في عزومة لكل العيلة 3

## الجزء السادس

نزلت كلمات مصطفى عليا كأنها صدمة، نزلت ورايا علامات استفهام وخوف حقيقي من اللي جاي. الحاج عبد الرحمن مش مجرد صاحب شغل لمصطفى، ده الراجل اللي ربنا جعله سبب في رد اعتباره ورفعتنا قدام الكل، وكان بمثابة أب روحي لمصطفى في السوق.

لبس مصطفى بسرعة وخرجت معاه لحد باب الشقة وأنا بدعي: “طهر طريقك يا مصطفى، وربنا يطمنا عليه ويجعلك سبب في عونه.” نزل مصطفى وركب عربيته وطار على المستشفى الفخم اللي اتنقل فيه الحاج عبد الرحمن.

أول ما مصطفى وصل المستشفى ودخل الدور اللي فيه العناية المركزة، لقى الأجواء مشحونة ومتوترة جداً. كان واقف قدام باب العناية “شريف”، مدير المكتب القديم للحاج عبد الرحمن، ومعاه اتنين من المحاميين بتوع الشركة، وكانوا بيتكلموا بصوت واطي وبيرتبوا أوراق في إيديهم بشكل مريب يثير الشك والريبة.

أول ما شريف لمح مصطفى جاي بخطواته السريعة، ملامحه اتقلبت وظهرت عليها علامات الضيق والارتباك، ووقف قدامه وحاول يمنعه وهو بيقول بنبرة حادة: “أهلاً يا باشمهندس مصطفى.. إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ الحاج عبد الرحمن في غيبوبة تامة والدكاترة مانعين الزيارة تماماً، ووجودك ملوش أي لزوم حالياً!”

مصطفى بص له بنظرة حاسمة ومداش له فرصة يسيطر على الموقف، وقال بصوت قوي وهادي: “وجودي هنا هو عين اللزوم يا شريف بيه. أنا المدير المالي والتنفيذي المسؤول ومراجع الحسابات الأول لمجموعة المنشاوي، وطالما الحاج في أزمة، يبقى أنا المسؤول الأول عن حماية مصالح الشركة ومتابعة حالته لحد ما أولاده يوصلوا من السفر بكرة الصبح.”

التفت مصطفى للدكتور المسؤول اللي خرج من العناية، وسأله عن الحالة، الدكتور قاله: “الحاج عبد الرحمن اتعرض لجلطة مفاجئة في المخ، والوضع حالياً مستقر تحت الأجهزة، بس محتاجين هدوء تام ومفيش أي قرارات تتاخد لحد ما نشوف تأثير الجلطة لما يفوق.”

في اللحظة دي، مصطفى لمح شريف وهو بيحاول يداري ملف أسود تحت دراعه ويغمز للمحامي عشان يتحركوا. مصطفى بذكائه وخبرته السابقة مع شريف — اللي كان عارف إنه راجل طماع وبيدور على مصلحته — حس إن في مؤامرة بتتدبر في الضلمة مستغلة غياب الحاج عبد الرحمن وغيبوبته.

خطى مصطفى خطوة لقدام، وبص للمحامي وقال بلهجة آمرة: “أستاذ حازم، إيه الورق اللي في إيدك ده؟ وإيه اللي يخلي محاميين الشركة الكبار واقفين قدام العناية المركزة بالليل ومعاهم عقود؟!”

شريف اتدخل بسرعة وبصوت مهزوز يحاول يداري بيه: “دي.. دي أوراق وموافقات عادية على مناقصة مدينة المرفأ اللي داخلين فيها الأسبوع الجاي، وكنا عايزين نخلصها!”

مصطفى ابتسم ابتسامة ساخرة مليانة تحدي، وقال: “موافقات ومناقصات؟ والحاج في غيبوبة؟ أنت فاكرني مغفل يا شريف؟ المناقصة دي أوراقها كلها متقفل وممضي عندي في المكتب من يومين! الورق اللي في إيدكم ده إما عقود تنازل أو تفويضات بيع وشراء مستغلين فيها ظرف الراجل!”

المحامي وشه اصفّر وبدأ يتراجع لورا، وشريف لما لقى كدبته اتكشفت، بدأ صوته يعلى بغضب ويقول: “أنت مالك أنت؟ أنت مجرد موظف هنا يا مصطفى، ومتنساش نفسك! أنا مع الحاج عبد الرحمن من عشرين سنة، ومسؤول عن كل كبيرة وصغيرة، ومش حتة مهندس حسابات جاي من كام شهر هو اللي هيملي عليا شروطه ويفتش ورايا!”

مصطفى وقف زي الجبل، ومتهزش من زعيق شريف، وطلع موبايله بكل هدوء واتصل برئيس أمن المستشفى، وفي نفس الوقت بعت رسالة لمدير أمن مجموعة المنشاوي يطلب منه فرض حراسة مشددة على مكاتب الإدارة العليا وخزائن الشركة فوراً لمنع خروج أي ملف.

بص مصطفى لشريف والمحامي وقالهم بكلمات قطعت الشك باليقين: “من عشرين سنة وأنت بتسرق من وراه ولما كشفتك زمان مشيت بكرامتي، بس المرة دي أنا مش همشي يا شريف.. المرة دي الحاج مأمنّي على ماله واسمه. الورق ده مش هيتمضي، وأي حركة غدر هتعملوها، البلاغ جاهز للنيابة العامة بتهمة التزوير واستغلال عجز المريض. ودلوقتي.. اتفضلوا برة الدور ده خالص، ومشوفش وشكم هنا لحد ما أولاد الحاج يوصلوا.”

الحرس بتوع المستشفى وصلوا، وشريف لقى نفسه في موقف مخزي ومفضوح قدام الدكاترة والممرضين، فأخد المحامي وجري وهو بيتوعد مصطفى وعينه مليانة غل وشر.

قعد مصطفى على الكرسي قدام باب العناية، وتعب الأيام كلها ظهر عليه، بس رفض يغمض عينيه أو يسيب المكان ثانية واحدة. فضل صاحي طول الليل يقرأ قرآن ويدعي للحاج عبد الرحمن بالشفاء، ويتابع بالتليفون مع حرس الشركة عشان يضمن إن مفيش ورقة واحدة تضيع.

وعلى الساعة تمانية الصبح، الأبواب اتفتحت، ودخل “خالد” و”طارق”، ولاد الحاج عبد الرحمن اللي وصلوا من المطار عل طول وهما بيبكوا ومرعوبين على أبوهم. أول ما شافوا مصطفى قاعد وتعبان وعينيه حمرا من قلة النوم، جريوا عليه.

خالد حضن مصطفى وقال وهو بيعيط: “باشمهندس مصطفى! طمنا على بابا! وإيه اللي حصل؟”

مصطفى هداهم وطمنهم إن الحالة استقرت، وحكى لهم بكل أمانة وبدون تجريح مبالغ فيه عن اللي شريف كان عايز يعمله بالليل وكيف إنه أمن الشركة والملفات لحين وصولهم.

خالد بص لأخوه وبص لمصطفى وعينيه مليانة دموع وامتنان ملوش حدود، وقال لمصطفى قدام دكاترة المستشفى كلهم: “أنا مش عارف أقولك إيه يا مصطفى.. بابا كان دايماً يقولنا ‘مصطفى ده هو السند والأمانة اللي في رقبتي’، والنهاردة أنت أثبت إنك فعلاً الراجل اللي يتشال على الراس.. شريف ده حسابه معايا عسير، ومن اللحظة دي يا مصطفى، أنت مش مجرد مدير حسابات.. أنت شريك معنا بقرار رسمي في إدارة المجموعة كلها!”

وفي نفس اللحظة، خرج الدكتور من العناية وبشرهم: “الحمد لله، الجلطة كانت خفيفة وتأثيرها زال، والحاج عبد الرحمن بدأ يفوق وبيفتح عينيه ويقدر يتكلم!”

دخل مصطفى مع أولاد الحاج عبد الرحمن الأوضة، وأول ما الحاج فتح عينيه وشاف مصطفى واقف جنبه، ابتسم بتعب ومد إيده المرتعشة ومسك إيد مصطفى وضغط عليها براحة وكأنه بيقوله: “أنا عارف إنك صنتني يا بني.”

طبعاً، الخبر ده لما وصلي البيت، قعدت أحمد ربنا وأبكي من الفرحة.. جوزي الغلبان اللي كانوا بيتريقوا عليه، النهاردة بقى الآمر والناهي في أكبر مجموعة شركات في البلد، وبقى شريك رسمي باسمه وأمانته!

لكن شريف، مدير المكتب المطرود، مكنش هيسكت على كسرته وفضيحته دي.. وبدأ يجهز لمصطفى فخ جديد، فخ خطير مش بس يضيع شغله، ده ممكن يودي مصطفى في داهية ويهدد حياته وسمعته بالكامل! تفتكروا شريف هيلعب بلعبة إيه المرة دي؟

## الجزء السابع

رجع مصطفى البيت بعد يومين طوال قضاهم في المستشفى والشركة من غير ما تدوق عينه النوم. كان باين عليه التعب والإرهاق، بس ملامحه كان فيها راحة نفسية كبيرة ورضا ملوش حدود. أول ما دخل، اترمى في حضني وهو بيقول: “الحمد لله يا منال، ربنا نجى الحاج عبد الرحمن، والشركة بقت في أمان، وولاده طلعوا رجالة وولاد أصول وعرفوا مين حبيبهم ومين عدوهم.”

قعدت جنبه، وجبتله لقمة يأكلها، وكنت ببص له وإني مش مصدقة حجم الكرم اللي ربنا غرقنا فيه بسبب نية الراجل ده الصافية وأمانته. قالي إن خالد وطارق — أولاد الحاج عبد الرحمن — أصدروا قرار رسمي بتعيينه “المدير التنفيذي العام لمجموعة المنشاوي” مع منحه نسبة من أرباح السنوية كشريك في الإدارة، وتم فصل شريف مدير المكتب القديم وإحالته للتحقيق بالشبهات والمخالفات المادية اللي ثبتت عليه.

طبعاً، الخبر لما وصل لأمي وأختي نور، الشقة عندهم اتقلبت فرحة وزغاريط، وأمي بقت تتصل بيا في اليوم تلات أربع مرات بس عشان تطمن عليا وتقولي: “شفتي يا منال؟ أنا دايماً كان قلبي حاسس إن مصطفى ده هيشرفنا ويرفع راسنا.. قوليلي يا بنتي، هو ناوي يشتري فيلا فين؟ عشان طارق جوز أختك يعرف سمسار كبير في التجمع!” كنت ببتسم وبجاوبها على قد السؤال، لأنني عرفت خلاص إن ود أمي بيزيد وينقص على حسب الرصيد اللي في البنك.

لكن وسط الفرحة الكبيرة دي، كان في بركان شغال تحت الأرض ومحدش حاسس بيه. “شريف” مدير المكتب المطرود، مكنش راجل سهل؛ ده تلميذ السوق وقديم فيه، وعنده علاقات مشبوهة مع ناس تقال، وفصله بالطريقة دي وفضيحته قدام ولاد المنشاوي كسروا عينه وضيعوا هيبته، وقرر إن انتقامه من مصطفى لازم يكون قاسي وميدمرش مستقبله وبس، لا.. ده يدخله السجن المؤبد!

بدأ مصطفى يباشر مهامه الجديدة، وكان مركز جداً في تقفيل أوراق “مناقصة مدينة المرفأ الجديدة”، ودي مناقصة بمليارات، ومجموعة المنشاوي حاطة فيها كل ثقلها، وخسارتها تعني هزة عنيفة للشركة. مصطفى قفل العرض المالي بنفسه، وحطه في خزنته الخاصة اللي في مكتبه الفخم، والي ميعرفش رقمها السري غيره هو والحاج عبد الرحمن.

وقبل ميعاد تقديم المظاريف للمناقصة بيومين، مصطفى كان قاعد في مكتبه بليل متأخر بيراجع اللمسات الأخيرة. دخل عليه موظف غلبان من بتوع البوفيه اسمه “عم أحمد”، وكان وشه أصفر وبيرتعش، وقفل الباب وراه براحة واترمى تحت رجلين مصطفى وهو بيبكي بحرقة!

مصطفى قام من وراء مكتبه بسرعة وخضه المنظر، مسك الراجل وقعده على الكرسي وقال بحنان: “في إيه يا عم أحمد؟ استهدى بالله يا راجل يا طيب، إيه اللي منزلك تحت رجليا بس؟!”

عم أحمد قعد يمسح دموعه وقال بصوت يرتجف: “الحقني يا باشمهندس مصطفى.. أنا راجل غلبان وعندي عيال، وشريف بيه.. شريف بيه مسك عليا ذلة، وهددني يطردني ويحبسني لو مسمعتش كلامه!”

مصطفى عينيه ضيقت وركز معاه: “شريف؟ ماله شريف؟ طلب منك إيه؟”

عم أحمد طلع من جيبه كيس أسود صغير، وإيده بترتعش، وقال: “شريف بيه قابلني برا الشركة النهاردة بليل.. وأداني الكيس ده، وفيه بودرة بيضا (مخدرات)، وأداني نسخة من مفتاح مكتبك وقالي أدخل بليل وأنا بنظف، وأحط الكيس ده في درج مكتبك من جوه في الحتة المستخبية.. وقالي إنه مجهز بلاغ لشرطة مكافحة المخدرات، وهييجوا يكبسوا على المكتب بكرة الصبح عشان يلبسوهالك وتضيع لالأبد!”

الكلام نزل على مصطفى زي الصاعقة! الفخ مكنش سرقة أوراق أو تزوير حسابات، الفخ كان قض..ية شرف واتجار في الممنوعات تضيع مستقبله واسمه وتنهي حياته ورا القضبان!

مصطفى أخد نفس عميق، ورغم بشاعة الموقف، إلا إن ثباته الانفعالي ورجولته ظهرت في اللحظة دي. طبطب على كتف عم أحمد وقال بصوت هادي يطمنه: “أنت راجل محترم يا عم أحمد، وخوفك من ربنا وأكل عيشك الحلال هو اللي نجاك ونجاني.. متخافش، شريف مش هيلمس شعرة منك، وأنا هحميك.”

أخد مصطفى الكيس الأسود، وقعد على مكتبه يفكر لثواني وابتسامته الغامضة بدأت تظهر على وشه من تاني.. شريف فاكر إنه بيلعب مع موظف غلبان وميعرفش إن مصطفى في الأزمات بيبقى بألف راجل بذكائه وهدوءه.

طلع مصطفى موبايله، واتصل برقم “خالد” ابن الحاج عبد الرحمن، وقاله: “خالد بيه.. اطلبلي حالاً اللواء رفعت في وزارة الداخلية، وبسرعة.. شريف بدأ يلعب في الكبير، ولازم نربط الخيوط كلها بليل قبل ما الصبح يطلع!”

اتجمع مصطفى وخالد مع رجال المباحث في سرية تامة جوه الشركة بالليل، ورتبوا خطة عكسية تقلب الطاولة على شريف بطريقة مكنش يتخيلها في أشد كوابيسه!

وجاء الصباح..

كنت قاعدة في البيت قلقانة، ومصطفى قالي متنزليش ومتروحيش في حتة وخليكي جنب الموبايل.

وفي تمام الساعة العاشرة صباحاً، تفاجأ موظفين مجموعة المنشاوي بقوة من شرطة مكافحة المخدرات داخلة مبنى الإدارة بكل حسم، ومعاهم إذن من النيابة بتفتيش مكتب المدير التنفيذي “مصطفى”!

والصدمة الأكبر.. إن شريف كان واقف على أول الشارع في عربيته، والابتسامة الخبيثة المليانة شماتة وغِل مغطية وشه، وهو مستني يشوف مصطفى خارج في الكلبشات وراسه في الأرض عشان يكسر مناخيره للابد!

دخلت القوة مكتب مصطفى، ومصطفى كان قاعد ورا مكتبه بكل هدوء وبرود، ومقامتش من مكانه. الظابط المسؤول قاله بجدية: “باشمهندس مصطفى، عندنا بلاغ رسمي، ومضطرين نفتش المكتب.”

مصطفى أشار له بإيده وبكل ثقة: “اتفضل يا فندم، المكتب صاحب المكتب تحت أمركم.”

بدأ العساكر والظباط يفتشوا الأدراج والدواليب، وشريف برا كان عمال يبص في ساعته ويقول في نفسه: “خلاص.. ضعت يا مصطفى، وهترجع لحجمك الطبيعي في السجن!”

وفجأة.. أحد العساكر مد إيده في المكان المستخبي جوه الدرج الرئيسي، وطلع الكيس الأسود! الظابط بَص لمصطفى وقال بنبرة حادة: “إيه ده يا باشمهندس؟!”

في اللحظة دي، مصطفى ابتسم بكل برود وطلع مفاتيح من جيبه وقال للظابط كلمات غيرت مجرى القض..ية كلها وخليت شريف وهو برا، تليفونه يرن برقم خلاه وشه يقلب أزرق من الرعب… تفتكروا مصطفى رتب إيه بالليل مع الشرطة؟ وإزاي الكيس ده هيبقى حبل المشنقة حولين رقبة شريف نفسه؟

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *