اعلي مسافرين روماني مكرم
اهلى رايحين مصيف ماما وبابا واخويا ومراته وعياله
وانا وجوزى لا. كلمت ماما وقولتلها انا عامله حسابى هطلع معاكم علشان مخنوقه انا مليش حد غيركم تسبونى وتمشو
راحت قالتلى انتى عارفه مرات اخوكى مش عاوزاكى
علشان بتعملوا مشاكل مع بعض وأحنا راييحين نهدى أعصابنا
البيت كان شغال خلاط من الحركة، شنط بتتجر على الأرض، وصوت أكياس البلاستيك بتاعة الهدوم الجديدة وهي بتتفرز. الكل كان بيجري حوالين نفسه، وأنا قاعدة في الشقة لوحدي، باصة للسقف، والخنقة واصلة لحد حلقي. جوزي مسافر بقاله شهور شغال برة، والبيت عليا ملوش حس ولا ونيس، والشيطان بدأ يوزّ في ودني: *“انتي غريبة وسط أهلك ولا إيه؟ هيمشوا ويصيّفوا ويسيبوكي تكلّمي نفسك في الحيطان؟”*.
قمت لابة العباية البيتي ونزلت جري على بيت عيلتي، تالت عمارة في الشارع. مفيش في دماغي غير فكرة واحدة: أروح معاهم وأهرب من الوحدة دي.
أول ما فتحت الباب، لقيت ريحة الفينو والجبنة الرومي مالية المكان، وأمي بتعمل ساندوتشات السفر. أبويا قاعد على الكنبة بيراجع رخص العربية، وأخويا «أحمد» واقف في الصالة شايل الشماعات وبيرص الحاجه.
دخلت وبصيتلهم، ودمعتي فرت من عيني من غير إرادة:
— “إيه يا جماعة؟ يعني خلاص.. ماشيين وسايبيني لوحدي؟”
أمي لفت ليا، وشها اتقلب ألوان، وقالت بنبرة عيانة:
— “يا بنتي ما احنا قايلين ليكِ من أسبوع.. هو احنا بنهرب؟ ما انتِ عارفة الميعاد.”
قربت منها، ومسكت إيدها المبلولة من غسيل الطماطم، وقلت بصوت مكسور:
— “يا ماما أنا مخنوقة.. طقيت من جدران الشقة وجوزي مسافر وماليش حد يونسني. أنا عامله حسابي هطلع معاكم علشان مخنوقه، لميت هدمتين في شنطة صغيرة ومش هاخد مكان.. أنا ماليش حد غيركم تسبوني وتمشوا؟ ده أنا بنتك البكرية!”
أحمد أخويا بص في الأرض، ومسح على وشه بضيق، وساب الصالة ودخل الأوضة يقفل الشنط. أبويا تنهد تنهيدة جابت الأرض، وقال:
— “يا صابرين يا بنتي، بلاش تفتحي السيرة دي تاني دلوقتي، المركب سايرة ومش عاوزين عكننة.”
في اللحظة دي، الباب بتاع الأوضة الجوانية اتفتح، وخرجت منه «شيماء» مرات أخويا. كانت لابسة عباية الاستقبال الجديدة، ولفت الطرحة ومبتسمة ابتسامة صفرا، أول ما شافتني الابتسامة اختفت، وبقت تبصلي من فوق لتحت عينها بتقول ميت كلمة.
قالت ببرود مستفز وهي بتعدل غوايشها:
— “أهلاً يا صابرين.. مش كنتِ تقولي إنك جاية؟ كنا عملنا حسابك في فنجان قهوة قبل ما ننزل؟”
أنا دمي فار، الحركة دي عارفاها كويس، حركات لوع الحريم. لفت لأمي وبقيت بكلم أمي وبتجاهلها تماماً:
— “شايفة يا ماما؟ أنا مستعدة أدفع نصيبي في الشاليه وفي الأكل، بس أبقى وسطكم.. أنا محتاجة أشم هوا بدل قعدتي لوحدي.”
أمي بصت يمين وشمال، كأنها بتدور على مخرج، وشيماء وقفت مربعة إيدها عند المطبخ وباصة لأمي بنظرة تحذير تطلع شرار. أمي خدتني من إيدي ودخلت بيا البلكونة، وقفلت الباب السلك وراها.
أنا قلبي كان بيدق، كنت مستنية أمي تقولي “يغور الشاليه، هاتي شنطتك وتعالي في حضني”. لكن أمي لفت ليا، ووشها مليان حرج وخوف، وقالتلي بصوت واطي ومكتوم:
— “انتي عارفة مرات اخوكي مش عاوزاكي.. علشان بتعملوا مشاكل مع بعض وأحنا راييحين نهدى أعصابنا.”
— “يا ترى هيحصل إيه.. والكسرة دي هتودي صابرين لحد فين؟!”
الكلمة نزلت على ودني زي مية نار بتغلي. الكسرة مكنتش من كلمة شيماء، الكسرة الحقيقية كانت من أمي.. أمي اللي لفت وشها الناحية التانية ومش قادرة تبص في عيني، بتبيع خاطري ودموعي عشان تشتري رضا غريبة، وعشان “المركب تسير”.
بصيت لأمي والدموع اللي كانت في عيني جمدت فجأة، وحسيت بنشفان ريق غريب، كأن الروح بتتسحب مني. قلتلها بصوت حشرجة مكتومة:
— “مرات أخويا؟ يعني شيماء بقيت هي صاحب البيت يا أمي؟ وأنا البنت اللي ملهاش لازمة اللي بتعكنن عليكم؟ شكراً يا أمي.. كتر خيرك.”
أمي حاولت تمسك إيدي تاني وهي بتقول بلهفة داري بيها حرجها:
— “يا بنتي افهميني.. هي حلفِت ما هي عتبة المصيف لو انتِ جيتي، وأخوكي هيبوظ السفرية، وأبوكي غلبان مش حمل نكد.. عديها المرة دي وأنا لما أرجع هجيلك.”
نفضت إيدي من إيدها براحة.. راحة فيها كمية وجع وخذلان تكفي بلد. فتحت الباب السلك وخرجت للصالة.
شيماء كانت واقفة مكانها، حاطة إيد في وسطها والإيد التانية بتعدل بيها السلسلة الذهب اللي في رقبتها، وعينها بتلمع بانتصار رخيص، كأنها كسبت معركة حربية. أحمد أخويا خرج من الأوضة وشايل الشنط الكبيرة، أول ما شاف منظري، دارى عينه مني وبص في الأرض، وفتح باب الشقة ونزل بالشنط من غير ما ينطق بكلمة. حتى أبويا، قام وقف وخد مفاتيح العربية ومشي ورا أحمد وهو بيتفادى يبص في وشي.
وقفت في نص الصالة، وبصيتلهم كلهم.. كأنهم ناس أول مرة أشوفهم في حياتي. الكسرة في اللحظة دي اتحولت لجبل من الكبرياء. بلعت ريقي الناشف، وبصيت لشيماء نظرة حادة خلت ابتسامتها تختفي للحظة، وبعدين لفيت لأمي وقلت بابتسامة باهتة مكسورة:
— “تروحوا وتيجوا بالسلامة.. يا عيلتي.”
ودرت ضهري وخرجت. نزلت السلم وأنا مش حاسة برجلي، الخطوة كانت بتدب على السلم كأنها جبل. ورايا كان صوت ضحكة شيماء العالية وهي بتستعجل أمي وبتقولها: “يلا يا ماما عشان الميكروباص مستني تحت!”.
دخلت شقتي، الشقة اللي كنت هربانة من جدرانها وخنقتها. قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، وسندت ضهري عليه. في اللحظة دي، حيطان الشقة الفاضية وضلمتها حسيت إنهم أحن عليا من حضن أمي ومن بيت عيلتي.
رميت نفسي على الكنبة، والدموع اللي حبستها فوق نزلت زي السيل، صرخة مكتومة طلعت من قلبي مش من بوقي. فضلت أعيط لحد ما حسيت إن جسمي كله هِمد.
بصيت للساعة، كانت تعدي نص الليل. زمانهم دلوقتي على الطريق، بيضحكوا وبياكلوا الساندوتشات، ومحدش فيهم فاكر صابرين اللي سابوها بتموت في جلدها.
**بس الكسرة دي مكسرتنيش للأخر.. في حاجة جوايا ماتت في الليلة دي، وحاجة تانية بدأت تتولد.**
مسكت تليفوني، وفتحت الشات بيني وبين جوزي «محمود». كتبتله ورسلتله رسالة واحدة:
— “محمود.. أنا موافقة على السفر معاك. رتب ورق فيزتي من عندك، أنا مش هقعد في البلد دي ولا يوم زيادة.”
قفل التليفون، وقمت غسلت وشي، وبصيت لنفسي في المراية.. عيني كانت حمرا وورامة، بس النظرة اللي فيها كانت غريبة.. نظرة واحدة قررت إنها من المرة دي، مش هتعمل حساب لأي حد، حتى لو كان من دمها.
قعدت في الضلمة، والتليفون بين إيدي زي الجمرة. كنت مستنية رد محمود، رغم إني عارفة إنه نايم دلوقتي، بس الرسالة كانت زي صرخة في وادي، بفرغ فيها كل الشحنة اللي في صدري.
فجأة، تليفوني رنّ.. رسالة واتساب منه. قلبي دق طبول، فتحتها بسرعة، كانت صورة ليه، واقف قدام البحر في الغربة، وشكله مجهد بس ملامحه لسه فيها الحنية اللي وحشتني.
تحتها رسالة صوتية، فتحتها بإيد بترتعش، صوته جه دافي وسط صمت الشقة الكئيب:
— “يا حبيبتي يا صابرين، شفت رسالتك. أنا كنت مستني الكلمة دي بقالي شهور، كنت حاسس بيكي حتى من غير ما تقولي. ولا تزعلي نفسك، السفر مش بس ورق، السفر حياة جديدة لينا إحنا الاتنين. بكره الصبح هبدأ في الإجراءات، جهزي نفسك، احنا هنبدأ صفحة جديدة، بعيد عن أي حد يقلل من قيمتك.”
دموعي نزلت تاني، بس المرة دي كانت دموع راحة. قمت ولعت نور الشقة، وبدأت أتحرك. لأول مرة من سنين، حسيت إن البيت ده مش سجن، ده مجرد محطة انتظار، والقطار بتاعي قرب يوصل.
دخلت المطبخ، عملت كوباية شاي تقيلة، وقعدت قدام الشباك. بصيت على العمارة بتاعتهم، كانت الضلمة هي اللي مسيطرة، خلاص مشيوا.. سابوا وراهم كل السنين اللي قضيتها بحاول أرضيهم، سابوا وراهم صابرين اللي كانت بتخاف على زعلهم أكتر من نفسها.
سرحت في خيالي، تخيلت نفسي هناك مع محمود، في بلد تانية، ببيت جديد، بخصوصية، من غير “شيماء” بنظراتها ولا “أمي” بتبريراتها.
فجأة، جالي إشعار على الفيسبوك. صورة من “شيماء”.. منزلة ستوري هي وأحمد في العربية، وكاتبة “أحلى مصيف مع أغلى الناس.. وبداية جديدة بعيداً عن أي نكد!”.
ابتسمت ابتسامة باردة جداً، ولا همني. قفلت التليفون وحطيته بعيد. الكلمة دي كانت بمثابة مسمار أخير في نعش العلاقة اللي كنت بقدسها.
قررت من اللحظة دي، إني هقفل الباب على مشاعري تجاههم. مش هعاتب، مش هسأل، مش هطلب ود حد تاني. أنا دلوقتي عندي هدف واحد، والهدف ده بيخليني أقوى من أي وقت فات.
قمت وقفت قدام الدولاب، وبدأت أطلع هدوم الشتا اللي كنت شايلاها، وبدأت أرتب شنطتي الحقيقية، مش الشنطة الصغيرة اللي كنت واخدة فيها هدوم المصيف عشان أترجى حد ياخدني معاه.. لا، دي شنطة رحلة الغربة، رحلة الحرية.
عدت الأيام، ومحدش منهم اتصل يسأل “وصلتي لفين؟” أو “بتعملي إيه؟”. كنت بسمع أخبارهم من “الستات” في العمارة، إن المصيف عجب شيماء، وإنهم قضوا وقت “تحفة”. وأنا في شقتي، كنت بخلص ورق الفيزا، وببيع دهبي اللي حيلتي، وبحط نقطة في آخر سطر في حكاية “صابرين اللي بتدور على رضا الناس”.
يوم سفري، وأنا ماشية بشنطي في الشارع، بصيت على عمارة أهلي للمرة الأخيرة. شباك بلكونتهم كان مفتوح، وشيماء كانت واقفة بتنفض مفرش. شافتني وأنا ماشية بالمطار، اتجمدت في مكانها، وبصتلي باستغراب وهي مش فاهمة ليه شايلة شنط سفر.
مشيت من غير ما ألتفت، ومن غير ما ألوح بإيدي. مشيت وأنا حاسة إن الهوا اللي بتنفسه لأول مرة، هوا حقيقي.. نضيف من خذلانهم.
أهلي خسروا صابرين، بس صابرين كسبت نفسها.. وده كان أغلى مكسب في حياتي.
ركبت التاكسي اللي رايح المطار، وقفلت الباب ورايا دبة قوية، كأنها الدبة اللي بتعلن نهاية فصل كامل من رواية قديمة وبداية فصل جديد ملوش علاقة باللي فات.
طول الطريق، السواق كان مشغل أغنية حزينة، بس أنا مكنتش حاسة بالحزن.. كنت حاسة بحالة من التنميل في مشاعري. بصيت من شباك التاكسي على شوارع القاهرة وهي بتجري لورا، الشوارع اللي شهدت على طفولتي، وعلى كسرتي، وعلى دموعي اللي نزلت في بلكونة بيت عيلتي.
فتحت تليفوني للمرة الأخيرة قبل ما أدخل صالة المطار، ولقيت مكالمة فايتة من أمي.
أمي.. لسه فاكرة تتصلي؟ بعد أسبوعين من رجوعكم من المصيف؟ بعد ما قفلتم بابكم وراكم وسيبتوني في جدران شقتي؟
برود غريب سكن قلبي. مكنتش عاوزة أسمع تبريرات، ولا عاوزة أسمع جملة “يا بنتي احنا كنا..”. كتبت لها رسالة قصيرة وجافة: *”أنا مسافرة لمحمود دلوقتي يا أمي، دعواتك.”*
وقبل ما أستنى ردها، أو أشوف “جاري الكتابة”، عملت للتليفون كله وضع الطيران.
دخلت المطار، زحمة الناس وصوت إعلانات الرحلات وحركة الشنط الكبيرة حواليا، كل ده حسسني إني بدأت أدوب وسط العالم، إني مبقتش “صابرين المخنوقة اللي قاعدة لوحدها في الشقة”. أنا دلوقتي مسافرة، رايحة للراجل الوحيد اللي صان خاطري لما الكل كسرني.
خلصت إجراءات الجوازات، ووقفت في الطابور وأنا ماسكة باسبوري في إيدي. بصيت لصورتي فيه، وصورتي في مراية المطار.. الملامح هي هي، بس النظرة ا تـبـدّ لـت. البنت المكسورة المستسلمة سيبتها هناك في حارة تالت عمارة، والواقفة هنا واحدة تانية خالص.
طلعت الطيارة، وقعدت في كرسي جنب الشباك. أول ما الطيارة بدأت تتحرك وتترج على الممر، قلبي دق بسرعة، مش خوف من الطيران، لكن خوف من البدايات الجديدة. ولما الطيارة أقلعت في الجو، وبدأت البيوت والعمارات تصغر تصغر لحد ما بقت زي نقط صغيرة مالهاش ملامح، حسيت إن مشاكلي وخذلان عيلتي وضحكة شيماء الصفرا كلهم صغروا وبقوا أصغر من النقط دي.
غمضت عيني، ونمت نوم عميق مَنمتهوش من ليلة المصيف الملعونة ديك.
بعد ساعات، الطيارة لمست أرض المطار الجديد. نزلت وأنا بجر شنطتي، وبدور بعيني وسط وشوش الناس الغريبة.. لحد ما لمحته.
محمود.. كان واقف ورا الحاجز، لابس قميص أزرق فاتح، وماسك في إيده باقة ورد صغيرة، وعينه بتدور بلهفة وسط الركاب. أول ما عينه جت في عيني، وشه نّور بابتسامة حقيقية.. ابتسامة مفيهاش لوع، ولا حسابات، ولا مصالح.
جريت عليه، ومن غير ما أفكر رميت الشنطة من إيدي وارتميت في حضنه. الحضن ده كان هو “الشاليه” الحقيقي اللي كنت بدور عليه، كان هو الأمان اللي أمي بخلت بيه عليا عشان خاطر مرات أخويا.
محمود طبطب على ضهري بقوة وهمس في ودني:
— “حمد الله على السلامة يا قلب محمود.. نورتي دنيتي من جديد. كل حاجة جاهزة، والبيت الجديد مستني صاحبة البيت.”
رفعت راسي وبصيت له، وقلت بنبرة واثقة وصافية:
— “الله يسلمك يا حبيبي.. أنا جيتلك، وسيبت ورايا كل حاجة كانت بتوجعني. من النهارده، ماليش في الدنيا دي غيرك.”
مشينا وإيده في إيدي، وأنا حاسة إن الكسرة اللي شرخت قلبي في بلكونة أمي، اتعمل لها عملية ترميم بذهب الغربة وحنية الراجل اللي اختارني. صابرين القديمة ماتت، وصابرين الجديدة بدأت تكتب أول سطر في حياتها.. سطر ماليش فيه عيلة غير محمود.
عدت شهور على وجودي في الغربة، شهور كانت عاملة زي المية الباردة اللي بتطفي نار قادت في قلبي سنين. محمود مسبنيش لحظة، كان حاسس بالشرخ اللي جوايا، وكل يوم كان بيحاول يثبتلي إن الدنيا لسه فيها أمان، وإن الوجع اللي شفته في بيت أبويا مكنش نهايتي، ده كان مجرد بداية لعمري الحقيقي.
أسسنا بيتنا الصغير على ذوقنا؛ ألوان هادية، وستاير بتدخل الشمس، وبلكونة واسعة كنت بقعد فيها الصبح أشرب قهوتي وأنا ببتسم، مش وأنا حابسة دمعتي زي زمان. مكنتش بفتح التليفون القديم بتاعي خالص، سيبت خطي المصري مقفول، وعملت رقم جديد ميعرفهوش غير محمود. كنت عاوزة أعيش في “جزيرة معزولة” لحد ما جروحي تلم تماماً.
وفي يوم، كنت واقفة في المطبخ بجهز العشا، ومحمود قاعد في الصالة بيقلب في تليفونه، وفجأة لقيته سكت وصوت التليفون اقطع. دخل عليا المطبخ، وشه كان فيه تردد غريب، وماسك تليفونه في إيده.
قرب مني وقال بنبرة هادية:
— “صابرين.. أحمد أخوكي كلمني على رقم الشغل بتاعي.”
اسم “أحمد” لما اتقال، حسيت برعشة خفيفة في إيدي، بس بسرعة اتلاشت وحل محلها برود تام. كملت تقليب الأكل وقلت من غير ما أبص له:
— “وإيه اللي فكره بيا؟ مش كانوا رايحين يهدوا أعصابهم؟”
محمود اتنهد وقعد على الكرسي اللي جنب الرخامة وقال:
— “أحمد صوته كان مكسور أوي يا صابرين.. قالي إن أمك تعبانة بقالها فترة، والدكاترة بيقولوا إن حزنها وزعلها هما السبب. وقالي إن البيت عندهم اتقلب جحيم من يوم ما مشيتي.”
لفيت لمحمود، ربعت إيدي وقلت بابتسامة باهتة:
— “جحيم؟ ليه؟ مش شيماء معاهم؟ مش هي دي اللي كانت بتنورلهم البيت وأنا اللي بعكنن عليهم؟”
— “شيماء سابت البيت يا صابرين.” محمود قالها وهو بيبص في عيني مباشرة: “أحمد وقّفها عند حدها بعد ما سافرتي، وحصلت بينهم مشاكل كبيرة لما شاف أمك بتعيط عليكي بالليل وبتلوم نفسها. أحمد فاق لنفسه وعرف إنه باع أخته عشان خاطر مراته، وانتهت بينهم بالطلاق وشيماء لمّت حاجتها ومشيت.. وأمك دلوقتي ملهاش سيرة غيرك، وبتقول للكل إنها كسرت قلب بنتها البكرية، وعاوزة تسمع صوتك بس تطلب منك السماح.”
وقفت مكان في نص المطبخ، الكلام كان بينزل على ودني وأنا مش قادرة أحدد أنا حاسة بإيه. هل أنا شمتانة؟ لا، الشماتة مبترجعش اللي انكسر. هل أنا زعلانة عليهم؟ الوجع اللي جوه قلبي كان أكبر من إني أتعاطف بسرعة.
محمود قام، مسك إيدي وقال بحنية:
— “أنا مش بضغط عليكي يا قلب محمود. لو مش عاوزة تكلميهم، أنا هقفل الباب ده تماماً ومحدش هيوصلك. بس دي أمك.. والكسرة اللي في صوت أخوكي بتقول إنهم عرفوا قيمتك، بس بعد ما الطيور طارت بأرزاقها. فكري، والقرار ليكي.”
سابني ومشي عشان يديني مساحتي. قعدت على الكرسي، وبصيت من شباك المطبخ على أنوار المدينة الغريبة.
افتكرت ليلتها.. ريحة الفينو والجبنة الرومي، دموعي اللي فرت، نظرة شيماء الشمتانة، وسكوت أخويا وأبويا، وكلمة أمي في البلكونة: *”احنا رايحين نهدى أعصابنا”*.
دمعة واحدة نزلت من عيني، بس مكنتش دمعة قهر، كانت دمعة وداع لأخر جزء حزين في الحكاية.
مسكت التليفون، وفتحت الرقم اللي محمود سابهولي على الرخامة.. رقم أحمد. كتبت رسالة، صوابعي كانت ثابتة ومش ترتعش:
*”أنا مسمحاهم يا أحمد.. مسمحة أمي ومسمحاك. بس صابرين اللي كانت بتبكي وتمسك في هدومكم عشان تاخدوها معاكم ماتت في بلكونة بيتنا. أنا هنا عايشة حياة جديدة، مع الراجل اللي بانيلي حيط وأمان. ادعوا لأمي بالشفاء، وأنا هكلمها أطمن عليها.. بس رجوع مش هيرجع اللي فات.”*
بعت الرسالة، وحسيت بنسمة هوا باردة دخلت صدري.
الكسرة ودت صابرين لبعيد.. بعيد أوي، للحتة اللي عرفت فيها إن قيمتها مش برضا أهلها عنها، قيمتها بنفَسها العزيزة، وبالبيت اللي يفتح بابه ليها بالحب، مش بالشفقة أو بالخناق. قفلت التليفون، ورجعت لمحمود في الصالة، وبدأت حياتي الحقيقية، وأنا مفيش في قلبي غير السلام والنصر.