صدفه غيرت حياتى 2

الفصل السادس

دوى صوت الرصاص في أنحاء الفيلا، وتحولت النوافذ إلى شظايا زجاج متناثرة على الأرض.

الرجال انتشروا بسرعة وهم بيحتموا ورا الأعمدة.

أما العجوز…

فكان أول همه الطفل.

ضمه لصدره بقوة، ولف عليه بطانية سميكة وهو بيقول بصوت ثابت:

“أي حد يقع… يقع.”

“لكن الولد ده لازم يعيش.”

قائد المجموعة قرب منه بسرعة.

“يا باشا… خرجنا من الباب الخلفي.”

هز العجوز رأسه.

“لأ.”

“هم مستنين ده.”

سحب لوحة خشبية قديمة من الحائط.

وفجأة ظهر باب حديدي صغير.

بص الرجال لبعض بدهشة.

واحد منهم قال:

“إحنا شغالين مع حضرتك بقالنا عشرين سنة… وعمرنا ما عرفنا إن فيه ممر هنا.”

ابتسم العجوز ابتسامة خفيفة.

“لأن الممر ده اتبنى مخصوص لليوم ده.”

في الوقت نفسه…

كان كريم في المستشفى خارج من مكتب الدكتور محمود بعد ما عرف حكاية الوصية.

وقف قدام الضابط المسؤول وقال بحزم:

“أنا عارف إن اللي خطفوا ابني مش أول ناس حاولت توصله.”

الضابط سأله:

“تقصد إيه؟”

رد كريم:

“لو كانوا عايزين يقتلوه… كانوا عملوا كده في المستشفى.”

“لكنهم خرجوا بيه من غير ما يمسوه.”

الدكتور محمود أيده.

“أنا متأكد من كلامه.”

سأل الضابط:

“يعني فيه طرف تالت؟”

رد الدكتور بهدوء:

“أيوه.”

“والطرف التالت هو الأخطر.”

وقبل ما يكمل كلامه…

رن تليفون الضابط.

رد بسرعة.

لكن ملامحه اتغيرت.

قال:

“إيه؟”

“اشتباكات مسلحة في فيلا قديمة بطريق مصر الإسماعيلية؟”

بص للدكتور.

“واضح إنهم لقوا الطفل.”

جري كريم ناحيته.

“خدوني معاكم.”

الضابط رفض.

“مستحيل.”

لكن كريم مسكه من إيده وقال:

“ده ابني.”

بعد لحظات…

تحركت سيارات الشرطة بأقصى سرعة.

وفي الناحية التانية…

داخل الممر السري…

كان العجوز ماشي بصعوبة وهو شايل الطفل بنفسه.

التنفس بقى تقيل.

وساقيه مش قادرين يشيلوه.

قائد المجموعة قال:

“سيبهولي يا باشا.”

رد بحزم:

“لأ.”

“أنا وعدت أبوه.”

بعد دقائق وصلوا لنهاية الممر.

فتحوا بابًا حديديًا خرج على مخزن قديم.

لكن أول ما خرجوا…

لقوا خمس عربيات سوداء واقفة.

ورجال مسلحين مستنيين.

ابتسم قائدهم وقال:

“كنا عارفين بالممر من زمان.”

العجوز غمض عينيه.

“إذن فيه خاين.”

الرجل ابتسم أكتر.

“مش خاين…”

“واحد من رجالتك.”

وفي اللحظة دي…

رفع أحد المسلحين سلا..حه ناحية الطفل.

لكن قبل ما يضغط الزناد…

دوى صوت طلقة واحدة.

وسقط المسلح على الأرض.

الكل لف ناحية مصدر الطلقة.

كانت قوات الشرطة وصلت.

ونزل الضابط من العربية وهو بيصرخ:

“ارموا السلا..ح!”

وبعده بثوانٍ…

نزل كريم من عربية الشرطة، وجري بأقصى سرعته وهو بيصرخ:

“ابني… فين ابني؟”

العجوز رفع رأسه لأول مرة وشاف كريم قدامه.

فضل يبصله ثواني طويلة.

ثم ابتسم ابتسامة حزينة وقال:

“أخيرًا شفتك…”

اتجمد كريم مكانه.

“حضرتك تعرفني؟”

العجوز هز رأسه ببطء.

وقال الجملة اللي قلبت كل حاجة:

“أنا مش مجرد واحد كان بيحمي ابنك…”

“أنا جدك.”
الفصل السابع

اتجمد كريم مكانه.

الكلمة ضربته كأنها صاعقة.

“أنا… جدك.”

بص للعجوز وهو مش قادر ينطق.

الدكتور محمود، اللي كان لسه واصل مع رجال الشرطة، وقف هو كمان مذهول.

همس:

“إبراهيم؟!”

رفع العجوز عينيه ناحيته.

ورغم التعب اللي كان ظاهر على وشه، ابتسم ابتسامة خفيفة.

“لسه فاكرني يا محمود.”

الدكتور قرب منه بسرعة.

“إحنا دفناك بإيدينا… الشرطة قالت إنك مت في الحريق.”

هز العجوز رأسه.

“وده اللي أنا كنت عايزه.”

كريم قال بصوت مرتعش:

“يعني… حضرتك أبو أبويا؟”

“أيوه.”

“طب ليه سيبتني كل السنين دي؟”

تنهد العجوز طويلًا.

“لأن اللي قتلوا أبوك كانوا فاكرين إن العيلة انتهت.”

“ولو عرفوا إني عايش… كانوا هيكملوا اللي بدأوه.”

نزلت دمعة من عين كريم.

“وأنا؟”

“كنت بتراقبني؟”

ابتسم العجوز.

“من أول يوم دخلت المدرسة.”

“وأول يوم اشتغلت.”

“ويوم اتجوزت ندى.”

شهقت ندى.

“كنت تعرف عن جوازنا؟”

“كنت أعرف كل حاجة.”

“لكن مقدرتش أقرب.”

“أي حد كان هيقرب منكم… كان هيعرضكم للموت.”

قبل ما حد يرد…

دوى صوت انفجار هز المكان كله.

واحدة من العربيات انفجرت.

والرصاص بدأ ينزل من كل اتجاه.

صرخ الضابط:

“احتموا!”

اشتبكت الشرطة مع المسلحين.

المكان كله اتحول لساحة حرب.

العجوز حضن الطفل بقوة.

لكن فجأة…

حس بألم شديد في صدره.

بص لتحت.

لقى نقطة دم بتكبر على هدومه.

رصاصة قناص كانت أصابته.

وقع على ركبته.

جري عليه كريم.

“لا… يا جدي.”

ابتسم العجوز بصعوبة.

وحط الطفل في حضن كريم.

وقال:

“خده…”

“من النهارده… مكانه مع أبوه.”

كريم حضن ابنه لأول مرة.

الطفل فتح عينيه الصغيرتين.

وسكت تمامًا.

كأنه حاسس إنه أخيرًا بين إيدين أبوه.

ندى جريت عليهم وهي بتبكي.

حضنت ابنها هي وكريم في نفس اللحظة.

العجوز ابتسم وهو بيبصلهم.

وقال بصوت ضعيف:

“دي اللحظة… اللي استنيتها تلاتين سنة.”

مد إيده المرتعشة ناحية جاكيته.

وأخرج فلاشة معدنية صغيرة.

سلمها للدكتور محمود.

“كل الحقيقة هنا.”

“أسماء القتلة…”

“وحساباتهم…”

“وكل الأدلة.”

“لو ضاعت…”

“هيضيع حق ابني.”

أخذها الدكتور محمود بسرعة.

وقال:

“أوعدك… المرة دي محدش هيفلت.”

لكن قبل ما يكمل…

طلع صوت رصاصة تانية.

أصابت العجوز في كتفه.

صرخ كريم:

“الإسعاف!”

رجال الشرطة أخيرًا سيطروا على المكان.

لكن قائد العصابة…

كان اختفى.

قبل هروبه بثوانٍ، وقف عند باب إحدى السيارات، وخلع القناع الأسود عن وجهه.

الدكتور محمود أول ما شاف ملامحه…

اتسعت عيناه في رعب.

وقال بصوت مخنوق:

“مستحيل…”

كريم لف بسرعة.

“حضرتك تعرفه؟”

لكن الرجل كان ركب السيارة وانطلق بأقصى سرعة.

الدكتور ظل ينظر خلفه وهو يرتجف.

ثم همس:

“بعد كل السنين دي…”

“رجع سليم…”

“الراجل اللي قتل أبوك بعينيه… واللي كنا متأكدين إنه مات من ثلاثين سنة.”
الفصل الثامن

انطلقت سيارات الشرطة خلف السيارة السوداء، لكن خلال دقائق اختفت وسط عشرات الطرق الزراعية المتفرعة.

الضابط ضرب عجلة القيادة بعصبية.

“اختفى… كأنه حافظ المنطقة متر متر.”

أما في مكان الاشتباك…

كانت سيارات الإسعاف وصلت.

المسعفون نقلوا العجوز بسرعة وهو بين الحياة والموت.

قبل ما يقفلوا باب العربية، مسك إيد كريم بقوة.

وقال بصوت متقطع:

“اوعى… تثق… في أي حد…”

“حتى… لو كان… لابس بالطو.”

ثم فقد وعيه.

الكلمة الأخيرة فضلت ترن في ودن كريم.

“لابس بالطو…”

بص تلقائيًا ناحية الدكتور محمود.

لكن هز رأسه بسرعة.

“لا… مستحيل.”

الدكتور محمود كان واقف بعيد، باصص للعربية وهي بتتحرك، وعينه مليانة دموع.

في نفس الوقت…

وصلت ندى أخيرًا لحضن ابنها.

حضنته بقوة وكأنها خايفة يختفي تاني.

فضلت تبوس رأسه ووشه وهي بتعيط.

“الحمد لله… الحمد لله إنك رجعتلي.”

الطفل كان هادي بشكل غريب.

ولما حطت صباعها في كفه الصغير…

قفل عليه بإيده.

ندى ابتسمت لأول مرة من يوم الولادة.

لكن الفرحة ما كملتش.

واحد من رجال الأدلة الجنائية قرب من الضابط.

“يا فندم… لقينا حاجة.”

راحوا كلهم ناحية السيارة اللي كانت انفجرت.

الرجل طلع حقيبة حديدية صغيرة من تحت المقعد.

كانت سليمة.

فتحها.

الكل اتصدم.

جواها عشرات الملفات…

وصور…

وعقود…

وأسماء.

وفوقهم ظرف مكتوب عليه بخط كبير:

“إذا وصلت الحقيبة للشرطة… يبقى إبراهيم فشل.”

الضابط فتح الظرف بسرعة.

كانت فيه ورقة واحدة.

مكتوب فيها:

“بتدوروا على القاتل في المكان الغلط.”

“اللي خان العيلة من تلاتين سنة…”

“ما زال قريب منكم.”

“وبيصحى كل يوم وهو لابس بالطو أبيض.”

ساد الصمت.

كل العيون اتحولت ناحية الدكتور محمود.

الدكتور رفع رأسه ببطء.

ملامحه كانت مصدومة زَيّهم.

وقال بغضب:

“بتبصوا لي كده ليه؟”

الضابط قرب منه.

“لأن آخر جملة قالها إبراهيم قبل ما يغمى عليه…”

“كانت: اوعى تثق في أي حد لابس بالطو.”

الدكتور اتنرفز.

“إنت بتتهمني؟”

“أنا اللي ربيت كريم… وأنا اللي حافظت على السر تلاتين سنة.”

لكن قبل ما حد يرد…

رن موبايل كريم.

رقم مجهول.

رد بسرعة.

جاله صوت مشوش.

لكن واضح.

“لو عايز تعرف مين خان أبوك الحقيقي…”

“بص على الفلاشة اللي مع الدكتور.”

“بس اتأكد إنها هي نفس الفلاشة.”

وقفل الخط.

قلب كريم دق بعنف.

لف ناحية الدكتور.

“الفلاشة.”

الدكتور طلعها من جيبه.

ناولها له.

كريم قلبها بين صوابعه.

وفجأة…

افتكر حاجة.

العجوز وهو بيسلمه الطفل…

كان ماسك الفلاشة بإيده اليمين.

لكن الدكتور أخدها بإيده الشمال…

وبعد ثواني من الفوضى وقع على الأرض لما الناس جريت.

يعني…

كانت فيه فرصة…

حد يبدلها.

جري كريم على أقرب لابتوب في مكتب إدارة المستشفى.

وصل الفلاشة.

ظهرت رسالة واحدة فقط على الشاشة.

“الملف تالف.”

اتجمد الجميع.

الدكتور محمود همس:

“مستحيل…”

لكن كريم لاحظ حاجة صغيرة.

في ظهر الفلاشة…

كان محفور حرف واحد فقط.

“ن”.

ابتسم ابتسامة خفيفة رغم التوتر.

وقال:

“دي مش الفلاشة.”

“جدي كان بيعلمني زمان إن أي حاجة مهمة لازم يحط عليها أول حرف من اسم صاحبها.”

“واسم جدي إبراهيم…”

“مش بيبدأ بحرف النون.”

في اللحظة نفسها…

داخل غرفة العناية المركزة…

فتح العجوز عينيه بصعوبة.

رغم أجهزة التنفس اللي حواليه…

رفع إيده المرتعشة ناحية الممرضة.

ولما قربت منه…

همس بكلمتين فقط:

“الفلاشة…”

“تحت… بطانية… الطفل.”

اتسعت عينا الممرضة…

لأنها أدركت أن الدليل الحقيقي…

كان طوال الوقت مع الرضيع، ولم يكن أحد يعلم بذلك.
الفصل التاسع

وقفت الممرضة مكانها للحظة.

كانت فاكرة إن تأثير المخدر هو اللي مخلي العجوز يهذي.

لكن أول ما بصت في عينيه…

عرفت إنه واعي.

همس مرة تانية بصعوبة:

“الطفل…”

“البطانية…”

“بسرعة…”

خرجت الممرضة من العناية المركزة وهي بتجري.

في نفس الوقت…

كان كريم وندى واقفين في أوضة الملاحظة، والطفل نايم في حضن أمه لأول مرة من ساعة ما رجع.

ندى كانت بتمسح على شعره الصغير وهي تبتسم وسط دموعها.

وفجأة…

دخلت الممرضة وهي بتنهج.

“لو سمحتوا… محدش يتحرك.”

بصوا لها باستغراب.

قالت وهي بتحاول تسيطر على أنفاسها:

“لازم أشوف البطانية اللي الطفل اتلف بيها.”

ندى استغربت.

“مالها؟”

“من فضلك… بسرعة.”

فردت البطانية على السرير.

في البداية…

ما كانش فيها أي حاجة.

لكن الممرضة افتكرت إن العجوز قال كلمة واحدة زيادة.

“تحت…”

بدأت تتحسس أطراف البطانية.

وفجأة…

حست بحاجة صلبة جوه الخياطة.

أحضرت مقصًا صغيرًا.

فتحت جزءًا من القماش بحذر.

وسقطت قطعة معدنية صغيرة جدًا على السرير.

كانت شريحة إلكترونية بحجم ظفر الإصبع.

الدكتور محمود شهق.

“دي مش فلاشة…”

“دي شريحة ذاكرة مشفرة.”

كريم التقطها بحذر.

وفي اللحظة نفسها…

انفتح باب الغرفة بعنف.

دخل الضابط ومعاه فرد من الأمن.

“محدش يلمسها.”

استغرب كريم.

“ليه؟”

رد الضابط:

“لأن من ساعة الاشتباك لحد دلوقتي…”

“اتقتل اتنين من رجال الشرطة.”

“واضح إن في حد جوه المستشفى بينقل أخبارنا أول بأول.”

ساد الصمت.

كل واحد بدأ يبص للتاني.

مين الخاين؟

الدكتور محمود قال بهدوء:

“لازم الشريحة تتفتح في مكان آمن.”

رد الضابط:

“مش هنا.”

لكن قبل ما حد يتحرك…

انطفأت الكهرباء فجأة.

غرقت المستشفى كلها في الظلام.

تعالت صرخات المرضى.

وأصوات أجهزة الإنذار بدأت تدوي في كل الأدوار.

ندى حضنت طفلها بقوة.

كريم أمسك موبايله وشغل الكشاف.

وفي نور الكشاف الخافت…

شاف شخص لابس بالطو أبيض واقف عند باب الأوضة.

وشه كان متغطي بكمامة.

وفي إيده حقنة.

قبل ما كريم يلحق يتحرك…

اندفع الشخص بسرعة ناحية السرير.

لكن ندى كانت أسرع.

لفت بجسمها كله حوالين طفلها وهي تصرخ:

“ابني… لا!”

اشتبك كريم مع الرجل.

وقعوا الاتنين على الأرض.

الحقنة طارت بعيد.

وبدأت خناقة عنيفة داخل الغرفة.

الضابط حاول يساعد.

لكن فجأة…

اتفتح باب الطوارئ الخلفي.

ودخل اتنين ملثمين.

ألقوا قنبلة دخان.

في ثوانٍ…

الغرفة كلها اتملت بدخان أبيض كثيف.

الكحة علت في المكان.

الرؤية اختفت تمامًا.

وبعد أقل من دقيقة…

اشتغل النور من جديد.

الدخان بدأ يختفي.

لكن أول حاجة لاحظها كريم…

إن الشخص اللي كان لابس بالطو اختفى.

والملثمين اختفوا.

والأخطر من كل ده…

إن الشريحة الإلكترونية…

ما كانتش فوق السرير.

اختفت هي كمان.

إلا أن الطفل الصغير، الذي كان ساكت طوال الوقت، كان قابضًا بيده الصغيرة على شيء آخر لم يلحظه أحد…

مفتاح نحاسي قديم، مربوط بخيط أحمر، وعليه رقم واحد فقط…

“17”.
الفصول الأخيرة

تجمد كريم وهو بيبص للمفتاح الصغير في قبضة ابنه.

مد إيده بهدوء، لكن الطفل كان قابض عليه بقوة بشكل غريب.

الدكتور محمود ابتسم لأول مرة من ساعات وقال:

“الظاهر إن إبراهيم كان عامل حساب كل حاجة.”

ندى سألت باستغراب:

“إزاي؟”

رد الدكتور:

“لما الخاطفين سرقوا الشريحة… كانوا فاكرين إنهم خدوا الدليل كله.”

“لكن إبراهيم كان أذكى منهم.”

“الشريحة كانت مجرد نسخة.”

“أما المفتاح…”

“فهو اللي بيفتح الخزنة الحقيقية.”

بعد ساعات قليلة، خرج إبراهيم من غرفة العمليات.

الرصاصة كانت قريبة جدًا من قلبه، لكن الأطباء قدروا ينقذوه.

أول ما فتح عينيه، طلب يشوف كريم وندى والطفل.

دخلوا عليه.

ابتسم وهو شايف حفيده نايم في حضن أمه.

وقال:

“الوقت جه.”

في صباح اليوم التالي، خرج موكب صغير من المستشفى في سرية تامة.

إبراهيم…

وكريم…

وندى…

والدكتور محمود…

وضابط الشرطة.

اتجهوا إلى مبنى قديم تابع لأحد البنوك.

نزل إبراهيم ببطء.

وقف قدام باب حديدي ضخم.

أخرج كريم المفتاح رقم 17.

أداره داخل القفل.

صدر صوت معدني ثقيل.

وانفتح الباب لأول مرة منذ ثلاثين سنة.

دخلوا جميعًا.

داخل الخزنة ماكانش فيه ذهب.

ولا فلوس.

كان فيه صندوق خشبي واحد فقط.

فتحه إبراهيم بيد مرتعشة.

جواه عشرات أشرطة الفيديو القديمة…

وملفات…

وعقود أصلية…

وصور…

وتسجيلات صوتية.

وفي ظرف كبير مكتوب عليه:

“يفتح عند الضرورة.”

فتحوه.

كان فيه خطاب بخط والد كريم الحقيقي.

قرأه إبراهيم والدموع في عينيه.

“إذا وصلتم إلى هنا… فاعرفوا أن العدالة تأخرت، لكنها لم تمت.”

“كل الأدلة ضد المشاركين في قتلي وقتل ابني موجودة هنا.”

“ولا تثقوا إلا بالقانون.”

سلّم إبراهيم الصندوق كاملًا للنيابة.

بدأت التحقيقات من جديد.

وخلال أسابيع قليلة…

تم القبض على سليم.

واعترف بكل شيء.

واعترف أيضًا بأسماء رجال الأعمال والمسؤولين الذين ساعدوه قبل ثلاثين سنة.

وسقطت شبكة فساد كاملة كانت مختفية لسنوات.

أما الدكتور محمود…

فأثبتت التحقيقات أنه لم يخن العائلة يومًا.

بل كان يحاول حمايتها بكل الطرق.

واعتذر له كريم وهو يبكي.

احتضنه الدكتور وقال:

“أنا كنت بوعد أبوك أحافظ عليك.”

“والنهارده أوفيت بوعدي.”

أما ندى…

فكانت صاحبة النصيب الأكبر من التقدير.

القصة كلها انتشرت في الصحف.

لكن الناس ما كانتش بتتكلم عن الثروة.

ولا عن الجري..مة.

كانوا بيتكلموا عن الأم اللي راحت تولد لوحدها…

واستحملت شهور الحمل كلها من غير سند…

ورغم كل اللي حصل…

ما سابتش ابنها لحظة.

بعد ستة أشهر…

كان البيت اتغير تمامًا.

إبراهيم انتقل يعيش معاهم بعد ما تعافى.

وكريم قرر يسيب كل مشاريعه لمدة سنة كاملة علشان يعوض ندى عن كل يوم غاب فيه.

وقف قدامها في ليلة هادئة، وقال:

“أنا عارف إن الاعتذار مش هيمحي وجعك.”

“لكن هقضي باقي عمري أحاول أصلح اللي كسرته.”

ندى بصت له طويلًا.

وقالت:

“أنا سامحتك.”

“لكن الثقة هترجع بالأفعال… مش بالكلام.”

هز رأسه.

“وده حقي.”

وبالفعل…

بدأ من الصفر.

كان أول واحد يصحى مع ابنه.

وأول واحد يغير له هدومه.

وأول واحد يشيله لو عيط.

ومع الأيام…

بدأت ندى تشوف كريم اللي كانت حبته زمان يرجع من جديد.

بعد عام كامل…

اجتمعت العائلة في نفس المستشفى.

لكن المرة دي…

مش علشان وجع.

ولا علشان خوف.

كانوا رايحين يكرموا الدكتور محمود بعد رحلة طويلة من العطاء.

وأثناء الحفل…

كان الطفل الصغير، اللي بقى عمره سنة، بيجري في الممرات وهو بيضحك.

شاله الدكتور محمود بين إيديه.

ابتسم وقال:

“أول مرة شفتك فيها… افتكرت الماضي كله.”

“لكن النهارده…”

“إنت مش نهاية حكاية قديمة.”

“إنت بداية حياة جديدة.”

صفق كل الموجودين.

وبص كريم لندى.

مسك إيدها قدام الجميع.

وقال:

“أصعب طريق في حياتي بدأ يوم اتولد ابني.”

“وأجمل طريق بدأ يوم سامحتني أم ابني.”

ابتسمت ندى.

وحضنت طفلها.

وحضنت كريم.

أما إبراهيم…

فكان واقف بعيد يبص لهم والدموع في عينيه.

همس لنفسه:

“دلوقتي أقدر أقابل ابني وأنا مرتاح.”

بعد أيام قليلة…

رحل إبراهيم بهدوء أثناء نومه.

لكنه رحل وهو مطمن…

لأن الحقيقة ظهرت…

والعدالة اتحققت…

وحفيده بقى عايش وسط أسرة بتحبه.

وهكذا انتهت الحكاية التي بدأت بأم دخلت غرفة الولادة وحدها، وانتهت بعائلة كاملة استعادت حقها، وأثبتت أن الحب والصبر والحق قد يتأخرون… لكنهم في النهاية ينتصرون.
تمت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *