انتقامي الاخير
عدت أسابيع قليلة على يوم المحكمة، والجو في الشركة كان مشحون بطاقة غريبة. نيرة Corradi ما بقتش مجرد اسم على يافطة، بقت الوحش اللي الكل بيعمله ألف حساب في السوق. عادل اختفى تماماً من حياتي، سمعت إنه سافر طنطا عند أهله، بيحاول يلم شتات نفسه، أو ربما بيحاول ينسج مؤامرة تانية في خياله المريض. لكن بالنسبة لي، كان صفحة واتحرقت، والرماد بتاعها طار مع الهوا.
قعدت في مكتبي، بقلب في ورق الشراكة اللي بعته فريد. فريد مش سهل، والكل عارف إن اللي يدخل معاه في شراكة يا يخرج بمليارات يا يخرج مفلس. بس أنا ما كنتش خايفة. أنا في الفترة اللي فاتت اتعلمت إن الخوف هو اللي بيخلينا نغلط، وأنا قررت ما أغلطش تاني.
دخلت مروة المكتب، وشها كان عليه علامات قلق مش مألوفة. نيرة، فيه حاجة لازم تعرفيها. شركة المقاولات الدولية التابعة لل Holding، فيه عجز في الحسابات ظهر امبارح، والمحاسب القانوني بيقول إن فيه تحويلات تمت لحسابات خارجية قبل ما عادل يخرج من الشركة بيومين.
رميت الورق اللي في إيدي وقمت وقفت. تحويلات؟ يعني سرقنا وهو خارج؟ ده مش بس خيانة أمانة، ده سرقة موصوفة!
المشكلة مش في الفلوس يا نيرة، المشكلة إن الحسابات دي مرتبطة بأسماء شركات وهمية، والشركة دي تابعة لمين؟ تابعة ل سامية أخت
عادل!
ضحكت بسخرية. الست سامية فكرت إنها لما تاخد قرشين هتغنيني؟ دي حفرت قبرها بإيديها. اتصلي بالمحامي شريف فوراً، وقوليله يجهز بلاغ للنيابة، وعايزة قرار بمنع سامية من السفر، ومصادرة كل أملاكها اللي جابتها من فلوسي.
مروة هزت راسها وخرجت بسرعة. قعدت تاني، حسيت إن المعركة لسه ما خلصتش. عادل وساميته وأمه فوزية، كانوا زي الفيروس، مهما حاولت تخلص منهم، بيفضلوا يرموا سمومهم. بس أنا المرة دي كنت مجهزة المصل.
في نفس اليوم، كان عندي ميعاد غدا مع فريد في مطعم في الزمالك، مطعم هادي بيطل على النيل، مكان بيعرفوا فيه صفقات الملايين. فريد كان مستني، لابس بدلة سوداء بتبين إنه راجل بيفهم في التفاصيل، وعينيه كان فيها ذكاء حاد.
نيرة، كنت متوقع إنك هتيجي بمشاكلك الشخصية، بس اللي سمعته إنك جيتي بصفقة كبيرة. قال فريد وهو بيصب لي مياه معدنية.
مشاكلي الشخصية خلصت يا فريد من ساعة ما مضيت أوراق الطلاق. أنا جاية النهاردة نتكلم بيزنس، بجد.
ابتسم بتركيز. أنا جاهز. إيه اللي في دماغك؟
عايزة أستحوذ على شركة الإنشاءات الهندسية اللي إنت بتديرها. عارف إنك بتعاني من مشاكل في التمويل بسبب توريدات الصلب الأخيرة.
اتسعت عينه بدهشة، وبعدين ضحك بصوت خافت. إنتي قريتي السوق كويس يا نيرة. بس استحواذ؟ ده حجمه أكبر من ميزانية شركتك الحالية.
طلعت تابلت وفتحت ملفات التقييم. مش ميزانيتي الحالية يا فريد. أنا بكلمك عن تسييل أصول الهولدينج بتاعي. أنا قررت أغير استراتيجيتي. عايزة أبني إمبراطورية، مش مجرد شركة مقاولات صغيرة. وإنت محتاج سيولة، وأنا محتاجة خبرة وكوادر. شراكة مش بس استحواذ، شراكة نيرةفريد هتسيطر على سوق المقاولات في مصر في أقل من سنتين.
فريد سكت فترة طويلة، بيبص للنيل بتمعن. إنتي مش بس ذكية يا نيرة، إنتي جريئة. مخاطرة زي دي ممكن تضيعك لو السوق وقع.
السوق ما بيقعش للي عارف بيعمل إيه، بيقع للي بيخاف ياخد القرار. أنا أخدت أصعب قرار في حياتي لما طلقت جوزي اللي كان بيسرقني، تفتكر هخاف من صفقة بيزنس؟
فريد مد إيده، وقال بصوت واثق موافق. بس ليا شروط.
أنا كمان ليا شروط، وشروطي بتبدأ ب الاستقلالية التامة في إدارة الصفقات.
اتفقنا على الخطوط العريضة، حسيت إن الدنيا بدأت تبتسم لي. بس في وسط الحماس ده، الموبايل رن.. كان رقم فوزية.
استغربت.. فوزية بتكلمني؟ رديت ببرود أيوة يا طنط؟
صوتها كان واطي، ومش واثق، ومخنوق بالعياط. نيرة.. سامية.. سامية في المستشفى.
سكت قلبي لحظة. مستشفى؟ ليه؟
حاولت.. حاولت تنهي حياتها.. والشرطة جات خدت عادل بتهمة الاختلاس اللي إنتي قدمتيها. . البيت اتقلب جحيم يا نيرة!
ما حستش بأي شفقة. ده نتيجة أفعالهم يا طنط. أنا ما رحتش لبيتهم وقولتلهم اسرقوني. هما اللي اختاروا طريقهم.
إنتي قلبك اتحجر! إنتي مش كنتي البنت الغلبانة اللي بتساعدنا؟
البنت الغلبانة دي كانت بتعمل كده عشان كانت فاكرة إن فيه عيلة. دلوقتي عرفت إن فيه تجار استغلوها. سامية مش ضحية، سامية مجرمة. وعادل مش ضحية، عادل حرامي. سلام يا طنط.
قفلت السكة. فريد بص لي بفضول. مشاكل تانية؟
مشاكل من الماضي. انتهت خلاص.
رجعت للشركة، لقيت مروة مستنياني وشها أصفر. نيرة، فيه صحفي اتصل، بيقول إنه معاه مستندات بتهدد سمعة الشركة، وبيقول إن فيه بلاغ اتعمل ضدك بتهمة غسيل أموال!
وقفت مكاني. غسيل أموال؟ ده السيناريو اللي كان عادل بيهدد بيه! هو كان بيخطط لكل ده من قبل ما أطلقه؟
فين المستندات دي يا مروة؟
بيقول إنها صور من تحويلات بنكية.. صور ملفقة.
بدأت أفهم اللعبة. عادل، وهو جوه الشركة، كان بيجهز كل ده. كان بيعمل تحويلات بأسماء شركات وهمية، وكان بيمضيها باسمي تزوير، عشان لو حصل أي حاجة، أنا اللي أروح في داهية.
مروة، اتصلي بالمحامي فوراً. لازم نوصل ل المخزن الرقمي للشركة. كل العمليات اللي تمت في الفترة الأخيرة، لازم تتراجع، ونثبت إن التوقيعات دي مش توقيعاتي، وإن ال IP address بتاع التحويلات كان من
لمحة نيوز
جهاز عادل الشخصي!
كانت حرب.. حرب شرسة. عادل ما كانش عايز بس يطلقني، كان عايز يدمرني. عايز يخليني أدخل السجن، وياخد هو كل حاجة.
قضيت الليل كله في المكتب، ومعايا شريف المحامي، وفريق من خبراء ال IT. اكتشفنا إن عادل فعلاً كان بيستخدم برامج خفية عشان يغير توقيعي الرقمي، وكان بيحول فلوس لشركات تابعة لأخته.
يا نيرة، ده تزوير واضح. بس لازم نثبت إن الجهاز ده كان معاه هو، مش معاكي.
الجهاز ده كان في مكتبه يا شريف. أنا عمري ما دخلت مكتبي من مكتبه!
بدأت أتذكر كل تفصيلة. فاكرة لما كان بيطلب مني أسيب الموبايل أو اللاب توب في البيت لما نخرج؟ فاكرة لما كان بيطلب مني أريح وأسيب له هو التوقيعات على بعض الورق بحجة إنه بيساعدني؟ ده كان فخ.. فخ محكم!
بصيت لشريف شريف، لو دخلت السجن، الشركة هتقع؟
لو دخلتي، الشركة هتتحط تحت الحراسة القضائية، وده معناه إن فريد أو أي منافس تاني هياخدها في ثانية. هو ده اللي هو عايزه.
مسكت القلم، وبدأت أكتب كل حاجة. كل تفصيلة، كل عملية، كل ضغطة كانت بتتم.
عادل فاكر إنه اذكى مني. بس هو نسي حاجة واحدة.
إيه هي؟
إني أنا اللي علمت الفنيين بتوع الشركة إزاي يعملوا System الحماية ده. وعارفة إن فيه Log file بيفضل متخزن على السيرفر الرئيسي للشركة، مش على الجهاز الشخصي!
شريف عينه لمعت. يعني فيه نسخة؟
في نسخة احتياطية مش متشافة! مروة، هاتي لي ال Backup بتاع شهر أكتوبر.
بعد ساعتين من التوتر، والكل بيراقب الشاشات.. ظهر الملف. كانت كل العمليات، بالدقيقة والثانية، طالعة من جهاز عادل، ومعاها تسجيل صوتي من كاميرات المكتب اللي كان هو فاكر إنه طفاها، بس هي كانت شغالة بنظام ال Motion Sensor!
لقيت الفيديو.. عادل كان قاعد على المكتب، بيضحك مع سامية في التليفون، وبيقولها خلاص يا سامية، نيرة هتروح في داهية، والشركة هتبقى لينا في خلال أسبوع!
دموعي نزلت.. مش عشان كنت بحبه، بس عشان الصدمة من غدره. تلات سنين؟ تلات سنين كنت نايمة جنب عدو؟
معاكي السلاح يا نيرة. دلوقتي، هما اللي رايحين في داهية.
الصبح، وقفت قدام القسم، ومعايا المحامي وال USB اللي فيها كل الحقيقة. عادل كان هناك، بيحاول يعمل دور الضحية قدام الضباط، بس لما شافني، وشه اتخطف.
نيرة؟ إنتي بتعملي إيه هنا؟
بصيتله ببرود، وقدمت ال USB للضابط المسؤول. جاية أقدم الأدلة اللي بتثبت مين اللي اختلس، ومين اللي زور، ومين اللي خطط لتدمير شركة بمليارات.
عادل حاول يهجم عليا، بس العساكر مسكوه. إنتي كدابة! إنتي اللي عملتي كل ده!
الكلام قدام النيابة يا عادل. والنيابة مش بتصدق غير بالدليل الرقمي.
خرجت من القسم، حسيت بالهوا في صدري لأول مرة من سنين. كان يوم صيفي شمس، بس شمس حقيقية، مش شمس مزيفة زي اللي كنت عايشاها.
مروة كانت مستنياني بالعربية. عملتيها يا نيرة. عادل هيتحبس.
مش بس هيتحبس يا مروة. عادل هيعرف إن نيرة اللي كان فاكرها سكرتيرة، هي اللي هتكون السبب في إنهاء مستقبله كله.
ركبت العربية، وشفت عادل من بعيد، وهو بيتدخل للزنزانة. ما حسيتش بالانتصار، حسيت ب العدل.
على فين يا فندم؟
على الشركة يا عم سيد. عندنا شغل كتير.. وشراكة جديدة لازم تخلص.
الطريق للشركة كان طويل، بس كان فيه كل اللي بتمناه. الحرية.
وأنا ماشية في طرقة الشركة، الموظفين كلهم بيبصولي باحترام. ما بقيتش مجرد صاحبة عمل، بقيت نموذج للست اللي وقفت قصاد الظلم، وكسرت القيود.
دخلت المكتب، وفتحت اللابتوب. لقيت رسالة من فريد وصلني خبر اللي حصل. إنتي مش بس شريكة، إنتي قوة لا يستهان بيها. جاهزة نبدأ الشراكة بكره؟
كتبت رد واحد أنا جاهزة من امبارح.
قفلت اللابتوب، وبصيت من الشباك على القاهرة. المدينة اللي شافت خيانته، وشافت قهرى، وشافت صمودى. القاهرة دلوقتي كانت ملكي.
بس في لحظة، افتكرت أمي. اتصلت بيها فوراً.
أيوة يا ماما، طمنيني.. إنتي كويسة؟
يا بنتي، أنا اللي بسأل عليكي. الدنيا مسمعة إن جوزك اتدبس في قضايا كبيرة.
أيوة يا ماما.. العدل أخد مجراه.
الحمد لله يا نيرة. المهم إنتي، خلي بالك من نفسك. اللي عمل فيكي كده ممكن يعمل أكتر لما يخرج.
مش هيخرج يا ماما.. ومش هيشوف ضوء الشمس غير من ورا القضبان.
قفلت مع أمي، وحسيت براحة تانية. البيت، الشغل، الأهل.. كل حاجة بقت في مكانها الصح.
الليل بدأ يهبط على المدينة، والأنوار بدأت تنور. القاهرة كانت بتتنفس، وأنا كنت بتنفس معاها. التحدي اللي جاي كان كبير، بس كنت مستعدة له.
بصيت ل الدرع اللي حطاه على مكتبي، درع صغير مكتوب عليه النجاح هو أفضل انتقام.
ابتسمت.. وانتقامي كان النجاح، وكان الحرية.
…يتبع
مرت سنة كاملة على يوم القبض على عادل. سنة كانت كفيلة إنها تغير ملامح حياتي تماماً. الشركة بقت إمبراطورية حقيقية، والشراكة مع فريد أثبتت إنها كانت أنجح قرار خدته في حياتي، مش بس على مستوى البيزنس، لكن كمان على مستوى تغيير جلد نيرة Corradi. مابقيتش نيرة اللي بتخاف من خيالها، ولا اللي بتستنى رضا راجل عشان تحس بقيمتها.
عادل اتحكم عليه بالسجن 7 سنين، وسامية وأمها فوزية دخلوا دوامة قضايا وطلعت عليهم أحكام تعويضات خلتهم يبيعوا كل حاجة، حتى البيت اللي كان بيتعزوا فيه. بقوا بيعيشوا في شقة إيجار قديم، بيدوروا على أي شغلانة تسترهم. كنت بسمع أخبارهم من
بعيد، مش تشفّي، بس عشان أطمن إن الموجة اللي حاولت تغرقني، غرقت أصحابها هما.
في صباح يوم شتوي هادي، كنت واقفة في مكتبي اللي بيطل على النيل، بفكر في الخطوة اللي جاية. الشراكة مع فريد وصلت لمرحلة الاستحواذ الكلي على كذا مشروع ضخم في العاصمة الإدارية. مروة دخلت المكتب وهي بتبتسم، ملامحها كانت بتقولي إن فيه حاجة جديدة.
نيرة، فيه واحد مستنيكي بره.. بيقول إنه من طرف عادل.
اتحجرت في مكاني. عادل؟ بعد سنة؟ عادل جوه السجن يا مروة، مين ده؟
محامي.. بيقول إنها رسالة أخيرة قبل ما يتقرر مصيره النهائي في استئناف بكرة.
أخدت نفس عميق، وقلت دخليه.
دخل راجل في الخمسينات، لبسه بسيط بس نظيف، ملامحه توحي بالهدوء. قعد قدامي وطلع ظرف أصفر. مدام نيرة، أنا محامي عادل، أو المحامي اللي كان بيمثله في قضية التزوير. عادل طلب مني أوصلك الرسالة دي شخصياً.
فتحت الظرف. كان فيه ورقة واحدة، بخط إيد عادل اللي كنت بعرفه كويس. الخط كان مرتعش، بعيد كل البعد عن ثقة عادل اللي كنت أعرفه.
نيرة، عارف إنك مش هتقرأي الرسالة دي بحب، وعارف إنك كرهتيني.. وعندك حق. السجن علمني إن اللي بنيته في تلات سنين، هديته في يوم. مش جاي أترجاكي تسحبي القضية، لأني عارف إنك أقوى من كده بكتير. أنا بس جاي أقولك إني عرفت الحقيقة.. عرفت إنك مش بس ست ناجحة، إنتي كنتِ أمان أنا ما عرفتش أصونه. سامحينا.. سامحينا لأننا كنا طماعين، وكنت أنا أعمى.
رميت الورقة على المكتب. المحامي بص لي بصمت. عايز إيه يا أستاذ؟
عادل بيطلب منكِ إنك تحضري الجلسة بكرة. بيقول إنه لو شافك، هينطق بالحقيقة الكاملة اللي لسه ما قلتهاش، الحقيقة اللي ممكن تورط ناس تانية ورا ال Holding بتاعك.
ضيقت عيني. ناس تانية؟ مين؟
فريد.. الشريك بتاعك.
تجمدت في مكاني. فريد؟ فريد اللي كان بيمد لي إيد العون؟ اللي أنقذ شركتي؟
فريد عمل إيه؟
فريد ما كانش عايز يساعدك يا نيرة. فريد كان بيخطط من الأول إنه يشتري ديون شركتك عن طريق عادل، عشان لما توقعي، ياخد كل حاجة. عادل لما اكتشف إن فريد بيستغله هو كمان، قرر إنه يواجهك.
حسيت ببرودة في أطرافي. اللعبة مابقتش أنا وعادل، اللعبة بقت أنا وفريد.
اخرج بره مكتبي. قلتها بصوت هادي ومخيف.
الراجل قام ومشي. قعدت على مكتبي، وفتحت ملفات فريد. بدأت أراجع كل التعاملات، كل العقود اللي أمضيتها معاه. اكتشفت إن فيه ثغرات قانونية، ثغرات معموله بدقة عشان لو في يوم من الأيام الشراكة اتفضت، فريد هو اللي ياخد الشركة الأم.
كان بيلعب بيا؟ كنت فاكرة إني أنا اللي بطلة اللعبة، طلع في مخرج تاني بيحرك الخيوط من ورا الكواليس.
الساعة كانت 5 العصر. قررت أعمل حاجة محدش يتوقعها. قمت لبست جاكيت البدلة بتاعي، ونزلت. رحت للمكان الوحيد اللي ممكن ألاقي فيه فريد.. مكتبه الرئيسي في وسط البلد.
دخلت من غير ميعاد، السكرتيرة حاولت تمنعني، بس أنا زقتها ودخلت مكتبه. فريد كان قاعد بيشرب قهوة، وكأنه كان مستني اللحظة دي.
نيرة! نورتيني.. إيه المفاجأة دي؟
رميت ملفات الشراكة على المكتب. لعبتك حلوة يا فريد. بس أنت نسيت إني مش نيرة اللي كانت بتدير شركة استيراد وتصدير صغيرة. أنا نيرة Corradi.
ضحك فريد ببرود، وقام وقف. ومين قالك إني مش عارف؟ أنا كنت براهن على ذكائك. كنت عارف إنك هتوصلي للحقيقة، بس كنت فاكر إنك هتيجي تطلبي اتفاق مش هتيجي تهدديني.
التهديد ده مش ليا، ده ليك. أنا مجهزة كل حاجة للنيابة. كل العقود، كل التحويلات.
يا نيرة.. النيابة في جيب مين؟ إنتي فاكرة إن السوق ده بيشتغل بالأخلاق؟ السوق ده بيشتغل ب القوة. وأنا الأقوى.
قربت منه، وبصيت في عينيه. القوة مش إنك تسرق. القوة إنك تكون عارف اللعبة، وتقلب الطرابيزة على اللي بيلعبها. أنا ماجيتش عشان أهددك، أنا جيت عشان أقولك إن بكرة، في المحكمة، عادل هيشهد، وأنا هقدم الأدلة اللي هتخليك جنب عادل في نفس الزنزانة.
وشه اتغير لأول مرة. إنتي اتجننتي؟ هتخربي شركتك بإيدك؟
الشركة اللي فيها سوس زي فريد، لازم تتقطع منها السوسة عشان تعيش. أنا مستعدة أبدأ من الصفر، بدل ما أعيش مع شريك بيخونني.
سيبته وخرجت. قلبي كان بيدق زي الطبول. أنا عارفة إن اللي عملته ده جنون، بس هو ده الطريق الوحيد.
يوم الجلسة، قاعة المحكمة كانت مليانة. الصحافة، المحامين، والكل بيتكلم عن المواجهة الكبرى. عادل دخل القاعة، كان شكله كبر سنين. بص لي، ولأول مرة شفت في عينه حزن حقيقي.
لما القاضي نده على اسمه، عادل وقف. عايز أقول الحقيقة.
فريد كان قاعد في الصفوف الأولى، عيونه بتشر، زي الثعلب اللي مستني فريسته.
فريد.. هو اللي حرضني أسرق ملفات نيرة. وهو اللي أداني برامج التزوير.
صرخ فريد من مكانه ده كداب! ده مجرم بيحاول يقلل حكمه!
القاضي خبط بالمطرقة. سكون!
أنا وقفت، وطلعت ال USB التانية. سيادة القاضي، معايا تسجيلات ومستندات بتثبت إن فريد مش بس محرض، ده المخطط الأساسي.
القاعة قلبت هرج ومرج. فريد حاول يخرج، بس الأمن كان محاصره. كان بيتحول من شريك ل متهم في لمح البصر.
خلصت الجلسة بقرار المحكمة بحبس فريد احتياطياً على ذمة التحقيق. طلعت من المحكمة، وكان فيه حشد من الصحفيين. الكاميرات في وشي، الميكروفونات في كل مكان.
مدام نيرة، إيه شعورك
بعد ما كشفتِ شريكك؟
بصيت للكاميرات، وبصيت للسما. القاهرة كانت بتتنفس شمس وبداية جديدة.
مشاعري إن الحق، مهما تأخر، بيرجع لأصحابه. أنا مش بس كشفت شريك، أنا كشفت وهم كنت عايشة فيه. القوة مش في مين اللي معاك، القوة في مين اللي أنت عليه.
رجعت البيت.. البيت اللي اشتريته بفلوسي، اللي فرشته بذوقي، اللي مافيهوش ريحة خيانة ولا كذب. قعدت في الصالون، مسكت موبايلي، لقيت مكالمة فايتة من أمي.
أيوة يا ماما.
بنتي.. سمعت الأخبار. إنتي كويسة؟
أنا كويسة جداً يا ماما. أخيراً.. أنا حرة.
قفلت مع أمي، وفتحت اللابتوب. بدأت أكتب بيان رسمي للشركة. شركة Corradi تعلن عن إعادة هيكلة شاملة، وبداية لمرحلة جديدة من الاستقلال التام.
بصيت لنفسي في المرايا. نيرة اللي كانت بتخاف، بقت نيرة اللي بتهز الأسواق. نيرة اللي كانت بتدور على الحب في راجل، لقيت الحب في نفسها، وفي قدرتها على المواجهة.
مش عارفة إيه اللي جاي، مش عارفة بكرة مخبي إيه، بس اللي عارفاه إن نيرة Corradi خلاص، ما بقاش حد يقدر يكسرها.
فتحت إزازة مياه، وشربت نخب النجاح.. نجاحي أنا، بفلوسي أنا، وقراري أنا.
القاهرة بالليل كانت منورة، زي مستقبلي اللي بدأ أخيراً يوضح. خدت نفس طويل، وأخدت قرار..
هسافر. هسافر أسبوعين بعيد عن كل ده. هروح مكان مفيش فيه لا عادل، ولا فريد، ولا شركة، ولا قضايا. مكان فيه نيرة بس.
قفلت كل حاجة، وطلعت الشنطة.
المشوار لسه طويل، بس لأول مرة.. الطريق طالعني أنا.
نيرة Corradi.. بدأت قصتها الحقيقية دلوقتي بس.
…يتبع