مصروف البيت 1 حكايات روماني مكرم

عشان اشتريت لأمي ثلاجة جديدة من فلوس مرتبي، جوزي منع عني مصروف البيت وقالي بكل برود: “اصرفي من اللي بتصرفيه على الناس!”.. بصيتله وهو كان فاكر إني هتناقش معاه، أو هغلطه، بس أنا سكت خالص.ويوم الجمعة كلمت أهلي وأهله وعملت حاجة مخطرتش على باله، حاجة طيرت برج من دماغه من الصدمة والذهول!

 

الحكاية بدأت من شهرين، لما رحت أزور أمي ولقيتها قاعدة بتعيط في المطبخ، الثلاجة القديمة اللي حيلتها باظت تماماً، والأكل كله باظ، وهي ست مريضة وسنها كبير ومتقدرش تنزل كل يوم تشتري أكل طازة. في اللحظة دي، قلبي وجعني عليها، وقررت من غير تردد إني أول ما أقبض جمعيتي ومرتبي من الشغل، هشتريلها ثلاجة جديدة تشرفها وتريحها. وده اللي حصل فعلاً، نزلت واشتريت أحسن نوع، ودفعت دم قلبي وأنا مبسوطة ومرتاحة إني بريت بأمي.

لكن شريف جوزي، لما عرف، الدنيا اسودت في عينه. هو طبعاً مبيصرفش على أهلي ولا طلبت منه مليم، دي فلوس شغلي وتعبي! بس هو كان حاطط عينه على القرشين دول عشان يغير بيهم تليفونه أو يسافر بيهم مع أصحابه. دخل عليا شياط الإنس والجن في عينيه، ورزع باب الشقة وقالي الكلمتين دول بكل برود ولؤم: “اصرفي من اللي بتصرفيه على الناس! من هنا ورايح مفيش مليم مصروف بيت هيدخل الشقة دي، ووريني بقى شطارتك هتعيشي إزاي!”

هو كان متوقع إني هعيط، هصرخ، هترجاه عشان خاطر العيال ومصاريف الأكل والشرب، أو على الأقل هقعد أدافع عن أمي وأقوله دي أمي مش “الناس”. لكن أنا في اللحظة دي، حسيت بحاجة جمدت جوة قلبي. النظرة اللي في عينيه خلتني أشوفه على حقيقته؛ راجل أناني وعايز يكسرني ويزلني بلقمتي. بصيتله بنظرة هادية جداً، نظرة خلت جسمه يقشعر، وسكت خالص. قمت من قدامه ودخلت أوضتي، نمت وأنا بخطط للي هعمله.

تاني يوم كان الخميس، رحت شغلي عادي جداً، وخلصت كام مشوار مهمين ومرتباهم بدقة، ودفعت حساب حاجات معينة كنت محتاجاها للخطوة الجاية.

ولما جه يوم الجمعة، الصبح بدري، شريف كان نايم ومأنتخ في السرير، فاكر إنه كسرني وإن الصدمة مأثرة عليا. قمت من النجمة، ومسكت تليفوني. كلمت أبويا وأخواتي، وكلمت حمايا وحماتي وأخت جوزي. قلتلهم بنفس النبرة الهادية الودودة: “عازماكم كلكم على الغدا النهاردة عندي في الشقة، عاملاكم مفاجأة كبيرة ومحتاجاكم معايا، والنبأ ده ميفوتكوش، لازم تيجوا الساعة 4 بالدقيقة.” الكل استغرب من العزومة المفاجئة دي، بس وافقوا وبشروا بالخير.

شريف صحي على حوالي الساعة 1 الضهر، شم ريحة الشقة لقاها بخور ونضافة، بس مفيش ريحة أكل بتطبخ! دخل المطبخ لقى الرخامة فاضية تماماً، مفيش حتى حلة على النار. بصلي باستغراب وقالي: “هو مفيش غدا ولا إيه؟ ولا خلاص مفيش فلوس تجيبوا لقمة؟”

ابتسمتله ببرود وقلتله: “متقلقش يا شريف، الغدا هيشرفك ويسد عين الشمس، ادخل بس البس أحسن بدلة عندك عشان أهلنا زمانهم على وصول.”

برق عينيه وقالي: “أهلنا مين؟! أنتِ عزمتي حد؟!”

قلتله: “أهلي وأهلك، زمانهم على السلم، اخلص والبس.”

على الساعة 4 بالثانية، الباب خبط. دخل أبويا وأمي وأخواتي، وبعدهم بدقائق دخل حمايا وحماتي وأخته. الصالة اتملت، وشريف واقف في النص مش فاهم حاجة، وشبورة من القلق بدأت تظهر على وشه، خصوصاً لما شافني لابسة وفورمال وكأني رايحة انترفيو أو مناسبة رسمية، ومش باين عليا أي علامات لست بيت طبخت عزومة بالحجم ده.

قعدنا كلنا، وحماتي سألتني بفضول: “خير يا بنتي، المفاجأة إيه؟ وريحة الأكل فين؟ إحنا ميتين من الجوع!”

#الكاتب_رومانى_مكرم

شريف بصلي بوعيد، كأنه بيقولي لو صغرتيني قدام أهلي مش هرحمك.

في اللحظة دي، وقفت في نص الصالة، وحطيت شنطتي قدامي على التربيزة، وطلعت منها أوراق وصور، وبصيت لشريف اللي كان ريقه ناشف، وقلت بصوت عالي وواضح سمعه الكل: “نورتوني يا جماعة.. المفاجأة اللي عازماكم عليها النهاردة، مش أكل وشرب.. المفاجأة هي..”

 

المفاجأة هي.. ورقة تمكيني من الشقة دي رسمي، وعقد تنازل شريف عن نصيبه في البيت اللي ورثه عن عمه لصالح أولاده، وده اللي شريف مضى عليه بكامل إرادته ومن غير ما يدري!”

الجمود حل على الصالة كلها، والكل تيبس في مكانه. حمايا وقف وهو مش مستوعب، وأبويا بص للأوراق بذهول، أما شريف فوشه قلب ألوان؛ من الأصفر للأحمر، وعينيه طلعت لبرة وكأن حد خبطه بمطرقة على دماغه. وقف وصرخ بصوت زلزل الحيطة: “أنتِ بتخرفي بتقولي إيه؟! ورق إيه وتمكين إيه اللي بتتكلمي عنه؟! أنتِ اتجننتي يا ست أنتِ؟!”

ابتسمت بنفس البرود اللي عشت بيه اليومين اللي فاتوا، وفتحت الشنطة تاني وطلعت “الفلاشة” الصغيرة دي، ورفعتها في الهوا وقلت: “طبعاً أنت مش فاكر يا شريف يوم الخميس بالليل لما جيت من برة تعبان، وطلبت مني أعملك كوباية شاي بليمون عشان الصداع، وقلتلي بالمرة امضي معايا على طلب تقديم العيال في المدرسة الجديدة عشان النقل؟ أنت وقتها كنت مأنتخ، ومضيت على تلات ورقات وأنت مش شايف، كنت فاكرهم بتوع المدرسة.. بس الحقيقة إنهم كانوا عقود بيع وشراء وتنازل، مسجلة وجاهزة، والشهود عليها أهم.. إخواتي اللي جم معاك من شهرين لما كنت بتشتري نصيب عمك!”

شريف هجم عليا زي المجنون عايز يخطف الأوراق، بس أخويا الكبير وقف في وشه وزقه لورا: “اقعد مكانك واسمع! الكلمة اللي هتقولها هتحاسب عليها!”

حماتي بدأت تصرخ وتلطم على صدرها: “يخيبك يا شريف! ضحكت عليك وخدت حاجتك وأنت زي الأطرش في الزفة؟! بقى دي الأمانة يا بنتي؟ تعزمينا عشان تفرجي علينا الناس وتسرقي جوزك؟!”

بصيت لحماتي بكل احترام وقلت: “يا حماتي، أنا ميسورة الحال وبشتغل بدم قلبي، وعمري ما كنت طماعة. ابنك لما لقاني بريت بأمي واشتريت لها ثلاجة من حر مالي ومرتبي، منع عني مصروف البيت وقالي بكل برود: (اصرفي من اللي بتصرفيه على الناس، ووريني هتعيشي إزاي). ابنك كان عايز يزلني بلقمتي، ويجوع عياله عشان يكسر مناخيري لأني فضلت أمي المريضة على إنه يغير تليفونه ويسافر يتفسح مع أصحابه بفلوس جمعيتي!”

حمايا لف لشريف وبص له بنظرة غضب عارمة وسأله: “الكلام ده حصل يا شريف؟! منعت لقمة العيش عن مرتك وعيالك عشان شريت لأمها ثلاجة؟! هانت عليك مرتك اللي شايلاك وشايلة بيتك عشان قرشين تعبت فيهم؟!”

شريف كان ريقه ناشف، بيبص لحمايا ويبص للأوراق، وبدأ يحس إن الأرض بتسحب من تحت رجليه. حاول يلم الموضوع ويزعق عشان يداري خيبته: “دي بتتبلى عليا! دي سرقتني وضحت عليا! أنا هوديكي في داهية يا فاجرة، ومفيش قعاد ليكي في البيت ده دقيقة واحدة!”

طلعت من الشنطة ورقة تانية خالص، وحطيتها على التربيزة قدام أبويا وحمايا، وقلت بنبرة قاطعة هزت الصالة: “أنا مش هقعد معاك يا شريف.. والبيت ده من اللحظة دي بتاع العيال وأنا حاضنة ليهم بالقانون والورق اللي معايا. والورقة اللي قدامكم دي هي صيغة دعوى الخلع اللي رفعتها الصبح في المحكمة قبل ما تيجوا.. أنا عزمتكم عشان تشهدوا على نهاية الراجل ده في حياتي، وعشان يعرف إن الست اللي تبر بأمها، ربنا بيقويها ومبتتكسرش.. شرفتموني يا جماعة، والنهاردة غداكم برة الشقة دي، على حسابي أنا!”

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *