كنت لسه حزينه على 2
## الجزء الثالث
مرت الساعتان وكأنهما دهر كامل. كانت عقارب الساعة تصدر صوتًا منتظمًا في الصالة، يبدو في أذني كأنه دقات ساعة إعدامي. كنت ما زلت منبطحة على الأرض، أحتضن مروان الذي نام من كثرة البكاء والخوف وهو يتشبث بملابسي. حماتي كانت تجلس على الكرسي الخشبي المقابل، ممسكة بسبحتها، وعيناها الحمراوان المليئتان بالغل والكره لا تفارقاني، وكلما رأتني أتحرك كانت تبصق على الأرض وتتمتم: “حسبي الله ونعم الوكيل فيكي يا فاجرة.. خربتي بيتنا وكسرتي قلبنا على الغالي”.
أما خالد، فكان يقف عند النافذة المطلة على الشارع، يذرع الصالة جيئة وذهابًا، وعروق وجهه بارزة، ممسكًا بعصا خشبية غليظة (شومة) يضرب بها على كف يده بانتظام مرعب.
فجأة، دوى صوت طرقات عنيفة على الباب الخارجي. طرقات عرفتُ نبرتها جيدًا.. إنها ضربات أبي وإخوتي.
انتفض خالد وفتح المزلاج بسرعة. دخل أبي أولًا، ووجهه يحمل علامات القلق والوجوم، وخلفه شقيقاي الأكبر؛ “محمود” و”مصطفى”. نظر أبي إليّ وأنا مرتمية على الأرض وشعري منسدل ووجهي متورم من الضرب، ثم التفت إلى خالد وقال بنبرة حادة يملؤها الكبرياء:
“في إيه يا خالد؟ واش بيك كلمتني بالطريقة دي في التليفون؟ وإيه اللي قعد بنتي على الأرض متبهدلة كده؟ إحنا صرنا في غابة ولا إيه؟!”
تقدمت حماتي بخطوات ثقيلة، وقفت أمام أبي وقالت بمرارة تخالطها الشماتة: “يا ريتنا كنا في غابة يا حاج.. الغابة فيها رحمة، لكن بنتك المصونة ما رحمتش شيبتنا ولا رحمت أخوهم اللي في تربته مكملش ست شهور!”
عقد أبي حاجبيه ونظر إليّ بشك: “انطقي يا سمر في إيه؟! حماتك بتقول إيه؟”
لم أستطع النطق، كانت غصّة البكاء تخنق حنجرتي. لكن خالد لم يمهلنا، فتقدم خطوة ورمى ورقة الروشتة وتقرير السونار في وجه أبي وهو يصرخ: “بنتك حامل يا حاج! حامل في الأسبوع الخامس! يعني شهر وشوية! يعني وأخويا ميت بقاله ست شهور! بنتك جابت لنا العار في بيتنا وعايزانا نستر عليها!”
نزلت الكلمات على أبي كصخرة هوت من جبل. رأيت عينيه تتسعان بذهول غير معقول، وتراجع خطوتين للخلف حتى استند على كتف محمود. صمتٌ رهيب حلّ بالصالة، صمتٌ لم يقطعه سوى صوت أنفاس إخوتي التي تحولت فجأة إلى زفير حارق.
“أنت بتقول إيه يا جدع أنت؟! بنتنا شريفة!” صرخ محمود وهو يتقدم نحو خالد ويمسكه من تلابيبه، “أنتوا بتتبلوا عليها عشان تاخدوا ورق المحلات والميراث؟! بنتنا متعملش كده!”
دفع خالد يد محمود بعنف وقال: “ميراث إيه ومحلات إيه يا مغفل؟! التقرير قدامك أهو.. تقرير دكتورة نوال اللي في أول الشارع، روحوا اسألوها! بنتك خانت أخويا في بيتنا، ودلوقتي لازم نعرف مين الفاجر اللي كان بيدخل لها هنا!”
التفت مصطفى، شقيقي الأصغر، وكان الأكثر عصبية بيننا. نظر إليّ وعيناه تشتعلان بالدم والشر. لم يتكلم، بل هجم عليّ كالوحش، وجذبني من ذراعي بعنف أطاح بمروان جانبًا ليفيق الصغير صارخًا من جديد.
“انطقييييي!” صرخ مصطفى وهو ينهال على وجهي بالصفعات، “مين اللي عمل كده؟! مين اللي وساخ لقمة عيشنا ووطى راسنا في الطين؟! انطقي وإلا هدبحك هنا وأغسل عاري بيدي!”
كنت أصرخ بكل ما أوتيت من قوة، والدم يسيل من أنفي: “والله العظيم مظلومة! يا بابا الحقني.. والله ما حد لمسني! أنا معرفش الحمل ده جه إزاي! أنا كنت بموت من الوجع وروحنا نكشف.. والله ما خانت أحمد!”
رغم قسوة الضرب، كان أصعب ما في المشهد هو نظرة أبي. كان يجلس على أقرب مقعد، وقد بدا عليه فجأة العجز والكسر، غطى وجهه بيديه المرتجفتين وبدأ يبكي بنحيب يقطع القلب.. أبي الذي لم أره يبكي طوال حياتي، انكسر ظهره بسببي.
رفع أبي رأسه، ونظر إليّ بعينين مليئتين بالخذلان والموت، وقال بصوت متحشرج: “سيبها يا مصطفى.. سيبها”.
توقف مصطفى وهو يلهث، وممسك برقبتي. نظر أبي إليّ وقال: “أنا اللي غلطت يوم ما طاوعتك وقبلت تقعدي هنا.. أنا اللي قولت بنتي أصيلة وبتصون عشرة جوزها. اطلعي اقفي قدامي وانطقي.. مين اللي عمل كده؟ لو قولتِ اسمه، يمكن نموتك بضربة واحدة تريحك، لكن لو فضلتي مخبية.. هنقطعك حتت!”
“يا بابا اسمعني!” زحفت على ركبتي حتى وصلت لقدميه وأمسكت بهما، “أنت عارفني، أنا تربيتك! أنا مخرجتش من الشقة دي! مفيش حد بيدخل هنا خالص غير خالد لما بيجيب الطلبات!”
بمجرد أن نطقت اسم “خالد”، تحولت الأنظار كلها إليه. تراجع خالد خطوة للوراء، وظهرت على وجهه علامات الارتباك الشديد، لكنه سرعان ما تدارك الموقف وصرخ بصوت جوهري: “أنتِ بتتبلي عليا يا فاجرة؟! عايزة تلصقي مصيبتك فيا أنا؟! أنا اللي كنت بجيب لك الأكل والشرب تقومي تتهمني في شرفي وشرف أخويا الميت؟!”
تدخلت حماتي بسرعة تصرخ: “خالد؟! خالد ده سيدك وسيد أبوكي! ده اللي كان بيراعي ربنا فيكي وفي ابن أخوه! أنتِ عايزة تخربي البيت وتوقعي الإخوة في بعض؟! دي كدابة.. دي بتداري على حد تاني!”
نظر محمود وشقيقي مصطفى إلى خالد بشك، وبدأت الأجواء تتوتر أكثر بين العائلتين. تقدم محمود نحو خالد وقال وعينه في عينه: “وأنت إيه اللي يخليك واثق قوي كده يا خالد؟ مش أنت اللي كنت بتدخل وتخرج هنا؟”
“جرى إيه يا محمود؟! أنت هتصدق الفاجرة دي وتشك فيا؟!” صاح خالد وهو يرفع الشومة في وجه محمود، “أنا لو كنت عايزها، كنت اتجوزتها رسمي بدل ما تجيب لنا العار! التقرير بيقول خمس أسابيع، وأنا أصلاً الشهر اللي فات كله كنت مسافر بضاعة في المحافظات ومكنتش باجي هنا غير كل فين وفين وأمي قاعدة معاها!”
قاطعت حماتي المشهد وهي تبكي وتصيح: “أنا مش هسمح بالمهزلة دي في بيتي! البت دي تطلع بره.. أهلها ياخدوها يق*تلوها، يدفنوها، يعملوا اللي يعملوه، مش عايزة أشوف وشها هنا، وابن ابني مروان هيفضل معايا.. مش هسيب ابن أحمد يتربى في بيت العار!”
حين سمعتُ أنها ستأخذ مروان مني، شعرت بقوة غريبة تسري في جسدي المنهك. وقفت على قدمي وجريت نحو مروان، احتضنته بقوة وصرخت في وجه الجميع: “ابني مش هيسيبني! أنا معملتش حاجة! أنا شريفة وألف شريفة، وهثبت لكم كلكم إن الحمل ده فيه حاجة غلط.. الدكتورة غلطانة، ودوني لدكتور تاني! ودوني لأكبر دكتور في المحافظة واكشفوا عليا، لو طلع الكلام صح.. ادبحوني في ميدان عام!”
نظر أبي إلى محمود ومصطفى، ثم نظر إليّ وكأنه وجد قشة يتعلق بها كبرياؤه الغريق. قال بصوت حاسم: “محمود.. خدوها هي وابنها على العربية. إحنا مش هنموتها هنا في بيت الناس. هناخدها على بيتنا، وبكرة الصبح هناخدها لأكبر دكتور نسا في أسيوط، ونشوف الحكاية دي إيه. لو طلع جهاز الدكتورة دي غلط، يبقى حق بنتي هيرجع ورقاب الكل هتتداس.. ولو طلع صح…”
صمت أبي ثواني، ثم نظر إليّ بنظرة جعلت فرائصي ترتعد وأكمل: “… لو طلع صح، يبقى دمك حلال لينا يا سمر، وهتندفني بيدك دي في حوش العيلة قبل ما الشمس تغيب”.
سحبني إخوتي بعنف من الصالة، وسط نظرات الكره والتوعد من خالد وحماتي التي كانت تصرخ وراءنا: “مش هتاخدوا الواد! مروان هيرجع لي يعني هيرجع لي!”
ركبنا السيارة في ظلام الليل، كنت أضم مروان إلى صدري وأنا أرتجف، والسيارة تتحرك بنا نحو بيت أهلي، نحو مصير مجهول. عقلي كان يكاد ينفجر.. كيف سأثبت براءتي غدًا أمام طبيب آخر والجنين ينبض في أحشائي؟ ومن الذي دبر لي هذه المصيبة المرعبة وأنا لم يلمسني إنس ولا جان منذ وفاة زوجي؟ وما الذي ينتظرني في بيت أهلي الليلة؟!
## الجزء الرابع (وقبل الأخير)
كانت الطريق إلى بيت أبي طويلة وموحشة، ولم ينطق فيها أحد بكلمة واحدة. صمتٌ كصمت القبور، لا تسمع فيه سوى دقات قلبي المرعوبة وأنفس إخوتي الثقيلة التي تشبه حشرجة الموت. مروان نام على حجري من فرط التعب والخوف، وكنت أتحسس شعره الصغير ودموعي تنزل بصمت فوق رأسه. أتساءل: هل هذه هي الليلة الأخيرة لي في الدنيا؟ هل سأترك هذا الطفل يتيم الأب والأم معًا؟
حين وصلنا إلى بيت العائلة، دفعني مصطفى ب غلظة ليدخلني إلى الشقة، وأغلق محمود الباب بقفل حديدي كبير. التفت إليّ أبي، وكان وجهه قد غارت ملامحه وبدا عليه العجز والهم، وقال بصوت منكسر ومبحوح:
“ادخلي أوضتك يا سمر.. ادخلي واقفلي على نفسك وعلى ابنك، ومش عايز أسمع لك صوت لحد الصبح. بكرة الساعة تسعة الصبح، رجلي على رجلك لأكبر مستشفى في أسيوط.. وهناك هيبان كل حاجة”.
دخلت غرفتي القديمة، الغرفة التي خرجت منها عروسًا لأحمد قبل سنوات. ارتميت على السرير وضمت مروان إلى صدري وأنا أنتفض بكامل جسدي. لم أستطع النوم لثانية واحدة. كنت أنظر إلى السقف وعقلي يدور في إعصار من الأسئلة: كيف يمكن لامرأة لم يمسسها بشر منذ ستة أشهر أن تكون حاملًا في خمسة أسابيع؟! هل أنا مجنونة؟ هل تم تخديري؟
فجأة، لمعت في عقلي فكرة جعلت الدماء تتجمد في عروقي.. “خالد”!
تذكرتُ قبل حوالي شهر ونصف، كنت أشكو من صداع قاتل وألم في ظهري، ويومها جاء خالد بطلبات المنزل، ولما رآني هكذا قال لي بحنان مصطنع: “أنا جِبت لك مع الحاجة شريط برشام للمغص والصداع مسكن قوي قوي يا أم مروان، خدي منه حبايتين ونامي”. يومها أخذت الحبتين، ونمت نومًا عميقًا وثقيلًا بشكل غريب، لم أستيقظ منه إلا في العصر، وكنت أشعر بخمول شديد وآلام في جسدي بأكمله، لكني ظننتها من الحزن وقلة الأكل!
هل يعقل أن يكون خالد هو الوحش الذي انتهك حرمة أخيه الميت؟! هل استغل تخديري ليفعل فعلته الدنيئة؟! تذكرت ارتباكه الشديد في الصالة عندما نطقتُ باسمه، وتذكرت دفاع حماتي المستميت عنه. “يا رب.. يا رب أنت عالم بحالي، اظهر الحق بكرة يا رب، أنا ماليش غيرك!”، ظللت أدعو وأبكي حتى بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل من النافذة لتعلن عن يوم الحسم.
في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحًا، انفتح باب الغرفة بعنف. كان مصطفى يقف وعيناه حمراوان كالجمر: “قومي البسي.. الحاج مستنيكي في العربية تحت، ويلا عشان نخلص من العار ده”.
لبست عباءتي السوداء، وتركت مروان أمانة عند زوجة أخي محمود التي كانت تنظر إليّ بشفقة ودموع في عينيها. نزلت والخطوات تكاد لا تحملني. ركبت في المقعد الخلفي بجوار أبي، ومحمود يقود، ومصطفى بجواره في الأمام. لم يلتفت إليّ أبي ولم ينظر في وجهي أبدًا، كان ينظر من النافذة وعيناه غائمتان بالدموع.
وصلنا إلى عيادة طبيب مشهور جدًا في المحافظة، طبيب معروف بنزاهته ودقته وشيخوخته التي تجعله فوق مستوى أي شبهات. دخل أبي ومحمود معي إلى غرفة الكشف بعد أن شرح أبي للطبيب بصوت منخفض وجود “خلاف عائلي حول مدة الحمل”.
نظر إليّ الطبيب العجوز بنظرة وقار، وقال بنبرة مهدئة: “اتفضلي يا بنتي ارتاحي على السرير”.
صعدت و جسدي يرتعش ك ورقة شجر في مهب الريح. حط الطبيب الجيل الساقع على بطني، وبدأ يحرك جهاز السونار. كانت عينا أبي ومحمود معلقتين بوجه الطبيب، ينتظران منه كلمة واحدة؛ إما الحياة وإما الموت لي.
تحرك الجهاز يميناً وشمالاً، وطال صمت الطبيب وهو يضيق عينيه وينظر إلى الشاشة بتركيز شديد. ثم أخذ مقاسات معينة، وضغط على أزرار الجهاز، ونظر إليّ قائلًا: “أنتِ بتقولي إنك كشفتي امبارح ودكتورة قالت لك حامل في خمس أسابيع؟”
قلت بصوت مخنوق بالبكاء: “أيوة يا دكتور.. والله ده اللي حصل”.
التفت الطبيب إلى أبي ومحمود، وخلع نظارته الطبية، وقال بهدوء وثقة: “الدكتورة اللي كشفت عليها امبارح دي إما جهازها قديم ومش مظبوط، أو أنها مبتفهمش في شغلها!”
حبست أنفاسي، وشعرت أن روحي ستخرج. وقف أبي على قدميه بسرعة وقال بلهفة وخوف: “يعني إيه يا دكتور؟! قولي الحقيقة بنتي حامل ولا لاء؟! اقطع رقبتها بيدي دلوقتي ولا إيه؟!”
نظر الطبيب لأبي بحدة وقال: “تقطع رقبتها إيه يا راجل يا عاقل؟! بنتك حامل فعلاً.. بس مش في خمس أسابيع!”
نزلت الكلمة كالصدمة، وجاء محمود خطوة للأمام وعيناه تتسعان: “أمال حامل في كام يا دكتور؟! انطق وبلاش ألغاز الله يخليك!”
أشار الطبيب إلى الشاشة وقال بنبرة حاسمة هزت أركان الغرفة: “بنتك حامل في الأسبوع السادس والعشرين! يعني في أواخر الشهر السادس.. الحمل ده حصل قبل وفاة جوزها بأيام، لكن بسبب ضعف جسمها الشديد والأنيميا الحادة وقلة الأكل، الجنين مكنش بيكبر بشكل طبيعي وحجم الكيس كان صغير جدًا ومتحجر في زاوية في الرحم ومبيبانش بسهولة لأي جهاز مش دقيق! النبض امبارح ظهر لأن الجنين بدأ ياخد وضعه الطبيعي، لكن حسابيًا وعلميًا.. الطفل ده ابن جوزها المرحوم أحمد مية في المية!”
وقعتُ من فوق سرير الكشف على ركبتي، وانفجرت في بكاء هستيري، وأنا أصرخ بأعلى صوتي: “الحمد لله! الحمد لله يا رب! ظهر الحق! أنا شريفة يا بابا! أحمد ساب لي حتة منه قبل ما يموت!”
ارتمى أبي على الأرض بجانبي، واحتضنني بقوة وهو يبكي بنحيب تقشعر له الأبدان، يقبل رأسي ويدي ويقول: “سامحيني يا بنتي! سامحيني يا ضنايا.. الشيطان دخل بيننا والشك عمى قلوبنا! حقك عليا.. حقك عليا ورقبتي فداكي!”
أما محمود، فكان يمسك بتقرير الطبيب المعتمد والمختوم وعيناه تلمعان بشرر الانتقام، ونظر إلى أبي وقال بصوت زلزل العيادة: “الحق ظهر وبنتنا طاهرة يا حاج.. ودلوقتي، جه الوقت اللي نرجع فيه بيت العيلة، بس المرة دي مش عشان نتخانق.. المرة دي عشان ندوس على رقبة خالد وأمه ونعرفهم مقامهم ونرد اعتبار بنتنا قدام البلد كلها!”
مسح أبي دموعه، وتغيرت ملامحه تمامًا ليحل محلها غضب الأب الذي كاد أن يفقد ابنته ظلمًا. وقف بكبرياء وقال: “يلا بينا يا محمود.. يلا بينا على بيت العيلة، والنهاردة الفضيحة هتلف على اللي ظلموا بنتي ورموها بالباطل!”
خرجنا من العيادة والتقرير المختوم في يد محمود، و ركبنا العربية متجهين رأسًا إلى بيت العيلة، حيث كانت تنتظرنا هناك مفاجأة لم يكن يتوقعها أحد.. ومواجهة أخيرة ستنتهي بدموع من نوع آخر وفضيحة تهز جدران ذلك البيت!
## الجزء الخامس (والأخير)
كانت السيارة تطوي الأرض طيًا متجهة إلى بيت العيلة، وداخل صدورنا بركان يغلي. نظرتُ من النافذة، ولم تعد الدنيا سوداء كما كانت بالأمس؛ لقد ردّ الله إليّ روحي وكبريائي، لكن غصّة الظلم وقسوة الأهل والأقارب تركت في قلبي ندبة لن تبرأ أبدًا.
حين وصلنا، لم ينتظر محمود أو مصطفى؛ هبطا من السيارة بخطوات تشبه زحف الجيوش. اندفع مصطفى نحو باب بيت العيلة وبدأ يضرب عليه بقدمه وبيديه بعنف هزّ أرجاء الشارع كله، حتى بدأ الجيران يطلون من النوافذ ويتجمعون من حولنا مستغربين.
انفتح الباب بلهفة، وأطل وجه “خالد” وهو يحمل ملامح ترقب خبيثة، وظن للوهلة الأولى أننا جئنا لنلقي بج/ثتي أو لنستسلم، وخلفه كانت تقف حماتي وعلى وجهها نظرة شماتة قاسية.
لكن قبل أن ينطق خالد بكلمة، كان محمود قد أطبق على عنقه بيده اليسرى، وباليد الأخرى رفع تقرير مستشفى أسيوط المعتمد والمختوم بختم النسر في وجهه وهو يصرخ بأعلى صوته ليسمع الشارع بأكمله:
“اجمعوا الناس يا أهل حتتنا! اجمعوا واسمعوا فضيحة الست الكبيرة وابنها الخاين! بنتنا شريفة وطاهرة بتقرير كبار دكاترة مصر! بنتنا حامل في الشهر السادس.. الجنين ده ابن أخوك الغالي أحمد اللي خانته أمه وأخوه وشككوا في شرف مراته!”
نزلت الكلمات كالصاعقة على رأس خالد وأمه. تراجعت حماتي خطوتين وهي تضع يدها على صدرها، وزاغت عيناها برعب وهي ترى الجيران يتسامعون ويتلفتون ويهمسون. أما خالد، فقد اصفرّ وجهه تمامًا وارتعشت شفتاه، وحاول التملص من قبضة محمود وهو يقول بصوت متحشرج: “سادس؟! شهر سادس إزاي؟! الدكتورة نوال قالت خمس أسابيع! أنتوا مزورين الورق ده عشان تداروا على وساختكم!”
في هذه اللحظة، تقدم أبي بخطواته الثابتة وصوته الجوهري الذي يحمل هيبة السنين، ورفع يده ليلطم خالد صفعة مدوية على وجهه أسقطته أرضًا وسط ذهول الجميع، وقال له بنبرة تقطر حزمًا: “الورق ده مختوم من أكبر مستشفى حكومي ودكتور شيبته تسبق اسمه يا خاين! دكتورة نوال بتاعتكم جهازها قديم والأنيميا هي اللي خفت حجم الجنين.. لكن ربنا مبيسبش حد مظلوم، وربنا أراد يكشف غلكم وسواد قلوبكم قدام الناس كلها!”
التفتت حماتي إليّ وهي تبكي بنحيب مفاجئ، وحاولت الزحف نحو قدمي وهي تقول بنبرة متذللة منافقة: “سمر يا بنتي.. سامحيني، أنا غلبانة وعقلي طار على ابني الميت، الدكتورة هي اللي عمت عيوننا! ده ابن غالي وحتة من ريحة أحمد! تعالي في حضني يا بنتي والبيت بيتك!”
تراجعت للخلف خطوتين، ونظرت إليها بنظرة مليئة بالاحتقار والألم، وقلت لها والدموع تجف في عيني: “بنتك؟! دلوقتي بقيت بنتك؟! امبارح كنتِ بتضربيني بالمداس وتطرديني وتتهمني في شرفي، وتبيعي عرض ابنك الميت في تربته عشان شوية محلات وميراث؟! أنا لو قعدت في بيت فيه شياطين، مش هقعد معاكي في بيت واحد ثانية واحدة!”
دخل مصطفى ومحمود إلى الشقة، وجمعا ملابسي وأشياء مروان الصغيرة في حقيبتين على عجل، وحماتي تصرخ وتبكي تترجى أبي: “بلاش تفضحونا يا حاج.. بلاش كلام الناس، سيبوا لنا الواد مروان يربى في بيت أبوه!”
التفت أبي إليها وقال بكلمات حاسمة كالسيف: “ابن أحمد هيربى في بيت جده رافع راسه لفوق، والكل عارف إن أمه ست الشريفات. أما أنتوا.. فحسابنا معاكم في المحاكم على الميراث والشركات والمحلات هيبدأ من بكرة، ومش هنسيب لكم مليم واحد من حق اليتيم، وفضيحتكم دي هتفضل ملازمانكم في البلد لحد ما تموتوا!”
حملتُ ابني مروان بين ذراعيّ، وخرجت من ذلك البيت اللعين وأنا أنظر للأمام ولا ألتفت خلفي أبدًا. ركبت السيارة بجوار أبي وإخوتي، وشعرت لأول مرة منذ ستة أشهر بنسمة هواء باردة تدخل صدري وتداوي جروحي.
وضعت يدي على بطني، وتحسست ذلك الجنين الصغير الذي كاد أن يكون سببًا في موتي، فصار هو طوق نجاتي والهدية الأخيرة التي تركها لي حبيب عمري أحمد ليؤنس وحدتي ويرد لي اعتباري أمام الدنيا بأكملها. عُدت إلى بيت أبي معززة مكرمة، تائبة إلى الله وممتنة لعدالته التي لا تغفل ولا تنام.