طعنه غدر 2

نبرة التوتر اللي في صوته خلت كل شكوكي تتحول لليقين. السكوت اللي ساد بيننا على الخط مكنش سكوت عادي، ده كان سكوت واحد اتفاجئ بضربة مكنش عامل حسابها. طارق اللي دايماً صوته عالي وعنده رد لكل حاجة، واقف دلوقتي مش عارف يقول إيه.
رديت عليه ببرود عكس النار اللي بتاكل فيا بقول كده عادي يا طارق، أصل الشقة تفصيلتها غريبة شوية، كأنها كانت معمولة لذوق حد تاني خالص غير ذوقك اللي أنا عارفاه. إنت ليه اتوترت كده؟
حاول يجمع نفسه بسرعة، وضحك ضحكة صفرا ماليانة تصنع وقال أتوتر؟ وأتوتر ليه يا بنتي؟ أنا بس استغربت سؤالك اللي ملوش معنى ده. الشقة زي ما قولتلك ورث، وأنا اللي مقسمها على ذوقي من كام سنة. عموماً، بلاش كلام ملوش لزمة في التليفون، بكره لما نتطابق في الشقة نبقى نتكلم. هعدي عليكي الساعة أربعة، خليكي جاهزة.
قفل الخط بسرعة كأنه بيهرب من الأسئلة. رميت التليفون على السرير وقعدت وأنا حاسة إن الدنيا بتلف بيا. طارق كداب، كداب ومخبي حاجة كبيرة. رد فعله وسؤاله حد قالك حاجة عن الشقة؟ أكدلي إن الست الغامضة دي معاها حق في كل كلمة قالتها.
مسكت التليفون تاني ودخلت على الرقم المجهول. كتبت برعشة في إيدي أنا سألته واتوتر، قوليلي مين أميرة دي؟ وإيه

حكاية الشقة والسبعين ألف؟ أرجوكي ردي عليا. فضلت باصة للشاشة مستنية علامة القراية، بس الرسالة مأخدتش غير علامة صح واحدة، الرقم اتقفل.
يومي عدا كأنه سنة. مكنتش باكل ولا بتكلم مع حد. ماما كانت بتبصلي بنظرات كلها قلق، بس أنا كنت بتهرب من عيونها عشان عارفة إن لو اتكلمت هنهار، وأنا مش عايزة أبان ضعيفة قدام حد لحد ما أفهم الحقيقة كاملة. نمت الليلة دي بالعافية، وكل ما أغض عيني أشوف نفسي واقفة في شقة غريبة، والحيطان بتضيق عليا، وفيه صوت ست بيضحك في الخلفية.
تاني يوم، الساعة جت أربعة بالدقيقة. لقيت طارق بيكلمني وبيقولي إنه تحت البيت. نزلت وأنا حاطة قناع البرود على وشي، ركبت العربية وقولتله بطرف لساني مساء الخير.
بصلي بطرف عينه وهو بيدور العربية، ملامحه كانت مشدودة ومش طبيعية، بس حاول يتكلم عادي مساء النور يا حبيبتي. مجهزالك مفاجأة في الشقة، المهندس جاب عينات الرخام بتاعة المطبخ عشان تختاريهم بنفسك.
مرديتش، فضلت باصة من الشباك على الطريق والبيوت اللي بتعدي بسرعة. كنت بفكر، يا ترى الشارع ده مشي فيه مع أميرة دي؟ يا ترى كان بيجيبها هنا؟ وصلنا العمارة، ونزلنا. ركبنا الأسانسير في سكوت تام، وكل ما الدور يعلى، ضربات قلبي كانت بتعلى معاها.
فتح باب الشقة، ودخلنا. الشقة كانت في مرحلة المحارة والتشطيبات الأساسية، ريحة الأسمنت والتراب في كل مكان. المهندس مكنش جه لسه. طارق دخل الصالة وقال ادخلي يا نادين، اتفرجي براحتك لحد ما البشمهندس يوصل.
مشيت في الطرقة بخطوات بطيئة. كل ركن بقيت أبص له بنظرة مختلفة. دخلت الأوضة الكبيرة اللي المفروض هتبقى أوضة النوم. بصيت على الحيطة، ولقيت في زاوية دارية ورا الباب كتابة خفيفة بالرصاص ممسوحة، بس لسه باينة. قربت وعيني اتسعت من الصدمة. كانت مكتوب أ ط… بيت العمر.
حسيت بركبي سابت. أ يعني أميرة. ط يعني طارق. الكلام ده مكتوب من فترة، الشقة دي فعلاً كانت بتتوضب لواحدة تانية! الشقة دي مكنتش ورث مهجور زي ما قالي، دي كانت حلم لقصة تانية خالص وهو جاي يكملها بيا!
سمعت صوت خطواته ورايا. مسحت عيني بسرعة والتفتت له قبل ما يلاحظ. كان واقف على الباب وباصصلي بنظرة غريبة، كأنه بيراقب ردود أفعالي. قال بنبرة هادية زيادة عن اللزوم واقفة هنا ليه يا نادين؟ الأوضة دي لسه مفيهاش حاجة تتشاف.
بلعت ريقي وقولتله وأنا بحاول أتحكم في نبرة صوتي طارق… إنت ليه اخترت الشقة دي بالذات؟ وليه قولتلي إنها ورث مع إن شكلها بيقول إنها كانت متباعة أو مأجرة لحد قبل كده؟
وشه اتغير، وملامحه اتشنجت. قرب مني خطوتين وقال بحدة هو إنتي مفيش وراكي غير السيرة دي؟ من إمبارح وإنتي أسئلتك غريبة وتلميحاتك بايخة. فيه إيه يا نادين؟ حد من أصحابك ملا دماغك بكلام فارغ؟ ولا إنتي بتدوري على أي مشكلة عشان تطلعي تطلبي حاجات زيادة زي موضوع الخاتم؟
لما جاب سيرة الخاتم، حسيت إن كرامتي اتهانت تاني. قولتله بصوت عالي لأول مرة متحورش الموضوع يا طارق! وماترميش بلاك عليا! أنا مش غبية. الكتابة اللي ورا الباب دي بتاعة مين؟ أ وط… مين أ دي؟ مين أميرة يا طارق؟!
الاسم نزل عليه زي الصاعقة. خطوتين لورا رجعهم، وعينه برقت بخوف حقيقي مكنش قادر يداريه. حاول يتكلم بس الحروف تاهت من لسانه لثواني، وبعدين زعق عشان يداري على كدبه إنتي اتجننتي؟ أميرة مين وزفت مين؟ وإيه الكتابة دي أصلاً؟ تلاقيها من العمال اللي كانوا هنا! إنتي جاية تفتشي ورايا وتعمليلي فيها قاضي؟
في اللحظة دي، تليفوني رن في جيبي. طلعته بسرعة وأنا عيني في عينه. كان نفس الرقم المجهول! فتحت الخط وفتحت السبيكر علطول من غير ما أفكر، وقولت أهو الرقم اللي كشفك بيرن… اتفضلي قولي اللي عندك قدامه!
جاء صوت الست من السبيكر، بس المرة دي مكنش واطي، كان واضح وحاد وقوي، وصداه ملى
لمحة نيوز

الأوضة الفاضية قوليله يا نادين إن أميرة تبقى خطيبته القديمة اللي سابها قبل ما يتقدم لك بشهرين بس، بعد ما أخد فلوسها وشقاها عشان يشطب الشقة دي باسمه. قوليله إن السبعين ألف جنيه بتوع شبكتك هما نفس المبلغ اللي أميرة دفعتهوله كاش عشان يشتري بيه الأجهزة، وهو لما سابها، أخد الفلوس واشترى بيهم شبكتك إنتي عشان يداري على العملة بتاعته قدام أهله وعشان أمه كانت عايزة كده!
طارق هجم على التليفون عشان يقفله، بس أنا بعدت عنه وزقيت إيده بقوة وعياطي انطلق مكنتش قادرة أوقفه. الست كملت كلامها اسأليه يا نادين، الدهب اللي جابه لأمه إمبارح، مش ده كان الفلوس اللي باقية من حق أميرة؟ هو بيستخسر فيكي عشان إنتي مجرد غطا للسرقة اللي عملها، وعشان الشقة دي لسه مكتوبة بعقد شرا بينه وبين أميرة، وأميرة رافعة عليه قضية دلوقتي وهتاخد الشقة دي منك في الآخر!
الخط قطع. المكان بقا هادي لدرجة تخوف. أنا كنت بنهج وببكي بجنون، ببص لطارق اللي كان وشه أصفر زي الليمونة، وعرقه نازل على جبهته. مكنش قادر ينطق كلمة واحدة ينكر بيها. الحقيقة المرة ظهرت كلها في ثواني.
قرب مني وهو بيترعش وحاول يمسك إيدي نادين… اسمعيني بس… الكلام ده مش كله صح… أميرة دي كانت ماضي والست دي بتتبلى عليا عشان تخرب بيتنا…
نفضت إيده عني بكل قوتي وصرخت فيه ماتلمسنيش! ماتلمسنيش يا كداب! الشقة دي عقد شرا؟ الفلوس اللي بتدفعها دي فلوس واحدة تانية؟ شبكتي أنا بفلوس واحدة شقيت وتعبت فيها عشان تيجي إنتي تذلني على خاتم بستة آلاف جنيه؟! إنت إيه؟ بني آدم إيه؟
سبته وجريت على باب الشقة. كنت بجري في الطرقة وأنا مش شايفة قدامي من كتر الدموع. سمعت صوته وهو بيتحرك ورايا وبيزعق نادين! استني هنا! متمشيش وتفضحينا في العمارة! نادين!
مسمعتش لسلامه، فتحت الباب وخرجت السلالم جري، مكنتش قادرة حتى أستنى الأسانسير. نزلت للشارع وأنا حاسة إن الهوا مبيخشش صدري، والناس بتبص عليا وأنا عياطي مسمع للكل. أخدت أول تاكسي قابلني ورميت نفسي في الكنبة اللي ورا، وقولت للسواق وأنا بشهق أرجوك… اطلع بيا على طول…
طول الطريق كنت حاطة إيدي على وشي وببكي بحرقة مش على الخاتم، ولا على الشبكة، أنا ببكي على نفسي… على الثقة اللي اديتها لواحد ميسواش، على الأيام اللي عديت فيها مواقف كتير كنت فاكراها طباع صعبة وطلعت نذالة وكدب. أنا كنت مجرد عروسة حبر على ورق، بيسد بيا خانة وبيستعملني كستار لجريمته مع واحدة تانية.
وصلت البيت، طلعت السلالم وأنا بهدومي المتبهدلة ووشي الضايع. أول ما فتحت الباب، ماما شافتني بالمنظر ده، اتخضت وقامت من مكانها وجريت عليا يا لهوي يا نادين! مالك يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟ طارق عمل فيكي إيه؟
ارتميت في حضن ماما وبقيت أصرخ وأبكي بأعلى صوت عندي. ماما كانت بتطبطب عليا وتعيط لعياطي وهي مش فاهمة حاجة. فضلت على الحال ده لحد ما هديت شوية، وقعدت على الكنبة وإيدي بتترعش. حكيت لماما كل حاجة من أول رسالة إمبارح لحد الكتابة اللي ورا الباب وكلام الست في التليفون.
مما حطت إيدها على صدرها من الصدمة يا نهار مش فايت! كل ده يطلع من طارق؟ اللي كان بيبان متربي ومحترم؟ ده طلع نصاب وفاتح بيوت الناس على حسابه! الحمد لله يا بنتي إن الحقيقة ظهرت دلوقتي وإحنا على البر، قبل ما يتقفل عليكي باب معاه وتلاقي نفسك في المحاكم!
في وسط الكلام، تليفون البيت رن، وبعدها علطول تليفوني أنا وماما. طارق كان بيكلم الكل، والرسائل منه مبتقفش نادين ردي عليا، أنا جاي تحت البيت مع أبويا وأمي عشان نفهم، والله الست دي بتكذب والشقة بتاعتي بالكامل.
ماما بصتلي وقالت بجمود أنا هكلم أبوكي يجي فوراً من المحل. الموضوع ده ميهمش فيه كلام نسوان، ده عايز رجالة توقف الكل عند حده. والدهب ده يرجع لأصحابه الليلة قبل بكرة.
دخلت أوضتي وقفلت الباب. بصيت لعلبة الدهب المحطوطة على التسريحة. قمت مسكتها وفتحتها، وبصيت للأساور والخاتم والغل اللي جوايا بيزيد. السبعين ألف دول شقى واحدة تانية… واحدة تانية بتبكي دلوقتي بسببه. شيلت العلبة وحطيتها في شنطة صغيرة عشان تترمي في وشه.
وفجأة، التليفون نور برقم جديد خالص، مش الرقم المجهول بتاع كل مرة. فتحت الرسالة وأنا قلبي مقبوض، وكانت الصدمة الجديدة مستنياني. الرسالة كانت من رقم مكتوب باسم أميرة بنفسها، وباعتة صورة من عقد الشقة الشرا، وتحتها جملة واحدة أنا مش الست اللي كلمتك في التليفون يا نادين، أنا معرفش رقمك أصلاً… بس كويس إن فيه حد تاني قرر ينقذك من طارق قبل ما يضيعك زي ما ضيعني. فكري كويس مين الست التانية اللي تعرف أسرار طارق لدرجة إنها تخرب عليه جوازته التانية؟
وقفت في مكاني مذهولة. لو أميرة مش هي الست اللي كلمتني… يبقى مين الست اللي كانت بتموت من الغيرة وعارفة كل تفصيلة في حياة طارق لدرجة إنها تكلمني وتهد الدنيا فوق دماغه؟
الرسالة دي طيرت برج من دماغي. فضلت واقفة في وسط الأوضة باصة لشاشة التليفون وعقلي عاجز عن التفكير. لو أميرة مش هي اللي كلمتني، والست الغامضة دي حد تاني خالص… يبقى مين دي؟

ومين اللي مصلحتها تهد الجوازة دي بالذات وتكشف طارق بالطريقة المرعبة دي؟ تفاصيل الشقة، الستة آلاف جنيه بتوع الخاتم، السبعين ألف بتوع الشبكة، وحتى الخاتم اللي اشتراه لأمه إمبارح! دي تفاصيل ميعرفهاش غير حد عايش جوه بيت طارق، أو حد لازق فيه أربعة وعشرين ساعة.
قعدت على السرير وإيدي لسه بتترعش. بره كنت سامعة صوت بابا وهو داخل البيت وصوته عالي وضاحك وهو بيكلم ماما، بس فجأة الصوت سكت… أكيد ماما بدأت تحكيله. ثواني وسمعت صوت بابا وهو بيتحول لزعيب وزعيق وهبده على التربيزة النصاب ده يعمل كده في بنتي؟ أنا رايح أطربق الدنيا على دماغه ودماغ أهله!
طلعت بره الأوضة بسرعة وجريت على بابا، مسكت إيده ودموعي نازلة عشان خاطري يا بابا بلاش تروح في حتة، هما زمانهم جايين هنا. طارق قالي إنه جاي مع أبوه وأمه. خلينا نخلص من الموضوع ده هنا ونرمي له حاجته في وشه.
بابا كان وشه أحمر وعروق رقبته بارزة من كتر العصبية، أخدني في حضنه وطبطب عليا وهو بيتنفس بصعوبة متخافيش يا نادين، طول ما أنا عايش على وش الدنيا مفيش كلب يقدر يكسر بخاطرك أو يغشِك. الحاجة اللي جابها هترجع له والخطوبة دي تتفسخ فوراً، والحمد لله إن ربنا كشفه بدري.
ماما كانت واقفة بتعيط في زاوية الصالة، وفي وسط الأجواء المشحونة دي، جرس الباب رن. الرنة كانت ورا بعضها، برعشة واستعجال. بابا زقني بالراحة وقال ادخلي أوضتك يا نادين، متقعديش معاهم.
قولتله بإصرار لا يا بابا، أنا هقعد. أنا اللي لازم أبص في عينه وأشوف كدبه وهو بيموت قدامي.
بابا فتح الباب، ودخل طارق… وراه أبوه الحاج عادل، ومامته الحجة نادية. طارق كان باين عليه التبديد والبهدلة، وشه كان مخطوف وعينه بتلف في الصالة لحد ما جت في عيني، حاول يتقدم خطوة بس نظرة بابا وقفته مكانه.
الحاج عادل دخل وهو بيتنحنح ووشه في الأرض، باين عليه الإحراج الشديد، وقال السلام عليكم يا أبو نادين. إحنا جايين نقعد ونفهم إيه اللي حصل، العيال شدوا مع بعض في الشقة وطارق جالي منهار ومش فاهمين فيه إيه.
بابا رد بجمود وصرامة تهز الحيطة توجب وتفضل يا حاج عادل، اتفضلوا اقعدوا. بس ابنك فاهم كويس إيه اللي حصل، والست اللي كلمت نادين في التليفون وفضحت اللعبة كلها فاهمة برضه.
قعدنا كلنا، الصالة كانت ماليانة توتر يخنق. طارق بدأ يتكلم بسرعة وصوته مرعوش يا عمي، والله العظيم كل الكلام ده كدب وفيه حد قاصد يشوه صورتي قدامكم! أميرة دي ماضي وخلص من زمان، والشقة دي بتاعتي وأنا اللي دافع فيها كل مليم، ومفيش أي قضايا ولا كلام فارغ من ده!
في اللحظة دي، ومامته قاعدة جنبه بتهز في رجلها وبتلعب في غويشتها ببرود، افتكرت رسالة أميرة الحقيقية وصورة عقد الشرا. طلعت التليفون وفتحت الصورة، وحطيتها قدام عين الحاج عادل وبابا.
قولت بصوت عالي وثابت عقد الشرا أهو يا حاج عادل! أميرة بنفسها باعتالي صورة العقد اللي بينها وبين ابنك، الشقة دي بالنص، والسبعين ألف بتوع شبكتي هما فلوس أجهزتها اللي طارق لطشهم منها! ابنك نصاب وجاي يعمل عليا راجل ويبخل عليا بخاتم عشان بيسد خانة!
الحاج عادل مسك التليفون، وبص في الصورة، وشه قلب مية لون. التفت لطارق وضربه بالقلم على وشه قدامنا كلنا! القلم ملى الصالة صدى صوت قوي. الحاج عادل زعق بصوت غضبان يا فاجر! يا كداب! مش قولتلي إنك فضيت المشاكل اللي بينك وبين البنت دي ورجعتلها حقها؟ جاي تتبلى على بنات الناس وتدبسنا في مصيبة؟
طارق حط إيده على وشه وبص للأرض وهو ساكت، مكنش قادر ينطق. بس الصدمة الحقيقية مكنتش هنا… الصدمة كانت في رد فعل مامته، الحجة نادية.
الحجة نادية وقفت فجأة وصوتها علي بالردح جرى إيه يا حاج؟ إنت بتضرب ابنك قدامهم عشان كلام عيال ورسائل مجهولة؟ وبعدين البت أميرة دي هي اللي كانت لزقة، وابني سابها بمزاجه! والشقة دي باسم طارق، وهي ملهاش حاجة! وإنتي يا ست نادين، جاية تعملي لينا حكاية عشان خاتم؟ ما إنتي شبكتك كاملة وزي الفل، إيه الطمع ده؟
بصيت للحجة نادية وأنا مش مصدقة عيني. الست دي مدافعة عن ابنها في السرقة والغش! وفجأة… رن في وداني صوت الست اللي كلمتني في التليفون إمبارح والنهارده. الصوت المكتوم اللي كان طالع من السبيكر… النبرة… الطريقة اللي بتقول بيها طارق مبيحسبش القرش مع أصحابه، ومبيترددش يشتري لأمه أغلى حاجة.
ركزت في صوت الحجة نادية وهي بتزعق وتتخانق مع بابا وماما. عقلي بدأ يربط الخيوط ببعضها. الست اللي كلمتني كانت عارفة إن طارق اشترى لأمه خاتم غالي إمبارح… وعارفة تفاصيل السبعين ألف… وعارفة عقد أميرة. مين اللي يضايقها إن طارق يشتري لأمه خاتم، وفي نفس الوقت يهمها إن الجوازة دي متمش؟
الحجة نادية مكنتش ممكن تعمل كده في ابنها… بس طارق عنده أخت! منى… أخت طارق المتجوزة اللي دايماً كانت بتبصلي بنظرات غيرة غريبة، واللي كانت واقفة معانا إمبارح في محل الدهب بس مشيت بدري قبل ما نخلص! منى اللي دايماً بتشتكي إن طارق مبيساعدهاش في مصاريف بيتها وبيدي كل حاجة لأمه!
الشك لمس قلبي وزلزلني. بصيت لطارق وقولتله ببرود قاتل وسط خناقة

أهله أختك منى فين يا طارق؟
الكل سكت فجأة. طارق بصلي باستغراب منى؟ منى في بيتها، إيه دخل منى دلوقتي؟
قولتله وأنا برفع التليفون دخل منى إنها الست اللي كلمتني وفضحتك. أختك هي اللي مش قادرة تشوفك بتشتري لمامتك خاتم غالي ومبتدهاش، وهي اللي عارفة كل بلاويك مع أميرة وعارفة إنك واخد فلوسها. أختك هي اللي خربت عليك يا طارق!
الحجة نادية وشها اتقلب وبقت تبرق إنتي بتقولي إيه يا مقصوفة الرقبة إنتي؟ بنتي منى تعمل كده؟
في اللحظة دي، التليفون في إيدي نور. المرة دي كانت رسالة جديدة من الرقم المجهول الأولاني، كأنها كانت سامعة الخناقة أو قاعدة معانا، الرسالة كانت مكتوبة بوضوح برافو يا نادين، بدأتي تشغلي عقلك. بس لسه فايتك كتير… اسألي الحجة نادية كده، الغويشتين اللي في إيدها دول، مش دول اللي طارق أخدهم من ورا أبوه عشان يرضيها بيهم بعد ما عرفت إنه كان بيدي فلوس لأميرة في السر؟ البيت ده كله مبني على الكدب يا نادين، وكلهم عارفين وبيداروا على بعض.
مسكت التليفون ووريت الرسالة للحاج عادل. الراجل وبص للرسالة، وبعدين بص لمراته الحجة نادية اللي جسمها كله بدأ يترعش وعينها بتلف في الأوضة بخوف. الحاج عادل قرب منها وصوته بقى واطي ومرعب الكلام ده صح يا نادية؟ الغوايش دي من فلوس البت التانية؟ إنتي كنتي عارفة إن ابنك واكل شقى البنت وساكتة عشان كام جرام دهب؟
الحجة نادية رجعت لورا وبلعت ريقها يا حاج… يا حاج اسمعني بس… طارق ابني…
الحاج عادل مقلهاش تكمل، التفت لبابا وقال بنبرة مكسورة تماماً أنا حقك عليا يا أبو نادين. أنا مكنتش أعرف إن بيتي ماليان وساخة بالمنظر ده. حاجتكم هتوصلكم لحد البيت، والخطوبة دي ملغية، وابني ده ملوش قعاد في بيتي من النهارده.
بابا وقف وفتح الباب على آخره وقال بجمود الحاجة عندك اهي يا حاج عادل، الشنطة دي فيها الشبكة كاملة بالمليم، مش عايزين من ريحتكم حاجة. اتفضلوا من غير مطرود، وبيننا وبين ابنك القضاء لو فكر يقرب من البنت تاني.
طارق حاول يتكلم، حاول ينادي عليا نادين… والله أنا بحبك…
بصيت له بقرف وقولتله إنت متحبش غير نفسك وفلوسك يا طارق. اخرج بره.
خرجوا كلهم، والباب اتقفل وراهم بقوة. الصالة رجعت هادية، بس هدوء بعد العاصفة. رميت نفسي في حضن ماما وبكيت، بس المرة دي مكنش بكا قهر.. . كان بكا راحة. راحة إن ربنا نجاني من عيلة كاملة عايشة في الغش والكدب، عيلة بتاكل حق الناس وبتداري على بعض عشان شوية دهب ومظاهر كدابة.
عدا أسبوع على اليوم ده. قفلت تليفوني القديم تماماً ورميت الخط، وجبت خط جديد ومكنتش بدخل على السوشيال ميديا. حاولت أرجع لحياتي الطبيعية، أركز في شغلي وفي نفسي. بابا وماما كانوا محاوطيني بكل الحب والأمان، ومحسسونيش بأي ذنب.
وفي يوم، كنت قاعدة في الأوضة بقرأ كتاب، لقيت ماما بتنادي عليا وصوتها مستغرب نادين… تعالي يا بنتي، فيه واحدة واقفة على الباب وعايزاكي بالاسم.
قمت واستغربت، رحت ناحية الباب. فتحت، ولقيت واحدة واقفة، ملامحها هادية بس باين عليها التعب والكسرة، شابة في أواخر العشرينات. بصتلي وابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت مساء الخير يا نادين. أنا أميرة.
جسمي كله اتخشب. أميرة؟ الخطيبة القديمة لطارق واقفة قدام باب بيتي؟
وسعت لها الباب وأنا مذهولة أميرة؟ اتفضلي… ادخلي.
دخلت أميرة وقعدت في الصالة، ماما جابتلها عصير وبصتلي بقلق وسابتنا لوحدنا. أميرة بصت للمكان وبعدين بصتلي وقالت أنا جيت عشان أشكرك… وعشان أقولك إن قضية الشقة أنا كسبتها إمبارح، والشقة رجعتلي بالكامل.
قولتلها بنبرة هادية مبروك يا أميرة، ده حقك وشقاكي. بس إنتي عرفتي بيتي منين؟
أميرة سكتت ثواني، وطلعت تليفونها، وفتحت صفحة شات. ورتني الشات وقالت أنا عرفت بيتك وعرفت كل حاجة عنك من الشخصية اللي كانت بتبعتلك الرسايل. الشخصية دي كلمتني أنا كمان بعد ما كسبت القضية، وقالتلي إنك بنت حلال وتستاهلي إننا نقف جنبك.
بصيت للشاشة، وبقيت أقرا الكلام. وفجأة عيني وقعت على الاسم وصورة الأكونت المبعوث منه الكلام لأميرة. الاسم مكنش منى أخت طارق… ولا كان حد من قرايبه.
الاسم كان صدمة تالتة ورابعة، صدمة خلتني أدرك إن اللعبة أعمق بكتير من مجرد غيرة إخوات أو حقد قرايب. الأكونت كان باسم البشمهندس حسام… المهندس اللي كان بيشطب الشقة لطارق! والست اللي كانت بتتكلم في التليفون مكنتش ست أصلاً… ده كان برنامج تغيير صوت، وحسام هو اللي كان بيلعب الخيوط دي كلها من ورا الستار!
بصيت لأميرة وقولت بذهول المهندس حسام؟ هو ليه يعمل كل ده؟ وليه يخرب على طارق ويساعدنا إحنا الاتنين؟
أميرة نزلت عينها للأرض ووشها احمر، وقالت بصوت واطي عشان حسام يبقى…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *