حطيت في ايد اختي

حطيت في إيد أختي يوم فرحها نصف مليون جنيه وقلت لها لو الدنيا كسرتك، دول هينقذوكي. بعد تلات سنين رجعت مطلقة، هدومها مقطعة وجسمها هزيل… لكن دفتر التوفير كان زي ما هو. ولا جنيه واحد اتصرف. السؤال اللي قتلني أمال كانت عايشة إزاي؟ لحد الحقيقة اللي اكتشفتها بعد ما فتحت موبايلها خلتني أندم إني سيبتها تدخل البيت ده من الأساس.
يوم فرح أختي الصغيرة، حطيت في إيدها دفتر توفير فيه 500 ألف جنيه، وبعد تلات سنين اتصدمت من اللي حصل.
ده سندك وأمانك اللي سايباهولك يا منة. لو الدنيا ضاقت بيكي ومقدرتيش تعيشي، ارجعيلي، بيتي مفتوحلك.
ركبت عربية الفرح وهي بتعيط، وأنا دموعي نزلت معاها.
بعد تلات سنين، لقيتها فعلاً راجعة وشايلة شنطة هدومها القديمة.
قسيمة الطلاق كانت متوقعة ومخلصة كل حاجة بهدوء، وخرجت من الجوازة دي بلا حمص من غير ولا مليم.
قلبي اتعصر عليها من الوجع، وجريت بسرعة أفتح دفتر التوفير اللي سيبتهولها عشان أشوف باقيلها كام يساعدها تبدأ حياتها من جديد ويؤمنلها عيشتها.
لكن اللحظة اللي فتحت فيها الدفتر، اتسمرت في مكاني.
ال 500 ألف جنيه زي ما هم.. متلمسش منهم مليم واحد!
أمال تلات سنين كاملة كانت عايشة إزاي وبتصرف منين؟!
01
يوم فرح أختي منة، البيت كان زحمة ومقلوب من النجمة.
كنت واقفة على باب أوضتها، شايفاها قاعدة على السرير، فستان الفرح الأبيض مفروش حواليها، وصوابعها بتفرك في قماش الفستان بتوتر وخوف.
أمي، الحاجة فتحية، كانت واقفة فوق رأسها بتوصيها وبتزن
رايحة بيت جوزك يا منة، لازم لسانك يكون حلو مع الكل، وإيدك خفيفة في البيت، ومش كل مشكلة صغيرة تجري وتشتكي لأهلك.
الست الأصيلة بتستحمل عشان مركبها تسير، عدي واستحملي.
منة كانت باصة في الأرض ومردتش بكلمة.
مقدرتش أستحمل المنظر، شدتها من إيدها ودخلنا

الأوضة الصغيرة اللي جوة وقفلنا الباب علينا.
أول ما الباب اتقفل، صوت الأغاني والزغاريط برة بقى مكتوم ومكتئب.
طلعت من جيبي دفتر توفير أحمر، وحطيته في إيدها وضغطت على صوابعها
دول 500 ألف جنيه.
منة رفعت رأسها فجأة وبصتلي بصدمة وذهول
يا أختي! جبتي كل المبلغ ده منين؟
شقايا وتحويشة عمري وتغربي يا منة.
بس مش دول اللي كنتي هتشري بيهم شقتك وتتجوزي؟
الشقة تلحق، مش هتطير.. المهم إنتي.
قفلت صوابعها على الدفتر وقولتلها
ده سندك وأمانك.. لو جوزك طارق وأهله عاملوكي كويس وشالواكي في عنيهم، سيبيه مقفول ومتقربيش منه. لكن لو الدنيا ضاقت بيكي ومقدرتيش تكملي، ارجعيلي علطول.
عينيها اتملت دموع، وقبضت على الدفتر كأنها ماسكة في طوق نجاة وسط البحر
يا أختي، أنا مش هلمسه خالص، وهشيله للزمن.
وده اللي أنا عايزاه، ملمسهوش أحسن.
بصيت في عينيها وشددت على كلامي
بس افتكري كويس، الفلوس دي بتاعتك إنتي لوحدك، مش بتاعة طارق ولا أهله.
هزت رأسها ودموعها نزلت مغرقة الدفتر.
في اللحظة دي الباب خبط جامد وصوت لعلع
يلا يا عروسة، العريس وصل وعربيات الزفة مستنية تحت والمصوّراتي برة!
منة بسرعة دارت الدفتر في قاع شنطة جهازها الكبيرة.
لما فتحت الباب، كان طارق واقف لابس بدلته وشياكته، والابتسامة مالية وشه بس عينه بتلف في الأوضة.
لمحني وأنا واقفة مع منة، فبص جوة الأوضة وقال بفضول وسماجة
خير يا جماعة؟ واقفين بتتوشوشوا في إيه في يوم زي ده؟
وقفت في وشه وداريت الأوضة بضهري
أسرار بنات يا طارق، مالكش دعوة بيها.
ضحك ضحكة صفرا وقال
ما خلاص بقى، بقينا أهل وبيت واحد، ومفيش بيننا أسرار من النهارده.
الكلمة رمت في ودني ومريحتنيش أبداً.
في نفس اللحظة، حماتها أم طارق الحاجة نادية زقت الناس ودخلت، وهي محملة بالغوايش والدهب وصوتها يجيب آخر الشارع
يا منة يا حبيبتي، أوعي تنسي الشنطة الكبيرة اللي فيها الهدوم والحاجة، أصل أمك قالتلي إن الدهب والفلوس والحاجات الغالية متشالة فيها.
أول ما نوصل البيت هاتيها أشيلهاالك في دولابي المقفول عشان متتسرقش ولا تضيع، إنتي لسه صغيرة ومش هتعرفي تحافظي على الحاجات دي.
وش منة اتقلب وبقى أبيض زي الحيطة.
بصيت ل أم طارق بنظرة حادة وقولت بنبرة ناشفة
حاجتها ودهبها هي اللي هتحافظ عليهم بنفسها يا حاجة، أختي مش صغيرة وبتفهم في الأصول.
ابتسامة أم طارق اختفت في ثانية ووشها خشب وتقلبت عينيها
يا ختي بسم الله ما شاء الله! الأخت الكبيرة خايفة على أختها أوي.. بس البنت خلاص بقت في عصمتنا وعلى ذمتنا، ومش هتمشي بكلام أهلها بعد اليوم، كل حاجة بأمر جوزها!
الناس والقرايب اللي واقفين بدأوا يبصوا لبعض ويهمسوا، فأمي اتدخلت بسرعة عشان تلم الموضوع وخايفة الفرح يبوظ
يا جماعة صلو على النبي، ده يوم فرح والناس بتتفرج علينا، مش وقته الكلام ده خالص.
أنا متنحتش وقولت بوضوح وعيني في عين أم طارق
الكلام والأصول تتغير، لكن حقوق أختي وفلوسها خط أحمر ومحدش يمد إيده عليها.
عين أم طارق لفت بشر لثانية، وبعدين رجعت تضحك وتجامل كذب
ماشي يا ختي، ماشي.. أهل العروسة بيحبوا يدققوا في كل حاجة.. يلا يا جماعة الزفة مستنية.
لفت ضهرها وهي بتبرطم، بس أنا عيني جت على طارق.. لقيته لسه واقف مكانه، وعينيه مركزة ومثبتة على الشنطة الكبيرة اللي على السرير.
بصته كانت سريعة وخاطفة، بس أنا لقطتها وفهمتها كويس.. عين طامعة.
بدأت الزفة، والناس اتلمت حوالين منة ونزلوها وسط الزغاريط.
قبل ما تركب العربية، لفت وبصتلي.. كنت واقفة على سلم البيت وعيني بتغلي بالدموع.
جريت عليا وحضنتني جامد
يا أختي.. أنا هعيش مبسوطة وهرفع رأسك.
طبطبت على ضهرها وقولت والوجع في قلبي
لو لقيتي نفسك مش مبسوطة، ارجعيلي يا قلب أختك، بيتي يساعنا سوا.
ركبت العربية وهي بتعيط، والعربية مشيت وأنا انهرت من الدموع.
كنت فاكرة إني أمنتلها مستقبلها واديتها خط رجعة يحميها.. كنت فاكرة إن دفتر التوفير ده هيخليها ترفع رأسها ومحدش يكسرها في بيت جوزها.
لحد ما العربيات بدأت تتحرك، ولمحت أم طارق وطت برأسها من شباك العربية وبتسأل منة بصوت عالي سمعه الجيران
الدفتر الأحمر اللي أختك ادتهولك جوة ده.. شيلتيه فين بالظبط؟
02
بعد تلات سنين، منة رجعت.
ليلتها كنت راجعة من الشغل متأخر، ونور السلم كان مقطوع وضلمة.
لقيتها واقفة قدام باب الشقة في الضلمة، وجنب رجلها شنطة سفر قديمة ومتبهدلة ومربوطة بحبل.
شعرها كان مقصوص قصير وجاف، ووشها خاسس وضايع وعينيها دبلانة.. لدرجة إني ملقطتهاش من أول نظرة.
منة؟!
رفعت رأسها وبصتلي، وحاولت تبتسم ابتسامة مكسورة
أيوة يا أختي.. أنا رجعت.
الابتسامة دي كانت تقطع القلب وأصعب من مية عيطة.
شدتها من إيدها ودخلتها الشقة بسرعة.
أمي كانت طالعة من المطبخ وفي إيدها معلقة الطبخ، أول ما شافت منة، اتسمرت مكانها وحواجبها اتقفلت بغضب وقلق
إيه ده؟ إنتي جاية لوحدك ليه في وقت زي ده؟ فين طارق؟
منة زقت الشنطة جنب الحيطة وقالت بنبرة ميتة وخالية من الروح
اتطلقنا.
المعلقة وقعت من إيد أمي ورنت في الأرض، وصوتها صوّت في الشقة
إييييه؟! اتطلقتوا؟ يا مصيبتي السودا!
مسكت إيد منة بسرعة، لقيتها تلاجة.. سقعة وبتترعش بشكل يخوف.
الكلام ده حصل إمتى؟
النهارده الصبح في المحكمة طلاق رسمي.
وفين قسيمة الطلاق والورق؟
طلعت من شنطة إيدها كام ورقة مكمشين وادتهملي.
فتحت أول ورقة، وقلبي هبط في رجلي وأنا بقرأ الشروط والمخالصة
الطلاق تم بالإرادة والتراضي بين الطرفين.
تنازل الزوجة عن كافة مستحقاتها الشرعية والمالية مؤخر الصداق، نفقة المتعة، ونفقة العدة.
تنازل الزوجة عن أي منقولات أو مصاريف تجديد

لمحة نيوز

تمت في شقة الزوجية.
خروج الزوجة بملابسها الشخصية فقط دون المطالبة بأي أثاث أو أجهزة.
وفي خانة التوقيع، كان اسم منة عبد الرحمن مكتوب بخط ثابت وواضح بس حزين.
بصيت للورق وأنا مش مصدقة، وصوابعي بتترعش من الغيظ
يعني خرجتي من الجوازة دي ملط؟ من غير أي حقوق؟ رميتي كل حاجتك ليهم؟
هزت رأسها بإيجاب وهي باصة في الأرض.
أمي بدأت تلطم على صدرها وتزعق وتصوت
يا خيبتك القوية! يا غبيّة يا خايبة!
تلات سنين جواز، وراجعة بشنطة هدوم مقطعة ومقطومة الرقبة؟
أهله مادوكيش ولا مليم من قايمتك وفلوسك؟
منة قالت بصوت واطي ومكسور
أنا اللي مش عايزة منهم حاجة، كنت عايزة أنفد بجلدي وبس.
أمي عروقها نفرت من الغضب وعينها لفت
مش عايزة؟! هو إنتي كنتي رايحة تتفسحي ولا كنتي في بيت جوزك بتخدمي وتعمري؟ أمال فين الفلوس ودفتر التوفير اللي أختك ادهالك يوم فرحك؟ طار هو كمان؟
جفون منة ارتعشت وقالت بخوف
زي ما هو.. موجود ومشلتش منه حاجة.
قمت من مكاني زي المجنونة.
دفتر التوفير اللي اديتهولها من تلات سنين، فاكراه حتة حتة.. دفتر أحمر شيلتهولها في جيب سري في شنطة جهازها. كل ما كانت تيجي تزورنا وأسألها عليه، تقول لي متشال في الحفظ والصون ومحدش يعرف عنه حاجة.
دخلت أوضتها القديمة، لقيت الدولاب أمي كابسة فيه الحفة وبطاطين شتوية وثقيلة.
بقيت أشيل البطاطين وأرميها على الأرض بعصبية لحد ما وصلت لل سحارة الخشب القديمة اللي تحت.
القفل بتاعها كان مصدي وبايخ، ومنة كانت واقفة على باب الأوضة بتبص عليا ببرود ومحاولتش تمنعني.
دورت في شنطتها القديمة عن المفتاح وفتحت القفل بعد عذاب.
لقيت الدفتر الأحمر ملفوف في قماش قطيفة أسود.
الدفتر نظيف وزي ما هو، حتى أطرافه مش متنية ولا متبهدلة.
كأن مفيش إيد لمسته طول التلات سنين

دي!
قلبي ارتاح لثانية، بس في نفس اللحظة جالي هبوط وخوف.. فتحت الدفتر وبصيت على خانة الرصيد الحالي.
المبلغ الأصلي 500000 جنيه.
الحالة الشهادة اتجددت تلقائي بعد تلات سنين بفوائدها التراكمية.
الرصيد الإجمالي 610375 جنيه.
ولا مليم واحد اتسحب من المبلغ الأصلي! مفيش أي حركة سحب نهائي طول السنين اللي فاتت.
بصيت للأرقام ودماغي لفت.. تلات سنين جواز، تخرج بملابسها الشخصية بس، مفيش قرش تحويشة في جيبها، ومع ذلك ملمستش الفلوس دي!
أمال كانت بتاكل منين؟ وبتلبس منين؟ ولو تعبت وسخنت كانت بتتعالج إزاي وتروح لدكاترة؟!
خرجت بالدفتر في إيدي، وأول ما منة شافت وشي وعيني المحمرة، وطت رأسها في الأرض وقالت بنبرة رجاء
يا أختي.. أرجوكي متسأليش في اللي فات.
رزعت الدفتر على الترابيزة وقولت بزعيق والدموع في عيني
ماسألكيش إزاي؟! ال 500 ألف جنيه دول منقصوش مليم! تلات سنين كاملة كنتي عايشة على إيه وبتصرفي منين في الغلا ده؟!
بوقها اتهز بس مكنتش قادرة تنطق من كتر العياط المكتوم.
أمي خطفت الدفتر من إيدي وبصت فيه بلهفة، وشها ارتاح شوية لما لقت الفلوس موجودة وزادت، بس رجعت تبرطم وتلومها
الحمد لله إنهم منقصوش.. الفلوس في إيد البنت سترة برضه أحسن ما كانت تضيع في الهوا على طارق وأمه.
بصيت لأمي بذهول وعصبيّة وصرخت فيها
يا أمي! بنتك راجعة مطلقة ومكسورة ومعاهاش مليم واحد في جيبها، وأول كلمة تقوليها الحمد لله إن الفلوس منقصتش؟! إنتي إيه؟!
أمي اتلجمت ومعرفتش ترد ووشها جاب ألوان
أنا.. أنا مقصديش كده يا بنتي.. أنا بس بطمن.
منة اتكلمت بصوت مخنوق ومبحوح
يا أختي، أنا بجد كويسة ومفيش حاجة صعبة حصلتلي.
بصيت على الجاكت اللي لابساه، كان باهت ومغسول مية مرة لدرجة إن قماشه داب عند الكمام والياقة، والجزمة اللي في رجلها ممسوحة من تحت ومقطوعة من الجنب ومخيطة يدوي..
بقى المنظر ده والبهدلة دي معناه إنها كويسة؟!
سحبت تليفونها القديم من إيدها فجأة، وهي اتخضت وحاولت تمنعني وتمسك إيدي
لأ يا أختي بلاش! بالله عليكي بلاش تفتحي التليفون!
لكني زقيت إيدها وفتحت تطبيق البنك وكشوف الحساب بسرعة.. الشاشة كانت مكسورة وبتعلق، بس الحقيقة المرة بدأت تظهر سطر ورا سطر وصدمة ورا صدمة.
كل يوم 26 في الشهر المرتب ينزل في حسابها من الشركة اللي شغالها فيها.
كل يوم 27 في الشهر تاني يوم علطول تحويل بنكي فوري لحساب المدعو طارق عبد العزيز.
المبالغ 12000 جنيه.. 15000 جنيه.. 18000 جنيه.. وفي شهر من الشهور التحويل كان 25000 جنيه مكافأة شغلها!
والرسالة والملحوظة المكتوبة مع كل تحويل إجباري مصاريف البيت.
نزلت بالشاشة لتحت بسرعة، وإيدي بدأت تترعش من الصدمة والغل.
تلات سنين كاملة.. إجمالي التحويلات واصل ل 580000 جنيه!
كل شقاها، وتعبها، وعرقها، ومرتبها كمهندسة كانت بتحوله لطارق أول بأول.
وآخر تحويل؟ كان قبل الطلاق بيوم واحد بس!
مبلغ 40000 جنيه.. ومكتوب جنبها قسط الشقة الجديدة باسم طارق.
رفعت عيني وبصيت لمنة، وشها كان أبيض كأنه ميت وخالي من الروح، وفي اللحظة دي.. الباب اتدب عليه برجلين وإيدين وبطريقة مرعبة هزت الحيطة.
وصوت طارق لعلع في الممر والمنور برة والكل سمع
افتحي يا منة! أنا عارف إنك مستخبية جوة عند أهلك! هاتي دفتر التوفير والحاجة اللي سرقتيها من بيتي وإلا هطربق البيت ده فوق دماغك ودماغ أهلك النهارده.
في ثانية واحدة، البيت كله سكت، ومبقاش فيه غير صوت دقات الباب المرعبة اللي كانت بتتهز معاها الحيطان.
أمي بصت للباب بغريزة الخوف والقلق، ولتفتت ل منة وقالت بصوت واطي
ده.. ده صوت طارق؟ هو إيه اللي جابه وراكي بالسرعة دي؟
وش منة اتقلب وبقى أبيض كأنه ميت وخالي من الروح، وجريت بلهفة ورعب على الترابيزة عشان تخطف دفتر التوفير الأحمر وتداريه.
لكني سحبت إيدها بسرعة وثبتها مكانها وقولت بصوت ناشف
سيبيه.. متلمسيهوش وخليكي مكانك.
الدب على الباب زاد وبقى برجليهم وإيديهم، كأنهم عايزين يكسروا القفل، وصوت طارق لعلع في المنور والمنطقة كلها سمعته وهو بيصيح بقوة وملل
افتحي يا منة! افتحي وبلاش شغل عيال! أنا عارف إنك مستخبية جوة عند أهلك وسامع صوتكم! هاتي الحاجة اللي سرقتيها من بيتي واخرجي بالذوق وإلا هطربق البيت ده فوق دماغكم كلكم النهارده!
وملحقتش الكلمة تخلص، إلا وصوت أمه أم طارق الحاجة نادية لعلع ورا منه، وصوتها كان أشد وأقوى وجايب آخر الشارع
افتحوا يا ناس يا اللي جوة! افتحوا يا آل عبد الرحمن! إحنا ناس بنعرف الأصول ومابنتبليش على حد، بنتكم خرجت من بيتنا بالترضي والطلاق، تروح تمد إيدها وتسرق حاجتنا؟ اخرجوا وقولوا كلمة حق، وإلا الفضيحة هتبقى بجلاجل وسط الحتة كلها!
في ثواني، كان فيه جيران من الأدوار اللي فوق واللي تحت فتحوا أبوابهم وبدأوا يبصوا من على السلم عشان يتفرجوا على الهيصة والزيطة دي.
مشيت بخطوات ثابتة وفتحت الباب على آخره.
كان طارق واقف في الوش بالظبط، لسه ببدلته وشياكته بس وشه كان عرقان ومغلول، وعينيه بتلف في الشقة يدور على منة. وبجنبه كانت أمه واقفة، لافة طرحتها وشايلة في إيدها كيس قماش أسود، ووشها كله شر وجبروت.
أول ما أم طارق شافتني، زقت ابنها وكانت عايزة تنط جوة الشقة، وقالت بزعيق
أهو.. كويس إن الأخت الكبيرة العاقلة هنا! تعالي بقا شوفي عمايل أختك المصونة! بقالها تلات سنين قاعدة في خيرنا، واكلة شاربة نايمة، وفي الآخر تخرج من بيتنا سارقة ومستغفلينا!
وقفت في وسط الباب وسديت الطريق بضهري وقولت بنبرة باردة وناشفة
أختي

سرقت إيه يا حاجة؟ قولي كلام تتسألي عليه قدام ربنا.
أم طارق عينها لفت في الصالة، ولمحت دفتر التوفير الأحمر محطوط على الترابيزة في النور. عينيها لمعت بالطمع، وراحت مادة إيدها بسرعة من جنب كتفي عشان تخطفه وهي بتقول
أهو! هو ده! الدفتر ده سارقاه من وسط الشنط وهي ماشية! ده بتاعنا ولازم ناخده ونقفل الحساب اللي بيننا!
طاخ!
ضربت إيدها بكل قوتي ونزلتها الأرض، وقولت بصوت زلزل السلم
إيدك لتتكسر قبل ما تلمسي حاجة مش بتاعتك! قولتلك ميت مرة أختي مابتمدش إيدها على حاجة غيرها!
وش أم طارق احمر وغضبت وعروقها نفرت وقالت بصوت عالي عشان تلم الجيران
جرى إيه يا ختي! انتي هتعملي فيها سبع الرجال وتمدي إيدك عليا في بيتكم؟ الدفتر ده دفتر جهازها ودخلت بيه بيت ابني، وطالما عاشت معاه تلات سنين يبقى الفلوس دي حق ابن mنها وماله، وهي دخلت بيتنا بالهدوم اللي عليها وتطلع بالهدوم اللي عليها، لكن الفلوس دي ملك بيت جوزها!
لفيت وشي وبصيت لطارق اللي كان واقف ورا أمه وساكت، وقولتله
وانت يا طارق؟ موافق على الكلام ده؟ شايف إن الفلوس دي حقك؟
طارق حط إيده في جيبه، وحاول يظهر بمظهر الهادي والمتزن قدام الجيران اللي بيتفرجوا، وقال بلؤم
يا أختي الكبيرة، بلاش الكلام يخدنا في حتة وحشة ويخلي شكلنا وحش قدام الناس. إحنا كنا متجوزين، والأصول بتقول إن فلوس الراجل ومراته بتبقى في جيب واحد ومفيش فرق بيننا، والفلوس دي كانت متشالة لمستقبل البيت.
هنا أنا مسكت تليفون منة القديم اللي كشف حسابه لسه مفتوح في إيدي، ورفعته في وش طارق بالظبط لحد ما الشاشة المكسورة بقت عند عينيه، وقولتله بغل
جيب واحد وأصول؟! طب بص في الشاشة دي كويس واقرأ الأرقام دي!

تلات سنين كاملة، منة محولة لحسابك الشخصي مبلع يوازي 580 ألف جنيه! مرتبها ومكافآتها وشقاها كله كان بينزل في حسابك تاني يوم ما يقبضوه! ده اللي بتسميه جيب واحد؟!
وتابعت وأنا بضغط على كل كلمة
في قسيمة الطلاق اللي مضيتها عليها الصبح، مكتوب إنها متنازلة عن كل حقوقها الشرعية والمالية وفلوس تجديد الشقة.. طب فين نصيبها من الفلوس اللي حولتهالك دي كلها؟ وفين الشقة الجديدة اللي خلتها تدفع قرشها وقسطها الأخير قبل الطلاق بيوم واحد، ورحت كتبتها باسمك لوحدك ؟!
بمجرد ما قولت الكلمات دي، الحارة كلها اتقلبت، والجيران بدأوا يصرخوا ويتكلموا على طارق وأمه، وبقت الفضيحة اللي كانوا عايزين يعملوها لينا.. هي الفضيحة اللي وقعت فوق دماغهم!
بص طارق على شاشة التليفون، وشه جاب ألوان؛ من أزرق لأبيض، لما شاف أرقام التحويلات واضحة وضوح الشمس ومافيهاش مجال للإنكار.
الجيران اللي واقفين يتفرجوا بدأوا يتهامسوا ويوشوشوا بعض
يا خبر أبيض! دي كانت بتحول له آلاف الجنيهات كل شهر، يعني كانت بتسلم مرطبها أول بأول!
وبعد كل ده يقولوا إنها واكلة شاربة عندهم وعايشة عالة! وكمان جايين يطمعوا في دفتر التوفير؟ والله ناس ما بتختشيش!
لما أم طارق لقت ابنها اتلجم ومش عارف ينطق، راحت متنططة في مكانها وبدأت تصرخ بصوتها اللعلع عشان تداري على الحقيقة وتوشوش على الكلام
انتي هتتبلي علينا وتغيري الكلام ولا إيه يا ست انتي؟! جرى إيه يا ختي، وإذا كانت بتحول فلوس، إيه الجريمة في كده؟ ما الفلوس دي كانت بتتصرف على اللقمة اللي بتاكلها والبيت اللي قعدت فيه تلات سنين! هو نور البيت والمية والأكل والشرب ببلاش؟ ابني شقيان وتعبان وصارف دم قلبه على البيت ده، ومساهمتها دي كانت واجب عليها!
واجب عليها؟!
ضحكت ضحكة كلها سخرية وبرود، وقربت منها خطوة ورفعت التليفون في وشها بالظبط
فتحي عينيكي دول وبصي كويس! تلات سنين، يعني قريب من 600 ألف جنيه! منة مهندسة ومرتبها محترم، وكانت بتحول لابنك كل شهر مبالغ تعدي ال 15 وال 20 ألف جنيه، حتى مكافأة السنوية وال بونص مكنتش بتشيل منه مليم لنفسها! ست عايشة بالهدوم المقطعة دي، ولابسة جزمة دايبة، قوليلي بقا صرفت إيه من فلوسها في بيتكم يا أم طارق؟!
لفيت وشي فجأة لطارق، وبصيت له بنظرة حادة زي الموس
انت مش لسه قايل إن الفلوس دي كانت بتتشال في حتة واحدة عشان انتوا بيت واحد؟ طب فين الحساب المشترك ده؟ فين دفتر التوفير اللي شلتوا فيه التحويشة؟ وليه في قسيمة الطلاق والورق، أختي طالعة ملط ومتنازلة عن كل حقوقها وفلوس تجديد الشقة؟ وإلا هو انت اللي سرقت الفلوس دي وهرّبتها لحسابك، وضغطت عليها وهددتها عشان تمضي على ورق التنازل ده وتخلص من جحيمكم؟!
منة كانت واقفة ورايا، كتافها عمالة تترعش من كتر العياط والخوف. ودموعها اللي حبساها طول السنين اللي فاتت انفجرت فجأة، وصرخت بصوت مخنوق ومكسور
حرام عليك يا طارق! انت إيه يا أخي، مفيش في قلبك رحمة ولا دين؟ كنت بتقولي بجمع الفلوس دي عشان نشتري شقة أكبر نعيش فيها، وتقولي أمي هتشيل الفلوس عشان لما نخلف! وأنا زي الهبلة صدقتك، مكنتش بشتري طقم جديد ألبسه، ولما كنت بتتعب وأسخن مكنتش بروح لدكتور وبشرب مية وأنام عشان مأصرفش قرش! وفي الآخر تروح تشتري الشقة الجديدة وتكتبها باسمك لوحدك،؟!
أول ما الكلام ده طلع من بوق منة، الحارة كلها اتقلبت والجيران بدأوا يصرخوا ويتكلموا. أمي سمعت الكلام ده وجالها صدمة، والمعلقة اللي كانت في إيدها نسيت تشيلها من الأرض وبقت تبص لمنة ولأهل طارق، والغل والنار بدأوا يطلعوا من عينيها.
انتي هتتبلي عليا يا منة ولا إيه؟! إحنا اتطلقنا عشان مش متفاهمين وخلاص! ودفتر التوفير ال 500 ألف جنيه ده، ده كان جهازك ودخل بيتي، وطالما كنا متجوزين يبقى ليا نصيبه فيه بالشرع والعرف!
05
نصيب في عينك يا راجل يا ناقص!
مقدرتش أتحكم في نفسي، ورفعت إيدي وبكل عزمتي نزلت بقلم رن على وش طارق الخسيس. صوت القلم طاخ رن في المنور كله والجيران سمعوه.
انتي بتمدي إيدك على ابني يا جربوعة المدافن؟! أم طارق كانت رايحة تهجم عليا وتجيبني من شعري، بس أمي الله يديها الصحة جرت من جوة الشقة وشايلة في إيدها مقشة ووقفت في وشها زي الأسد تدافع عني وعن منة، وزعقت فيها
وريني كده يا نادية هتمشي خطوة واحدة إزاي! بنتي راحت بيتك عشان تتصان، مش عشان تبقا جارية وتيجوا تمصوا دمها! ضحكتوا عليها وخلتوها تحول شقاها، وخنتوها وطلعتوها من بيتها من غير مليم، ودلوقتي جايين تتبجحوا وتطلبوا دفتر التوفير اللي أختها الكبيرة شقيت وتغربت عشان تعملهالها؟ والله العظيم لو ما غرتوا من وشي دلوقتي حالا لأطلب ليكم النجدة وأعملكم فضيحة بجلاجل وأحبسكم!
طارق حط إيده على وشه اللي احمر من القلم، وهو حاسس بالخزي والعار والذل وسط الجيران اللي بيبصوا له بقرف، وبدأ يخاف ويتراجع.
أنا أخدت نفسي وهديت، ورفعت دفتر التوفير في الهوا، وقولت بصوت عالي سمّع الحارة كلها
اسمع يا طارق انت وأمك كويس عشان تفهموا القانون.. الدفتر ده باسمي أنا، منة أختها الكبيرة! من تلات سنين اديته لأختي أمان ليها، وعمري ما نقلت ملكيته ليها ولا كتبته باسمها. يعني بالقانون والشرع، دي فلوسي أنا الشخصية،

ماليهاش أي علاقة بجواز ولا طلاق ولا قايمة! لو عايزين تروحوا تشتكوا في المحاكم، روحوا، ورونا هتعملوا إيه!
طلعت بسرعة ورقة الحسابات والتحويلات اللي طبعتها من التليفون، وقولتله
أما بقى ال 580 ألف جنيه اللي انت لفتهم ولطشتهم منها، وال 40 ألف جنيه بتوع قسط الشقة اللي خلتها تحولهم قبل الطلاق بيوم واحد تحت بند النصب والتدليس وباسم مشاركة في شقة، فإحنا هنرفع بيهم قضية تبديد أموال واستيلاء بالنصب في فترة الجواز. وقسيمة الطلاق والتنازل

اللي انت مضيتها عليها دي، المحكمة هتبطلها بالثلاثة لما نثبت إنها تمت تحت التهديد والإكراه والغش!
أول ما جيت سيرة المحاكم وقضايا النصب والاستيلاء، طارق ركبه خبطت في بعضها ووشه بقى زي الأموات. الراجل شغال موظف في الحكومة، ولو ديل الكلب بتاعه اتمسّك في قضية مخلة بالشرف والنصب زي دي، هيرفدوه ومستقبله هيضيع في ثانية.
بسرعة شد إيد أمه وقالها برعب
أمي.. خلاص يلا بينا.. نمشي من هنا!
أم طارق رغم جبروتها، لما شافت الورق والتحويلات وجديتي في الكلام، خافت ورجليها شالتها. بدأت تبرطم وتدعي بكلام مش مفهوم، وخدت ابنها وجريوا على السلم زي الفئران، والجيران وراهم بيضحكوا ويتفوا عليهم.
الناس مشيت والباب اتقفل.
أمي جريت على منة وأخدتها في حضنها وبقت تبكي بحرقة
سامحيني يا بنتي.. سامحيني يا قلب أمك.. مكنتش أعرف إنك شايلة الجبل ده كله على كتافك ومتبهدلة كده تلات سنين.. أنا كنت عمية ومش شايفاكي!
قربت منهم، ومسكت إيد منة اللي كانت بتترعش، وحطيت دفتر التوفير ال 500 ألف جنيه في إيدها وقولتلها
أنا قولتلك يوم فرحك إن ده سندك وأمانك. ودلوقتي انتي رجعتي بيتك الكبيرة، ومحدش في الدنيا يقدر يكسرك أو ييجي عليكي تاني. الفلوس دي، والفلوس اللي هنطلعها من عين الواد الخسيس ده، هتبدأي بيها حياتك من جديد وتعملي اللي انتي عايزاه.
منة ضمت الدفتر لصدرها جامد، وهزت رأسها وهي بتعيط من الفرحة والراحة. تلات سنين كابوس راحوا لحالهم، بس على الأقل لما فاقت، لقت وراها ضهر وعيلة وأخت كبيرة تشيل عنها حمول الدنيا كلها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *