه زي الصاعقة، صرخ فيا وقال: “أنا اشتغل باليومية في محلي يا مروة؟ ماشي.. أنا هعرف أربيكي إزاي، والجمعة الجاية هتشوفي هعمل إيه!”

سابني ومشي وهو بيتوعد، وأنا قفلت الباب، وبدأت دقات قلبي تزيد بقلق.. أحمد لما بيفلس ويفقد كل حاجة بيبقى زي الديب الجريح، وتهديده بالجمعة الجاية مكانش مجرد كلام.. كان وراه مصيبة جديدة بيجهزها عشان يكسرني بيها، ومكنتش أعرف إن المصيبة دي هتمس أغلى ما أملك!

مرت الأيام لحد ما جه يوم الجمعة، وأنا ماليش سيرة ولا شغلانة غير إني مأمنة البيت ومخلية بالي من أولادي التلاتة؛ “يوسف” الكبير، و”حمزة”، والطفل الصغير اللي لسه مكملش شهرين. كنت حاسة بقبضة في قلبي، وكل شوية أبص من البلكونة أشوف لو أحمد واقف تحت البيت أو بيراقبنا.

على الساعة أربعة العصر، الباب خبط. فتحت ولقيت سمر صاحبتي واقفة ووشها مخطوف وبترتعش. دخلت بسرعة وقبل ما تسلم قالتلي بنبرة مرعوبة: “مروة.. أحمد ناوي على مصيبة، أنا عرفت بالصدفة من ممرض زميلنا يقرب لريم!”

مسكتها من كتافها وقلت بقلق: “في إيه يا سمر؟ انطقي، أحمد ناوي على إيه؟”

قالت وهي بتاخد نفسها بصعوبة: “أحمد راح لريم وأهلها وامبارح بالليل وقعد يبوس جزمهم عشان يرجعوله، وقالهم إنه هيرد شرفه من مروة وياخد منها كل حاجة.. ريم وافقت ترجعله بشرط واحد؛ إنه ياخد العيال منك! أحمد ناوي يرفع عليكي قضية يتهمك فيها بحاجات تضيع شرفك عشان يسقط الحضانة عنك وياخد العيال، والنهاردة هو مجمع أهله وجايبين معاهم ناس من بره عشان يعملوا عليكي كبس هنا في الشقة ويتبلوكي بحاجة!”

أول ما سمر قالت الكلمتين دول، لقيت صوت دوشة وحركة رجلين كتيرة على السلم. وبدأ الباب يتخبط بعنف وجنون، وصوت أحمد كان مالي العمارة وهو بيزعق: “افتحي يا مروة! افتحي يا حرامية يا غشاشة يا اللي مدخلة ناس بيتي في غيابي!”

الولاد صحيوا من النوم وبدأوا يصرخوا ويعيطوا من الرعب. سمر بصتلي وقالت: “يا نهار أسود يا مروة، دول جم فعلاً.. ومعاهم ناس غريبة من الشارع عشان يشهدوا زور!”

في اللحظة دي، حسيت إن الدم جمد في عروقي، بس افتكرت إن الضعف دلوقتي معناه ضياع أولادي وضياع كل اللي عملته. جريت على الأوضة الجوانية، وطلعت تليفوني، وكلمت المحامي بتاعي فوراً وقلتله بصوت واطي ومبحوح: “الحقني يا متر.. أحمد وأهله ملمومين على باب الشقة وجايبين ناس يتبلوا عليا وعايزين يكسروا الباب”.

المحامي قال بلهجة حاسمة: “متفتحيش الباب نهائي يا مروة، دقيقتين بالظبط وتليفون النجدة هيكون عندهم بلاغ تهجم وقوة من القسم هتوصلك.. خليكي جامدة ومتخافيش، القانون معاكي”.

رجعت للصالة، وأحمد برا كان بيخبط بحديدة في قفل الباب، وصوت أخته الكبيرة وهي بتشتم بأقذر الألفاظ وتقول للجيران: “تعالوا شوفوا الست المحترمة اللي كاتب ليها الشقة والمحلات بتعمل إيه من وراه! افتحي يا خطافة الحكاية!”

الناس في العمارة بدأت تتجمع، وفيه جيران من اللي عارفين طبعي وأدبي بدأوا يحجزوا أحمد ويقولوا له: “عيب يا أستاذ أحمد، الست محترمة ومشفناش منها حاجة وحشة، متخربش بيتك بإيدك”. لكن أحمد كان عاميه الغل وعايز يثبت أي تهمة تخليه يضغط عليا عشان أتنازل عن الأملاك، وريم كانت شاحناه على الآخر.

وفجأة.. الخبط وقف، وسمعنا صوت سرينة بوكس الشرطة وهي بتقف تحت العمارة، وصوت رجلين تقيلة وطالعة بسرعة على السلم.

أحمد بره صوته اتغير وبدأ يرتبك لما لقى الظابط طالع وبيقول: “في إيه هنا؟ ومين عامل الشغب ده كله؟”

أحمد بسرعة قال للظابط: “يا فندم دي مراتي وقافلة الباب وجوه معاها..”

قبل ما يكمل كلمته، فتحت الباب والنور مالي الصالة، ووقفت بثبات وبصيت للظابط وقلتله: “اتفضل يا فندم.. أنا مروة، صاحبة الشقة دي بعقد مسجل، والأستاذ ده طليقي وجاي يتهجم عليا هو وأهله وبلطجية معاهم عشان يسرقوا عقود أملاكي ويهددوني بالقت*ل أنا وولادي، ومعايا جوه صاحبتي الممرضة سمر تشهد على الكلام ده”.

الظابط بص لأحمد وبص للناس اللي معاه، ولقى الحديدة في إيد أحمد والباب متبهدل، فقال للعساكر: “هاتوا الراجل ده والستات اللي معاه دول على القسم.. بلاغ تهجم وإتلاف عمد وترويع أطفال”.

أحمد وهو بيتسحب من العساكر بصلي بنظرة كلها غل وشر وقال: “ماشي يا مروة.. قسماً بالله ما هسيبك، ولو خرجت منها النهاردة، المرة الجاية مش هتشوفي عيالك تاني!”

العساكر خدوه ونزلوا، وأنا قفلت الباب وقعدت على الأرض وضميت ولادي لحضني وأنا بترعش.. العاصفة مرت النهاردة، بس تهديد أحمد الأخير بخصوص ولادي رعبني.. أحمد بقاش عنده حاجة يخسرها، ومكنتش أعرف إن ريم بتخطط لحاجة تانية خالص بعيد عن المحاكم والقسم، حاجة هتحرق قلبي بجد!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *