حماتي زقتني 2

حماتي زقتني من على السلم، سقطت البيبى دخلت المستشفى وبعد ما فوقت، مضيت ورق الطلاق واختفيت من غير ما أنطق بكلمة واحدة. في الليلة دي، كان جوزي “عصام” قاعد بيضحك في سريرنا مع عشيقته “سوزي”، وفجأة تليفونه رن… كان الدكتور أحمد. قال له ببرود: “مراتك كانت حامل… وسقطت، والتحاليل والإشاعات بتاعتك بتأكد إنك عقيم وعمرك ما هتقدر تخلف أصلاً!”. التليفون وقع من إيده في نفس اللحظة اللي وصلت له فيها رسالتي الأخيرة: “اشبع بقى بالعيلة اللي اخترتها!”.

 

الحكاية من أولها…

آخر حاجة سمعتها قبل ما راسي تخبط في رخام السلم، كان صوت حماتي “الحاجة فوزية” واطي ورايق، كأنها لسه مصلحة مفرش كروشيه معوج على السفرة:

— “عشان بعد كده تعرفي مقامك كويس وتلزمي حدودك يا بت بتوع الفول والطعمية.”

وبعدها جت الخبطة. مكنش صوتها عالي، بس كانت جافة، بيضا، وحاسمة. سقعة البلاط عضت في جسمي، النفس هرب من صدري، والدنيا ضلمت في عيني حتة ورا حتة.

فقت على نور كشافات مستشفى القصر العيني وهو ضارب في عيني وبيوجعني. الريحة كانت ميكس بين ديتول ومطهر وبلاستيك نظيف وورد رخيص دبلان قبل وقته. كان في غرز فوق حاجبي، وسور بلاستيك في معصم إيدي مكتوب عليه اسمي، وفراغ في بطني… فراغ مبشبهش أي وجع خبطة تانية.

الدكتور “أحمد” كان واقف جمب السرير وماسك في إيده التقرير الطبي. بص لي وقال بأسف:

— “شدي حيلك يا مدام رضوى… إنتي كنتي حامل في الأسبوع الثامن.”

إيدي جريت على بطني من غير ما أحس، وهمست بصوت مبحوح ودموعي نازلة:

— “لأ… مش ممكن، ابني لا.”

بص للأرض وقال:

— “الوقعة من على السلم هي السبب في الإجهاض.”

 

“عصام” مجاش…

مجاش يعتذر، ولا حتى اتصل بأمن المستشفى يطمن. مألموش ضميره يسأل على نتيحة الإشاعة أو التقرير اللي بيقول إني المفروض مأقومش من السرير من غير مساعدة.

بدل ما ييجى، “الحاجة فوزية” بعتت لي بوكيه ورد بلدي دبلان مع البواب!

ومعاه كارت مكتوب فيه بخطها: *”الوقعات بتحصل يا حبيبتي، بلاش دراما ومحن نسوان بقى.”*

في اللحظة دي بالذات، الوجع اللي جوايا اتقلب لـ غل وتلج.

على مدار تلات سنين، عصام وأمه كانوا بيعاملوني كأني حتة يتيمة شحاتة كتر خيرهم إنهم فتحوا لي باب بيتهم في الحارة وخدوني. تريقوا على لبسي البسيط، فتشوا ورايا في كل قرش مصروف بيت، وكانوا دايما يفكروني — باللتاتة والسهوكة بتاعة الناس اللي شافت قرشين فجأة — إن الشقة دي، والعربيات، وشركة المقاولات، كلهم بتوع “عيلة السيوفي” وهو بس.

مكنوش يعرفوا إن أبويا الله يرحمه — اللي كان مقاول قديم ومستور— ساب لي ورث وشبكة أمان في البنك وقصر متأجر قيمتهم **80 مليون جنيه**.

ومكنوش يعرفوا إن الفلوس دي متشالة ومحمية ورا قوانيين ومحامين كبار، واسمي مش ظاهر في أي حتة ممكن عصام يفكر يدور فيها. صاحبتي وأختي ومحاميتي “منى” كانت دايما تحذرني وتقولي: *”يا رضوى، تزييف الفقر وسط ناس جعانة وجشعة ده خطر”*، بس أنا كنت ببتسم وبقولها: *”الصبر بيكشف القلوب، وعايزاه يحبني لنفسي”*.

والقلوب اتكشفت خلاص… أنا بس اللي كنت مغمية عيني بـ غباوة ومش عايزة أشوف.

عصام كمان مكنش يعرف إنه من سنتين، لما شركته للمقاولات والبُنا كانت خلاص بتفلس وعليها شيكات وهتخرب، أنا اللي أنقذتها من تحت التراب في السر، ومضيت بـ “توقيع مستعار” لشركة وهمية بتاعتي. في ورق السجل التجاري، شركتي دي كانت تملك 62% من أسهم شركته. وحتى الشقة الكبيرة والعربية الفخمة اللي كان بيتنطط بيها في وسط البلد ويقول “أنا وبس”، كانوا متأجرين باسم شركتي أنا!

أنا أخفيت الحقيقة دي كلها عشان كنت عايزة حب حقيقي، حب نضيف ملوش علاقة بالقرش.

بس السكوت في بيت ناس قاسية وعينها فارغة، مبيبانش تواضع… بيبان كأنه ضوء أخضر ليهم عشان يدوسوا عليكي.

 

قبل الليل ما يليل، دخلت عليا “منى” أوضتي في المستشفى ومعاها شنطة جلد سودا فيها نسختين من ورقة الطلاق على إبراء، وطلب عدم تعرض في القسم، وتعليمات بتجميد أي أصول أو حسابات أو سحب رخص مربوطة بتوقيعي. الممرضة قفلت الستارة حوالينا، وجهاز نبضات القلب كان شغال بانتظام، كأن جسمي لسه بيقرر إذا كان في أمل يعيش ولا لأ.

“منى” بصت في عيني وسألتني بجدية أولاد البلد:

— “أنتي متأكدة يا رضوى؟ مفيش رجوع؟”

بصيت للكرسي الفاضي اللي جمب السرير، المكان اللي كان المفروض جوزي النطع يبقى قاعد عليه يواسيني في ابننا. وقلت وصوتي كله قوة وعزم:

— “على الآخر يا منى.. امضي.”

مضيت في المكان اللي شاورت لي عليه. منى صورت كل صفحة بالموبايل، وسجلت الوقت بالدقيقة على الملف، وكلمت مدير مكتب إدارة أموالي وقالت له: “نفذ القرار دلوقتي”.

الممرضة ساعدتني أخرج من باب الطوارئ ورا المستشفى. مأخدتش معايا أي غويشة ولا خاتم دهب من اللي جابهم لي، ولا لبس، ولا حتى صور من بيت عمره ما حسسني بأمان. أخدت بس السلسلة الفضة والانسيال بتوع أمي الله يرحمها اللي كانوا معايا في كيس المستشفى.

 

عصام مكنش بيدور عليا في الليلة دي.

كان في شقتنا مع “سوزي”، قاعدين يضحكوا ويسهروا على الملايات اللي أنا لسه غسلاها ومطراها بإيدي من يومين، وقزازة الحاجه الساقعة والفاكهة على التربيزة. الحاجة فوزية كانت لسه باعتا لـ عصام رسالة على الواتساب بتقوله فيها: *”البت غارت في داهية وطفشت أخيراً، والبيت نضف وبقى بتاعنا، مبروك عليك يا قلب أمك”*.

#الكاتب_رومانى_مكرم

وفجأة… تليفونه اتهز وصوته رن في الأوضة.

ظهر على الشاشة: “الدكتور

عصام رد بالصوت المتعجرف والناشف اللي بيكلم بيه البوابين أو الشغالين:

— “أيوة.. مين؟ اخلصوا مش فاضي.”

بس على الناحية التانية، الدكتور “أحمد” مكنش عنده وقت للمهاترات، وقال له الكلمتين اللي طيروا برج من دماغه وخلوه يندم على اليوم اللي اتولد فيه…

يا ترى الدكتور أحمد هيقوله إيه، وعصام هيعمل إيه لما يعرف إن الطاووس اللي كان عمال يتنطط بيه طار، والشركة والشقة والعربية بقوا في الهوا؟”

الدكتور أحمد أخد نفس طويل، صوته في السماعة كان هادي، بس الهدوء ده كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. قال له بنبرة باردة ومفيش فيها أي مشاعر:

— “معاك الدكتور أحمد من مستشفى القصر العيني. أنا بكلمك بخصوص المدام رضوى… للأسف المدام وصلت هنا بعد ما وقعت من على السلم، وحصل لها إجهاض كامل. هي كانت حامل في الأسبوع الثامن.”

عصام اتعدل في سريره، ملامحه اتمطت ببرود، وبص لـ سوزي اللي كانت بتلعب في خصلات شعرها وبتضحك بدلع. رد بكل غلظة:

— “وأنا مالي؟ ما تغور، هي اللي مهملة وبتدلع، وبعدين دي وقعة سلم يعني مش حوار.. اخلص يا دكتور وشوف هتمضوها على خروج إمتى عشان أنا مش فاضي أجي وجع دماغ.”

الدكتور أحمد قاطعه بصوت حاد وزي الس..كينة:

— “استنى هنا يا أستاذ عصام.. إنت مالي ونص! الكلام اللي جاي ده يخصك إنت بالذات. إحنا لما المدام دخلت، عملنا كل الفحوصات والإشاعات، وبناءً على فصيلة الدم والتحاليل الجينية اللي كانت مطلوبة لتوثيق حالة الإجهاض، وعينات المقارنة اللي سحبناها… أنا مضطر أبلغك بالتقرير الطبي النهائي اللي طلع من المعامل المركزية دلوقتي. التحاليل والإشاعات بتاعتك إنت شخصياً، من واقع ملفك القديم اللي متسجل عندنا في المستشفى لما كنت بتعمل عملية الدوالي من سنتين، وبمطابقتها مع النتايج الحالية… بتأكد إنك عقيم تماماً! إنت عندك غياب كامل في الحيوانات المنوية، ونسبة الخصوبة عندك صفر. يعني بالبلدي كده… عمرك ما خلفت، وعمرك ما هتقدر تخلف أصلاً!”

الكلمة نزلت على ودن عصام زي الصاعقة. ضحكة سوزي اختفت فجأة لما شافت وشه اتقلب لـ لون أزرق باهت، وعينيه برقت لدرجة الخوف. الدكتور كمل كلامه من غير رحمة:

— “المدام كانت حامل في طفل… والتحاليل بتقول إن مستحيل يكون ابنك، بس المفاجأة الأكبر إن التحليل الجيني للجنين أثبت إنك مش الأب، ولما واجهنا المدام قبل ما تمشي، قالت لنا الحقيقة كاملة.. الطفل ده كان نتيحة عملية حقن مجهري بأجنة مجمدة من زوجها السابق اللي اتوفى من أربع سنين، وهي كانت محتفظة بيهم قانونياً ورسمياً في مركز الخصوبة، وعملت العملية في السر من وراك عشان كان نفسها يبقى عندها طفل يحميها، ولأنها كانت عارفة حقيقتك وحقيقة أهلك!”

التليفون وقع من إيد عصام على الملاية. الصوت قطع، والدنيا لفت بيه. في نفس الثانية دي، تليفونه اتهز تاني.. كانت رسالة واصلة من رقم رضوى. فتحها وإيديه بتترعش كأنه ماسك جمرة نار، قرا السطر الوحيد اللي مكتوب فيها:

*”اشبع بقى بالعيلة اللي اخترتها! الطاووس اللي كنت بتتفشخر بيه طار.. وبص تحت رجليك كويس قبل ما تتكلم عن المقامات.”*

عصام وقف في نص الأوضة زي المجنون، بيصرخ في سوزي:

— “اطلعي برة! برة!”

لبس هدومه بأي طريقة ونزل جري على السلم، ركب عربيته المرسيدس وهو مش شايف قدامه، وطار على مستشفى القصر العيني. دخل يزعق ويدور على أوضة رضوى، بس الممرضة وقفته ببرود وقالت له:

— “المدام كتبت طلب خروج على مسؤوليتها ومضيت ورق الطلاق على إبراء من ساعتين.. واختفت، ومفيش أي حد يعرف مكانها.”

رجع عصام البيت ودموعه نازلة من القهر والصدمة، دخل الشقة لقى أمه “الحاجة فوزية” قاعدة في الصالة، حاطة رجل على رجل، وبتشرب شاي وبتزغرد بصوت واطي:

— “مبروك يا قلب أمك، العقربة غارت.. والبيت فضي لينا، يالا بقى عشان نخطب لك سوزي هانم اللي هتملا عليك الدنيا عيال.”

عصام بصلها بعين حمرا ك الدم، وصوته طلع مخنوق:

— “عيال؟ عيال إيه يا أمي! الدكتور لسه مكلمني.. أنا عقيم! عقيم مش بخلف! رضوى كانت حامل من أجنة جوزها الميت بالحقن المجهري.. وإنتي.. إنتي اللي زقتيها وضيعتي السر اللي كان هيسترني قدام الناس! طردتيها وضيعتي كل حاجة!”

الحاجة فوزية قطعت كلامه بضحكة صفرا وقالت:

— “عقيم إيه وخيبتك إيه؟ ده كلام مستشفيات حكومة عشان تداري على وساختها! وبعدين غارت في ستين داهية، الشقة دي تسوى لها 5 مليون جنيه، وعربيتك والشركة أهم، بكره نجيب ست ستها وتكتب لها عيال باسمك!”

وفي وسط خناقتهم، تليفون عصام رن تاني.. المرة دي مكنش الدكتور، ده كان “مدحت” المحاسب القانوني بتاع شركة المقاولات بتاعته. عصام رد وهو بيلهث:

— “أيوة يا مدحت.. في إيه إنت كمان؟”

صوت مدحت كان مرعوب ومبحوح:

— “الحق يا عصام بيه.. المصيبة حلت علينا! من نص ساعة بالظبط، السجل التجاري اتبعت لنا منه إخطار رسمي. الشركة الوهمية اللي كانت شارية 62% من أسهم شركتنا وعملت لنا إعادة هيكلة من سنتين.. رفعت علينا قض..ية حجر وتنفيذ فوري، وسحبت كل الأصول! مش بس كده.. الشقة اللي إنت قاعد فيها دلوقتي، والعربية المرسيدس اللي بتركبها، طلعوا مأجرين بعقود رسمية باسم نفس الشركة، والشركة دي بعتت أمر إخلاء فوري للشقة بالبوليس خلال 24 ساعة، وحجزت على العربية من التتبع!”

عصام حس إن ركبه مش شايلاه، قعد على الأرض وهو بيشد في شعره:

— “شركة إيه يا مدحت؟ ومين صاحب الشركة دي أصلاً؟! مين اللي يقدر يعمل فيا كده في ليلة واحدة؟”

مدحت رد بصوت واطي ومليان صدمة:

— “المالك الفعلي والرئيس التنفيذي للشركة دي.. هي المدام رضوى عبد الحميد.. مراتك! طلعت هي اللي كانت شارياك وشارية شركتك، وهي اللي منعت حبسك من سنتين.. ودلوقتي قفلت الحنفية، ودمرت كل حاجة في لحظة!”

الحاجة فوزية لما سمعت اسم رضوى، كوباية الشاي وقعت من إيدها واتشظت على رخام الصالة. الوش الخشب اللي كانت بتتنطط بيه اتقشر، وبان الرعب في عينيها. بصت لابنها اللي بقى نايم على الأرض منهار وبيعيط زي العيال الصغيرة، وبدأت تصرخ:

— “رضوى؟ بت بتوع الفول والطعمية تعمل فينا إحنا كده؟! تاخد شقائي وعمري وعمر ابني؟”

في نفس اللحظة دي، برة الحارة، كانت في عربية جيب سوداء وفخمة جداً واقفة على أول الشارع الرئيسي. رضوى كانت قاعدة في الكنبة اللي ورا، لابسة نظارة سودا مخبية عينيها التعبانة، ووشها باهت بس ملامحها حاسمة وقوية زي الصخر. جمبها كانت “منى” المحامية ماسكة اللابتوب وبتقفل الملفات.

منى بصت لـ رضوى وقالت:

— “كل حاجة اتنفذت بالحرف يا رضوى. الشقة، العربية، الشركة، كله رجع لحضنك بقوة القانون. هما دلوقتي في الشارع حرفياً.. وعصام عليه شيكات من غير رصيد للعمال والموردين بقيمة 12 مليون جنيه، يعني مسألة وقت والشرطة هتقبض عليه.”

رضوى من غير ما تلتفت وراها، بصت للطريق القدام وقال بصوت هادي ومفيش فيه تراجع:

— “الناس اللي بتدوس على قلوب البشر عشان فاكرين إن الفلوس والمقامات بالمنظرة، لازم يتعلموا الدرس من تحت الصفر. أنا مش زعلانة على اللي فات.. أنا زعلانة على الغباء اللي خلاني أفتكر إن الثعبان ممكن يغير جلده بالحب. اطلعي يا منى.. الحكاية لسه بتبدأ، وأنا مش هسيب حقي ولا حق ابني اللي مات من غير ما أشوف فوزية وعصام وهم بيشحتوا في الملكوت اللي كانوا فاكرين إنهم يملكوه.”

العربية اتتحركت في وسط ضلمة الليل، وسابت وراها حارة بتغلي، وعصام واقف في البلكونة بيبص لعربيته وهي بتتجر على ونش الحجز، وأمه بتلطم على وشها في الصالة.. من غير ما يعرفوا إن اللي جاي هيكون أشد بكتير من مجرد خسارة فلوس.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *