ركبت فريدة الطيارة 3
السكوت بقا سيد المكان، ومبقاش مسموع غير صوت سارينات الشرطة اللي بتبعد وهي واخدة طارق، وصوت نفس فريدة اللي كان عالي ومتهدج من الصدمة.
كريم فضل باصص للملف اللي واقع في الأرض، الورق كان باين عليه القدَم، وفيه بقع غامقة مكانتش محتاجة ذكاء عشان يتعرف إنها دم ناشف من سنين. فريدة نزلت الأرض بسرعة وهي بترتعش، وحاولت تلم الورق بإيد واحدة وهي ضامة خديجة بالإيد التانية، دموعها كانت نازلة مغرقة وشها:
“مش زي ما أنت فاهم يا كريم.. والله العظيم مش زي ما قال.. طارق كداب وعاوز يوجعني!”
كريم محركش ساكن، فضل واقف مكانه زي التمثال، وبص لعاصم اللي كان واقف قريّب ومستني أوامره. شاور له كريم بعينه شارة يفهمها عاصم كويس. عاصم قرب وبمنتهى الأدب حط إيده على كتف الشغالة اللي كانت واقفة مرعوبة وقالها: “خدي خديجة هانم اطلعي بيها فوق الجناح.”
فريدة مكانتش عاوزة تسيب البنت، بس نظرة كريم الحادة خلتها تسلمها للشغالة وهي بتبكي. أول ما البنت طلعت، كريم وطى على الأرض، ومد إيده الطويلة ولمّ بقية الورق اللي فريدة ملحقتش تلمه. مسكه في إيده، وبص لفريدة وقال بصوت رجع بارد وفيه نبرة شغل وحساب:
“على مكتبي.. يا فريدة.”
مشيت وراه ورجليها بتخبط في بعضها، دخلوا المكتب اللي كان متدمر من شظايا الزجاج بره، بس المكتب الخشب والحيطان المصفحة مكانش فيهم خدش. كريم قعد ورا مكتبه، وحط الملف قدامه، وولع أباجورة صغيرة كانت هي الإضاءة الوحيدة في الأوضة بعد ما النور انقطع بسبب ضرب النار.
”اتفضلي اقعدي.” قالها وهو بيشاور على الكرسي اللي قدامه.
قعدت فريدة وهي بتمسح دموعها بطرف كمها، وحاسة إن الأمان اللي عاشت فيه الكام ساعة اللي فاتوا اتبخر، وإنها واقفة قدام قاضي مش راجل كان لسه بيعرض عليها الجواز من شوية.
كريم فتح الملف بالراحة، وبدأ يقلب في الورق.. كان فيه تقارير طب شرعي قديمة، وعقود بيع وشراء لأراضي في الإسكندرية، وشيكات بنكية مقبولة الدفع بمبالغ مرعبة عليها إمضاء “صالح سليم”.. أبو طارق. وفي آخر حتة من الورق، كانت فيه بصمة دم صريحة على إقرار تنازل.
كريم رفع عينه من الورق وبص لها، عينيه كانت زي الصقر في الضلمة:
“الكلام ده من خمس سنين.. يعني السنة اللي أنتوا اتجوزتوا فيها. طارق بره كان بيصرخ ويقول إنك قتلتي أبوه، أو ليكي يد في موته، وهربتي بورق الإدانة. الورق ده بسببه طارق اتقلب وبقا وحش، وبسببه كان قالب عليكي الدنيا. أنا قولتلك من الأول إني مبدخلش معركة خسرانة، ومبحبش أكون مغفل.. أنتي مين يا فريدة؟ وطارق سليم أبويا وأبوه يبقوا إيه في اللعبة دي؟”
فريدة بلعت ريقها بصعوبة، وصوتها طلع مبحوح بس فيه نبرة صدق:
“أنا مقتلتش حد يا كريم.. والله العظيم ما قتلت. أبو طارق هو اللي قتل أبويا!”
كريم ساند ضهره لورا، وضيق عينيه: “أبوكي؟”
فريدة هزت راسها ودموعها نزلت تاني: “أبويا الله يرحمه كان شريك صالح سليم في تجارة المقاولات في الإسكندرية. أبويا كان راجل دغري وبيمشي جنب الحيط، بس صالح كان حوت، وعاوز يبلع كل حاجة. في السنة اللي أنا اتجوزت فيها طارق، أبويا اكتشف إن صالح بيمضي شيكات وعقود باسمه وبيغسل فلوس من وراه. لما أبويا واجهه وهدده إنه يبلغ النيابة.. صالح سليم قتله في مكتبه، وطلع تقرير الوفاة إنها سكتة قلبية!”
كريم كان بيسمع بمنتهى التركيز، ملامحه مكانش باين عليها مصدق ولا مكذب: “وطالما عرفتي إنه قتله، وافقتي تتجوزي ابنه طارق ليه؟”
فريدة صرخت بوجع وقهر: “مكانش بمزاجي! طارق مكنش يعرف بحاجة، وصالح هددني بأخويا الصغير اللي كان بيدرس بره، قالي لو ملمتيش الدور واتجوزتي طارق وعيشتي تحت عيني، أخوكي مش هيرجعلك صاحي. اتجوزت طارق وأنا قلبي محروق، وعشت معاه خمس سنين في جحيم وأنا ببص في وش ابن الراجل اللي قتل أبويا! بس قبل ما صالح سليم يموت من سنتين، حسه الأمني خلاه يجمع كل ورق الإدانة والشيكات اللي تثبت غسيل الأموال وتثبت إن أبويا مقتول مش ميت طبيعي، وشالهم في خزنة مكتبه.. الخزنة دي أنا عرفت رقمها السرّي، وقبل ما أهرب من الإسكندرية بيوم واحد، فتحتها وأخدت الملف ده عشان أحمي نفسي وأحمي بنتي وخديجة.. طارق لما عرف إن الملف اختفى، اتجنن، لأنه عارف إن الورق ده يودي عيلتهم كلها في داهية ويصادر كل أملاكهم!”
كريم فضل ساكت لثواني، باصص للورق وبعدين بص لفريدة. مد إيده ومسك ورقة معينة من وسط الملف، وقربها من نور الأباجورة.. كانت ورقة شيك بنكي قديم، بس عين كريم لقطت حاجة مكانتش فريدة قادرا تفهمها. شريط التوثيق المائي اللي في ضهر الشيك كان عليه شعار بنك “الشناوي الرقمي”.. الفرع الرئيسي.
كريم ملامحه اتقبضت، وعروق إيده اتشدت وهو ماسك الشيك. فريدة لاحظت التغيير ده وخافت: “كريم.. في إيه؟”
كريم قام وقف وداير ضهره ليها، وبص من الشباك على الجنينة اللي الشرطة كانت بتنظفها من مخلفات ضرب النار. صوته طلع واطي، بس مرعب لدرجة تخوف أكتر من صوت ضرب النار:
“الشيك ده.. طالع من حسابات شركتي أنا.. من خمس سنين.”
فريدة برقت عينيها وقامت وقفت: “أنت؟ يعني إيه؟”
التفت كريم ليها، وعينيه كان فيها نظرة غموض تجمّد الدم في العروق:
“يعني صالح سليم مكانش بيغسل فلوس لوحده يا فريدة.. الشيك ده طالع بأمر إمضاء من السكرتير التنفيذي القديم لـوالدي الله يرحمه.. الورق اللي في إيدك ده مش بس يودي عيلة طارق في داهية.. ده لو طلع للعلن، هيهد مجموعة الشناوي كلها ويدمر اسم عيلتي في البورصة العالمية.”
فريدة رجعت خطوتين لورا برعب، وحست إنها هربت من جحيم طارق لتتحدف في بركان كريم الشناوي.
كريم قرب منها ببطء، ولم الملف كله في إيده، وبص في عينيها وقال ببرود قاتل:
“العرض اللي عرضته عليكي في الطيارة وبرا.. لسه قائم يا فريدة. بس الشروط اتغيرت.. أنتي مش هتتجوزيني عشان أحميكي من طارق بس.. أنتي هتتجوزيني عشان الورق ده يفضل مدفون في الخزنة دي وميطلعش منه ورقة واحدة بره السور ده.. وإلا، أنتي عارفة كويس أنا أقدر أعمل إيه.”
وفي اللحظة دي، تليفون المكتب الأرضي رن تاني.. كريم مد إيده ورفع السماعة، وجاله صوت عاصم من بره وهو بينهج:
“كريم بيه! الحقنا.. طارق سليم وهو بيتركب عربية الترحيلات، صرخ قدام وكيل النيابة وقال إن الورق الأصلي لغسيل الأموال مع فريدة في قصر الشناوي، ووكيل النيابة لسه مطلع أمر تفتيش حالا للقصر وهيتحركوا علينا!”
كريم رزع سماعة التليفون الأرضي لدرجة إنها اتكسرت نصين، ووشه بقا زي قطعة الخشب المسندة.. مفيهاش أي تعبير، بس عينيه كانت بتطلع شرار.
التفت لفريدة اللي كانت واقفة زي الفرخة المبلولة، رجليها مش شايلاها، وحاسة إن الحبل بيتلف حوالين رقبتها ورقبة بنتها. كريم قرب منها، سحبها من دراعها بقوة بس من غير ما يوجعها، وبص في عينيها وقال بلهجة حاسمة ومفيهاش ثانية واحدة تفكير:
“مفيش وقت للعياط ولا للصدمة يا فريدة. وكيل النيابة لو جه ولقى الملف ده هنا، القصة هتكبر.. ومش أنا اللي هقع، أنتي وبنتك اللي هتروحوا في الرجلين، والملف ده هيتصادر.”
فريدة صوتها طلع مخنوق وهي بتبكي: “طب هنعمل إيه؟ طارق عاوز يدمرني حتى وهو ممسوك! الورق ده لو ضاع.. حق أبويا ضاع وأنا هتحبس!”
كريم مبصش وراه، فتح درج مكتبه السري، وطلع منه قداحة (ولاعة) فضة غالية، ومسك الملف في إيده ولع في أطرافه. فريدة صرخت وحاولت تمنعه: “لأ! لاء يا كريم! ده دمي ودم أبويا! م تحرقوش!”
كريم زق إيدها بالراحة وبص لها بعمق وهو سايب النار تأكل الأوراق ورمى الملف جوه مدفأة الرخام اللي في ركن المكتب:
“أنا مبحرقش حق أبوكي.. أنا بحرق الدليل اللي يوديكي ويدمر عيلتي. النسخ الأصلية دي لازم تختفي، ومتقلقيش.. عيني لقطت الأرقام والتواريخ كلها، وحق أبوكي أنا هجيبه بطريقتي، بس الورق ده لو شافته النيابة دلوقتي.. القصر ده كله هيتقلب.”
النار أكلت الملف في ثواني وبقا رماد. في نفس اللحظة، صوت كبسات عربيات الشرطة بره ظهر تاني، والمرة دي مكانتش عربيات خناقة.. دي كانت عربيات رسمية تابعة للنيابة العامة وقسم الشرطة.
عاصم دخل المكتب بسرعة وهو بينهج: “كريم بيه! وكيل النيابة بره ومعاه القوة وأمر التفتيش الصادر بناءً على أقوال طارق سليم البلاغية!”
كريم عدل قميصه الأبيض، ورجع هادي وبارد زي التلج وكأن مفيش أي حاجة حصلت. بص لعاصم وقال: “دخلهم يا عاصم.. خليهم يتفضلوا.”
التفت لفريدة، ومسح بإيده آثار الرماد اللي جت على كمها، وهمس لها: “أنتي مراتي.. متنسيش الكلمة دي. أي كلام تاني هتقوليه هيودينا ورا الشمس. اطلعي هاتي خديجة وانزلي اقفي جمبي.”
فريدة هزت راسها برعب وطلعت جري جابت البنت ونزلت، كانت بتترعش بس نظرة كريم الثابتة كانت بتديها زقة أمان غريبة.
الباب اتفتح ودخل وكيل النيابة، راجل تلاتيني جاد جداً، ومعاه اتنين ضباط ورجالة التفتيش. وكيل النيابة انحنى باحترام لكريم الشناوي: “كريم بيه، إحنا آسفين جداً على الإزعاج وفي وقت زي ده.. بس طارق سليم أدلى بأقوال خطيرة في المحضر، وبناءً عليه معانا أمر رسمي بتفتيش القصر للبحث عن أوراق ومستندات تخص قضايا أموال عامة.”
كريم ابتسم ابتسامة هادية وومد إيده يسلم عليه: “أهلاً بيك يا فندم، القصر قصركم، اتفضلوا فتشوا براحتكم.. أنا راجل تحت القانون دايماً. بس أفهم.. أوراق إيه اللي طارق سليم بيقول عليها؟”
وكيل النيابة بص لفريدة اللي كانت واقفة ورا كريم وضامة بنتها: “طارق بيه بيقول إن المدام.. فريدة هانم، هربت من بيته في الإسكندرية ومعاها مستندات أصلية تخص غسيل أموال وقتل عمد تخص والده صالح سليم، وإنها مخبياها هنا.”
كريم ضحك ضحكة خفيفة وواثقة، وبص لوكيل النيابة: “مستندات؟ طارق سليم راجل اتجنن يا فندم بعد ما اتمسك وهو بيقتحم بيتي بأسلحة آلية وعاوز يتبلى على مراتي بأي كلام عشان يشوش على قضيته.”
وكيل النيابة استغرب: “مراتك؟”
كريم مد إيده وحطها على كتف فريدة وبص لها بحنية قدامهم كلهم: “طبعاً.. فريدة هانم الشناوي، زوجتي على سنة الله ورسوله. إحنا متجوزين ومعايا القسيمة الرسمية، وهي كانت مسافرة وجاية بيتها.. وطارق سليم طلقها من فترة ومش قادر يستوعب إنها بقت حرّة وفي عصمة راجل تاني، فجاي يعمل النمرة دي.”
الضباط بدأوا يفتشوا المكتب، قلبوا الدرج، وبصوا ورا اللوحات، وفتشوا الخزنة المفتوحة اللي كريم سابها لهم عن قصد فاضية.. ومفيش أي أثر لورقة واحدة. أحد الضباط قرب من المدفأة، وبص على الرماد، بس كريم قال ببساطة: “دي بقايا ورق وسيجار كنت بولعهم قبل ما تشرفونا.”
الضابط رجع لوكيل النيابة وهز راسه بالإيجاب: “مفيش أي حاجة يا فندم.. المكان نضيف تماماً.”
وكيل النيابة اتنهد واعتذر لكريم: “أنا أسف جداً مرة تانية يا كريم بيه.. واضح فعلاً إن البلاغ كيدى ومحاولة للانتقام وتشتيت العدالة. طارق سليم كده لبس قض..ية بلاغ كاذب بجانب الجنايات اللي عليه.”
كريم هز راسه بهيبة: “ولا يهمك يا فندم، ده واجبكم.”
بعد ما القوة مشيت والأبواب اتقفلت تاني، القصر رجع للهدوء المرعب بتاعه. عاصم قفل البوابة الخلفية، والشغالين بدأوا يلموا الزجاج المكسور.
فريدة قعدت على الكرسي وهي حاسة إن روحها بترد لها، وبصت لكريم اللي كان واقف باصص للرماد في المدفأة: “كريم.. أنت قولت لوكيل النيابة إننا متجوزين ومعاك قسيمة رسمية.. بس إحنا م كتبناش حاجة!”
كريم لف وبص لها، وطلع من جيب جاكيته الداخلي دفتر صغير وقلم، وحطه على المكتب قدامها. وبص في عينيها بنظرة غامضة، ممزوجة بذكاء الحيتان ورغبة غريبة في التملك:
”المأذون بتاعي بره يا فريدة.. ومستني إشارتي يدخل. الكذبة اللي قولتها لوكيل النيابة هتبقى حقيقة حالا.. والشرط بتاعي لسه زي ما هو: أنتي وبنتك هتعيشوا هنا في حمايتي، والبلد كلها هتشيلك على الراس.. بس في المقابل، أسرار عيلة الشناوي اللي عرفتيها تموت جواكي.. والورق اللي اتحرق ده، عقوده الحقيقية متسجلة في دماغك.. ودماغك دي من اللحظة دي بقت ملكي أنا.”
فريدة بصت للقلم والملف، وحست إنها بتوقع على عقد بيبدّل حياتها للأبد.. وفجأة، وقبل ما تمد إيدها تمسك القلم، تليفون كريم الشخصي اتهز في جيبه.
طلعه وقرا الرسالة، وشه اتقلب تاني، وبص لفريدة وقالها بصوت ناشف:
“ابن خالتك اللي في المطرية.. لسه واصلني خبر إنه اتمسك من رجالة طارق التانيين في الإسكندرية قبل ما طارق يجيلنا هنا.. وبيقولوا إن معاه نسخة تانية من نفس الملف!”