زميلة زوجي اماني السيد 1
دخل “حسين” الأوضة زي الإعصار، وعينه بطق شرار. كنت نايمة في أمان الله، صحيت على صوته وهو بيزعق بهستيرية، وما لِحقتش حتى أفتح عينيا كاملة ولا أستوعب في إيه، لقيت إيده بتهجم عليا وبتشدني من تحت الغطا بعنف وهو بيصرخ في وشي:
“انتي السبب! انتي السبب إنها تزعل وتقلب وشها عليا! من ساعة ما عرفتي إني بحبها وانتي حطيتيها في دماغك، ومش مخلية لها يوم حلو في الشغل.. قسماً بالله لو مشيتيها من الشركة لتكوني انتي كمان برة حياتي كلها!
بكره الصبح هتروحى الشركه وتعتذريلها قصاد كل الموظفين انتى فاهمه .
قعدت على السرير، شعري منكوش، ونظرة الصدمة في عينيا كانت تدبح. النعاس طار من جفوني في ثانية، وحسيت إن الأوضة بتلف بيا. الوجع مكانش من شدة إيده، الوجع كان من البجاحة والظلم والكسرة اللي نزلت على قلبي زي مية النار. جوزي.. شريك عمري اللي صاينه بيته واسمه، جاي يضربني ويحاسبني عشان “حبيبته” زعلانة!
الحكاية بدأت من ست شهور..
حسين شغال مدير حسابات في شركة استيراد وتصدير كبيرة، وأنا مهندسة ديكور في نفس الشركة. جوازنا كان صالونات بس قايم على الاحترام والود. كنت من النوع الهادي، اللي بيمشي جنب الحيط ويحب يرجع بيته يلاقي راحة باله.
لحد ما دخلت الشركة موظفة جديدة في قسم العلاقات العامة اسمها “ميرنا”. بنت صغيرة، لبسها على الموضة، وضحكتها بتسمع الممر كله. حسين من أول يوم وعينه زاغت عليها، وبدأ الأستاذ الرزين يتحول لمراهق؛ يكتب لها تقاريرها، يدافع عنها في الاجتماعات، ويجيب لها قهوة الصبح بنفسه.
الشركة كلها بدأت تتكلم وتوشوش، والكلام وصلني. واجهت حسين بهدوء، بس هو ثار وزعق وقال لي: “انتي بتغيري من أي حد ناجح، ميرنا زي أختي الصغيرة وبلاش أوهام!”
سكتُّ، مش ضعف، بس عشان أحافظ على بيته، وسِبت الأيام تبين الحقيقة.
اللي حصل إن ميرنا مكانتش سهلة، كانت واخدة حسين سِلم عشان تكبر في الشركة، ولما لقت الشغل بدأ يتقل عليها وإدارة الشركة بدأت تلاحظ تقصيرها، رمت بلاها عليا. راحت لحسين وهي بتعيط دموع تماسيح وقالت له: “مراتك مستقصداني، وبتقول للناس في الشغل إني خطافة رجالة، وخلت المدير ينقلني من القسم عشان تطفشني.. أنا ذنبي إيه إنك بتهتم بيا؟ أنا شكلي هسيب الشغل كله بجد!”
الكلمتين دول خلوا الدم يطلع في راس حسين. حس إن رجولته و”برستيجه” اتهزوا قدام البنت اللي عايز يعجبها، ورجع البيت أعمى مش شايف قدامه..
نرجع للأوضة..
بصيت لحسين وهو واقف ينهج وعرقان من الغل، صوابعي كانت بتترعش وأنا بلم هدومي عليا. رفعت وشي وبصيت في عينه مباشرة، النظرة مكانش فيها عياط ولا خوف، كان فيها كمية قرف ووجع تِهد جبال.
قلت بصوت واطي، بس طالع من جدر قلبي وثابت زي الصخر:
“بقى جاي تضربني عشان الست ميرنا زعلانة؟ بتتهجم عليا في بيتي عشان تراضي واحدة برة؟”
حسين زعق وصوته شرخ: “ما تعمليش فيها بريئة! انتي اللي بوظتي لها شغلها وضايقتيها لحد ما قفلت تليفونها في وشي! قوليلي عملتي فيها إيه؟”
قمت وقفت على رجليا، عدلت طولي قدامه، وقلت بكل برود وكسرة نفس:
“ما عملتش حاجة.. المدير هو اللي نقلها لما لقاها مابتفهمش في الشغل وبتضيع وقتها في المكاتب. بس تعرف يا حسين؟ العيب مش عليها، العيب على الراجل اللي مالي مركزه برة، وبيجي لحد سرير مراته يستقوى عليها عشان يداري خيبته. طالما هي غالية عليك أوي كده اتجوزها
رد عليا
ـ انا عرضت عليها فعلاً الجواز مش مستنيكى تقترحى عليه
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، بس المرة دي وعكس كل التوقعات.. ما عيطتش. الوجع لما بيعدي حده، بيتحول لكتلة تلت بتجمد القلب. حسيت إن كل ذرة احترام، أو ود، أو عشرة كانت باقية له جوايا اتمحت في ثانية، كأنها مكانتش موجودة من الأصل.
بصيت له ولقيت نفسي ببتسم.. ابتسامة باردة، مليانة قرف وتحدي، هزت ثقته في نفسه للحظة.
قلت له وأنا حاطة إيدي في وسطي، وبكل ثبات:
“تمام يا حسين.. مبروك عليك ميرنا، ومبروك على ميرنا راجل يبيع شريكة عمره وصاحبة الفضل عليه في أول محطة عشان يرضي مراهقته المتأخرة.”
ملامحه اتخطفت، مكنش متوقع الرد ده. كان فاكرني هنهار، هعيط، وأبوس إيده عشان ما يسبنيش، أو هجري ألم هدومي وأنا بترجاه. لقى قدامه واحدة تانية خالص، واحدة هو ميعرفهاش.
حاول يداري ارتباكه ويزعق تاني عشان يرجع يسيطر على الموقف:
“انتي بتتريقي؟ أنا بتكلم جد! وبكرة الصبح زي ما قلتلك، هتيجي الشركة وتعتذري لها قدام الكل وتصلحي اللي بوظتيه، وإلا قسمًا بالله…”
“وإلا إيه؟”
قاطعت كلامه وأنا باخد خطوة ناحيته، وعيني في عينه مباشرة:
“وإلا هتطلقني؟ وفر تهديدك يا حسين، ووفر قسَمك.. عشان ورقة طلاقي هي اللي هتوصلك بكرة، ومكتبك اللي في الشركة مش هعتبه تاني، مش عشان خايفة منك، لأ.. عشان ماليش عيش في مكان بيجمعني بأشكالكم.”
حسين اتمسخر في مكانه، صوته هدي فجأة والغل اللي في عينه اتحول لذهول. لفيت ضهري ليه بكل برود، ومديت إيدي أخدت المخدة والغطا بتوعي من على السرير، وبصيت له النظرة الأخيرة وقلت:
> “الأوضة دي من اللحظة دي ما تخصنيش، والبيت ده مابقاش يشرفني أقعد فيه دقيقة زيادة. بكرة الصبح المحامي بتاعي هيكلمك، وافتكر الكلمة دي كويس يا مدير الحسابات.. اللي بيبيع الأصل عشان يشتري التليد، بيكتشف في الآخر إنه خسر الاتنين، وباع نفسه ببلاش. اشبع بميرنا.”
>
خرجت من الأوضة ورزعت الباب ورايا بكل قوتي، سبته واقف بطوله وسط حيطانه، وبأحلامه المزيفة.. سبته وأنا حاسة لأول مرة من ست شهور إني بتنفس بجد، وإني رغم الكسرة، خرجت من المعركة دي كسبانة نفسي.
مشيت في الطرقة الطويلة بخطوات سريعة، مكنتش شايفة قدامي من كتر الدموع اللي كانت محبوسة في عيني ورافضة تنزل عشان ما تضعفنيش قدامه. دخلت أوضة الأطفال، قفلت الباب ورايا وبوز مير الظلم بيطاردني. رميت المخدة والغطا على الكنبة، وقعدت وضامّة رجلي لصدرى، وجسمي كله بيترعش.
الساعة كانت داخلة على تلاتة الفجر. السكون اللي برة كان مرعب، عكس البركان اللي شغال جوة قلبي. ست سنين جواز مرو قدام عيني في ثانية؛ ست سنين وأنا شايلاه في عيني، صاينة بيته، وبستحمل طبعه الحامض والناشف عشان المركب تسير. ست سنين ببدّيه على نفسي، وفي الآخر.. اتهان وأتضرب واتشتم عشان “ميرنا”! عشان بنت لسه ما كملتش شهرين في الشركة!
سمعت صوت حركته برة، ورزع باب شقتنا بعنف.. نزل.
أول ما اتأكدت إنه مشي، الحصن اللي بنيته قدامه انهار. دفنت وشي بين إيديا وانفجرت في العياط. عيطت بحرقة، عياط مكتوم عشان الولاد ما يحسوش بحاجة. الوجع مكانش في قلبي بس، ده كان مسمّع في عضمي كله. حسيت بمهانة ما تتوصفش، راجل بيستقوى على مراته وأم عياله في نص الليل عشان يثبت لبنت تانية إنه “بطل” وبيقدر ياخد لها حقها!
على الساعة ستة الصبح، النور بدأ يشقشق. قمت من على الكنبة، غسلت وشي بمية ساقعة. بصيت في المراية.. عيني كانت منفخة وحمرا، بس كان فيها لمعة غريبة.. لمعة قسوة مكنتش فيا قبل كده. الست الهادية الطيبة اللي بتمشي جنب الحيط ماتت الليلة دي، وحسين هو اللي قتلتها بإيده.
لميت هدومي وهدوم الولاد في شنطتين كبار بسرعة ومن غير شوشرة. صحيت الولاد، وبستهم وقلت لهم بهدوء: “يلا يا حبايبي عشان هنقضي كام يوم عند تيتة”. مكانوش فاهمين حاجة، بس نزلوا معايا وهم ساكتين.
نزلت من البيت، ركبت تاكسي ورحت على بيت أبويا. أول ما أمي فتحت الباب وشافت الشنط وفي عيني نظرة الانكسار دي، فهمت كل حاجة من غير ما أنطق كلمة واحدة. أخدتني في حضنها، وهنا بس حسيت إني قادرة أتنفس.. الأمان اللي اتهد في بيتي، لاميته في حضن أمي.
سبت الولاد معاها، وطلعت موبايلي. كلمت الأستاذ فريد، محامي العيلة وصديق والدي الله يرحمه. حكيت له كل حاجة باختصار وصوت ثابت؛ من أول تلميحات الشغل، لحد هجوم حسين عليا بالليل واعترافه إنه عايز يتجوزها.
الأستاذ فريد سكت شوية، وبعدين قال لي بصوت حكيم وفيه غضب:
“ولا تزعلي نفسك يا بنتي، الراجل اللي هان مراته وبيتها عشان خاطر نزوة، حسابه معايا. اجهزي بكرة، هرفع لك قضي..ة طلاق للضرر، ونفقة، وبما إنك حاضنة فالشقة من حقك إنتي والولاد.. القانون معاكي، والأهم إن كرامتك فوق كل شيء.”
قفل الخط، وحسيت بنار جوايا بتهدي. بس الحكاية لسه مخلصتش.. حسين فاكر إني هقعد في البيت أعيط واستناه يطلقني. لاء، هو قالي: “بكرة الصبح هتروحي الشركة وتعتذري لها”، وأنا فعلاً هروح الشركة.. بس مش عشان أعتذر.
الساعة بقت تيسعة والشركة زمانها فتحت والموظفين كلهم وصلوا. لبست أشيك طقم عندي، حطيت ميك اب خفيف يداري التعب ويزيد ملامحي حدة، وركبت عربيتي وطلعت على الشركة.
دخلت من باب المبنى وراسي مرفوعة للسما. الموظفين في الممرات كانوا بيبصوا لي بنظرات فضول وشغف، الكل مستني يشوف “الخناقة” أو الانهيار بعد ما ميرنا أكيد نشرت روايتها في كل حتة.
وصلت لحد مكتب العلاقات العامة، ووقفت عند الباب. ميرنا كانت قاعدة، حاطة رجل على رجل، وبتشرب قهوتها وبتحكي لزميلتها بضحكة مستفزة. أول ما شافتني، الضحكة اختفت من على وشها، وقامت وقفت وهي بتعدل جاكتها بغرور، وفاكرة إني جاية أنفذ أمر حسين وأعتذر..
في نفس اللحظة، لمحت حسين جاي جري من آخر الممر، وشه مخطوف وعرقان، شكله عرف إني جيت وجاي يلحق الموقف..
بصيت لميرنا، وعلّيت صوتي عشان كل الموظفين اللي بدؤوا يتجمعوا يسمعوا