ليله جوازي 2 حكايات زهره

قدمت خطوة ناحية الكومودينو، ومسكت أباجورة تقيلة كانت محطوطة، وبصيت له وعينيا بتطق شرار
جرب كده تقرب.. وربنا يا محمود، لو خطيت خطوة واحدة، لهكون شقاك النهاردة، وهلم عليك أهلك والبلد كلها، وميهمنيش ساعتها إيه اللي يحصل. أنا مبقاش عندي حاجة أخسرها، فبلاش تختبر جناني.
شاف في عينيا نظرة واحدة خلت خطوته تتراجع. هو جبان، والراجل اللي بيلف ويدور ويبني حياته على كدبة دايماً بيبقى جبان لما بيواجه حد مش خايف. نفخ بضيق وقال
ماشي يا زهرة.. خليكي كده بنشافية دماغك، مسيرك تليني لما تشوفي الوش التاني. هنام على الكنبة، بس بكره الصبح لينا كلام تاني خالص.
الصباحية.. ووجوه الأقنعة الساقطة
طول الليل منمتش ولا ثانية. كنت قاعدة على السرير، ضامة رجلي لصدري، وعينيا على الباب وعلى محمود اللي نام ورايح في النوم كأن معملش أي مصيبة. كنت بفكر في مخرج، في طريقة أخرج بيها من الورطة دي من غير ما أكسر ضهر أبويا وأمي، ومن غير ما أسيب سيرة تِمس أخواتي البنات.
مع أول ضوء للنهار، صحيت على صوت زغاريط عالية برة الشقة، وخبط رزع على الباب. محمود صحي مخضوض، وبصلي وابتسم بانتصار
أهلي جم يباركوا.. يلا يا عروسة، فكي الوش الخشب ده عشان ميبانش حاجة قدامهم.
فتح الباب، ودخلت حماتي وسلفتي، ووراهم منار اللي كانت شايلا صينية فطار كبيرة، وفي ديلها تلت بنات

صغيرين، أكبرهم متعديش سبع سنين. البنات كانوا بيبصوا لي بكسوف وخوف. قلبي اتعصر لما شفتهم.. دول بنات محمود، الغلابة اللي أبوهم شايفهم عيب أو غلطة وعايز يغير العتبة عشان يخلص منهم ويجيب الولد!
حماتي دخلت وهي بتوزع نظرات فاحصة في الأوضة، وقالت بنبرة فيها شماتة مستخبية تحت مسمى الحب
مبروك يا ضنايا.. صباحية مباركة يا عرايس. هاه يا محمود، طمنا؟.
محمود بصلي وقال وهو بيحط إيده على كتفي بالعافية
الحمد لله يا أمي، كله تمام.. زهرة بس لسه مكسوفة شوية.
منار حطت الصينية وقربت مني، وقالت بصوت واطي ومستفز وهي بتبص للعباية اللي أنا لابسها
إيه ده يا ضرتي؟ صاحية بالعباية؟ مفيش حاجة كده ولا كده؟ ولا العريس مقدرش عليكي؟.
بصيت لها وكنت قادرة أرد وأجيب عاليها واطيها، بس سكت. لاحظت حاجة غريبة.. نظرات منار مكنتش نظرات ست محروقة من ضرتها، كانت نظرات ست شمتانة، كأنها كانت عارفة باللعبة من الأول وموافقة عليها!
سألت نفسي ليه ست توافق جوزها يتجوز عليها وتساعده في التمثيلية دي؟. وجالي الرد فجأة لما سمعت حماتي بتقول لمنار بصوت شبه مسموع أهو لو جابت الواد يا منار، هناخده نربيه هنا ويبقى سند ليكي ولبناتك، ومحمود مش هيسيبك برضه.
يا لخصتكم وقذارتكم! عايزين تستخدموني ك حاضنة أو آلة خلفة عشان يجيبلهم الولد اللي بيحلموا بيه، وبعدين يرموني أو يهمشوني! هنا، الخطة بدأت تترسم في دماغي.
خيط النجاة.. وبداية الخطة
قعدت معاهم وبقيت أبتسم مجاملة، وأكلت لقمة صغيرة عشان ميبانش عليا التعب. محمود حس إن الأمور بدأت تستقر وإني بدأت أخضع للأمر الواقع، فنظرة التهديد اللي في عينيه اختفت وحل مكانها الطمأنينة.
بعد ما أهله نزلوا، محمود قالي
أنا نازل أقعد مع رجالة العيلة تحت شوية، وجايلك. شفتي بقى إن الموضوع بسيط؟ عيشي واشتري خاطري وأنا هخليكي ملكة.
هزيت راسي وقولتله
ماشي يا محمود.. روح أنت.
أول ما قفل الباب وراه، جريت على تليفوني. كنت لازم أتصرف بسرعة وبذكاء. لو كلمت أبويا، راجل كبير ومريض ضغط، ممكن يجرى له حاجة. لو كلمت أخويا الكبير أحمد، هيجي بالدم والسلاح والبيوت ه تتخرب والفضائح هتملى الدنيا. لازم ألاقي حل قانوني يحميني ويثبت حقي ويفضح محمود بس بالطريقة الصح.
افتكرت خالي رأفت.. خالي محامي كبير وذكي جداً، ودايماً كان هو صندوق أسراري وبيحبني زي بنته. اتصلت بيه وأنا برتعش. أول ما رد، انهرت في العياط
إلحقني يا خالي.. أنا في مصيبة.. محمود طلع متجوز ومخلف تلت بنات، وضحك علينا والنهاردة عرفت كل حاجة.
خالي اتصدم، وسمعته بياخد نفسه بصعوبة، بس بحكم شغلته قدر يتمسك وقال بصوت حازم
اهدئي يا زهرة.. اهدئي وفهميني بالراحة. المأذون كتب الكتاب إزاي؟ هو محمود قدم قسيمة طلاق ولا قال إنه مش متجوز؟.
لا يا خالي، ده كان بيتوشوش مع المأذون، وأنا عرفت إنه دفع له فلوس عشان ميكتبش في القسيمة إنه متجوز، وعشان المأذون مينطقش قدام بابا!.
خالي سكت ثانية، وفجأة صوت نبرته اتغيرت تماماً، وقال بنبرة فيها أمل وقوة
زهرة.. اسمعيني كويس جداً ونفذي اللي هقولك عليه بالظبط. محمود وقع في شر أعماله. في القانون المصري، إدلاء ببيانات غير صحيحة في وثيقة رسمية قسيمة الجواج دي جناية تزوير! والمأذون لو تواطأ معاه يبقى شريك في الجناية دي. محمود كده حط رقبته تحت رجلينا.
حسيت بروحي بترجعلي، وقولتله يعني إيه يا خالي؟ هنعمل إيه؟.
خالي قال أنتي تقعدي هادية تماماً، متعمليش أي مشكلة. أنا هكلم أبوكي وأخوكي وأفهمهم بالراحة عشان ميعملوش شوشرة، وإحنا جايلكم في الطريق. بس مش هنيجي ك ناس جاية تتخانق، إحنا هنيجي ومعانا قوة القانون اللي هتخليه يطلقك في ساعتها وياخد جزاؤه. متخافيش يا بنتي، ضهرك موجود.
المواجهة الكبرى.. قلب الطاولة
مرت الساعات وكأنها سنين. رجع محمود الشقة بعد العصر، وكان معاه أمه ومنار، كأنهم جايين يفرضوا سيطرتهم الكاملة عليا. قعدوا في الصالة، ومحمود ناداني
تعالي يا زهرة.. اقعدي وسط عيلتك الجديدة.
خرجت وقعدت، وكنت بحاول أبان هادية على قد ما أقدر. منار بدأت تتكلم بنبرة متعالية
بصي بقى يا زهرة، إحنا هنا بيت عيلة، الشغل مقسوم بيننا، وأنا الكبيرة هنا،
لمحة نيوز
يعني كلامي هو اللي يمشى، ومحمود ليلتين عندي وليلتين عندك….
وقبل ما تكمل جملتها، الباب خبط خبطات قوية ومنتظمة. محمود استغرب وقام يفتح
مين اللي بيخبط بالطريقة دي؟.
أول ما فتح الباب، وسع خطوته لورا بذهول. كان واقف بره أبويا، وأخويا أحمد، وخالي رأفت، ومعاهم راجلين بشرطة سرية أمين شرطة وضابط بلبس مدني!
محمود وشه اتخطف وبقى لونه أصفر زي الليمونة
عمي؟! أحمد؟!.. خير في إيه؟ جاين من غير ميعاد ليه؟.
أبويا دخل، وعينيه كانت مليانة دموع وحسرة، بس أول ما شافني جريت عليه وحضنته، طبطب عليا وقال بصوت يرعش سامحيني يا بنتي، أنا اللي مكنتش موافق في الأول وسبت قلبي يلين.. بس وحق دموعك دي لأجيبلك حقك.
أخويا أحمد كان هيهجم على محمود يفرتكه، بس خالي رأفت مسكه وقفه، وقدم هو خطوة بكل هيبة ومكتبش محمود أي فرصة للكلام. خالي بص لمحمود وبص لأمه ومنار اللي كانوا واقفين مرعوبين، وقال بصوت جهوري هز الحيطان
أهلاً يا أستاذ محمود. جاين من غير ميعاد عشان نباركلك على التزوير في أوراق رسمية!.
محمود بلع ريقه وحاول يصطنع القوة
تزوير إيه يا أستاذ رأفت؟ أنا متجوزت أختكم على سنة الله ورسوله، والجواز التاني مش حرام!.
خالي رأفت طلع

من شنطته ورقة، وقال بسخرية
الجواز التاني مش حرام لو قولت الحقيقة وعرفت الزوجة الأولى والجديدة. لكن لما تروح للمأذون اللي بالمناسبة اتقبض عليه من ساعتين في مكتبه واعترف بكل حاجة، وتدفع له رشوة عشان يثبت في خانة الحالة الاجتماعية إنك أعزب ولم يسبق لك الزواج، فدي يا محترم اسمها جناية تزوير في محرر رسمي عقوبتها في قانون العقوبات بتوصل للسجن المشدد من ٣ ل ٧ سنين! وده غير عقوبة الرشوة وتواطؤ المأذون.
الكلمات نزلت على محمود زي الصاعقة. أمه بدأت تصوت وتلطم على وشها
يا مصيبتي! سجن إيه يا بيه؟ ابني معملش حاجة، ده كان عايز يتجوز ويجيب الولد!.
خالي رأفت تجاهلها تماماً وبص لمحمود اللي كان جسمه كله بيرتعش وعرقه بينزل بغزارة
والبشوات اللي معايا دول من المباحث، وجاين ينفذوا أمر الضبط والإحضار اللي صدر بناءً على المحضر اللي حررناه الصبح بعد اعتراف المأذون. قدامك حلين يا محمود، ومفيش ليهم تالت.
محمود صوت طلعت بالعافية وهو مكسور تماماً
إيه.. إيه هما الحلين؟.
خالي رأفت بصلي وناداني تعالي يا زهرة. وقفت جنب خالي، اللي كمل كلامه بقوة
الحل الأول إنك تطلق زهرة حالا حالا طلاق طلقة بائنة لا رجعة فيها، وتمضي على إقرار بإنك استلمت كل منقولات الزوجية القايمة كاملة ومستعد ترد قيمتها نقداً فوراً، وتدفع مؤخر الصداق المتفق عليه بالكامل. وساعتها، إحنا ممكن نتنازل عن المحضر وتخرج منها.. بس طبعاً بعد ما تتأدب.
والحل التاني؟ محمود سأل وهو شبه عياط.
أخويا أحمد رد عليه بغل الحل التاني إنك تترمي في التخشيبة النهاردة، وتلبس البدلة الزرقا وتضيع مستقبلك ومستقبل بناتك اللي كنت بتعاير أختي بيهم!.
منار هنا جريت على محمود ومسكت في هدومه وهي بتعيط
طلقها يا محمود! طلقها وبلا واد بلا زفت! هتروح في داهية وتضيعنا وتضيع البنات عشان الواد؟ طلقها ياخويا فدتك وفدت بناتك!.
سبحان مغير الأحوال! الست اللي كانت من كام ساعة داخلة تذلني وتباهي بجوزها، بقت هي اللي بترجوه يطلقني عشان ينقذ نفسه!
كرامتي فوق كل شيء
محمود بص حواليه، لقى نفسه في حارة سد. أهله اللي كان بيتحامى فيهم واقفين عاجزين، القانون محاصر رقبته، وأخويا واقف مستني إشارة عشان يفرتكه. بصلي بنظرة رجاء أخيرة، كأنه بيستعطفني.
أنا بصيت له بكل برود، وقولتله
متنبصليش كده يا محمود. أنت قولتلي إمبارح إن محدش هيصدقني وإن الناس هتاكل وشي وأهلي هيتفضخوا.. أديك شفت، أهلي هما اللي جايبينلي حقي، والقانون هو اللي هيفضحك أنت وأهلك في البلد كلها. طلقني.. ووريني هتعمل إيه بالولد اللي كنت مستنيه.
محمود نزل راسه في الأرض، وبص للمحامي وللضابط وقال بصوت مخنوق
أنا موافق.. هطلق وهكتب كل اللي انتوا عايزينه.
في خلال نص ساعة، كان خالي رأفت جاهز بكل الأوراق. مضى محمود على التنازل والطلاق والإقرارات المالية وهو مكسور العين والروح. ورقة طلاقي طلعت في نفس اليوم اللي دخلت فيه الشقة دي.
شلت شنطة هدومي اللي دخلت بيها، وخرجت من الشقة وأنا ماسكة في إيد أبويا وأخويا. وأنا بمر من جنب بنات محمود الصغيرين، وطيت عليهم وبستهم في راسهم وقولت لهم أنتم أحلى حاجة في الدنيا، أوعوا تصدقوا في يوم إنكم عيب.
خرجت للشارع، ونسمة الهوا الباردة خبطت في وشي. حسيت كأن جبل انشال من فوق صدري. صح، التجربة كانت قاسية وصعبة، والصدمة كانت فوق الاحتمال، بس خرجت منها قوية، مرفوعة الراس، مكسرتش أهلي ولا سمحت لندل يكسر كرامتي.
رجعت بيتنا وسط ناسي، وأنا عارفة إن الحياة مش هتقف هنا، وإن ربنا نجاني من غدر كان ممكن يدمر عمري كله. الدرس اللي اتعلمته كان غالي قوي الراجل اللي يبدأ حياته معاكي بكتشاف أو كدبة، متأمنيش له على دقيقة واحدة من عمرك، لأن اللي بيكدب في البدايات.. بيغدر في النهايات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *