مرات ابويا وابنها 2
سكتت القاعة كلها.. السكوت اللي يسبق العاصفة، السكوت اللي يخليك تسمع دقة قلب الخايف من على بعد أمتار.
مرت أبويا “كريمة” كانت واقفة مذهولة، عينيها بتتحرك في كل اتجاه كأنها بتدور على مخرج طوارئ يهربها من المصيبة اللي وقعت فوق دماغها. ورامي ابنها، الشاب اللي كان من دقايق حاطط رجل على رجل ومفتكر إن الدنيا تحت طوعه، وشه بقى أصفر زي الليمونة الميتة، وجسمه بدأ يرعش بشكل ملحوظ لدرجة إن ساعته الشيك بدأت تخبط في كم بدلته الكحلي.
سيادة المستشار عادل الصاوي خبط بالشاكوش خبطة واحدة هزت أرجاء القاعة:
— هدوء! هدوء في القاعة!
بص لمرات أبويا بنظرة حادة زي نصل السكي..نة، وسألها بنبرة صوت خالية من أي رحمة:
— المدعية عليها الأولى، كريمة الشناوي.. التوقيع ده منسوب لياسمين رضوان الشناوي، وموثق بتاريخ كان فيه والدها في العناية المركزة قبل وفاته بأسبوع. تقرير الخبير المبدئي اللي قدامي، وبمقارنة التوقيع بتوقيعات الآنسة ياسمين السابقة في أوراق الجامعة والمنحة، بيأكد وجود تباين صارخ في حركة القلم والضغط على الورق. إزاي الورقة دي طلعت من تحت إيدك وقدمتيها للمحكمة كدليل على تنازلها؟
كريمة حاولت تلم شتات نفسها، بلعت ريقها الناشف، وحطت إيدها المرتعشة على الشنطة الماركة اللي كانت متباهية بيها من شوية، وقالت بصوت متقطع:
— يا.. يا سيادة المستشار.. ده.. ده ورق رسمي، وهي اللي وقعت قدامنا! جايز تكون غيرت خطها عشان تتبلى علينا! أيوه يا فندم، دي بنت بتكرهنا ومستخسرة في أخوها رامي إنه يدير أملاك أبوه، وجاية تتبلى علينا بتهمة التزوير عشان تضيع سمعتنا وسط السوق!
المستشار عادل بصلها بسخرية واضحة، ورجع ضهره لورا على الكرسي الجلدي الفخم للمنصة:
— تغير خطها؟ تغير خطها لدرجة إن حركة القلم تبان إنها مكتوبة بإيد شخص تاني تماماً؟ وجايز برضه تكون هي اللي زورت بصمة والدها المرحوم على عقد بيع الشقة اللي قدمتوه في حصر الإرث؟
هنا رامي اتدخل بصوت مخنوق ومذعور:
— يا سيادة القاضي، إحنا ملناش ذنب! بابا هو اللي كتب كل حاجة قبل ما يموت! هو اللي كان عارف إن ياسمين ملهاش في البزنس وتصرفاتها طائشة، وكان خايف على شقا عمره يضيع، فكتبلي التنازلات دي والتوكيل العام عشان أحمي أختي ونفسي!
أنا وقفت بكل ثبات، وبصيت لرامي في عينه مباشرة. دي اللحظة اللي كنت مستنياها من سنين. اللحظة اللي كنت بستحمل فيها الإهانة، واللقمة المغموسة بالذل في بيت أبويا بعد ما أمي ماتت.
بصيت له وقلت بصوت هادي ومسموع للكل:
— بابا عمره ما كان هيكتبلك شقا عمره يا رامي.. بابا كان عارف كويس مين اللي بيحبه بجد ومين اللي مستني موته عشان يورثه. بابا كتب وصية تانية خالص.. وصية شيلتوها إنت وأمك من الخزنة ودفنتوها، بس نسيتوا إن لكل ظالم نهاية، وإن ربنا مبيسيبش حق اليتيم.
كريمة صرخت بـ غل:
— وصية إيه وكلام فارغ إيه؟! المحكمة مبتمشيش بالكلام المرسل يا بنت رضوان! ورينا مستنداتك لو عندك، وإلا دي هتبقى قض..ية سب وقذف وتشهير بينا!
المستشار عادل أشار لي بإيده وقال بصوت وقور:
— اتفضلي يا آنسة ياسمين.. قولي كل اللي عندك وقدمي أوراقك.
أنا فتحت الدوسيه الأسود اللي كان في حضني كأنه حبل الإنقاذ. طلعت منه ظرف مغلق ومختوم بختم أحمر قديم، وجنبه فلاشة صغيرة سودا.
مشيت بخطوات واثقة وسلمت الحاجب الأوراق عشان يوصلها للمنصة.
— سيادة المستشار — أنا بدأت أتكلم وصوتي بيقوى مع كل كلمة — دي الوصية الحقيقية لوالدي، المرحوم الحاج رضوان الشناوي، الموثقة في الشهر العقاري بالدقي قبل وفاته بسنة كاملة.. يعني في وقت كامل قواه العقلية والصحية، وقبل ما المرض ينهش في جسمه ويسيطروا عليه في البيت ويمنعوا عني زيارته.
المستشار فتح الظرف ببطء وقرأ المكتوب فيه، وعينيه كانت بتوسع مع كل سطر بيقرأه.
أنا كملت كلامي وعيني على كريمة ورامي اللي وشوشهم بدأت تقلب للون الأزرق من الصدمة:
— والدي في الوصية دي قسم أملاكه بالعدل الشرعي، بل وحرم رامي من إدارة الشركة لو ثبتت عدم أمانته، وكتبلي نصيب الإدارة بالكامل بناءً على كفاءتي العلمية اللي هو لمسها بنفسه في مشروع “آفاق”. ومش بس كدا.. الفلاشة اللي مع حضرتك عليها تسجيلات كاميرات المراقبة السرية اللي والدي زرعها في مكتبه بالبيت من غير ما حد يعرف، واللاب توب القديم بتاعه اللي هما افتكروا إنهم فرمتوه.. التسجيلات دي بتوضح لحظة دخول كريمة الشناوي وابنها رامي للمكتب بعد وفاة والدي بـ ٣ ساعات بالظبط، وفتح الخزنة وسرقة النسخة الأصلية للوصية دي، وحرقها في جنينة الفيلا!
رامي صرخ وهو بيفقد أعصابه تماماً:
— كدب! كدب وتلفيق! الكاميرات دي مكنتش شغالة أصلاً! بابا كان مغير النظام كله!
بصيت لرامي بابتسامة خفيفة وقلت له:
— الكاميرات دي كانت مربوطة على سيرفر خارجي والدي عامله لحساب شركته الشخصية، وأنا المهندسة اللي صممت له النظام ده لما كنت في تانية جامعة يا رامي.. النظام ده عمره ما بيقفل، وكل حاجة كانت بتترفع سحابياً أول بأول. إنت مكنتش بتتعامل مع بنت خايبة ومكسورة الجناح زي ما كنتوا بتفهموا الناس.. إنت كنت بتتعامل مع ياسمين رضوان الشناوي، اللي درست تكنولوجيا المعلومات وإدارة الأعمال بامتياز.
القاعة اتقلبت تماماً. الهمسات بقت أصوات عالية، والحاجب يضرب بالشاكوش تاني وتالت:
— محكمة! هدوء!
المستشار عادل الصاوي بص للورق وللتسجيلات اللي تم مراجعة تفاصيلها الفنية مسبقاً من الجهات المختصة، وملامحه مكنش فيها أي شك. بصلهم بـ غضب يهز الجبال وقال:
— المتهمين كريمة الشناوي ورامي رضوان الشناوي.. التزوير في أوراق رسمية تتقدم للمحكمة جري..مة يعاقب عليها القانون بالأشغال الشاقة، وسرقة مستندات وتسهيل الاستيلاء على أموال قاصر — لأن ياسمين وقت تحرير بعض التنازلات كانت لسه مكملتش السن القانونية — دي جناية كاملة الأركان.
كريمة وقعت على الكرسي وهي بتعيط بهستيريا، والوش الراقية المحترمة طار في الهوا وظهر وشها الحقيقي، وش الست اللي بنت مجدها على قهر الناس وظلمهم. بدأت تصرخ:
— أبوس إيدك يا سيادة المستشار! أنا زي والدتها! أنا ربيتها! حرام ياسمين تعمل فينا كدا عشان شوية فلوس! إحنا ملناش غير بعض! يا ياسمين قولي حاجة! قولي لسيادة القاضي إننا بنهزر، إن ده خلاف عائلي وهيتحل في البيت!
ضحكت بسخرية ووجع حقيقي من وسط دموعي اللي حاولت أمنعها:
— زي والدتي؟ والدتي اللي كنتي بتعايريها بمرضها وفقر عيلتها؟ ربيتيني؟ ربيتيني لما كنتي بتمشي الشغالين وتخليني أنظف الفيلا والشركات وتؤمري ابنك رامي يراقبني ويتحكم في لبسي وخروجي ودخولي عشان تكسروا عيني؟ ربيتيني لما منعتوا عني الأكل والمصروف وكنت بنزل الجامعة بجلابية قديمة عشان الناس تتريق عليا؟ ربيتيني لما سبتوا والدي يموت في السرير لوحده ومكنتوش بتدخلوا له الأوضة إلا عشان تمضوه على عقود وتنازلات وهو مش في وعيه؟!
القاعة كلها كانت بتبص لكريمة بقرف واشمئزاز. مفيش حد واقف ممتعض من كلامي، الكل كان حاسس بحجم القهر اللي شفته سنين طويلة ورا الأبواب المقفولة.
المستشار عادل الصاوي عدل وضع نضارته وتكلم بنبرة حاسمة وصارمة تنهي اللعبة كلها:
— بعد الاطلاع على الأوراق والمستندات، وبناءً على ما قدمته المدعية ياسمين رضوان الشناوي من أدلة قاطعة لا تقبل الشك، تقرر المحكمة ما يلي:
أولاً: إحالة أوراق القض..ية بالكامل للنيابة العامة للتحقيق مع المتهمين كريمة الشناوي ورامي رضوان الشناوي بتهم التزوير في أوراق رسمية، واستعمال محررات مزورة، والاستيلاء على أموال التركة بدون وجه حق.
ثانياً: التحفظ على كافة أموال المتهمين المنقولة والسائلة والعقارية لحين الفصل النهائي في الجناية.
ثالثاً: إلغاء كافة التنازلات والتوكيلات المنسوبة للآنسة ياسمين رضوان الشناوي واعتبارها كأن لم تكن، وتمكينها من إدارة كافة أملاك والدها المرحوم رضوان الشناوي فوراً وبقوة القانون.
الشاكوش خبط الخبطة الأخيرة:
— رفعت الجلسة!
أول ما الكلمة دي اتقالت، حسيت بجبل كان متشال فوق صدري ونزل. النفس اللي كنت بتنفسه بصعوبة طول السنين اللي فاتت رجع يدخل صدري بنقاء وحرية لأول مرة.
العساكر في القاعة اتحركوا بسرعة، وبدأوا يكلبشوا إيد رامي اللي كان واقف زي الصنم مش بينطق بكلمة، والدموع نازلة على وشه يغسل كبرياؤه المزيف. وأمه كريمة كانت بتصرخ وتلطم على وشها وهي بتتسحب برة القاعة وسط نظرات الاحتقار والتريقة من كل اللي واقفين.
نفس الناس اللي كانوا واقفين من ساعة يتفرجوا عليا وأنا داخلة لوحدي ومنكسرة، بدأوا يقربوا مني ويباركولي ويهنوني على شجاعتي.
وقفت في وسط القاعة، ضميت الدوسيه الأسود لصدري تاني، وبصيت للسقف وقلت في سري:
— الله يرحمك يا بابا.. حقك رجع، وبنتك اللي كانوا بيقولوا عليها خايبة ومكسورة الجناح، النهاردة وقفت على رجليها ورجعت اسم الشناوي نضيف زي ما كان طول عمره.
طلعت من قاعة المحكمة بخطوات بطيئة، واثقة، وكل خطوة كانت بتنهي فصل من فصول العذاب وبتبدأ فصل جديد من فصول القوة والنجاح. مرات أبويا وابنها خسروا كل حاجة في لحظة.. خسروا الفلوس، والبرستيج، والحرية.. والأهم من ده كله، خسروا شرفهم اللي باعوه بأرخص تمن.
أما أنا.. فكنت داخلة المحكمة لوحدي، بس خرجت منها ومعايا العدالة، والعلم، والكرامة اللي مفيش فلوس في الدنيا تقدر تشتريها.