لو ممكن كباية قهوة 3
الحلقة الحادية عشر
وقف ( أمجد ) مستندا الى الحائط يحدق في الفراغ بينما جلس افراد عائلته وكل واحد منهم يدعو و يبتهل الى الله ان يكتب لـ ( هبة ), الشفاء فهم لا يستطيعون تخيل اختفاء ابتسامتها من حياتهم , جلس والدها يتلو آيات الله من مصحف صغير ولسانه لا يكف عن قراءة القرآن وقلبه لا يكف عن الدعاء لصغيرته فهي دنياه وأمله , كان يقرأ وهو لايشعر بالعبرات التى أخذت تتدفق من عينيه وهو يتذكرها في كل مراحل عمرها بدءا منذ كانت رضيعه نهاية بعروس تتحضر لحفل زفافها والذى كان من المفترض ان يقام بعد سويعات, مرورا بذكرى اول مرة تنطق بابا وماما, واول يوم لها في المدرسة, وكيف انها صارت السبب الرئيسي الذي منعه من الانهيار بعد وفاة شريكة الروح والعمر , هى بشقاوتها وطفولتها وبساطتها في الكلام, يدعو الله بقلب مخلص الا يذيقه مرارة فراقها ….
تقدم ( علاء ) من ( أمجد ) ووضع يده على كتفه قائلا :
– ان شاء الله خير يا ( أمجد ) , انا حاسس انها هتقوم بالسلامة, صدقنى انا يمكن معرفتهاش غير مده بسيطة بس كأنى اعرفها من زمان, ( هبة ) انسانه طيبة اووى وربنا هيقف جنبها ان شاء الله ويرجعهالنا بالسلامة..
نظر ( أمجد ) الى اخيه بعيون ذابلة ولا يزال بملابسه التى احتضن بها ( هبة ) ودمها يلوث قميصه وقال بخفوت والم شديدين :
– بئالهم 4 ساعات في العمليات يا ( علاء ) انا هتجنن !!, انا مش متصور انى قاعد هنا زى المشلول ومش عارف الباب دا ايه اللي وراه ؟؟
ثم نظر الى الارض وهو يكمل قائلا ببسمة مريرة :
– آخر مرة سمعت صوتها امبارح بالليل, قولتلها وحشتيني خالي بالك من نفسك ! يمكن كنت حاسس ؟؟ وهى ردت عليا بتضحك وتقول… قال يعني لو جرالى حاجه هتزعل عليا ؟!, زعئتلها وقولتلها ما تقوليش كدا, ردت عليا بشقاوتها… يا عم الحاج هتعملهم عليا كبيرك اسبوع ويبقى كتر الف خيرك وتنسى !! الرجاله مش زينا احنا الستات ممكن نقعد عمرنا كله على ذكرى واحد بس, لكن انتو لكم الف حجة, وحقكم ما قلناش حاجه.. بس علشان تعرفو مين اللي بيزعل بجد على مين ؟؟
ثم نظر اليه وهو يكبت دموعه وتابع :
– انا بأه عاوزها تصحى علشان اقولها انها غلطانه وان الرجاله بتعرف تحزن وتعيش على ذكرى واحده هى كمان بس … بس .. ترجع يا ( علاء ) ترجع… عاوزها ترجع …
ثم انخرط في بكاء مرير جعل ( علاء ) يتلقفه بين ذراعيه و كأن دموعه قد هدمت سدا وفاضت على لحيته الخفيفة ووجهه …قال ( علاء ) وهو يغالب دموعه هو الآخر حزنا على ( هبة ) وعلى حال اخيه الأكبر فهو لا يذكر متى كانت آخر مرة شاهد فيها ( أمجد ) يبكي؟, حتى عند وفاة والدهما لم يبك أو ينهار بهذا الشكل بل صمد وتماسك وكبر قبل أوانه …:
– هترجع يا ( أمجد ) ان شاء الله… هترجع ….
فُتح باب غرفة العمليات فاندفع الجميع الى الطبيب الذي خرج تبدو على ملامحه الجدية البالغة وكل واحد منهم يسأله نفس السؤال كيف هي ؟ فأشار بيده ليطمأنهم قائلا :
– الحمد لله العملية نجحت, المشكلة ان النزيف كان في جزء حساس من المخ والحمد لله قدرنا نسيطر عليه بس ….
قاطعه ( أمجد ) قائلا وهو مقطب جبينه :
– بس ؟؟ بس ايه يا دكتور ؟؟
اجاب الطبيب :
– احنا مش هنقدر نحكم على النتيجه قبل مرور 24 ساعه على الاقل, علشان كدا هى هتفضل في غرفة العناية المركزة لغاية ما تفوق و نشوف النتيجه ..
تساءل أباها بلهفة وقلق :
– طيب نقدر نشوفها يا دكتور ؟؟
ترقب ( أمجد ) اجابة الطبيب بقلق وسمعه وهو يقول :
– لا… للأسف, مش قبل مرور 24 ساعه, لغاية مانشوف الحالة اخبارها ايه, علشان كدا هى هتفضل في العناية المركزة لغاية ما تفوق و نتيجه العملية تبان , عن اذنكم ..
ثم انصرف … جلس كل منهم وهو يدعي ان تمر الـ 24 ساعه القادمة على خير … اقترب الجد من والد ( هبة ) وقال :
– أ. ( يوسف ) افتكر قعدتنا هنا دلوقتى مالهاش لازمة, اكتر شئ هينفعها دعانا ليها, تعالى نروّح… انت بتاخد دوا للضغط ودا مش كويس علشانك وبكرة من بدري هنكون هنا ان شاء الله..
هز والدها برأسه رافضا للكلام قبل حتى ان ينتهى منه الجد وقال بجدية وحزن :
– معلهش يا ( علي ) بيه , انا مش همشي من هنا قبل ما بنتي تفوق واطمن عليها, وهاخدها وامشي من هنا, اللي جرالها كتيير أووى, انا عاوزها تفووق بس.. وصدقني انسوا انكم شوفتونا في يوم لان اللى جرا لبنتى عمرى ما اقدر انساه او اسامح فيه ..
أجاب الجد وهو يربت على كتفه ويهز رأسه متعاطفا :
– معلهش انا مقدر حزنك على ( هبة ), وما تفتكرش انى بجاملك.. لكن ( هبة ) معزتها عندى لو اقولك اكتر من ( علا ) حفيدتي مش هتصدقنى ! ( هبة ) دخلت قلوبنا كلنا وحبيناها ومش ممكن ننساها, انا عارف انه حقك طبعا انك تفكر كدا لكن انت دلوقتى زعلان وغضبان من اللي حصل ونصيحه من اخ اكبر.. عمرك ما تاخد قرارات ناتجه عن عصبية او انفعال وفى الآخر اللي يرضيك احنا موافقين عليه …
نطق جملته الاخيرة وهو ينظر بصرامه الى ( أمجد ) الذى كان يستمع الى الحوار الدائر بينهما ولم يرض بالتدخل في الحديث ولكن لدى عبارة جده الاخيرة التفت وسار حتى وقف امامهما وقال بكل هدوء وجدية :
– الف حمدلله على سلامة ( هبة ) يا عمي .. انا متأكد انها ان شاء الله هتقوم بالسلامة …
نظر والدها اليه شرزا ولم يجبه … وما ان بدء ( أمجد ) بالسير مبتعدا حتى عاد ونظر الى والدها وهمس ببطء شديد :
– انا مقدر حالة حضرتك كويس اووي ومراعي الظروف, لكن صدقنى.. ( هبة ) اول ما تقوم بالسلامة مش هتتنقل خطوة بعيد عني .. عن اذنك ….
كاد ( أمجد ) أن يجن من شدة لهفته لرؤية ( هبة ) ولكن كيف وهى في العناية المركزة وممنوع عنها الزيارة .. تقدمت والدته اليه وربتت على كتفه وقالت :
– ( أمجد ) حبيبي .. وقفتك كدا مالهاش لازمة .. تعالى حبيبي روح على الاقل استحمى وغير هدومك انت بيها من امبارح…
نظر الى قميصه الملطخ بدماء.. هبته… هبة خاصته… ثم سكت قليلا قبل ان يجيب :
– مقدرش يا امى … مقدرش امشي واسيبها .. افرضي فاقت وانا مش موجود .. لالا انا هفضل موجود …
فقالت والدته :
– طيب على الاقل غير هدومك ..
ولكنه اصر على الرفض فهزت برأسها يأسا من عناده الشديد ثم طلبت من ( علاء ) ان يوصلها هى والجد و ( علا ) الى المنزل وذهبت لتحاول ثانية مع والد (هبة) حيث أقنعته بعد جهد طويل انه من الافضل له ان يذهب معهم كى يأخذ قسطا من الراحه كي يكون بحاله جيده لدى استيقاظ ( هبة )….
مكث ( أمجد ) على كرسي في غرفة الانتظار وبعد فترة دخل عليه اخاه وهو يقول :
– خد يا ( أمجد ) غير هدومك…
نظر اليه ( أمجد ) مستفهما وهو يرى ( علاء ) يمد اليه حقيبة بلاستيكية في حين تابع ( علاء ) :
– آه انت عارف والدتك صممت أجيبلك هدوم نضيفة معايا, واتفضل شوف بأه هتعرف تقعد هنا ازاي بس انت مش هتغلب دي اكبر مستشفى استثمارى وانت من المساهمين الرئيسيين فيها تعتبر المالك يعني من الآخر, فلو قولتلهم يفضولك دور بحاله هيعملوها ….
تناول ( أمجد ) الحقيبة وكان قد حجز جناح له حيث اغتسل وبدل ملابسه ثم خرج لاخيه الذي ناوله علبة عصير وشطيرة ولكنه رفض تناول أي شيء فكل ما يشغله الآن كيف يرى ( هبة ) ؟؟, الى ان اهتدى لطريقة معينة!!….
اقنع ( أمجد ) ( علاء ) بالانصراف قائلا له انه سيخلد الى النوم وانه لو علم شيئا عن هبة سيخبرهم , ثم ذهب الى غرفة العناية وحاول ان ينظر عبر زجاج الغرفة فلم يرى سوى جسدا ملقى على سرير واجهزة كثيرة موصولة به ….نظر حوله قليلا ثم رأى الممرضة المسؤولة عن العناية المركزة فذهب اليها ليقنعها ان تدعه يدخل اليها فرفضت وبشده ولكن بعد الحاح شديد منه اشفقت عليه وعلى حالته وهيئته المزرية فهو كما قال لها زوجها وكان اليوم هو الزفاف فوافقت شريطة الا يمكث اكثر من خمس دقائق كي لا يتسبب لها في مشاكل مع الطبيب المعالج , انفرجت اسارير ( أمجد ) ووافق , وضع ( أمجد ) كمامة على انفه لضمان عدم حدوث تلوث في الهواء للمريضة , فتحت الممرضة له الغرفة وقالت بترجى :
– أ .( أمجد ) خمس دقايق مش اكتر الله يخليكي, انا لولا ان حالتك صعبت عليا اووى ما كنتش وافقت, ما تجبليش جزا ربنا يخليك ..
قال بلهفة وهو يلج الى الغرفة :
– ما تخافيش يا سيستر زى ما اتفقنا
فتركته وذهبت وقد اغلقت الباب خلفه …
اقترب ( أمجد ) بخفه من السرير الابيض وراعه ما شاهده , فقد كانت ( هبة ) نائمة وجهها شاحب وبشده يحاكى بياضه بياض الوساده التى ترقد عليها وشعرها الفتان يحيط بوجهها الصغير, واجهزة كثيرة لا حصر لها ولا عدد موصولة بجسدها الصغير , تناول ( أمجد ) كرسيا ووضعه بجانب سريرها وجلس عليه ثم مد يده وأمسك بيدها الموصوله بالمحاليل وبجهاز تتبع نبضات القلب في سبابتها, مال على يدها فقبلها وهو يستنشق راحتها وقال بصعوبة وهو يغالب دموعه :
– ( هبة ) ما تسيبينيش , انا مقدرش اعيش من غيرك , انت احلى حاجه حصلت لى , ابتسامتك بتنور دنيتي كلها انا مش متخيل انى اقدر اعيش من غيرها…
ثم ضحك ضحكة صغيرة كلها حزن وتابع :
– انت عارفة .. انا اتعودت على عصبيتك وزعلك معايا!!, حتى عصبيتك وزعلك وحشونى ..
رفع نظره اليها وأكمل بحزن :
– انا كنت محضرلك مفاجأه لشهر العسل .. كنا هنروح جزيرة في البحر الكاريبي, جزيرة كلها نخل ومايه زى اللي بتشوفيها في الافلام الاجنبية الرومانسية … فاكرة لما قولتيلي يا ترى الجزر دى موجوده فعلا ولا كلام افلام؟, وكنت بتضحكى وانت بتقولى الناس اللي بيروحو هناك مايتهيأليش زيّنا ؟!! انا بأه كنت عاوز اثبت لك انهم هما اللى مش زيك ولا في زيك ابدا … علشان خاطرى اصحى وانا اوعدك مش هزعلك تانى ابداااااا ارجووكى يا ( هبة ) ارجوووكى …
دخلت عليه الممرضة تستعجله ليذهب فقد اقترب موعد مرور الطبيب على حالات العناية المركزة .. وقف ( أمجد ) ونظر الى ( هبة ) قليلا ثم مال عليها وطبع قبلة طويلة على جبينها وتركها وذهب وهو يلتفت كل خطوة لينظر اليها الى ان غادر العناية المركزة ….
في اليوم التالى وبعد مرور ال 24 ساعه على اجراء العملية الكل كان مجتمع في صالة الانتظار ينتظرون الطبيب المسؤول عن حالة ( هبة ) كي يطمئنهم على الحال , اتى الطبيب ووقف يدير نظره بينهم ثم قال:
– الحمد لله يا جماعه المؤشرات الحيوية بتاعت الآنسه ( هبة ) كويسة نقدر نقول انننا اجتزنا مرحلة الخطر ..ففرح الجميع وصاروا يهنئون بعضهم البعض على نجاة ( هبة ) ولكن الطبيب قال فجأة :
– بس في حاجه !!
تساءل ( يوسف ) بقلق واضح:
– حاجة ايه يا دكتور ؟؟ انت لسه حضرتك قايل انها الحمد لله العملية نجحت..
أجاب الطبيب وهو يوزع نظراته بينهم مشفقا عليهم مما سيقوله :
– هى المفروض كل المؤشرات الحيوية عندها سليمة لكن هى للاسف رافضة تصحى !!
فقال ( أمجد ) وهو مقطب جبينه :
– يعني ايه رافضة تصحى ؟؟ هو بأرادتها ؟؟
فقال الطبيب بهدوء :
– للاسف يا استاذ ( أمجد ) الانسة (هبة ) رافضة الرجوع لعالم الاحياء, عقلها الباطن مدي اوامر لمخها بكدا .. علشان كدا هى في ….كوما …غيبوبة يعني لكن للاسف هتفوق منها امتى منقدرش نحدد لانها مش غيبوبة مرضية هى الوحيدة اللى تقدر تحدد امتى عاوزة ترجع لنا تانى ؟؟….
وكان وقع الخبر كالصاعقة تماما عليهم جميعا وفجأه اذ بيوسف يهجم على ( أمجد ) ماسكا بياقته قابضا على عنقه وهو يصرخ غاضبا :
– انت السبب , انت السبب , منك لله .. ذنب بنتي في رقبتك ,, حسبي الله ونعم الوكيل حسبي الله ونعم الوكيل ,, يااااااااااااااارب ,,, و….وقع مغشيا عليه!! …
سريعا امر الطبيب باحضار السرير النقال وحضر الممرضون وادخلوه سريعا الى حجرة الطوارئ وبعد قليل خرج الطبيب ليطمئنهم على حالة ( يوسف ) قائلا :
– بسيطة ان شاء الله, الضغط علي عليه فجأه من الزعل واحنا علقناله محاليل وشوية وتقدروا تاخدوه معكم وانتم مروحين بس لازم يبعد عن اي انفعالات, والدوا والاكل بمواعيد ونظام, لو عاوزين ممكن ارتب لكم ممرضة تكون معاه …
فقال الجد :
– شكرا يا دكتور بس احنا هنعتنى بيه, وتأكد اننا لو احتاجنا ممرضة اكيد هنبلغك..
ثم التفت الى ( سعاد ) و ( علا ) وتابع بصرامة :
– أ.( يوسف ) مسؤوليتكم انتو الاتنين مش عاوزين نضيع البنت وابوها كفاية البنت ربنا يقومها بالسلامة…, وهو ينظر الى ( أمجد ) نظرة مليئة بالحنق والغيظ ..
تركهم ( أمجد ) وذهب الى الطبيب فهو الى الآن لا يستطيع ان يصدق ما قاله الطبيب , دخل الى مكتب الطبيب حيث اشار عليه بالجلوس وبعد ان جلس استفهم منه اكثر عن الحالة فأعاد عليه نفس الكلام مرة اخرى فسأله ( أمجد ) ان كان هناك ما يستطيع عمله ليساعد على استيقاظها من غيبوبتها فقال الطبيب:
– على حد علمى انتو مكتوب كتابكم صح ؟
هز( امجد ) برأسه موافقا فقال الطبيب :
– في الغيبوبة بيكون فيه جزء صغير في المخ واعي للى حواليه, علشان كدا في بعض الحالات بننصح اهل المريض انهم يتكلموا معاه في زيارتهم ليه ويحاولوا يفكروه بأحداث وذكريات جميلة, دى ممكن تنشط المخ وتخلى المريض عاوز يفوق من غيبوبته اللى فرضها على نفسه .. بس ممكن أسال حضرتك سؤال ؟؟
خمّن ( امجد ) ماهية سؤال الطبيب واشار بالموافقة فتابع الطبيب :
– واضح جدا انه في عامل نفسي غير الوقعه وأثرها وعلشان نقدر نحط ايدينا على السبب لازم لو فيه اي شئ حضرتك شاكك انه ممكن يكون السبب النفسي دا تقولى عليه, يعني مثلا سبب وقوعها اييه ؟؟
سكت ( أمجد ) قليلا ثم روى للطبيب منذ دخول ( هبة ) فجأة الى غرفة المكتب حتى لحظة سقوطها غارقة في دمائها …
استمع الطبيب اليه ثم هز برأسه وقال :
– زي ما توقعت بالظبط …الوقت اللى هتفوق فيه هيعتمد على مدى ارادتها للرجوع للحياة تانى, علشان كدا اى ذكريات او حاجات سعيده حاول تفكرها بيها واضح جدااا ان شعورها من ناحيتك قوى اووي علشان كدا انت تقدر تنمى الشعور دا وتخليه يصحى وهو اللي هيشدها لينا تانى …
ذهب ( أمجد ) الى غرفة الرعاية ومكث ينظر من خلال الزجاج الى الجسد النائم امامه ثم عزم واتجه الى الباب وهمّ بفتحه فسمع صوت نسائيا ينهره بصرامه :
– هاي ! انت رايح فين ؟ وكالة هى من غير بواب ! ممنوع يا سيد !
ثم تقدمت منه وهى تشيح بيدها بصرامه قائلة :
– لو سمحت امشي من هنا دا ممنوع..
التفت ناظرا اليها ليجد انها ممرضة اخرى واضح ان هذه هي فترتها النهارية, رمقها بحدة وهو يقول بعصبية مكبوتة :
– امشي انت من وشي الساعه دى …
وفتح الباب فأمسكت بذراعه وهى تصرخ بالممرضين لكى يساعدوها في منع هذا الرجل المجنون من الدخول وقالت :
– انت ايه ؟ فاكر نفسك ….
فوجئت بصوت الطبيب المسؤول عن الحالة وهو يقول بصرامه :
– خلاص يا سيستر انا اديته الاذن انه يدخل خليه يلبس الحاجات اللازمة ودخليه …
استعد ( أمجد ) للدخول كما فعل في اليوم السابق ودخل الى غرفة العناية وجذب الكرسي ووضعه بجانب السرير حيث جلس عليه بجانبها ومد يده آخذا بيدها مقبلا اياها مستمرا في الكلام معها يحكي لها كيف انه في غاية الاشتياق لها, وانبرى يتحدث معها في ذكريات عديدة جمعت بينهما حتى مر موعد الزيارة فغادر مقبلا اياها على جبينها واعدا اياها بانه سيأتى ثانية …
استقر ( أمجد ) في جناحه في المشفى الذي يملك غالبية أسهمه, بينما تولت ( علا ) ومدام ( سعاد ) أمر العناية بـ ( يوسف ) والذي استعاد عافيته بالتدريج واصبح يذهب لزيارة ابنته حيث يقوم بالحديث اليها كما قال الطبيب وكان ( أمجد ) يختفي في هذه الاثناء كى لا يراه وينفعل ثانية ويحدث ما لا يحمد عقباه …
جلس ( أمجد ) بجانبها وبدأ الكلام معها مثلما يفعل دائما وهو ممسكا يدها ثم قال لها بحب :
– فيه حاجه لازم ارجعهالك…
اخرج الدبلة وخاتم الزفاف من جيب سترته والبسها اياهم ثم قبل يدها وهو يقول :
– دوول مكانهم هنا وهيفضلوا هنا .. واوعي تفكري تقليعهم من ايدك ابداااا, ( هبة ) لـ ( أمجد ) و ( أمجد ) لـ ( هبة ) ومافيش حاجه هتفرق بينهم ابدااااااا…
ثم قبل يدها وأسند جبينه على اصابعها واذ به يشعر بارتعاشة طفيفة بين يديه فرفع رأسه مذعورا وهو يرى ارتعاشة طفيفة لا تكاد تظهر في اصابع يدها, صعق ولم يصدق عينيه, وفجأة اذ به يسمع أزيزا صادرا من الجهاز المسؤول عن حالة القلب , ارتعب مما يرى وقام مسرعا وهو يهتف :
– دكتور , دكتووور , هاتولي دكتور بسرعه ,
حضرت الممرضة سريعا وبعد ان عاينت الوضع اتصلت بالطبيب وفجأة اذ بغرفة العناية تمتلئ بالاطباء والممرضات واستطاع الطبيب المعالج اقناعه بعد جهد طويل ان ينتظر بالخارج …
أخذ ( أمجد ) يروح ويجئ بالمكان كالليث المحبوس في قفص ..وهو يزفر ويخبط قبضة يده براحة الاخرى … مر وقت طويل قبل ان يخرج الطبيب المعالج وباقي طاقم الاطباء وقف الطبيب امامه ينظر له بجدية بالغه وتعبير وجهه صارم للغاية مما جعل قلب ( أمجد ) يوشك على الكف عن النبض وشحب وجهه وتفصد عرقه غزيرا من جبينه وهو يبتلع ريقه بصعوبة ويقول بفزع :
– خير يا دكتور طمني ؟!
تنهد الطبيب طويلا ووضع يده على كتف ( أمجد ) وقال :
– حضرتك قوي ولازم تستحمل المفاجأة علشان انت اللى هتبلغ عيلتك ووالدها اومال ابوها بأه هيعمل ايه ؟؟؟
اخفض ( أمجد ) رأسه واخذ يهزها يمنة ويسرى وهو يعبث باصابعه في شعره ويقول بحزن مختنق بدموع لم تذرف بعد :
– لا .. لا .. مش مصدق .. مش ممكن …
فقال الطبيب وشبح ابتسامه يلوح في وجهه لم يرها ( أمجد ) :
– ليه ؟؟ انا قولتلك احنا دكاترة بس مانعرفش الغيب ومش منجمين وربنا هو الشافي المعافي واحنا اسباب في ايد المولى عز وجل …
رفع ( أمجد ) راسه بحدة ناظرا بدهشة الى الطبيب وهو يقول باستغراب شديد :
– قصدك ايه يا دكتور ؟؟
أجاب الطبيب وهو يضحك بملئ فيه :
– ما تبئاش تنسى تعزمنى ع الفرح يا عرييس ….
سكت ( أمجد ) هنيهة ليستوعب كلام الطبيب ثم ما لبث وجهه ان ارتاح وابتسامه واسعه ارتسمت عليه لم يعرفها منذ الحادث وقال وهو يمد يديه ليمسك الطبيب من ذراعيه وضحكة تتراقص في صوته :
– بجد ؟؟ والله ؟؟؟ بجد يا دكتور ؟؟ ( هبة ) فاقت ؟؟؟ ( هبة)؟؟
أومأ الطبيب برأسه ايجابا وهو يضحك وقال :
– ايوة بجد وانا امرت بنقلها لاوضة عادية ..
اندفع ( أمجد ) يهتف :
– اوضة ؟؟؟ لالالا اكبر جناح عندكم هنا تنزل فيه و …
بتر عبارته ومال على الطبيب يقبله فرحا وهو يتابع :
– معلهش يا دكتور من فرحتي انت .. انا …. مش عارف …..
بينما الطبيب يضحك سعيدا ببهجة هذا الشاب الذي كان قد نسي طعم الحياة بعدما حدث لخطيبته …
اندفع ( أمجد ) ليرى ( هبة ) والممرضات يقمن بازالة الاجهزة استعدادا لنقلها لجناحها الذي امر ( أمجد ) بتجهيزه لها وقال في نفسه :
– اوعدك يا ( هِبايا ) ما في شئ ولا قوة في الارض هتقدر تبعدك عن عينيا تانى, انت اغلى ( هبة ) ربنا وهبهالى, وانا هحافظ عليك بروحى يا اغلى من روحى .
علم الجميع بالخبر المفرح باستيقاظ ( هبة ) من الغيبوبة وذهبوا الى المستشفى لرؤيتها ….
كان ( أمجد ) بالطبع اول من حضر الى غرفة ( هبة ) بعد انتقالها , دخل وجلس بجانبها وراقبها حتى بدأت ترفرف برموشها وتفتح عينيها حيث فوجئت بالرؤية ضبابية اول الامر ومالبث الضباب ان انقشع وفتحت عينيها التى ما ان رآها ( أمجد ) حتى سارع بالتهليل بها بسعاده قائلا وهو يمسك بيدها :
– حمدلله على السلامة يا ( هبة ), يا أحلى حاجه في حياة ( أمجد ), كدا كنت هتموتيني من الخوف عليك ؟؟
نظرت اليه باستغراب ولم تتكلم فتابع بابتسامة سعيدة :
– لكن خلاص ولا يهمك , اهم شئ رجوعك ليا بالسلامة واول حاجه هعملها بعد ما تخرجى من هنا اننا نتجوز على طول انا مش عاوزك تغيبي عن عيني لحظة واحده يا نور عيني …
قطبت ( هبة ) حاجبيها قليلا ثم فوجئت بانفتاح الباب على اتساعه ودخول اشخاص كثيرة واذ بواحد منهم يركض اليها ليحتضنها وهو يبكى ويقول :
– ( هبة ) حبيبتي حمدلله على السلامة الف حمد والف شكر ليك يارب انا ما كنتش اقدر اعيش ثانية واحده من غيرك يا قلب ابوكى …
دفعته ( هبة ) برفق في صدره ليبتعد فتستطيع رؤيته جيدا وقالت بارتباك :
– با …با ..بابا ؟؟ حضرتك ..بابا ؟؟
ضحك ابوها وهو يقول :
– ايه يا ( هبة ) الوقعه خلتك هادية اووي كدا ليه ؟؟ نسيتي ابو حجاج ولا ايه يا هوبا ؟؟؟
نظرت اليه باستغراب ما لبث ان تحول الى فزع في حين تحول تعبير والدها الى خوف وهو يمسكها ويقول بفزع :
– ( هبة ) حبيبتي .. مالك ؟؟ في ايه ؟؟
قالت باضطراب ودموعها تهطل من عينيها :
– انا .. انا .. مش فاكرة حاجه .. ابداا .. ابداا .. ابداا …
احتضنها والدها وهو يبكى هاتفا :
– لطفك يا…رب ..
في حين تقدم ( أمجد ) مسرعا وهو يجلس من الناحية الاخرى للفراش ويمسك يدها ناظرا في عينيها هاتفا بلوعة:
– ( هبة ) حبيبتي .. انا (أمجد ) .. بصيلي كويس يا ( هبة ) .. ركزى .. ها .. ( أمجد ) … ( أمجد ) يا ( هبة ) …. دكتوووور….
ومالبث ان قام من فوره ليأت بالطبيب الذي حضر مسرعا وأمر باخلاء الغرفة من الموجودين وانتظاره خارجا….
خرج الطبيب بعد ان قام باعطاء ( هبة ) حقنة مهدئة , نظر اليه الجميع متسائلا فقال وهو يسعل قليلا ليجلي حنجرته :
– احم … للأسف.. الآنسه ( هبة ) بتعانى من فقدان في الذاكرة ..
شهق الجميع في حين استفسر ( يوسف ) قائلا :
– ازاى يعني يا دكتور ؟؟
فقال الطبيب شارحا :
– زي ما قلتلكم قبل كدا, الوقعه كانت في منطقة حساسة في المخ, وواضح ان النزيف أثر على مركز الذاكرة, وللاسف فقدان الذاكرة مش بيبان غير لما المريض يفوق من الغيبوبة, ولو تفتكرو انى قلتلكم اننا هنستنى لغاية لما تفوق علشان نعرف النتيجه ؟!…. دي كانت من ضمن الحاجات اللى متوقعنها والعلاج بيكون على حسب تحسن الحالة, كل ما يكون المريض مستقر نفسيا ومافيش اي اضطرابات, كل ما يكون علاج فقدان الذاكرة اسهل واسرع .. هنعتمد على الادوية اللازمة واهم شئ الراحه النفسية وما نضغطشي على المريضة علشان تسترجع ذاكرتها هى هتفتكر بس في الوقت المناسب, ممكن أ. ( أمجد ) تيجي معايا علشان فيه بعض المعلومات اللي ممكن تساعدنى في علاج الحالة …
ذهب ( أمجد ) مع الطبيب وبعد انتهائه من مقابلة الطبيب ذهب الى جناح ( هبة ) حيث دخل ووجد عائلته في غرفة الانتظار التابعه للجناح دخل غرفتها فوجد والدها يقرأ القرآن وهى نائمة كالملاك, تقدم حتى فراشها ووقف ينظر اليها قليلا في حين سمع والدها وهو يختم قراءته ثم ما لبث ان نهض وتقدم اليه ووقف بجانبه وقال :
– زعلان عليها دلوقتى؟؟ يا ما قولتلك انا ماليش غيرها .. وللاسف صدقتك لما أكدتلى انك عاوزها وهتصونها وتحميها من اي حد ممكن يأذيها, ما جاش في بالي ان الحد دا ممكن يكون انت !!…مش هسامحك ابدا يا ( أمجد ) لو حصل لبنتي حاجه, أظن كفاية أوي لغاية كدا, انا هاخدها وارجع بيتنا تانى وتكمل علاجها وهى معايا, وانت لو فعلا بتعزها وعاوز مصلحتها اعتقها لوجه الله .. خليني احاول ارجع ( هبة ) بنتي من تانى …
ثم تركه وانصرف في حين جلس ( أمجد ) بجانبها على الفراش وقال بذهول حزين ودمعته تخط على وجنته بينما يمسك بيدها :
– معقولة ؟؟ اسيبك يا ( هبة ) ؟؟ معقولة حد يسيب روحه بإيده؟؟, والدك بيقول لو بحبك اعمل اللي يساعدك انك تخفي؟, وانا هثبتله انى بحبك .. وهثبت لك انتي كمان .. انا ماقولتهاش وانت واعية وسامعانى, ومعرفش هقدر اقولهالك تانى ولا لأ ؟؟ بس صدقيني انا فعلا بحبك .. ولا عمرى حبيت ولا هحب تانى غيرك ابداااااا يا ( هبة ) اوعى تنسي دا ابداااااااااا…..
ثم مال عليها مقبلا اياها على جبينها ونظر اليها قليلا ثم وضع يدها بجانبها ووقف ينظر اليها قليلا قبل ان يستدير و….. ينصرف ….
ترى هل سينفذ ( أمجد ) طلب ( يوسف ) والد ( هبة ) وينفصل عنها ؟؟؟…وهل هذ هو الحل لاستعادة ( هبة ) ذاكرتها أم أن ل ( أمجد ) رأي آخر ؟؟…و.. هل سينتهى الحلم عند هذا الحد ؟؟؟ …
رواية “حلم ولا علم” للكاتبة منى لطفى” الحلقة الثانية عشر
مر أسبوع قبل أن يسمح الطبيب لـ ( هبة ) بالخروج من المشفى مع وصف الدواء اللازم لها وتحديد مواعيد الجلسات النفسية, وعندما طلب منه والدها ان يرشح له اسم طبيب متخصص في حالتها في القاهرة تعجب الطبيب من السؤال ولكنه أعطاه اسم طبيب متخصص كما أراد …
في هذا الاسبوع اختفى ( أمجد ) فلا احد يعلمه عنه شيئا بالمرة, كما أغلق هاتفه المحمول, وغاب عن شركته فلم يستطع أي أحد من عائلته الاهتداء اليه …
بعد حديث والد ( هبة ) مع ( أمجد ) قرر ( أمجد ) ان يسافر ويبتعد فهو لا يثق في نفسه ان كان قريبا من ( هبة ), لن يستطيع منع نفسه من الذهاب اليها, فالحل هو الابتعاد عنها الى ان تشفى مما هي فيه ثم تقرر بنفسها ماذا تريد , وان كان متأكد انه سيقبل بأي قرار تتخذه الا الابتعاد عنها …
ركب الطائرة المسافرة الى اليونان لعله يصفي ذهنه فيستطيع اتخاذ القرار الصحيح , وما أن ربط حزام الأمان وسمع كابتن الطائرة يرحب بالركاب ويتمنى لهم رحلة سعيده حتى شرد بفكره مع أميرة خياله واحلامه ( هبة ) , تذكر انه لو سارت الامور مثلما كان مخططا لها لكانا الآن يقضيان شهر العسل سويا , نظر الى الكرسي الخالي بجواره وهو يتخيل وجهها أمامه وماذا كانت لتصنع لو كانت برفقته؟, ترى هل كانت سترتعب من الطائرة ؟ ام تضحك ضحكة طفلة سعيدة بركوبها الطائرة وسفرها ؟؟ هو يعلم جيدا ردود فعلها الطفولية فهي ان فرحت تظهر السعاده واضحة عليها وان غضبت يظهر بوضوح على ملامحها , اغمض عينيه وهو يأخذ نفسا عميقا ويهتف في نفسه:
– آآآه يا ( هبة ) … وحشتيني .. مش قادر اتصور انى مش هشوفك تانى …
وفجأة اذ به يفتح عينيه بعد ثوان وقد لمع العزم والتصميم في عينيه وسمع المضيفة تطلب من الركاب الجلوس في مقاعدهم استعدادا للاقلاع .. فمد يده ضاغطا على زر استدعاء المضيفة ونظرة عميقة تلمع في عينيه ….
– لو سمحت يا سيستر بنتى فين ؟, سأل والد ( هبة ) الممرضة المسؤولة عن ( هبة ) فهو لا يستطيع ان ينسى مدى ذعره لدى دخوله غرفة ابنته ليفاجأ بإختفائها!!
وكان قد حضر لإخراجها من المشفى بعد ان كتب لها الطبيب المعالج اذنا بالخروج , حيث قد مكث الاسبوع السابق في فندق بجانب المشفى ليكون قريبا من ابنته ورفض عرض الجد بالمكوث معهم بالرغم من إصراره الشديد …
انتظر ( يوسف ) سماع الاجابة عن سؤاله عن ابنته فقد خاف ان تكون حالتها قد ساءت وتم نقلها الى غرفة الرعاية المركزة مرة أخرى من دون علمه, ولكن الممرضة صدمته وهى تقول بينما تنظر في بعض الاوراق الخاصة بالمرضى :
– حضرتك قصدك ( هبة يوسف ال….), اشار برأسه بنعم , فرفعت رأسها من فوق الاوراق التى تطالعها ونظرت اليه بابتسامه خفيفة وقالت :
– الدكتور كتب لها على خروج وخرجت انهارده الصبح !!..
تساءل بذعر شديد :
– ايه ؟؟ خرجت انهارده الصبح ؟ خرجت ازاى لوحدها ؟ دى مريضة وفاقده الذاكرة ازاى تسيبوها تخرج لوحدها انا هوريكو انا….
قاطعته قائلة باستغراب :
– هو ايه دا اللى ازاى ؟ مريضة حالتها اتحسنت والدكتور كتب لها على خروج يبقى فين المشكلة ؟؟ وبعدين مين اللى قال لحضرتك انها خرجت لوحدها هى ما خرجتش لوحدها !! خرجت مع جوزها …
هتف بدهشة شديدة :
– اييييه ؟؟ جوزها ؟؟؟
نظرت الى الورق الذي بحوزتها ثم قرأت منه وهى تجيب:
– ايوة ..أ.( أمجد علي الدين ) جه انهارده الصبح وخلص اجراءات خروجها وخدها و مشي من زمان …
دهش ( يوسف ) من الخبر واتجه خارجا من المشفى وهو غير واعي لما حوله حتى انه قد شكر الممرضة بعبارات قصيرة غير مترابطة, أوقف سيارة اجرة حيث دل السائق على عنوان مزرعة جد ( أمجد ) وهو يهدد ويتوعد في سره , بينما انطلقت السيارة الى وجهتها….
ما ان فتحت ( سميرة ) الباب حتى دخل ( يوسف ) كالعاصفة وهو يصرخ قائلا :
– هو فين الاستاذ.. البيه.. سليل الحسب والنسب ؟؟, خليه يجيلي هنا يوريني نفسه !!
حضر الجميع سريعا على صوت صراخه وهتف الجد بدهشة :
– اهلا اهلا أ .( يوسف ) اتفضل ارتاح فيه ايه ؟؟ ايه اللي حصل ضايقك بالشكل دا ؟؟؟
نظر اليه ( يوسف ) وهو يحاول ان يتمالك نفسه فأولا و أخيرا لا ذنب للجد بما فعله حفيده فهو كان في غاية الشهامة معه ومع ابنته , حاول تمالك أعصابه وهو يقول بصوت هادئ نسبيا :
– ( أمجد ) فيييين ؟؟؟ حفيدك يا ( علي ) بيه خطف بنتي !!
وفجأة اذ بصوت قوي يدوي قائلا :
– انا مخطفتش حد يا عمي ( يوسف ) !!
فالتفت ( يوسف ) لينظر الى مصدر الصوت حيث ابصره يهبط السلم وسار الى ان وقف امامه فهتف به بحدة شديدة:
– روحت المستشفى علشان اطلع ( هبة ) مالئيتهاش, وعرفت ان انت خدتها, وديت بنتي فين يا ( أمجد ) ؟؟؟
أجاب ( أمجد ) بكل هدوء ونبرة مرتفعة قليلا :
– انا خدت مراتي – شدد على لفظ مراتي – .. مش خطفت بنتك .. و مراتي في بيتها …اظن من الطبيعي ان الواحد يرجع بيته ؟؟!
صعق ( يوسف ) ثم ما لبث ان تكلم بعصبية شديدة قائلا :
– ايييييييه ؟؟ مراتك ؟؟ بيتها ؟؟؟ انت واعى للي بتقوله ؟؟؟ بنتى علاقتك بيها انتهت لحد كدا !! واظن كفاية اللى جرالها منك .. بس ربنا يسهل واقدر اعالجها من اللي جرالها بسببك !!
سكت ( أمجد) قليلا ثم تحدث بمنتهى الجدّ والصرامة بصوت هدوووءه يخفي الكثييير من الغضب المشتعل بصدره فقال وهو يدير نظراته بين الموجودين :
– مع احترامى لحضرتك ولكلامك بس ( هبة ) مراتي …!! ومكانها معايا ….أنا !! ومافيش اي قوة تقدر تمنع دا .. حضرتك حبيت تهدى ونتكلم بوضوح ونتفاهم علشان مصلحة ( هبة ).. بنتك اللي هيا مرااااتي ( وشدد على لفظ مراتي ) كان بها .. مارضيتش يبقى اللي يريح حضرتك اعمله, في الاول والآخر حضرتك والد ( هبة ) مراتي, يعني حمايا واحترامك واجب …
اشتعل ( يوسف ) غيظا من كلمات ( أمجد ) واغمض عينيه قليلا ليأخذ نفسا عميقا واستعاذ في سره من الشيطان الرجيم ثم فتح عينيه ووجّه حديثه (أمجد) قائلا:
– والحل ؟؟
أجاب ( أمجد ) بابتسامة خفيفة :
– الحل.. اننا نقعد مع بعض ونتفاهم علشان مصلحة ( هبة ), لاننا احنا الاتنين أكتر اتنين قريبين منها, وياريت حضرتك تسمع كويس اللي هقوله …
قاطعه الجد بصرام قائلا :
– مش لوحده اللى هيسمعك يا ( أمجد ), ( هبة ) تهمنا كلنا وتهمنى انا جدا كمان, لازم احنا كمان نفهم اللي حصل دا حصل ليه ؟؟ وايه اللي بيحصل بالظبط ؟؟
هز ( أمجد ) برأسه موافقا على كلام جده ولكنه رغب في ان يقتصر الكلام بينهم هم الثلاثة وعندما حاولت والدته التعليق قال أمجد بابتسامة طفيفة:
– معلهش يا امي, صدقيني دا لمصلحة ( هبة ), كل ما قلّ اللي عارف بالموضوع كان في مصلحتها, انا عارف انك بتحبيها زى ( علا ) تمام بس الدكتور حذرنى من اى حاجه تحصل تخلي ذاكرة ( هبة ) ترجع لها بالقوة ..لازم تاخد وقتها ومن غير اي ضغوط …
أومأت امه برأسها متفهمة لكلامه بينما توجه ثلاثتهم لحجرة المكتب ….
جلس الثلاثة على الاريكة الجلدية السوداء في حجرة المكتب وبدأ ( أمجد ) الحديث قائلا :
– ارجوك يا عمي تسمعنى كويس وتحاول تفهمنى , اولا ..انا … انا فعلا كنت قررت انى ابعد عن ( هبة ) ولو بشكل مؤقت لغاية ما الذاكرة ترجع لها وهى اللى تقرر مصير ارتباطنا ولو ان جوايا كنت متأكد انى هعمل كل اللى هي عاوزاه ما عدا انها تبعد عنى.. علشان كدا قررت السفر لانى طول ما انا جنب ( هبة ) مش هقدر امنع نفسي انى أشوفها و أتكلم معاها و أطمن عليها .. القرار دا خدته تانى يوم الكلام اللى حضرتك قولتهولي…, ثم ضحك ضحكة خفيفة مريرة واكمل قائلا :
– تتصوروا انى بعد ما ركبت الطيارة وكانت على وشك الاقلاع انى .. انى .. نزلت منها !!…
نظرا اليه مندهشين فتابع :
– آآه .. بجد .. لاني مرة واحده سألت نفسي سؤال بسيط جدا انت عاوز ايه ؟؟, لاقيتني عاوز اكون جنبها واساعدها في محنتها, مش ابعد عنها واتفرج عليها وهى بتعانى لغاية ما توصل لبر الامان .. لأ… انا جوزها وهعافر معاها لغاية ما نوصل سوا ودراعى دا هو عكازها, وهي ما طلبتش مني اني ابعد.. يبقى أبعد ليه ؟؟؟ اول ما السؤال جه في بالي لاقيتني بطلب من المضيفة اني عاوز أنزل … وتخيلوا شكلها بأه .. اكييد قالت الراجل دا مجنون؟؟, دا طبعا غير الذعر والهلع اللي سببته لطاقم الطيارة لأنه ممنوع ان راكب يطلب النزول من الطيارة من غير سبب قوي .. وطبعا الكابتن طلب المختصين في المطار وبعد ما فحصوا جواز السفر بتاعى واتأكدوا انى رجل الاعمال المعروف ( أمجد علي الدين ال …) وافقوا على طلبي, ومع اني راكب درجة اولى وأثبت انى رجل الاعمال المشهور لكن المضيفين وطقم الطيارة كله كانو بيضربوا كف على كف ويقولو اكيد افتكر صفقة كبيرة اووي بالملايين كانت هتضيع منه ؟!..
ثم ضحك ضحكة حزينة وأكمل :
– مايعرفوش ان الصفقة دى صفقة عمري كله, وانها اغلى من ملايين الدنيا دي كلها, وانى مستعد لأي شئ غير انها تضيع مني, انا ما صدقت انها رجعت لي !!
سكت هنيهة ثم زفر بعمق ونظر الى يوسف هاتفا بقلب يحترق من أجل محبوبة عانت كثيرا من صده لها وعاند هو أكثر في الاعتراف بشعوره الحقيقي ناحيتها حتى أنه كان قاب قوسين أو أدنى من فقدانها, ولكنه لن يسكت بعد اليوم, فقد منحه الله فرصة أخرى ليثبت لهبة أنها نجحت فيما فشل فيه كثيرات غيرها, فقد جعلت المضخة التي تعمل بين جنبات صدره بصورة آليه, جعلتها تصرخ هاتفة بعشقها, هو لن يرجع ولو خطوة واحدة الى الخلف, وسيقف بجانبها الى أن تستعيد ذاكرتها, وسيثبت لها يوما بعدج يوم أنه يحبها بل أن قلبه يهفو شوقا اليها, نظر الى يوسف وتحدث بتصميم وعزم:
– صدقني يا عمي انا بخاف على ( هبة ) جدا, ومنايا تخف انهارده قبل بكرة, ودا يجيبني للسبب التانى اللي خلاني اخرّج ( هبة ) من المستشفى اجيبها على هنا …
نظر اليه جده و ( يوسف ) باهتمام فأكمل قائلا :
– انا بعد ما رجعت من المطار فضلت قاعد المدة اللي فاتت دى كلها في نفس المستشفى مع ( هبة ), ما كنتش بمشي الا قبل معاد الزيارة قبل ما حضرتك تيجي, كنت اتكلمت مع الدكتور فقال لى انه لازم ( هبة ) تطمن لي علشان تقدر تتكلم معايا وان دا مش هيحصل الا لما اقعد معاها كتير وفعلا كنت 24 ساعه معها ما اسيبهاش غير ساعه ما تنام او وقت الزيارة و واحده واحده ابتدت تاخد عليا وتتعود على الكلام معايا, وابتدى التحفظ بتاعها من ناحيتي يقل, ومع الوقت ابتديت احس بنظرتها ليا انها نظرة اعجاب او تقدر تقول بتحاول تفتكرنى ..
تساءل يوسف:
– بس غريبة.. ( هبة ) ما قالتليش خالص انك بتزورها ؟؟..
اجاب أمجد:
– انا طلبت منها دا , وقلتلها انه حضرتك زعلان منى وبتحملنى مسؤولية اللي حصل لانها كانت وقتها معايا, وانك هتضايق لما تعرف انى بزورها , وطبعا سألت عن سبب اللى حصلها قولتلها انها كانت معايا في المكتب وبنتناقش وكالعاده الكلام احتد بيننا فطلعت تجري بجري وراها حصل اللي حصل …
سأله الجد قائلا بجدية :
– وايه بأه سبب اللي حصل فعلا يا ( أمجد ) ؟؟؟
تطلع اليه ( امجد ) ثم نظر الى ( يوسف ) الذي هز برأسه يريد معرفة سبب ما حصل, فطأطأ برأسه الى أسفل ثم نظر اليهما وقد التمعت عيناه بمرارة الذكرى, وقد ارتسم تعبيرا غامضا لدى تذكره لما حدث يوم ذاك!!…
صحت ( هبة ) من نومها ودارت بعينيها في ارجاء الغرفة غير واعية اين هي, ثم تذكرت انها في منزل ( أمجد ), وان هذه غرفتها, فبعد ان خرجت من المشفى صباحا برفقته جاء بها الى هنا حيث قابلتها عائلته بحفاوة بالغة خاصة الجد ثم استأذنتهم لترتاح في غرفتها حيث اوصلها ( أمجد ) وبعد ان اطمئن عليها تركها لترتاح …
قامت ( هبة ) وبعد ان اغتسلت ذهبت لتتفحص ثيابها في خزانتها فوجدت ان معظم ملابسها عبارة عن ملابس كاجوال, من الواضح انها تميل الى البساطة والعملية في الثياب, ثم استرعى انتباهها فستانا مغلف بحقيبة بلاستيكية مخصص لحفظ الفساتين فاخرجته من الخزانه ثم خلعت عنه الحقيبة ففوجئت بروعة الفستان وجماله والذي خطف أنفاسها ما إن رأته, وضعته على جسمها ووقفت امام المرآه وهى تتفحصه عليها وتحدث نفسها :
– دا اكيد فستان كتب الكتاب ..( أمجد ) قالي اننا عملنا خطوبة وكتب كتاب مرة واحده لانه كان مستعجل اووى على جوازنا..
ضحكت بسعاده قليلا, هى لا تنكر ان مشاعرها تميل الى ( أمجد ) وبقوة.. مما جعلها تصدق ما يقول, هى بالفعل فاقده للذاكرة ولكنها ليست فاقده لاحاسيسها ومشاعرها, ودقات قلبها التي تتسارع ما أن يقع نظرها عليه أبلغ دليل على ذلك, حيث تخبرها بأنها بالفعل تكنّ له مشاعر عميقة, كما أن حدسها يهمس لها انها لا تتزوج لمجرد الزواج, ولكنها من هذا النوع من البشر الذي يعتبر الزواج لا بد وان يكون مبنيًّا على الحب..
اعادت الفستان مكانه ثم أخرجت فستان صيفي بلون التركواز يصل الى منتصف الساق ضيق من النصف العلوي الى الخصر ثم يتسع الى منتصف الساق ويحيط خصرها حزام جلدى على شكل جديلة من اللون الفضي .. وانتعلت حذاء متوسط الكعب فضي اللون..
مشطت شعرها الكستنائي اللامع وتركته طليقا ووضعت ملمع الشفاه عديم اللون, ثم أمسكت زجاجة العطر حيث وضعت بضع قطرات منها وعلمت عندما تنشقت رائحتها انها تحب رائحة الورود, فقد أعجبتها هذه الرائحة بالفعل..
كانت سعيده فيما هي تهبط السلم الى اسفل فهى تشعر انها ستشفى قريبا, فها هي تبدأ بتعلم بعض الاشياء عن نفسها وان كانت بسيطة, فقد علمت أنها تحب العفوية في الملبس, ولا تحب ادوات الزينة الكثيرة, فلم تجد لديها سوى بضعة اشياء محدودة للزينة, كما ان العطر ذو رائحه طبيعيه, وأهم شئ بدأت في تعلمه هو ….( أمجد ), وارتباطهما سوية!! …
وصلت الى اسفل السلم ثم وقفت قليلا لتتذكر اي اتجاه سلكه ( أمجد ) عندما جاءا صباحا, وقبل ان تتحرك اذا بها تسمع صافرة اعجاب طويلة وصوت يقول بمداعبة خفيفة :
– اييه دا ؟؟ اييه الجمال دا ؟؟ يا بختك يا ( أمجد ) يا خويا …
التفتت ( هبة ) الى مصدر الصوت بابتسامة مترددة ونظرت اليه وقالت بارتباك :
– عـ … علاء صح ؟؟ انت جيت المستشفى مع ( علا ) و طنط ( سعاد ) ؟؟
أجابها وهو يضحك ويمد يده لمصافحتها:
– ايوة مظبووط … بسم الله ما شاء الله عليكي, ويقولو ذاكرتك بعافية.. استني انت بس عليها شوية تشم نفسها وهى ترجعلك هوا, هى تلاقيها بس واخده اجازة شوية !!
نظرت هبة اليه بتعجب وقالت :
– مين دي اللي واخده اجازة وراجعه بعد شوية ؟
ترك يدها وهو يضحك قائلا :
– الذاكرة!, يعنى مين غيرها ؟؟
سكتت قليلا ثم ضحكت فجأة حتى ادمعت عيناها وقالت بينما هى تمسح عينيها :
– انت مش ممكن ! انت ماشاء الله عليك كدا على طوول ؟؟ يعني قصدى واخد الدنيا كلها هزار كدا ؟؟
فضحك وأجاب:
– كفاية واحد مننا واخدها جد هنبقى اتنين!, لا يا ستى انا اتنازلت عن الجد لـ ( أمجد ) اخويا واخدت انا الهزار, ايه رايك انا الكسبان صح ؟؟…
أجابته مدافعة بخجل :
– لا ما لاكشي حق تقول كدا, قصدك تقول ان ( أمجد ) دمه تقيل يعني ؟
قال بضحك وهو يغمزها بطرف عينه :
– يعني حاجه زي كدا ؟؟
هتفت بإعتراض ممزوج بالضحك :
– بالعكس بأه.. ( أمجد ) مافيش زيه في خفة الدم, تصدق ما كان حد بيعرف يخليني اضحك الايام اللي فاتت وينسيني اللى انا فيه الا هو ؟؟
نظر اليها متسع العينين وهو يقول بدهشة بالغة :
– مين دا ( أمجد ) ؟؟
قالت بحنو وابتسامة فرح صغيرة تزين ثغرها بينما تألقت عيناها بنظرة #حب:
– هو اللى كان مصبرني وكان بيعرف يخلي الضحكة تطلع مني ..
فردد بدهشة اكبر :
– ( أمجد ) ؟؟؟
نظرت اليه ضاحكة وهى تقول :
– ايه الحكاية انت مزهول اووي كدا ليه ؟؟ كل شوية ( امجد ) …( امجد ) ؟؟ ايوه هو ( أمجد ) ..
فضحك قائلا :
– طبعا مين يشهد للعريس؟, يا بختك يا عم ( أمجد ), هو فين ييجي يسمع الشعر اللي بيتقال فيه ؟؟…
– وراك على طول, واحسنلك تلم نفسك وتبطل تهريج على اخوك الكبير اكتر من كدا !! ..
التفت ( علاء ) لمصدر الصوت ليطالعه وجه ( أمجد ) المبتسم بغيظ ساخر له وتقدم منهما وهو يتابع فيما يمد يده ليمسك يد ( هبة ) التى اضطربت فور سماعها صوته وتسارعت دقات قلبها :
– ماتحاولشي تشوّه صورتي قدام ( هبة ) ها …وياللا بأه اتفضل.. زي عوايدك تيجي متأخر دايما.. روح غير هدومك علشان العشا ..
هز ( علاء ) برأسه ضاحكا وهويسير مبتعدا قائلا :
– انا ماشي, على رأي المثل.. العروسة للعريس والجري للمتاعيس
وانصرف تاركا خلفه قلبين يرجفان إحداهما شوقا وشغفا والأخرى تساؤلا ورغبة في معرفة المزيد عن فارسها الوسيم….
التفت ( أمجد ) الى ( هبة ) التى اسدلت نظرها خجلا منه فهى لاتدري الى أي حد سمع كلامها مع اخوه , مال عليها وقال هامسا :
– وحشتيني …
رفعت عينيها وأجابت وهى ماتزال تهرب بنظراتها :
– انت لحقت ؟ انت لسه سايبنى يدوب من ساعتين ؟؟ بلاش مجاملة ..
مد يده ليمسك بذقنها مديرا وجهها اليه وقال وعينيه تتشربان نظرة عينيها :
– انا عمرى ما اعرف لا ابالغ ولا اجامل, انا بقول اللى في قلبي, ودلوقتي ممكن سمو الأميرة تتكرم وتقبل انها تيجي معايا علشان زمانهم كلهم في انتظارك مولاتي الأميرة!!
ضحكت بخجل في حين توردت وجنتيها حياءا من تدليله لها, وتأبطت ذراعه متجهة معه حيث مكان تواجد الجميع…
بعد تناول طعام العشاء اجتمع الجميع في الحديقة حيث يحتسون الشاي, قاطع ( أمجد ) أحاديثهم الدائرة قائلا :
– معلهش.. بعد اذنكم يا جماعه, عاوز ازف لكم بشرى جميلة …
نهض واقفا من مكانه وامسك بيد ( هبة ) لتقف هي الأخرى امامه ومال اليها ناظرا في عينيها وتابع بابتسامة #حب :
– عمى ( يوسف ) فرّح قلبي انهرده بموافقته اننا نتمم فرحنا انا و ( هبة ) يوم الخميس اللى جاي …
دهشت ( هبة ) ثم ما لبث وجهها ان احمر خجلا وهربت بعينيها الى الارض فيما بادر الجميع بتقديم التهانى وتقدم ( يوسف ) من ابنته يحتضنها ويقبلها على جبينها قائلا :
– مبروووك يا حبيبتي الف الف مبرووك, انا لو مش متأكد ان ( أمجد ) بيحبك فعلا و هيحافظ عليك ويصونك انا كنت أجلت الموضوع لغاية ما ربنا يكتب لك الشفا, لكن اعمل ايه؟, خلى بالك جوزك عنيييييد جدا, ولما بيحط حاجه في دماغه مش بيهدا غير لما بينفذها …
عندما نظر ( يوسف ) الى وجه ابنته تأكد من صواب قراره بموافقة ( أمجد ) على الاسراع بالزفاف في حين انه كان متخوفا من هذه الخطوة خاصة بعد ان حكى له ( أمجد ) السبب الذي جعلها تركض بهذه الحالة الهيستيرية, وقد تأكد تماما من أن أمجد لا ذنب له بما حدث بل إنه مجنيّا عليه تماما كـهبة!
لكن, ما يقلقه هو عندما تستعيد هبة ذاكرتها, ترى هل ستلومه لاتمام الزفاف وهو يعلم ان ما حدث كان بسببه؟, ولكنها لا تعلم حقيقة ما حدث وانه بالفعل مظلوم !!
جلس ابوها ينظر اليها والى سعادتها وهى تجلس بجوار ( أمجد ) يتحدثان معا وابتسامة خفيفة تزين شفتيه ويتذكر وجهها حيث صعد اليها في وقت سابق – للإطمئنان عليها – بعد حديثه مع الجد و ( أمجد ) وكيف كانت نائمة في هدووء وكأنها لم تنم منذ زمن طوييل …
قالت ( هبة ) لـ ( امجد ) بمعارضة خفيفة :
– معقول يا ( أمجد) ؟؟ فرحنا يوم الخميس ؟؟ يعني بعد 3 ايام ؟؟ انت بتتكلم جد ؟؟
قال ضاحكا وهو يمسك يدها في حين جذبتها بعيدا عنه في خجل منه ومن الجالسين حولهما :
– آه طبعا بتكلم جد, احنا مش بنهزر هنا ! واحمدى ربنا انى ماخالتهاش انهارده!, مع انى بصراحه كنت بفكر فيها يوم خروجك من المستشفى يبقى يوم فرحنا, وتبقي ترتاحى يا ستي بعد كدا زى ما انت عاوزة!, بس رجعت وقلت لأ.. انا عاوزك تكونى كويسة وتكون صحتك تمام لانى بصراحه عاوزك تتمتعى بيوم فرحنا , انا عاملك مفاجأة جمييلة ..
نظرت اليه وتعابير حانية ومشاعر عميقة تطل من عينيها الرماديتين جعلته يسبح فيهما وهمست بصوت كهمس العصافير:
– انا مش عاوزة اى حاجه غير انك بعد الجواز ما تندمش انك اتسرعت .. بُص يا ( أمجد ) انا مش عاوزاك تتمم الجواز علشان دا واجب عليك او انك حاسس انك المفروض تعمل كدا, أمجد انا فاقده الذاكرة لكن معنديش القلب فهتخاف عليا من الصدمة!, علشان كدا انا بفضّل اننا ننتظر شوية لغاية ما اشوف العلاج اللى انا باخده هيوصلنا لفين …
نظر اليها أمجد بكل جدية وقال :
– لو فاكرة انى هتجوزك عطف وشفقة وواجب تبقي غلطانه, ابسط حاجة لو دا صحيح يبقى اقف جنبك لغاية ما تقفى على رجليكي من تانى وتخفي وخلاص, لكن انا بعد اللي حصل بئيت مش عاوزك تغيبي عن عيني لحظة واحده, ودا مش هيحصل غير لما نتمم الفرح ويتقفل علينا باب واحد …
نظرت اليه متسائلة :
– ممكن أسألك سؤال ؟؟
أومأ برأسه موافقا فتابعت :
– ايه سبب الخلاف اللي كان بيننا وخلانى اجري بالشكل دا ؟؟؟
سكت قليلا ثم أجاب بهدوء ونظرة غامضة سادت عينيه :
– ابدا.. انت حضرتك كالعادة لازم تجادلى في أي حاجة أطلبها منك, كنت عاوزك تبطلي شغل بعد الجواز بس انت بردو كالعاده اتنرفزت ورفضت ومرضتيش باللي بقوله وخدت في وشك وخرجت وانت بتجري حصل اللي حصل وللاسف مالحقتكيش..
علقت ضاحكة :
– تصدق انى ظلمتك ؟!
نظر اليه متسائلا فقالت :
– آه.. بصراحه قلت في بالي لا تكون طلعت متجوز ومخبي وراك 3 عيال بأمهم ؟؟
بُهت ( أمجد ) قليلا واجاب :
– لالالا أبدا, انا عمري ما اعمل كدا, و إلا ماكانش والدك وافق عليا اساسا, بس ايه اللي خلاكى تفتكرى ان الموضوع فيه واحده ست ؟؟
أجابت بتلقائية :
– ابدااا حسبة بسيطة .. اللي يخلي واحده تطلع تجري بالاسلوب دا حاجه من اتنين يا سمعت خبر مش كويس عن حد عزيز اووي عليها, يا اما عرفت ان جوزها خانها ….
نظرت اليه عميقا وفجأه اذ بها تضع يدها على رأسها وهى تئن فأمسك ( أمجد ) بيدها وهو يقول بلهفة :
– ( هبة ) مالك يا حبيبتي فيه ايه ؟؟
أجابت وهى تمسد صدغيها بيديها :
– معرفش يا ( أمجد ) صداع مرة واحده معرفش من ايه؟, وجامد اووي ..
أوقفها ونهض معها ونظر الى الجميع متعذرا بأن هبة تشعر بالتعب وانها تود الخلود للراحة.., وانصرف مصطحبا اياها الى غرفتها يرافقهما ( يوسف ) ليطمئن على وحيدته …
حالما اطمئنا عليها بغرفتها جاءت ( علا ) حاملة كوب من الحليب المحلى الدافئ وهى تقول :
– انا جبتلها كوباية لبن دافي بعسل نحل تشربها, هتخليها تعرف تنام كويس ومش هسيبها غير لما اطمن عليها …
شكرها ( يوسف ) و ( أمجد ) حيث ربت ( أمجد ) على راسها وتركها مع ( هبة ) وانصرف مع عمه الذي سأله عن سبب ذلك التعب المفاجيء الذي ألم بابنته بينما يسيران في الممر الطويل الذي يفصل بين الغرف, فأجاب ( أمجد ):
– الدكتور كان قالى انه كل ما حاجه تحصل تخليها تفتكر موقف مشابه او كل ما الذاكرة تحاول ترجع هيحصلها كدا, عموما انا هكلمه بكرة ان شاء الله علشان أطمن أكتر..
انصرف كل منهما الى غرفته و ( أمجد ) يفكر في قرارة نفسه انه قد اتخذ القرار الصحيح لاتمام الزفاف, فهو يعلم جيدا أنها متى ما استعادت ذاكرتها فستصر على الانفصال ولن تمنحه الفرصة لشرح الأمر لها, ولكن بعد اتمام الزواج فسيعمل على أن تعلم بالدليل القاطع مدى حبه وعشقه لها وانه لو اقتضى الامر ان يسخر كل دقيقة من عمره ليؤكد لها مدى حبه فهو لن يتأخر ابدا …
ما يهمه الآن ان يبتعد عما يثير ذاكرتها, فهو في غنى عن اي تعقيدات اضافية, يكفيه ما حدث الى الآن, كما لا بد له ان يتأكد من ابتعاد انسان بعينه عن مدار هبة, ويعمل على ألّا يستطيع الوصول اليها, ولم يكن هذا الشخص سوى ….( سارة ) ..
اقسم بداخله بأنه لو صدر منها أي فعل يضر بـ ( هباه ) فهو لن يتوانى عن التصرف معها وبقسوة شديده, فمن يأذي ( هبة ) لن يتوانى عن نفيه كليا عن وجه الارض, هو لن يسكت عما تسببت به من أذى لهبة, ولكن الانتقام طبق يفضل أن يؤكل باردا, وقد تعهد أنه عندما ينتهي منها ستتمنى لو لم تولد قط !!
مرت الايام السابقة عن الزفاف كلمح البصر, وعلمت ( هبة ) ان ( أمجد ) كان قد قام بتجهيز طابق كامل في الفيلا لهما قبل الحادث حيث كان من المفروض ان يتزوجا بعد الحادث بيوم وعندما سألت عن فستان الزفاف اخبرتها ( علا ) ان الفستان بجميع لوازمه هدية من ( أمجد ) وانه قد اشتراه لها من باريس وانها لن تراه الا يوم الزفاف, وعندما استغربت كيف وهو لايعلم مقاسها قالت ( علا ) بمرح :
– يا سلام وهو يعني كان يعرف مقاسك في فستان كتب الكتاب اللي خلاه يعرفه قبل كدا يخليه يعرفه دلوقتى ….
خجلت ( هبة ) فيما نهرتها والدتها التى اصرت على ( هبة ) ان تناديها ( ماما سعاد ) كما كانت تناديها قبل الحادث .. حكى والد (هبة) لابنته عن طفولتها وعن والدتها المتوفاة وانها كانت تعمل لدى ( أمجد ) وكيف خطبها فيما تذكرت كلام ( أمجد ) وهو يداعبها قائلا :
– تعبتيني على ما وافقتي, ما كانشي ناقص غير انى اخطفك!!
قالت بمرح :
– واللي انت عملته دا ايه مش خطف ؟؟, تحطنى قدام الامر الواقع في كتب الكتاب!, انت بجد في منتهى الغرور …
اعتمد أمجد الصارحة المطلقة في كل ما رواه لها عن علاقتهما وكل ما مرّا به منذ بداية ارتباطهما, متبعا لتعليمات الطبيب ولكنه لم يذكر اسم ( سارة ) مطلقا فلو استطاع لمحى اسمها من على وجه الارض كلية …
وقفت ( هبة ) تنظر الى نفسها في المرآه – بعد ان ارتدت الفستان وقد ارتدت معه الطقم الماسي المطعم بالياقوت الذي عرفت انه شبكتها من ( أمجد ) – وذلك في جناح الفندق الذي سبق واختاره ( أمجد ) للزفاف, وكان مفاجأه على حد قوله, فهو فندق خمس نجوم يطل على النيل, وقد ابهرها منظر الجناح الخاص بالعرائس والذي ينطبق تماما على اسمه ( الف ليلة وليلة )..
نظرت الى نفسها وفستانها وزينتها وهى لا تكاد تتبين ملامحها حيث شعرت انها سندريلا التي تنتظر اميرها … سمعت ( علا ) تقول وهى ترتب لها وشاح الزفاف :
– بسم الله ما شاء الله, ربنا يكون في عونك يا ( أمجد ), انا متاكده ان عقله هيطير اول مايشوفك …
في حين تقدمت منها حماتها وهى تمسح عبرة هاربة وتقول وهى تحتضنها :
– الف الف مبرووك يا بنتي, ماتتصوريش سعادتي انهارده أد اييه, ربنا يتمم لكم فرحتكم بخير يارب, وافرح بولادكم … تضرجت وجنتى ( هبة ) بحمرة الخجل … وسمعت صوت طرقات الباب ووالدها يخبرها ان عريسها بانتظارها …
فتحت الباب ( علا ) وتقدمت ( هبة ) حيث طالعها والدها الذى التمعت الدموع في عينيه واقترب منها مقبلا اياها وهو يقول :
– الحمد لله انى عشت وشوفتك عروسة زي القمر, ربنا يباركلك في جوزك ويرزقكم الذرية الصالحه يا بنتي يارب…
ثم تأبط ذراعها وقد أخفت وجهها بطبقة شفافة من وشاح الزفاف الأبيض الهفهاف من قماش الشيفون …
سارت مع والدها حتى وصلا الى السلم حيث هبطت الى الأسفل برفقته وسط زغاريد الفرح التي انطلقت من أفواه بعض النساء المدعوات, وصوت موسيقى الزفاف يتبعها, وهى لا تكاد تعي شيئا مما يقولون فصوت دقات قلبها قد طغى على كل ما عداها, ثم رفعت نظرها ما ان وقف والدها أسفل الدرج وسقط نظرها عليه واحتبست أنفاسها … أمعقول ما تراه؟, هل هذا الامير الوسيم الذي يقف منتظرا اياها هو عريسها هي ؟؟ انها لا تصدق!, لابد انه حلم ؟! وإن كان حلم فهي لا تريد الاستيقاظ منه !!…
تقدم ( أمجد ) حتى وقف امامها في حين صافح حماه الذي قدمها له وقد اخفضت رأسها خجلا ونظرت الى الارض في حين قام هو برفع الغطاء عن وجهها واحتبست انفاسه مما يرى من جمالها واشعاعها كالنجمة المضيئة و مال على جبينها يقبلها قبلة طويله وهو يهمس لها :
– مبروووووك …., ثم تأبط ذراعها ووقفا استعدادا للزفاف ….
دخلا القاعه وقد جلسا في المكان المخصص للعروسين وطوال الوقت لم يترك يدها حتى عندما صدح المطرب المشهور بأغاني الفرح رفض ان يترك يدها حيث جاءت صديقاتها – التى قد دعتهم بناءا على تعليمات يوسف والذي أشار عليها بأسماء صديقاتها كي تدعوهن لحضور زفافها ولم يعلمن شيئا عن أمر فقدانها للذاكرة فهي لم تنفرد بهن الا قليلا – ليجذبنها لتشاركهم الرقص ولكنه رفض وأصر ….
صدحت موسيقى لحن الزفاف ( الفالس ) وتقدما العروسان ليفتتحا الرقص وضع يديها حول رقبته وأحاط خصرها بذراعيه وتمايلا على الالحان الراقصة ولم يدع نظره يغيب عنها فقالت بخجل وهى تبتعد بنظرها عنه :
– ( أمجد ) مش كدا ؟؟ انا بتكسف … شيل عينك شوية رقبتي تعبتني من كتر ما انا لوياها بعيد …
فضحك بسعاده وقال :
– اشيل عيني ؟؟ طيب ولو شلتها عنك تحبي احطها على ميين؟؟, اختاريلي انت واحده احطها عليها ؟؟
فغرت فمها دهشة ثم قالت بغضب خفيف وهى تقطب جبينها :
– انت هتبتديها من اولها ؟؟ لا يا عم ان كان كدا مش لاعبه … ألف وارجع تاني !! انت حر..آه هقولهم عيلة و غلطت ورجعت في كلامها …
ضمها اكثر اليه وقال ضاحكا بحب :
– تلفي ايه ؟؟ هو دخول الحمام زي خروجه ؟؟ لو هتلفي يبقى هتلفي معايا نخرج احنا الاتنين من هنا مع بعض .. وبعدين رقبتك تعبتك من كتر ما انت لاوياها هناك.. هاتيها هنا!, خليني أمتع عيني بأحلى عينين شوفتها في حياتي …
انتهت الرقصة وسط تصفيق من الحاضرين ثم انضم اليهما باقي الضيوف في الرقصة التالية …
جاء وقت تقطيع كعكة الزفاف المكونة من عشرة أدوار حيث حضرت وسط دخان كثيف ملون وقد تزينت بشرائط ملونة وقاما بصعود سلم صغير لتقطيعها, حيث تبادلا بعد ذلك اطعام بعضهما البعض منها, ثم افتتحا مائدة الطعام والتي كان تضم كل ما لذ وطاب وما خطر ومالم يخطر على بال الحاضرين من اصناف شهية وحلويات …
اوشك الزفاف على الانتهاء وتلقيا التهانى من المعارف والاصدقاء ووصّتها والدته عليه ووصّته عليها وهكذا فعل والدها الذي ضمها طويلا واخبرها ان تستمتع بوقتها وانه في انتظارها عند عودتها من شهر العسل والذي جعله ( أمجد ) مفاجأة لها – وكان والدها قد اخبرها بالترتيبات التى سبق واتخذوها من عمله مع ( امجد ) وسكنه معهم ولكن في شقه منفصلة في العليّة حيث قام ( أمجد ) بتجهيزها كشقة لوالدها حتى لا يشعر بعدم الراحه في اقامته معهم مع تأكيده انه لن يستخدمها الا اثناء النوم فقط – ما ان تركها والدها حتى مالـ ( أمجد ) على اذنها هامسا :
– ايه حكاية ابوكى دا ؟؟ لا معلهش يعني.. فرحان ببنته ومبسوط ماقولناش حاجه.. لكن مش كل شوية حضن وبوسة انت خلااص بئيتي ملكية خاصة دلوقتى ..
فوغزته في خاصرته حيث تأوه وقالت :
– لا والله ؟؟ دا بابا وانا بنته يعني ايه يعني ؟؟؟؟
نظر اليها متوعدا وهو يقول :
– طيب يا بنت ( يوسف ) اما خليتك تبطلي لماضة ما بئاش انا!!, لا وهعرفك كويس اووى يعني ايه يعني ؟!
ورفع لها حاجبه بمكر في حين انها ارتبكت ولم تستطع الرد عليه …
جاءت تسير بين المدعوين وهى تتمختر في فستان سهرتها الأسود كسواد قلبها حتى اذا وصلت الى العروسين اللذان كانا واقفين لتحية الضيوف قبيل انصرافهما وقفت خلف ضيف كان يقوم بتهنئة العروسين, وما ان انصرف حتى ظهرت هي بكامل هيئتها والتي ما إن رآها ( أمجد ) حتى ماتت ابتسامة الترحيب على شفتيه وهو ينظر مذهولا غاضبا متسائلا فهو قد حرص على ألا يحضر الزفاف الا من كان معه بطاقة دعوه حتى نزلاء الفندق رفض حضورهم حفل الزفاف فكيف أتت ؟؟….
نظرت ( هبة ) اليه دهشة من وجومه ثم نظرت الى الفتاة التي وقفت امامها بكامل زينتها وهيئتها والتى لم تكن سوى …(ساااارة )!!
لا تدري ( هبة ) لما انقبض قلبها فجأة عندما رأت هذه الفتاة واندهشت من ( أمجد ) الذي لم يقوم بعملية التعارف بينهما كما فعل مع باقي الضيوف حيث كان يميل هامسا في اذنها اسم الضيف حتى وان كان من صديقاتها وقد التقى بهم قبل الزفاف حتى لا يشعر اي شخص بأي شئ غريب , مدت ….( سارة ) يدها لمصافحة ( هبة ) والتي صافحتها وسط شعورها بالغرابة من نفسها وبهذا الاحساس الغريب الذي انتابها ما إن رأتها, ولما هذا الشعور الذي كان يخالجها بأنها يجب أن ترفض مصافحتها!!, ولكنها رمت ما توارد الى عقلها جانبا وشدت من قامتها وهي تحدث نفسها أن سبب شعورها ذاك هو عدم اخبار امجد لها بمن تكون..
مدت سارة يدها بعد ذلك الى ( أمجد ) والذي نظر اليها شذرا ونقل نظراته الى يدها الممدودة أمامه لثوان وسرعان ما صافحها ضاغطا بقسوة على يدها حتى أنها كتمت تأوها وقد خامرها الشك أنه يتمنى لو كان عنقها هو الذي بين يديه الآن بدلا من يدها!!..
آثر امجد مصافحة هذه الافعى الملعونة ليس عن خوف منها ولكن حتى لا يثير الاقاويل في نفس ( هبة ) , قالت ( سارة ) بابتسامة خبيثة ولمعة مكر في عينيها :
– مبروووك الف مبروك يا عرايس .. مبرووك يا ( هبة ) ..
ثم نظرت الى ( أمجد ) طويلا وتابعت :
– مبروووك يا …..( موجي ) !!, ثم ضحكت ضحكة سخرية صغيرة وابتعدت تاركة ( هبة ) وهي تقف غاية في الذهول والدهشة من طريقتها في مخاطبة ( أمجد ),مندهشة لا تعلم لما كان للقب ( موجي ) الذي نادته به هذه الفتاة هذا الوقع السيء في نفسها؟, فهى تكاد تجزم انها سمعته قبل ذلك ولكن متى وأين ؟؟؟, لا … تعلم!!
والتفتت ( هبة ) الى ( أمجد ) تسأله بجدية خفيفة :
– مين البنت دى يا ( أمجد ) ؟؟ شكلها مش مريح ! وايه حكاية ( موجي ) دي ممكن أعرف ؟؟
نظر ( أمجد ) اليها وهو يحاول جاهدا ايجاد اجابة مقنعة, فقد أفقدته مفاجأة حضور ( سارة ) سرعة بديهته في الرد على ( هبة ), في حين ظلت ( هبة ) واقفة في انتظار سماع جوابه وهي تنظر اليه نظرة مليئة بالشك.. , أغلق ( أمجد ) عينيه وزفر عميقا وهو يدعو الله ان يلهمه الجواب الصائب ….
ترى ما سيكون جواب ( أمجد ) ؟؟ وهل ستقتنع ( هبة ) ؟؟
رواية “حلم ولا علم” للكاتبة منى لطفى” الحلقة الثالثة عشر
استيقظ ( أمجد ) مع اولى خيوط الفجر وتطلع الى الوجه الملائكي الذي ينام بجواره , لا يستطيع ان يصدق انها هنا بجانبه تنام ملئ جفنيها أمام عينيه , لايستطيع تخيل ايامه ولياليه بدون طلتها الجميلة, لا يريد تذكر ايام الحادث فجسده يسري فيه قشعريرة شديدة البرودة كلما تذكرها وهي بين ذراعيه ودمها يلوث يديه تتأرجح بين الحياة والموت!, سيظل طوال عمره يشكر الله على اعادتها اليه ثانية, وسيبذل كل ما في وسعه ليجعلها تحيا حياة سعيده خالية من الهموم , فالتجربة التى مر بها جعلته يتيقن ان اليوم الذي يمر لا يعوّض..
كان يخشى من حبها الذي جرفه كالطوفان, كان يكابر ويعاند ولا يريد الاعتراف بحبها الذي اخذ يتسلل تحت جلده من دون ان يشعر, هو لن ينسى حال والدته بعد وفاة والده, لن ينسى صديقه المقرب وما آل اليه حاله عندما هجرته حبيبته من أجل عريس غني وإن كان من عمر والدها, كان هو وخالد أصدقاء منذ الطفولة, ولكن أسرة خالد كانت أسرة متوسطة, وأحب خالد زميلتهما رحاب, بل هام #حبّا بها, واتفقا على الزواج ما إن ينتهيا من الجامعه ويحصلا على الشهادة الجامعية والتي ستتيح لهما العمل لبناء حياتهما سوية, كان خالد رجلا بحق, فقد تقدم رسميا لوالدها, وحصل التواق بين العائلتين, فعائلة رحاب من الطبقة الكادحة وبالنسبة لها خالد وعائلته مكسب كبير, خاصة وأن خالد قد رفع عنهما أعاباء جهاز العروس وتحمله هو قائلا بأنه لا يريد عروسه سوى بحقيبة ثيابها فقط, وأنهما سيعملان على بناء منزلهما الصغير سوية , وتمت الخطوبة, لا يزال يتذكر الفرحة التي كانت تتقافز في عينيه يوم خطوبته بمن اختارها قلبه, وتخرج خالد وحنان من الجامعه, وعملت حنان في شركة كبيرة ملكا لوالد زميلة لها كانت صديقتها طوال سنون الدراسة الجامعية وهي التي توسطت لها لدى والدها, بينما خالد فقد تعب كثيرا الى أن وجد وظيفة صغيرة في احدى الشركات الصغيرة بمرتب ضئيل ولكنه كان متفائل أنه سيستطيع الحصول على وظيفة أفضل بمرتب أكبر ما إن يكتسب الخبرة اللازمة من عمله في هذا المكان…
وكما يحدث في الأفلام تماما, لفتت حنان نظر رئيسها المتصابي بجمالها, كان رئيسها المباشر قد شارف الخمسين ومتزوج وله من الأبناء اثنان يقاربان حنان عمرا, وبدأ بالتقرب منها , وخطوة خطوة بدأ خالد يشعر بتغير حنان من ناحيته ويشكي لأمجد, الى أن جاء يوم أعادت فيه حنان خاتم الخطبة وجميع هداياه مع شقيقها الأوسط والذي شعر بالخجل الشديد من خالد, كانت عائلتها جميعها تحبه وحزنوا لما فعلته ابنتهم ولكنها الحاجة التي جعلت الأب يصمت ولا يتدخل بإختيار ابنته التي ناصرتها أمها, فهي تريد لأبنتها السعادة والتي بالنسبة اليها تتمثل في المال والمال فقط, وأن الحب ما هو الا كلام روايات لا يسمن ولا يغني من جوع!!
وتزوجت حنان و…. تبدل خالد تماما!!, لم يعد صديقه الذي يعرفه, كان أمجد يحاول مرارا أن يقنعه بالعمل معه, ولكن خالد كان يرفض وبشدة حتى أثناء ارتباطه بحنان, لم يكن يريد أن يعتقد أيّ شخص أنه استغل صداقته بأمجد في ايجاد وظيفة مرموقه له, فكان أن رفض أن يسعى أمجد له في ايجاد وظيفة أفضل مما كان فيها, ومن سخرية القدر أنه في ذات التوقيت التي فسخت فيه حنان ارتابطها به كان قد أزمع على الذهاب لأمجد كي يساعده في الحصول على وظيفة أفضل, بعد كثرة الشجارات التي كانت تحدث بينه وبين حنان والتي خشي أن تسأم من طول المدة أو أن يضغط عليها أحد من أهلها فتتركه!!..
أصبح خالد شبح في صورة إنسان ليصاب بإكتئاب حاد وينهار فيدخل مصحة نفسية للعلاج و…. يموت خالد!!
أفصحت معاينة الاطباء له أنه قد أصيب بتوقف مفاجيء في عضلة القلب مما أدى الى الوفاة, والعجيب في الأمر أن أمجد كان في زيارته بالمصحّ قبل وفاته بيوم وقد صرح له خالد بابتسامة ذابلة أنه يعتقد أنه لن يشفى قبل أن يتوقف هذا القلب عن العمل, فهو سبب علّته ودائه!!..
كل هذا جعله يقرر انه ابدا لن يقع في تلك اللعنة المسامة بالحب!, بل إنه سيُعمل عقله في كافة أموره حتى العاطفية منها, فالعقل هو السبيل الوحيد كي يحيا الانسان حياة آمنة بعيدا عن القلب وتقلباته وأهوائه!!
كثيرا ما كان يعاند قلبه رافضا الافصاح عن حبه لهباه, وكان كلما هدّدت ( هبة ) بتركه يوهم نفسه أن تشبثه بها وإصراره عليها انما لانه يريدها لأنه توافق شروطه في مواصفات شريكة الحياة التي يريدها وليس لحبه الشديد لها وولعه بها!!, حتى حدث ما حدث… ليفاجيء انها ستضيع من بين يديه ولم يصرح لها بحبه ابدا, ليقسم بينه وبين نفسه انه ما إن يكتب الله لها النجاة فهو لن يجعل يوما يمر من دون ان يصرح لها بحبه الشديد وعشقه لها …
قطب متذكرا الليلة السابقة – ليلة الزفاف – وسؤال ( هبة ) عن من تكون ( سارة )؟, وكيف انه ارتجل الإجابة بأنها من معارفهم القدامى ونظرا لتربيتها المنفتحة فهذه طريقتها في التحدث معه, وابتسم عندما تذكر رد ( هبة ) عليه قائلة وهي تقلب وجهها ممتعضة :
– نعم؟, تربيتها؟!!, قصدك تقول قلة تربيتها حضرتك؟!
ضحك ضحكة خفيفة وهو يعاود النظر اليها هامسا بحب:
– هو دا اللي شدني ليكي.. طفولتك وبساطتك.. مابتحاوليش تزوّقي الكلام.. صريحة وواضحة و …عنيدة!, ودا اللي بيجنني … بس على قلبي زي العسل .. اعملى اللي نفسك فيه أنا راضي …..
فوجئ بمن يتكلم بهمس خافت وعينين فيهما اثر النوم ويلمع فيهما لمعة شقية :
– اعتبر دا وعد؟!
ابتسم في وجهها ابتسامة واسعه وقال :
– صباح النور على احلى اميرة , وعد ايه بأه حضرتك اللي عايزاه ؟؟
فابتسمت بشقاوة محببة وهى تجيب بدلال:
– وانا مالي انت اللي قلت ! اعملى ما بدالك وانا موافق .. ايه هترجع في كلامك ؟؟
أجابها مبتسما :
– وانت حضرتك عاوزة ايه وعاوزانى اوافق عليه من غير كلام؟؟؟
قالت بابتسامه ناعمة:
– لا طالما الموضوع فيه انك توافق من غير كلام فسيبني بأه افكر في حاجه تستاهل …
علّق بابتسامة #حب ونظرات عشق دغدغت حواسها:
– انت تؤمري , شبيك لبيك ( أمجد ) بين ايديكي .. اللي عاوزاه شاورى بس وسيبي الباقي عليا …
قالت بخفوت وهى تسبل عينيها خجلا :
– ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك ابدا ….
فأغمض عينيه وزفر زفرة طويلة وأجاب:
– يااااااه , ثم نظر اليها متابعا وعيناه تلمعان بلمعة الحب :
– ربنا ما يحرمني منك ابدا .. احلى دعوه سمعتها .. أد كدا انا غالي عندك يا ( هبة )؟!
أجابته بهمس ووجنتيها بلون ثمرة الفراولة الطازجة:
– انت لسه معرفتش انت غالي عندي أد ايه؟, انا بيتهيألى انى معرفتش يعني ايه الحب الا لما شوفتك وقابلتك و …
سكتت ليحثها على المواصلة برجاء قائلا بهمس خافت :
– و… وايه يا ( هبة ) ؟؟ قوليها ..
ابتسمت بحب ورفعت عينيها اليه تطالعه بحب قد نفذ الى صدره مباشرة من بريق عينيها وقالت بهمس :
– وحبيتك !!…
زفر براحه وأجاب وهو يسند جبينه على جبينها بهمس :
– بحبك…
لمعت عيناها بشوق بينما إزداد وجيب قلبها وهي تسمع حبيبها يهتف بحبه لها في حين استمر هو قائلا :
– بحبك .. وعمري ما حبيت ولا هحب غيرك, انت احلى حاجه في حياتي, انت هبة ربنا ليا… انت هِبايا ….
ثم ابتسم بمكر وهو يتابع:
– أنما صحيح مش الأول تخلصي اللي عليكي وبعدين تطلبي اللي انتي عاوزاه؟..
ابتسمت بحيرة وأجابت وهي عاقدة جبينها:
– اللي عليا؟, وايه هو اللي عليا؟؟
أجاب وهو يسلط نظراته على شفتيها الكرزتين فيما يميل مشرفا عليها وأنفاسه الساخنة تضرب صفحة وجنتها القشدية وهو تائه بين كرزتيها النديتين:
– هننصب؟, انت ناسية يا آنسة أنك نمتي مني امبارح؟, زي ما أكون كنت بقولك حدوتة قبل النوم!, صلينا واتعشينا ولسه بنقول يا هادي وابتدينا نتكلم ونسمّي لاقيتك روحتي مني خالص!, شيلتك وجبتك تنامي هنا, وانتي طول الليل نايمة وبتحلمي وسايباني أنا أعض في صوابعي!!..
أخفت هبة ابتسامتها بصعوبة وتصنعت البراءة وهي تجيب:
– وإيه اللي خلاك ما تنمش؟, وبعدين تعض في صوابعك ليه بس؟, ينفع كدا يعني يا أمجد؟, حد يعمل كدا؟, لو شافك حد بتعض في صوابعك دلوقتي يبقى شكلك ازاي؟, راجل ما شاء الله طول بعرض بإرتفاع ويعض في صوابعه إزاي……
هتف مقاطعا إياها وهو يضع راحته فوق فمها:
– هشششش خلاص!, انتي ما صدقتي!, بردو عماله تغيري في الموضوع بس لأ, انتي مديونالي يا آنسة!!..
عقدت جبينها هاتفة بحنق طفولي:
– آنسة .. آنسة …, ايه حكاية آنسة معاك اللي انت ماسكهالي دي؟, أنا فرحي كان لو كنت ناسي!!
أجاب بمكر وهو يهتف أمام شفتيها:
– لا يا قلب أمجد, آنسة, إنت مدام شفهي بس لغاية دلوقتي, عموما ما تقلقيش…… هتبقي مدام فهمي نظمي رسمي, وحالاااااااا..
حدقت به دهشة وهتفت:
– إزاي يا أمجد إنتـ ……
ليسكتها ملتهما شفتيها بقبلة عميقة وما لبث ان تحول عناقه من عناق رقيق إلى آخر متطلب ليبحر بها الى عالم جديد من الحب لم تعلم خباياه إلا على يد حبيبها الأوحد… أمجد!..
نزلا متوجهين لمطعم الفندق لتناول طعام الافطار وسألت ( أمجد ) عن وجهة سفرهما ليخبرها انها مفاجأة ..
بعد أن انتهيا من طعام الافطار صعدا الى جناحهما حيث رتبّا اغارضهما, واتصل ( يوسف ) بابنته ليطمئن عليها..
دمعت عينا ( هبة ) ما ان سمعت صوته فهي تشعر بالشوق الشديد له , تناول ( امجد ) سماعه الهاتف حيث تكلم مع يوسف قليلا قبل أن ينهي المكالمة وقد التفت اليها ليقول مقلّدا لها بغيظ مصطنع:
– انت وحشتنى أوي يا بابا .. مش قادرة اتصور انى ما افتحش عينيا على صورتك يا ابو حجاج …, بذمتك في واحده تعاكس ولو حتى ابوها كدا قدام عريسها لا وايه تانى يوم فرحهم ؟؟ احنا لحقنا !!…
لم تستطع منع ضحكتها خاصة من طريقته في تقليد صوتها وما ان هدأت ضحكتها حتى أجابت وقد رفعت حاجبها الأيمن باستفزاز:
– آه أنا !! فيه حاجه بأه ؟؟؟
أجابها بضحك مكبوت :
– كدا طيب .. انت اللي جبتيه لنفسك!, ويا ريت ما تبقيش تيجي تتحايلي عليا وتقوليلي لا يا ( امجد ) ..
ونظر لها نظرة وعيد وهو يتقدم منها بخطوات بطيئة بينما تتراجع هي الى الخلف وهي ترفع يديها امام وجهها هاتفة بضحك :
– لا يا ( امجد ) خلاااص خلاااص .. انت هتعمل عقلك بعقلي بردو؟!, عيّلة وغلطت يا سيدي …
ما ان همّ بالامساك بها حتى تعالى صوت طرقات على باب الغرفة فأجاب بحدة من بين اسنانه بينما ضحكت ( هبة ) سعيده :
– ايوة ,
أجاب الصوت والذي لم يكن سوى موظف الفندق:
– الـ(بيل مان) حضرتك, جاي اخد الشنط زي ما حضرتك طلبت …
قال لها أمجد وقد اخفض صوته :
– فلتِّي مني المرة دي, لكن هتروحي مني فين؟, الجايات اكتر..
وصلا الى المطار وهى لا تعلم وجهتهما وحينما سمعت نداء عن الرحلة المسافرة الى … جدة .. فوجئت بأمجد وهو ينهض ويمد يده اليها ويقول :
– رحلتنا يا قلب ( أمجد ) ..
نظرت اليه دهشة وهى تتناول يده لتنهض بدورها ومالبث ان ترقرقت الدموع في عينيها وهى تقف امامه ممسكة بيده وتهتف :
– بجد يا ( امجد )؟؟, هنعمل عمرة؟؟
أومأ برأسه موافقا وهو يقول بهمس فيما يده تمسح دمعتها المتسللة على خدها :
– بجد يا قلب ( امجد ) دا.. ندر!, انا كنت نادر انه اول رحلة تكون لينا مع بعض اول ما ربنا يكتب لك السلامة اننا نزور بيته سوا.. علشان ربنا يبارك لنا في حياتنا…
وفتح حقيبة ورقية فاخرة كانت بيده طوال الوقت ولم تهتم بسؤاله عما تحتوي, ليخرج منها عباءة سمراء غاية في الذوق ويناولها لها قائلا بابتسامة:
– ودلوقتى حضرتك اتفضلي البسي العباية دى, ما ينفعشي تمشي ببنطلون جينز وتى شيرت واحنا مسافرين نعمل عمرة…
وافقت بحماس بهزة من رأسها وسارعت بارتداء العباءة ثم اتجها بعد ذلك الى بوابة السفر التي أُعلن عنها لركوب الطائرة..
ما ان جلسا وابتدأت المضيفة تشرح تعليمات السلامة وكيفية ربط حزام الامان حتى امسكت ( هبة ) بذراع ( أمجد ) بشدة
وقالت :
– ( أمجد ) انا بطني كركبت , انا عارفة انها لازم تقولنا علشان ناخد احتياطنا بس لما سمعت الكلام خُفت …
امسك بيدها ونظر الى عينيها وأجاب ونظراته تبعث الطمأنينة الى قلبها الذي يرتجف خوفا كالعصفور بين أضلعها بينما ارتسمت ابتسامة حانية على شفتيه:
– لا حبيبتي ان شاء الله مافيش حاجه وإوعي تخافي طول ما انا جنبك …
نظرت اليه بدفء جميل ثم وضعت رأسها على كتفه مسدلة جفنيها وسرعان ما غابت في سبات عميق…
وصلت الطائرة الى المطار وبعد الانتهاء من اجراءات الدخول الى مدينة جدة, استقلا سيارة ليموزين ليصلا الى مكة المكرمة حيث حجز ( أمجد ) في فندق من فنادق ال 5 نجوم المطل على الحرم المكى, وأثناء سيرهما عرج بهما الليموزين على الميقات حيث يغتسلون وينوون الاحرام للعمرة ويرتدون زيَّ الإحرام والذي كان ( أمجد ) قد احضره معهما في حقيبه منفصلة …
ما ان شاهدها امامه بعباءة الاحرام البيضاء والطرحه البيضاء حتى رفرف قلبه وقال لها :
– بسم الله ماشاء الله ملاك …. , نظرت بخجل اليه ثم اخفضت برأسها الى الارض في خفر وحياء …..
اكملا طريقهما الى الفندق وما ان دخلا الى جناحهما حتى سارعا بالنزول لاداء مناسك العمرة …
مكثا 3 ايام في مكة المكرمة انتقلا بعدها الى المدينة المنورة حيث نزلا في احد الفنادق الفخمة المحيطة بالحرم النبوي ومكثا في المدينة 3 ايام زارا خلالها المسجد النبوي وقبر الرسول عليه الصلاة والسلام ومسجد قباء وباقي المزارات الدينيه …
قاما بجمع اغراضهما تمهيدا لرحيلهما ولاحظ ( أمجد ) ملامح الحزن على وجه ( هبة ) فاقترب منها واضعا ذراعيه حولها وقال :
– قلب ( أمجد ) زعلان لييه ؟؟؟
أجابته وهى لا تستطيع السيطرة على دموعها :
– كانت احلى رحلة في حياتى حبيبي, بصراحه مش عاوزة امشي.. حاسة انى لو قعدت عمرى كله هنا مش هشبع أبداااا…
قبّلها على جبينها بحب وقال :
– اوعدك حبيبي ان كل ما يكون عندى وقت هنيجي تانى .. فنظرت اليه بفرح طفولي وهتفت بحماس:
– تانى ؟؟ بجد يا ( أمجد ) ؟؟
أجابها بحب وحنو :
– تانى وتالت ورابع كمان يا قلب ( أمجد ) …
صفقت بيديها الاثنتين جذلا فيما ابتسم هو متابعا:
– ربنا ما يحرمك من الفرح ابدا ويقدرنى إني اسعدك على طول…
وصلا الى المطار وجلسا في صالة الانتظار الى أن يحين موعد النداء على رحلتهما, سمعت ( هبة ) النداء على رحلة القاهرة فهمت بالنهوض وإذ بـ( أمجد ) يقبض على ذراعها يدعوها للعودة الى مكانها,جلست وهي ترمقه دهشة بينما يقول بابتسامة غامضة:
– دى مش رحلتنا حبيبتي!! ..
تساءلت بدهشة :
– مش رحلتنا ؟ احنا مش ….
فقاطعها بابتسامه :
– احنا مش !!…, مش راجعين #مصر, لسه فاضل اسبوع يا هانم في الأجازة, ولولا علشان جلسات العلاج بتاعتك كنا اخدنا شهرعسل كامل لكن متعوضة ان شاء الله …
سألته عن وجهة سفرهما القادمة ليجيب بأبتاسمة حنان:
– مكان كان نفسك تروحيه!..
قالت بضحك :
– عروستي ؟؟
أجابها بمرح:
– واسع ومليان ميه ؟؟
واصلت بمزاح:
– عروستي ؟
ردّ بابتسامة عريضة:
– فيه شجر ونخل وزع و ….معقولة في حتت كدا ولا دا كلام افلام!!(مذكرا اياها بعبارتها التى كانت قد قالتها سابقا بينما كانا يتحدثان عن البلدان التى يودان زيارتها وذلك قبل الحادث)
ابتسمت ( هبة ) ابتسامة واسعه وهتفت غير مصدقة :
– لا ؟؟ بجد ؟؟ فعلا ؟؟
كرر عباراتها ضاحكا :
– بجد , فعلا , ايه رايك في المفاجأه دي ؟؟
قالت بفرح :
– انت بتجيب الافكار دى منين ؟؟ معقولة كل اللي انت بتعمله دا ؟ انا استاهل كل دا ؟؟
أجاب بحب واضح يلمع بين عسلي عينيه:
– واكتر من دا يا قلب ( أمجد ) .. انت مش عارفة انت بقيتي ايه بالنسبة لي؟, انت بنتى ومراتى وصاحبتي وكل حاجه ليّا…
نظرت اليه وهمست بحب :
– ربنا يخليك ليا حبيبي ومايحرمنيش منك ابدا ويقدرنى انى أسعدك ….
أجابها بدفء:
– الله على الدعوه الحلوة دى, بس انا عندى اقتراح بسيط… يا ريت حضرتك لو ممكن نوقف غزل دلوقتى, لأن احنا في المطار وماسك نفسي بالعافية فبلاش تخليني أتهور ونبقى فُرجة قودام الناس!..
كانت تجلس بجواره تطلع اليه بابتسامة وحب وهي تميل عليه, وما ان قال عبارته الأخيرة حتى اعتدلت في مقعدها وابتعدت قليلا عنه فاشار اليها ضاحكا :
– هو انت يا تبقي عاوزة تقعدى على حجرى يا بيني وبينك كيلو؟, قربي طيب شوية…
ولكنها هزت برأسها رافضة وهى تقول :
– لا يا اخويا كدا احسن الحرص واجب بردو ..
سمعا نداء رحلتهما فاتجها الى بوباة المغادرة حيث ركبا الطائرة ايذانا ببدء الجزء الاخير من رحلة شهر العسل …
كان الجزء الأخير من رحلتهما لشهر العسل في إحدى جزر البحر الكاريبي والتي مكثا بها سبوعا كان من الروعه بحيث انهما لم يشعرا بمرور الوقت, وكانت تتصل بوالدها يوميا لتطمئن عليه وتطمئنه على اخبارها كما تتحدث مع الجد وحماتها …
في آخر ليلة لهما على #الجزيرة وكانا قد تناولا طعام العشاء في المطعم الخاص بفندق #الجزيرة ثم عادا الى جناحهما وما ان فتحا الباب حتى فوجئت بالشموع المعطرة المنتشرة في الغرفة ونظرت الى المائدة امامها فوجدت قالب من الكيك على هيئة قلب مزيّن بالفراولة, اتجهت الى غرفة النوم وهي تسير كالتائهة لا تصدق ما تراه عيناها, فوجئت بذات المشهد ولكن مُضاف اليه الورود الحمراء المتناثرة على الفراش الواسع الوثير بشكل قلب…
هزت راسها لتُبعد الدموع التي هاجمت عينيها بعيدا واستدارت اليه حيث وضعت يديها على صدره بينما لف خصرها بذراعه وقالت بصوت اجش من الدموع المحبوسة :
– معقولة يا ( أمجد ) ؟؟ لا , بجد.. دا كتير اووي عليا … اللي انا فيه دا ولا الحلم كمان
أجابها مؤكدا بحب :
– مافيش حاجه تكتر عليكِ يا قلب ( أمجد ) إنتِ, واي حاجه الاقي انها هتخليني اشوف نظرة الفرح دى في عينيكي هعملها على طوول ….
استيقظ ( أمجد ) مع خيوط الفجر الاولى ونظر بجانبه ففوجئ بخلو الفراش!!, قام على عجل حيث ارتدى مئزره وقلبه يخفق من الخوف عليها.. ترى اين ذهبت ؟؟, وفجأة لمح ظلّ من خلال زجاج الشرفة , اتجه اليها حيث رآها واقفة ملتفة بشال حول كتفيها وهى واقفة تشاهد خيوط الفجر الاولى, دخل الى الشرفة وتقدم منها بخطوات خفيفة من دون أن تشعر به, الى أن وصل اليها فأحاط كتفيها بذراعه بحب ومال عليا وقال بإهتمام:
– ( هبة ) حبيبتي ايه اللي مصحيكي دلوقتى ؟؟, في حاجة حبيبي ؟؟..
التفتت اليه ثم أسندت رأسها على صدره فيما شد هو على خصرها بينما أجابت بنعومة:
– المنظر جميل بجد يا ( أمجد ) سبحان الله … شوفت النهار بيتولد من قلب الليل ازاي؟؟
أجابها بمرح خفيف :
– ما كنتش أعرف انى متجوز شاعره ؟؟
ضحكت وقالت :
– لا بجد .. بس المنظر الجمييل دا يخلي اي حد يقول شعر ..
ثم سكتت قليلا , لا يعلم ( أمجد ) لما شعر ان هناك ما يقلقها فقال لها بحنو :
– ( هبة ) انا حاسس ان في حاجه شغلاكي , يا ترى ايه هيا؟؟
ردّت بخفوت :
– تصدقنى لو اقولك معرفش !!.. بس انا مش عارفة ليه مقبوضة من رجوعنا, لا لا لا مش قصدي خايفة من الطيارة وكدا, انا قلقانه من نزولنا #مصر عموما, يمكن علشان هبتدى جلسات العلاج النفسي بعد ما نرجع والسؤال اللي مش بيفارقني دايما.. يا ترى هفتكر ولا مش هفتكر ولو افتكرت يا ترى هفتكر حاجه تخليني اقول ياريتني ما افتكرت؟, بصراحه يا (أمجد) انا جوايا قلق غريب, واحيانا بشوف صور وأنا نايمة بتروح وتيجي, الليلة دى مثلا.. حلمت حلم غريب اووى.. حلمت بحصان وزرع ومرة واحده حد طلع لى بيضحك ضحكة وحشة اووى !!
فشدد من احتضانها قائلا وقد بدأ القلق يزحف اليه:
– حد ؟؟ حد مين ؟؟ شوفتى شكله ؟؟
أجابت ببسمة خفيفة :
– هو بصراحه مش حد .. لأ … حداية !!, واحده شكلها مش مريح.. عارف.. شبه البنت معرفتكو دى اللي شوفناها في الفرح !!..
لم ترَ ( هبة ) النظرة التى ارتسمت على وجه ( امجد ) وقتها, فلو كان وقع نظرها عليها كانت ستعلم ان مفتاح اللغز يكمن في هذه الفتاة!! …
ترى ماذا سيحدث عند رجوعهما من سفرتهما ..وهل تتحقق مخاوف ( هبة ) ؟؟ هل ستتذكر ( هبة ) ؟؟ , هل ستصادف ( سارة ) ثانية ؟؟ , ما الترتيبات التى اتخذها ( أمجد ) لضمان ابتعاد ( سارة ) عن طريق ( هبة ) نهائيا ؟؟ …
رواية “حلم ولا علم” للكاتبة “منى لطفي” الحلقة الرابعة عشر
هبطت الطائرة في مطار القاهرة الدولي حيث كان بانتظارهما كلا من.. علاء ويوسف, وحالما وقعت عيني ( هبة ) على والدها اذ بها ترتمى بين ذراعيه وهى تبكي قائلة :
– بابا حبيبي وحشتني اووي اووي , ربنا ما يحرمني منك أبدا ياارب …
ابعدها ( يوسف ) قليلا عنه وأجابها بابتسامة وهو يمسح دموعها بيد حانية:
– وانتِ كمان يا روح بابا وحشتيني اكترررر, الدنيا مالهاش طعم من غيرك يا قلبي..
طالعهما أمجد بغرابة وهو يتساءل بداخله.. ترى هل تذكرت هبة والدها بقلبها؟, فمن يراها ويرى لهفتها اليه وشوقها يكاد يقسم أنها لم تنسه ولو للحظة واحدة!, لا يعلم لما طرق الخوف قلبه وداهمته الهواجس.. هل ستعود اليها ذاكرتها دفعة واحدة؟, هل ما يراه أمامه ما هو إلا دلائل عن قُرب استعادتها لذاكرتها؟, هو لا يريد أن يصبح أنانيّا ولكنه لن ينكر أنه يدعو الله من قلبه أن يؤخر موعد شفاها كاملا حتى يكون حبه قد تملك منها كاملا فتستطيع الاستماع اليه والاقتناع بحقيقة ما حدث فعلا وقت ان فاجئته بالمكتب مع تلك الافعى الرقطاء…
صرف تساؤلاته القلقة سريعا عن عقله والتفت الى هبة ووالدها موليًّا إيّاهما انتباهه كاملا, ليمد يده مصافحا حماه معلّقا بإبتسامة محاولا إضفاء طابع المرح على صوته:
– شكل حضرتك منافس كبيير ليا …
ضحك ( يوسف ) وقال :
– لو ماكنتش متاكد انك منافس شريف ليّا ماكنتش وافقت تاخد وردة حياتي مني .. صح يا ( هبة ) ؟؟؟
هزت راسها موافقة بحماس وهى تضحك فيما قال ( امجد ) بمرح :
– هو ايه دا اللي صح؟!, يعني لو كان عمي رفضني كنت هتوافقي؟؟
أجابته رافعة حاجبها باستفزاز واضح:
– اكييد!!, دا بابايا.. وهو أدرى واحد بمصلحتي, وبعدين انا واحده متربية و ماينفعشي اعمل حاجه من غير اذن والدى, لكن ممكن.. انا بقول ممكن… أشغّل الزّنّانة بأه!..
ضحك والدها وهو يجيب:
– لا لا.. الحمد لله انى وافقت, ولحقت نفسي قبل ما الزنانه ما تشتغل انا مش أد الزنانه دي , تلاقيها لسه ماشغلتهاش عندك يا أمجد لما تشغلها هتعرف قصدي ايه ..
صافح علاء هبة وهو يبتسم معلقا:
– انت كمان عندك زنانة؟, الله دا انتي كلك مواهب أهو!..
ليضربه أمجد بخفة على رأسه وهو يقول بجدية مفتعلة:
– كلّم مرات أخوك الكبير كويس يا ولد!!..
تصنع علاء الخوف ورد قائلا راسما تعبير الأسف على وجهه وقال موجها حديثه الى هبة الضاحكة:
– انا آسف يا مرات أخويا, سامحيني, مستعد لأي ترضية عاوزاها حتى لو كانت طنط!.
احارت هبة وتساءلت:
– طنط؟, ايه طنط دي؟
أجاب وهو يكتم ضحكاته بصعوبة:
– أقولك طنط يعني يا هبة, احترام .. احترام.. مش مرات أخويا الكبير؟, ولا أقولك يا أبلة؟!
نظرت اليه هبة بإغاظة وأجابت وهي تهم بالذهاب ناحية السيارة:
– لا قولي يا ميس أحسن!!..
وبادرت بالانصراف وسط ضحكات الباقيين واللذين لحقوا بها لركوب السيارة للذهاب الى المنزل …
كان باقي أفراد العائلة في استقبال العروسين وبعد تبادل السلامات والقبلات ذهبا العروسين لنيْل قسطا من الراحه قبل تناول طعام الغداء..
وصلت ( هبة ) الى الطابق الذي جهزه ( أمجد ) بالكامل ليكون عش الزوجية فانبهرت من الديكورات والأثاث , جاء ( أمجد من خلفها وطوقها بذراعيه وقال بحب وهو يسند رأسه إلى رأسها مستنشقا عبير شعرها الجذّاب:
– ها .. ايه رأي قلب ( أمجد ) في عشّنا الصغيّر؟؟
دارت حول نفسها لتنظر اليه وقالت وهى تمسد وجنته بيدها وصوتها يقطر حنانا بالغ:
– جمييل أوي يا حبيبي, واحلى مما كنت اتصور كمان, بس احلى حاجه فيه عارف ايه؟
نظر اليها متسائلا لتتابع بهمس وهي تقرب وجهها فيستنشق رائحة أنفاسها العبقة والتي تثير حواسه ليسري الدم حرّا في عروقه كالعسل الدافيء فيسلط نظراته التي تتقد بنار الرغبة والتوق الى شفتيها الكرزتين مراقبا لهما وهي تتابع كلامها برقة وأنوثة:
– انت, أنت حبيبي أحلى حاجة فيه, وجودنا احنا الاتنين مع بعض فيه هيخليه أحلى مكان في الدنيا كلها!…
أغلق عينيه متنفسا بعمق ثم نظر اليها وعشقه القوي يلمع بين رماد عينيه وقال:
– انت ناوية تعملى فيّا ايه؟, بيتهيألي الغدا هيستنى شوية وشوية كتير كمان!..
و…. رفعها بين ذراعيه وهى تضحك قائلة :
– ( امجد ) بتعمل ايه ؟؟ نزّلنى ما ينفعش بجد…
أجابها وهو يتجه بها يحملها حيث غرفة نومهما:
– انا بعمل ايه؟, بشيل عروستي!, مش عروسة ولازم اشيلك؟, المفروض كنت اشيلك وانت داخله البيت بس انا عارف انك هتتكسفي من الموجودين فإستنيت لما بئينا لوحدنا …
أخفت راسها في صدره وهى تضحك خجلة منه, وضعها فوق الفراش الوثير برفق, ونزع عنها حذائها خالعا عنه حذائه أيضا, ثم اقترب منها مشرفا عليها ناظرا اليها وهي ترقد فوق الفراش غارقة وسط وسائده الوثيرة والضحكة تلتمع في عينيها وتزين ثغرها الوردي, همس أمام شفتيها:
– نورتي بيتك يا حبيبتي, معرفتش أباركلك كويس لغاية دلوقتي, بس حالا هصلّح الغلط دا!..
همّت بالكلام وقد فهمت ما يرمي اليه ولكنها ما إن فتحت فمها حتى سارع بإغلاقه بفمه ملتهما شفتيها في قبلة أودعها عشقه وشوقه لها, ليغيبها في عالم من الحب الجميل لا تسافر اليه الا معه هو وحده…. حبيبها!!
************************************************** تناولا طعام الغداء مع العائلة وكانت هبة قد عانت الأمرين مع أمجد والذي كان مصرا على أن يطلب من والدته ارسال الطعام اليهما متحججا بالتعب من الرحلة ولكن هبة أصرت على موافاة الباقيين, ولم يستطع أقناعها بغير ذلك, حتى إنه قد حاول اغوائها بالعودة للنوم في أحضانه قليلا وأنه سيلتزم جانبه من الفراش, ولن يتمادى معها كما يحدث كل مرة!!..
نظرت اليه وأجابت ساخرة:
– وأنا بقه هبلة وهصدقك!, قوم يا أمجد ياللا يا حبيبي, مش عاوزين ماما سعاد تبعت لنا سميرة عشلان ننزل للغدا..
نظر اليها بطرف عينه بسخط وكانت قد سحبت الغطاء من عليه واقفة أمامه وقد ارتدت كامل ثيابها تخبره أنها قد جهزت الحمام له ليغتسل, نهض من الفراش هاتفا بكلمة سخط وهو يتجه ليغتسل في الحمام الملحق بغرفتهما:
– مستبدة!!..
تناول يوسف الغداء برفقتهم وكان الجد قد صمم على ذلك منذ أن انفصل يوسف في طابق بمفرده مشيرا الى والد ( هبة ) انه أصبح فردا من العائلة وأنه لن يذهب الى جناحه الا وقت النوم فقط, فاصبح يتناول وجباته معهم بعد ان رفع عنه الجد الحرج..
توجه ( أمجد ) و ( هبة ) الى الخارج حيث الحديقة حيث سارا بين الأشجار الخضراء الباسقة مستنشقين عطر الورود الذي يفوح في الهواء, وفيما هما يسيران اخبرها أمجد ان هناك من يريد رؤيتها لتقطب مستفهما ولكنه ابتسم ممتنعا عن الاجابة مشيرا عليها بالتمهل ليتوجه معها الى الاصطبلات حيث حصانه ( عنتر ) و ( شمس ) والتى ما أن رأتها ( هبة ) حتى قفزت بسعادة وصيحة فرح تنطلق منها ثم اتجهت اليها ووقفت بجانبها تمسّد شعرها وهى تهتف بسعادة كبيرة :
– شمس !! وحشتيني اووى اووى, شوفت يا ( امجد ) شمس لسه فاكرانى إزاي؟!..
لم تسمع أى تعليق منه فالتفتت اليه متسائلة لتجده يقف متسمرا كالتمثال يطالعها بجمود بينما يتساءل بحيرة وغرابة:
– ( هبة ) انت قلت اسم ( شمس ) صح!!
قطبت جبينها وأجابت وقد شحب وجهها قليلا:
– انا … انا معرفش!, انا فجأة لاقيتنى بنادي لها من غير ما أحس …
نظرت اليه وشبح ابتسامة على وجهها وهي تتابع:
– معناه ايه دا يا ( امجد ) ؟؟, انا بخف مش كدا ؟؟ هفتكر صح؟
هز براسه موافقا وقد شحب وجهه, ولا يعلم أيفرح لظهور أولى بوادر الشفاء أم يقلق لخوفه من ردة فعلها عندما تعود اليها ذاكرتها ؟؟
انتبه على انتظارها اجابته فقال :
– ان شاء الله حبيبتي هتخفِّي وتفتكرى كل حاجه, بس عاوز اطلب منك طلب!!
أجابته وهى تبتسم :
– اؤمر ..
تقدم منها ووقف أمامها ناظرا الى عينيها وقال :
– اوعى تنسي ابدا انى بحبك, وانك اغلى حاجه في حياتي, ومهما حصل اوعديني أنك مش ممكن تبعدي عني وتسيبيني ..
حدقت اليه مندهشة وتساءلت:
– غريبة يا ( امجد ),ايه اللي يخليك تقول كدا؟, انا واثقة ومتأكده انك بتحبني وانا كمان بحبك, ومش بس كدا.. انا بيتهيالي لما فقدت الذاكرة إن كل حاجه نسيتها إلّا #حبّك!, اول ما فتحت عينيا وشوفتك حسيت بقلبي بيدق بفرحه غريبة.. زى التايه اللي وصل بر الأمان!!, انت بر الأمان بالنسبة لي يا أمجد…
رفعت عيناها تنظران اليه بحب جعلته يتيه في بحورهما وتابعت بحب:
– علشان كدا كنت بستنى معاد زيارتك ليا في المستشفى بفروغ صبر.. عشان اشوفك واتكلم معاك.. انت عارف.. انا عاوزة الذاكرة ترجع لى علشان مش عاوزة اى يوم من ايامنا سوا يروح من بالي …
ضمها اليه بشده وهو يقول :
– وانا كمان بحبك اكتررر يا قلب ( أمجد ) …
قالت وهى تبتعد قليلا عن ذراعيه متطلعة إليه:
– بس عارف.. دى مش اول مرة اشوف الحصان بتاعك؟
نظر اليها بغرابة وقال :
– مش فاهم ؟
أجابت وهى تحرك كتفيها علامة الجهل:
– مش عارفة, بس دى اول مرة توريني الاحصنه بعد اللي حصلي صح؟, هز برأسه موافقا فاكملت قائلة :
– بس دي مش اول مرة اشوف ( عنتر )!, فاكر الحلم اللي حكيتلك عليه آخر يوم لينا واحنا في #الجزيرة؟
أومأ براسه ايجابا فتابعت:
– أهو الحصان والزرع اللي حلمت بيهم يبقوا ( عنتر ) والجنينة هنا, إنما السؤال بأه.. مين البنت اللِّى خوفتني في الحلم؟
ابتلع ( امجد ) ريقه بصعوبة وهو يتجنب النظر اليها ..وفجأة اذ بها تمسك برأسها بيد يديها وهي تئن بألم فهتف ( امجد ) بخوف :
– ( هبة )حبيبتي مالك ؟؟ حاسة بايه ؟
نطقت بصعوبة :
– مش عارفة يا ( امجد ), صداع فظيع جالي مرة واحده..
قال وقلبه يتآكله من القلق عليها:
– انت ارهقت نفسك بكُتر التفكير, ممكن بأه ماتفكريش وتسيبي نفسك براحتك؟, ودلوقتى تعالى معايا هتطلعى ترتاحى خاالص وهقولهم يطلعولنا العشا فوق, باقي اليوم راااحة إجباري…
هزت راسها مبتسمة :
– مش اووي كدا يا حبيبي, هما شوية صداع.. هاخد اي قرص مسكن وانام شوية وهبقى كويسة ان شاء الله ..
حرك راسه نافيّا من قبل أن تُنهي كلامها وقال :
– مش هنتناقش دلوقتى, اهم شئ نروح نديكي قرص مسكن وتحاولى تنامى شوية …
عادا الى طابقهما حيث ابدلت ( هبة ) ملابسها ودخلت الى السرير وقد شدت الغطاء عليها فظهر شحوب وجهها الذي رآه ( امجد ) عند دخوله عليها يحمل كوب ماء وقرصي مسكن فلفت نظره شحوبها وشعرها المتناثر على االوسادة حولها, مدت يدها وتناولت الدواء وبعد ان شربته رتّب ( امجد ) الغطاء جيدا حولها وظل بجانبها يربت على شعرها حتى غرقت في سبات عميق …
استيقظت ( هبة ) على صوت قرقعة صحون ففتحت عينيها وحمدت الله ان الصداع قد زال , ثم نظرت الى باب الغرفة فرأت ( سميرة ) وهى تصف أطباق الطعام بهدوء على المائدة المستديرة الصغيرة التى تقع بجانب الاريكة الجلدية فاعتدلت وقالت بصوت خفيف :
– ( سميرة )!!, انت بتعملى ايه ؟؟
رفعت ( سميرة ) راسها متفاجئة وهتفت:
– ست ( هبة ) ؟ يقطعنى صحيتك, انا آسفة معلهش, مع انى والله كنت بتحرك بشويش, سي ( امجد ) منبّه عليّا ومشدّد انى معملش قلق واسيبك نايمه براحتك ..
قالت ( هبة ) وهى تجلس في مكانها وتستند بظهرها الى السرير :
-لا يا ( سميرة ) انا كدا.. كدا.. كنت هقوم دلوقتى, بس انت بتعملى ايه ؟ وايه الاكل دا كله ؟؟؟
أجابتها بابتسامة:
– دا العشا, سي ( امجد ) طلب منى اطلّعه لحضرتك علشان لما تقومى وتفوقى كدا تتتعشي بالهنا …
قالت هبة وهى عاقدة جبينها :
– والـ أ . ( امجد ) فيين ؟؟
اتجهت سميرة حتى وقفت بجانب الفراش وأجابت:
– سي الاستاذ ( امجد ) تحت في اودة المكتب وقالى اجيب العشا هنا علشان حضرتك تعبانه شوية من السفر ومش هتعرفوا تنزلو تتعشو معهم تحت مع ان مدام ( سعاد ) بترتب للعشا دا من يومين وقالت لنا على اصناف كتيير نعملها بس ياللا مش مهم المهم صحة حضرتك …
ابتسمت ( هبة ) وقالت :
– طيب ايه رايك تساعديني ونعمل مفاجأة صغيرة لماما (سعاد)؟
فقالت ( سميرة ) :
– عينيا اؤمريني..
قالت ( هبة ) وهي تنهض من الفراش :
– انك توضبي الاكل دا تانى وتستني معايا لغاية ما اخلص لبس وننزل سوا نعملها مفاجأه لهم!..
فابتسمت ( سميرة ) :
– تحت امرك بس سي ( امجد ) ….؟؟
قالت ( هبة ) :
– لا حبيبتي ما تخافيش, سي أمجد لما يلاقيني كويسة خلاص مش هيقول حاجه!! ..اغتسلت ( هبة ) واحست بالانتعاش بعد ذلك وارتدت فستان ينسدل متسعا الى منتصف الساق وقد انسدلت اكمامه حتى منتصف ذراعيها لونه اصفر من الحرير الطبيعي وقد رفعت شعرها فوق راسها وتركت بعض الخصلات تحيط بوجهها ووضعت القليل من عطرها المفضل وبعض من احمر الخدود والكحل في عينيها وحمرة من اللون الزهري الخفيف وارتدت حذائها المتوسط الارتفاع ثم نزلت مع ( سميرة ) التى كانت تسمّي عليها وتقرأ الأذكار طوال الوقت!!
ما ان دخلت ( هبة ) غرفة الجلوس حتى ساد الصمت ثم ابتدأت ( علا ) بالكلام قائلة وهى تتجه اليها :
– اهلا اهلا بعروستنا ماشاء الله عليك ما انت زى الورد اهو, اومال ابيه ( امجد ) قلقنا عليك ليه؟
ثم نظرت الى الشخص الواقف مشدوه امامها وتابعت بضحك:
– ايه يا ابيه كنت بتخزي العين عن عروستك ؟؟
تدارك نفسه واقترب من ( هبة ) مقطب الجبين وهو يقول متجاهلا سؤال علا المرح:
– حبيبتي ايه اللى نزلك ؟ هي ( سميرة ) ما طالعتش العشا ؟ انا قايلها وكنت طالع دلوقتى نتعشى سوا ؟؟
أجابته بابتسامة:
– لا ابدا جابته, بس انا اللي نفسي اتعشى معكم, وخصوصا ان دا اول عشا لينا بعد رجوعنا من السفر وانا عارفة ان ماما سعاد تعبت نفسها, دا غير ان جدِّي وحشني وبابا وعلا وعلاء القاعده معكم كلكم بجد وحشتني اووى..
نهضت والدته واتجهت اليها وقالت وهى تحتضنها :
– حبيبتي انت كمان وحشتنيا اكتر
فقال الجد :
– سيبيلنا شوية يا ( سعاد ), تعالى حبيبة جدك اقعدى جنبي هنا, مشيرا الى مكان بجواره على الاريكة المذهبة الفخمة, فاتجهت الى الجد تقبّله, وسمعت والدها يقول بضحك :
– وانا ايه ماليش نايب ؟؟
فقالت بضحك :
– انت ؟؟ انت ليك اكبر ناايب يا ابو حجاج ..
ثم اتجهت الى والدها حيث قبّلته هو الآخر وجلست بجانب الجد حيث أشار لها سابقا وقالت لوالدها بمرح معلقة على جلوسها بجوار الجد:
– معلهش يا ابوحجاج الكبير أمر ومش هقدر أخالف أوامره ..
ضحك الجميع الا ( امجد ) الذي وقف ينظر اليها بطرف عينه وقال :
– انت كنت مصدّعه وتعبانه, وانا قولتلك ترتاحى انهارده, لكن طالما انت عنيدة وغاوية تتعبي نفسك انت حرة!, وحرك كتفيه بلا مبالاة مما جعل هبة تعقد جبينها في تقطيبة خفيفة في حيرة مما لمسته من برود من جهته, أجابت امه ملطفة الجو بعد كلمات ابنها المحتدة :
– معلهش يا هبة عريس وخايف على عروسته بأه, لكن ما تقلقش يا أمجد هبة ماشاء الله عليها زى الفل اهي, ياللا اتفضلوا العشا ..
جلس الجميع حول مائدة الطعام وكان مقعد ( هبة ) بجانب ( امجد ) الذي تعامل معها بكياسة وبرود طوال فترة تناول الطعام, مما جعلها تشهر بالدهشة باديء الأمر ولكنها تعلمه جيدا وتعلم انه يخفي غضبا مستترا وهى وحدها من سيقع عليها غضبه ولكنها لا تعلم لما ؟؟ ألم بالرأس وشُفيت منه فما الداعي لكل هذه الجلبة؟, بدأت تتآكل غيظا وهي تتساءل في نفسها.. انها ليست مريضة بمرض قويّ هى فقط… فاقدة للذاكرة!, فما السوء الذي فعلته جعله بمثل هذه الحدة؟؟
بعد تناول العشاء وفيما هم جالسون في الحديقة لتناول الشاي والحلوى تقدم ( علاء ) ليجلس بجوار ( هبة ) وكان ( امجد ) قد إستأذن بالانصراف قليل ليجري مكالمة هاتفية, مال علاء ناحيتها قليلا وهمس بينما انشغل الباقون بالحديث:
– حمدلله على السلامة يا ( هبة ) , تصدقي اول مرة اشوف ( امجد ) اخويا سعيد بالشكل دا وبيضحك من قلبه فعلا .. بجد انت عملت معجزة!
أجابته بأبتسامة خفيفة :
– ولا معجزة ولا حاجة ..هو انا يمكن اكون فاقدة الذاكرة آه.. لكن مش فاقدة الاحساس!!, واحساسي اتعرف على أمجد اول ما شافه, وحسيت كأنى اعرفه من زمان, ( امجد ) انسان طيب اووي وحنيين بطريقة مش ممكن, وانا مبسوطة اووي وبشكر ربنا ليل نهار انه جعله من نصيبي ..
ابتسم ( علاء ) وقال:
– ربنا يسعدكم يارب , ثم تابع :
– بقولك يا ( هبة ).. انا اعرف ان اللى فاقد الذاكرة مش ممكن ينسى الحاجات اللى اتعلمها يعني القراية والكتابة مثلا وكدا, ايه رايك.. انت كنت بتعزفي بيانو تحفة لو جربتي يمكن؟
اتسعت ابتسامتها وهى تجيب بحماس :
– اه ليه لأ؟؟
ابتسم قائلا:
– ايه رايك نعملهم سهرة موسيقية انا بالجيتار وانت بالبيانو؟
هزت راسها بقوة موافقة على اقتراحه, فنهض من فوره حيث احضر الجيتار وبيانو كبير نوعا ما احضره بمساعدة ( سميرة) و( علا ) اللتان ما ان وضعتا البيانو ارضا حتى امسكت ( علا) بظهرها وقالت متألمه :
– لما نشوف اللي احنا هنسمعه يستاهل وجع ضهري ولا لأ؟! ردّ ( علاء ) باسخفاف:
– هاه… يستاهل؟, احمدي ربنا انك هتسمعيني مجانا, بكرة هتبقي بتتحايلي عليا انى اسمعك وانا اللي برفض!!..
قال الجد ضاحكا :
– طيب سمّعنا يا بتهوفن عصرك..
أجاب علاء بمرح:
– قصد حضرتك تقول سمعونا!, انا مش لوحدى يا جدي انا معيا اكبر مفاجأة .., ثم اشار الى ( هبة ) متابعا بزهو:
– اقدم لكم ( هبة ) احسن عازفة بيانو في عصرها..
صفق لهما الجمع واتخذت ( هبة ) مكانها امام البيانو فيما وقف ( علاء ) بجانبها ممسكا للجيتار وابتدأ الاثنان يعزفان بعض الالحان الخفيفة لبيتهوفن وموزارت ثم عزفا موسيقى (انت عمري) لام كلثوم ,, بعد ان انتهيا صفق لهما الجميع بحماس كبير مهنئين لهما على حسن الاداء , دارت ( هبة ) بنظرها فيمن حولها فلم ترى ( امجد ) لاحظت والدته نظراتها فردت على السؤال الذي رأته في عينيها :
– معلهش حبيبتي ( امجد ) لما بيفتح في المكالمات بتاعت الشغل بينسى نفسه, تلاقيه مشغول شوية.. واول ما يفضى هييجي على طول..
هزت براسها وهى حزينة بداخلها, هى تعلم جيدا انه قد غاب عن عمله فترة طويلة منذ موضوع الحادث حتى اليوم, ولكن ألم يكن في وسعه ان يؤجل العمل قليلا؟, فهذه اول ليلة لهما في المنزل سويّا بعد الزفاف؟, افاقت على صوت الجميع وهم يوافقون علاء على رايه فاستفسرت منهم فقال الجد :
– انا نفسي اسمع صوتك وانت بتغني, ( علاء ) بيقول كروان ومع انى عارف انه نصّاب وبكّاش لكن في الموضوع دا انا مصدقه ايه رايك؟
أجابت بخجل :
– ( علاء ) بيبالغ يا جدي كالعادة.. بس انا تحت امرك..
سمعت والدها وهو يقول ضاحكا :
– لالا يا ( علي الدين ) بيه .. مش علشان بنتي لكن انا اؤكد لك انها اكتر من الكروان كمان …
تحمس الجميع وألحّوا عليها في الغناء فنظرت الى ( علاء ) وقالت :
– اعمل فيك ايه دلوقتى؟ اتفضل..قول هغني ايه ؟؟
أجاب بضحك:
– اللى تشوفيه يا نجمتنا , سكتت قليلا وقالت :
– خلاص جدي اللي يختار..
اختار الجد اغنية ( انت عمري ) لام كلثوم حيث شدت ( هبة ) باحاسيسها ومشاعرها كلها, وعند آخر النغمات الصاعدة من البيانو والجيتار بلغت روعتها في قمة الاداء.. وسكتت!!, وفجأة دوى تصفيييق حاااااااد من الجميع وهتافات اعجاب حارة جعلت ( هبة ) تنهض واقفة وقد احمرت وجنتيها خجلا وهي تهرب بنظراتها بينما سمعت الجد وهو يهتف بفرحة :
– تصدق يا ( علاء ) انى هصدقك بعد كدا على طول؟, انت اثبت لي فعلا انك عند زوق, وبجد يا ولد الموسيقى بتاعتك اللى انا كنت بستهتر بيها جميله فعلا … طلعت فعلا فنان, وانت يا ( هبة ) خسارة موهبتك دى .. انا حسيت اني بسمع ( ام كلثوم ) من تانى, انا ماكنتش اعرف ان صوتك بالجمال دا؟!
ثم نظر الى والدها وتابع:
– فعلا عندك حق يا أ . ( يوسف ), صوتها اروع من الكروان بجد ..
وفجأة دوى صوتا يقول بقوة:
– ولا انا كنت عارف ان صوتها بالروعه دي !!
التفتت ( هبة ) الى مصدر الصوت فرأت ( امجد ) وقد ارتكز بظهره الى جذع شجرة فركضت اليه وفستانها يتطاير من حولها وخصلات شعرها تتطاير حول وجهها حتى اذا وقفت امامه قالت له بابتسامة #حب :
– ( امجد ) انت فيين ؟؟, ثم مالت عليه وتابعت هامسة وهي تنظر اليه بحب:
– وحشتني ..
نظر اليها طويلا بغموض ليقول بعدها بجدية مفاجئة :
– معلهش اصلي كنت مشغول شوية, انت عارفة بئالي فترة طويلة سايب الشغل خاالص ولازم ارجع انتبه لشغلى ولا ايه؟
قطبت ( هبة ) حاجبيها وقالت بدهشة :
– ايه يا ( امجد ) انت بتكلمنى كدا ليه؟
حرك كتفيه بإستهانة وأجابها ببرود :
– لا ابدا انت بتسألي وانا بجاوب ..
أومأت برأسها ونظرت الى أسفل وقالت بصوت خفيض حزين :
– عندك حق … انا فعلا عطلتك كتيير عن شغلك.. من ساعة الحادثة وانت معايا .. لازم تاخد بالك منه طبعا!! ,ثم رفعت نظرها وتابعت بهدوء محاولة تمالك نفسها:
– كفاية دلع لغاية كدا!..
وهمّت بالسير فقبض ( امجد ) على ذراعها, نظرت الى يده فتركها وهو يقول بهدوء قلق :
– رايحه فين؟, انا ما كانشي قصدي اللي فهمتيه!!, انا… قاطعته وقد وضعت يدها امام شفتيه وقالت بهدوء شديد :
– خلاص يا ( امجد ) ماتتعبشي نفسك في الشرح, انت عندك حق.. عن اذنك…
ثم تركته وانصرفت لتستأذن من الجميع لتذهب الى غرفتها لتنال قسطا من الراحه …
منع أمجد نفسه بصعوبة من اللحاق بها, لا يريد أن يلاحظ الموجودون وجود خلاف بينهما, ولكنه لم يستطع الصمود إلّا لدقائق بسيطة إستأذن بعدها وقام من فوره مسرعا للحاق بحيبته بلهفة كي يعتذر منها, فهو يعلم تمام انها غاضبة منه فطريقته معها كانت في غاية الحدة! …
دخل الى غرفة النوم حيث وجدها تسبح في الظلام ووجد نورا صغيرا ينبعث من ضوء المصباح بجانب السرير ,, دقق النظر فوجدها ملتفة حول نفسها تحت الغطاء , سار حتى وقف بجانب السرير ثم مال عليها يقبلها من جبينها فلاحظ تسارع انفاسها فابتسم في سره حيث علم انها مازالت مستيقظة لم تنم بعد , ابعد الغطاء قليل عن وجهها ليقطب بهلع مما رآه, حيث كان وجهها يسبح في دموعها مد يده ليمسح دموعها وهو يجلس بجانبها هاتفا بخوف:
– ( هبة ) حبيبتي .. مالك؟, ليه الدموع دي حبيبي؟, كل دا علشان الكلام اللى انا قلته؟, انا كان قصدي ….
مدّت يدها حيث ازاحت يده جانبا واعتدلت في جلستها وأجابته وهى تتناول منديلا ورقيّا لتمسح دموعها:
– ماحصلشي حاجه يا ( امجد ), انا قولتلك انا مش زعلانه.. انت بتتكلم صح .. انت ضيعت وقت طويل اووي معايا ولازم تهتم بشغلك طبعا … معلهش حقك عليا, بس تقدر تنزل تشوف شغلك وانت مطمن, وأوعدك انى مش هشغلك عنه تانى ..
قال أمجد وهو مقطبا الجبين :
– يعني ايه ؟؟
أجابته وهو تنهض فسارع بالإفساح لها :
– يعني زي ما سمعت, التفت لشغلك بأه اللي انا خدتك منه بئالك شهرين تقريبا, وماتشغلش بالك بيا خالص ..
نهض أمجد بدوره ووقف خلفها ومال ناحيتها وقال بابتسامة خفيفة:
– اومال اشغل بالي بمين ؟؟
وضع يديه على كتفيها وادارها اليه وتابع:
– ها .. اشغل بالي بمين ؟؟, حتى لو مش عاوز اشغل بالي بيكي مش هقدر.. انت عارفة ايه السبب انى قعدت المده الطويلة دي كلها على التليفون مع مدير الشركة في #مصر؟؟
لم ينتظر سماع جوابها وتابع:
– انى كنت كل شوية اطلب منه يعيد كلامه تانى, لأني طول الوقت وانا بفكر فيكي انتِ!!, لدرجة انى قلت هو اكيد هيستغرب ويقول اكييد جالي زهايمر من كتر ما كنت بنسى واسرح منه واطلب منه يعيد تانى كلامه ..
نظرت اليه في دهشة قليلا فقال :
– وعاوزة تعرفي اكتر ايه اللي خلاني اسرح؟, خوفي عليكى!!
تساءلت بدهشة :
– ايه؟, خوفك عليا؟, من ايه؟
أجابها بحدة طفيفة :
– انا طلبت منك انك تريحي انهارده في السرير ولا لأ ؟؟, ليه دايما تعاندى معايا؟ ليه بتخضيني عليكي ؟؟
هتفت وهى تبعد يديه من عليها بحدة قليلا :
– ( امجد ) انا فاقدة الذاكرة مش مريضة مرض جامد لا قدر الله ولا عندى القلب مثلا, عايزني ارتاح في السرير علشان شوية صداع؟!, خلِّي بالك اسلوبك دا بيخنوئني!..
هتف باستغراب :
– ايه ؟؟ بيخنوئك ؟؟ اهتمامى بيكي وخوفي عليكي بيخنوئك يا ( هبة ) ؟؟
أجابت وهى تبتعد بنظرها بعيدا عنه :
– دا مش قصدى وانت فاهم كدا كويس, انا قصدي ما تعاملنيش وكأنى قاصر او صاحبة مرض انا بتضايق من كدا
ثم نظرت اليه وواصلت بجدية:
– ويا ترى هو دا السبب بقه ولا في سبب تانى؟؟, لانه حتى المفروض اضعف الايمان بعد ما نزلت اتعشى معكم انك ماتبينش غضبك وقلقك حتى مامتك لاحظت …
قال وهو ينظر اليها مركّزا في عينيها:
– عاوزة الحق.. لأ !, مش دا السبب الوحيد.. فيه سبب تانى وقوي كمان ..
نظرت اليه باستفهام فتابع وهو يمسك بكتفيها :
– السبب اني لاقيتهم كلهم متجمعين حوليكي وحسيت انك بعدت عني, الاحساس دا بيخنؤني أنا بأه!, ولما خلصت تليفون ورجعت ولاقيتك بتعزفي مع ( علاء ) وتغنى ماتتصوريش حسيت بايه ساعتها؟, كنت ما بين إني عاوز اخدك في حضني من كتر الاحساس اللى وصلتيني ليه بصوتك, وما بين انى عاوز اتخانق معاكى على انسجامك اللي كنت شايفه وانت بتعزفي مع ( علاء ) .. انا ..
سكت مقرِّبا إيّاها منه ونظر في عينيها وتابع بهمس:
– انا .. بموووت من الغيرة يا ( هبة ) …., وبمووت من القلق عليك!,.. مش قادر اتصور انك تبعدي عني ولو بالتفكير حتّى!, لمّا بتحسِّي بأي تعب بحس بخوف وقلق فظيع, انا كنت هخسرك مرة قبل كدا يا ( هبة ) وماعنديش اي استعداد اني اكرر نفس الاحساس بالضياع دا تاني اللي حسيته ساعتها, وللاسف لما بتْحط في حالة من الاتنين سواء غيرة او قلق بتصرف بعصبية وغضب وبقول كلام مقصدش بيه غير اني انفس عن جزء بسيط من غضبي .. واللى مستغربلُه انى ماكنتش كدا قبل كدا .. انا كنت هادي جدا ولا عمري اتسرعت لا في قرار ولا في كلام انما … خوفي اني اخسرك هو اللي بيخليني اتصرف كدا …
وضعت ( هبة ) يدها على وجنته التي استشعرت خشونتها تحت راحتها الطريّة وقالت بحب :
– اومال انا بأه تقول عليا ايه ؟؟ ( امجد ) انت الحاجه الوحيده في حياتي اللي مدياني امل في بكرة , انا عيّطت مش علشان زعلانك من كلامك لأ ! انا آه زعلت .. بس عادي لكن اللي رعبني انك تكون زهئت مني واللى كنت خايفه منه حصل!, فاكر لما جيت تقولى على معاد الفرح انا قلتلك ايه؟, قلتلك بلاش تتسرع.. اخاف انك تزهق منى بعدين, خلِّينا نأجل الفرح لما أخف, وانهارده وانت بتقولى كدا حسيت ان اللى كنت خايفه منه حصل, علشان انا عندى استعداد اخسر اي حاجه يا أمجد الا حاجه واحده .. حبك …
احتضنها بقوة بين ذراعيه وهو يقول :
– يا حبيبتي انا آسف آسف آسف … ماكنتش اقصد معلهش سامحيني ..
ثم ابعدها عنه قليلا وتابع:
– ايه رايك أدفِّي لك شوية لبن علشان تهدِّي اعصابك وتعرفي تنامى؟, وماتتريقيش عليّا وتقوليلي يعني بتعرف!, حالا هدوّقك احلى لبن من ايدين الشيف ( امجد )..
قبلها بحب فوق جبينها وتركها واتجه الى المطبخ الأمريكي بجناحهم والمفتوح على صالة الاستقبال الواسعه حيث قام بتدفئة كوب من الحليب ثم تذكر انه لم يسألها هل يحلّي الحليب بعسل النحل ام السكر., فإتجه اليها من فوره ولكنه فوجئ بها …. ملقاة على الارض!!..
صرخ عاليا وركض اليها حيث رفعها من الارض ووضعها على الفراش ثم ذهب سريعا وعاد بزجاجة عطر حيث رشّ منها قليلا على وجهها وهو يهتف بهلع:
– ( هبة ) حبيبتي … ( هبة ) …
فتحت ( هبة ) عينيها قليلا وقالت بخفوت :
– ( امجد ) ,,,
أجابها بخوف :
– قلب ( امجد ) مالك حبيبتي حاسة بايه ؟؟
قالت بهمس شديد :
– معرفش, مرة واحده حسيت الدنيا بتلف بيا مادرتشي بنفسي غير وانت بتفوقنى دلوقتى ..
قال بجدية :
– انا هطلب الدكتور, لازم اطمن عليكِ, الأول الصداع اللي بييجي كل شوية ودلوقتى أُغمى عليك, افرضي حصلك كدا وانت لوحدك ؟؟
لم ينتظر جوابها وقام باستدعاء الطبيب الذى حضر في مدة قليلة فاتت على أمجد كالدهر, ولم يعلم أحد من المنزل بما حدث حيث ذهب كل منهم الى حجرته , استقبل ( امجد ) الطبيب وصعد به حيث ( هبة ) , قام الطبيب بفحصها ونصح أمجد بإجراء بعض التحاليل والفحوصات, وعندما سأله ( امجد ) عما تشكو.. هز الطبيب برأسه وقال :
– للاسف مش هقدر اقول حاجه قبل ما اشوف نتيجة التحاليل فياريت حضرتك تعمل التحاليل دي لمدام ( هبة ) في اقرب فرصة وتجيلي , ولغاية ما نتيجة التحاليل تظهر وأشوفها لازم الراحه التامة للمدام والغذا الكويس , تصبحوا على خير عن اذنكم
وانصرف الطبيب بعد أن أعطاه أمجد أجرة الكشف, عاد أمجد ثانية حيث ( هبة ) وتمدد بجانبها على الفراش وقد احتضنها بين ذراعيه قائلا :
– انت واخده عهد على نفسك انك تعملي فيا حاجه من الخضّة؟, حرام عليكي ارحميني!
ضحكت هبة ضحكة ضعيفة فيما جذبها أكثر الى احضانه مقبّلا جبينها بحب بينما قلبه يقرع في صدره خوفا وقلقا مما ستفصح عنه الأيام المقبلة!!…
ترى ما سبب صداع هبة المتكرر وسبب الاغماءة ؟ وماذا ستكون ردة فعل ( امجد ) عندما يعلم بالسبب ؟؟؟