اخت جوزى قدمتنى1

اخت جوزي قدمتني لاهل خطيبها على اني شغاله عندهم علشان لبسي كان متبهدل ، بصيت لجوزي وانا مصدومه وقلت هينصفني بس وطى راسه وسكت علشان ميكدبش اخته ، يومها فهمت ان محدش هياخد حقي غيري ، واللي عملته خلاهم اتجمدوا من الصدمه كلهم !!!!

أنا اسمي سمر، عايشة في بيت عيلة.. بيت كبير، مليان حركة ودوشة، بس الحركة دي كلها كانت على دماغي أنا لوحدي. من أول ما دخلت البيت ده وأنا شيلتهم من الألف للياء. غسيل، طبيخ، ترويق، مسح، وتلبية طلبات مابتخلصش. حماتي ست كبيرة، كانت دايماً بتقول إن ركبها وجعاها ومش قادرة تقف، واخت جوزي “منة” كانت بتدرس في الجامعة، وأمها دايماً كانت تقول: “سيبوها تذاكر، مش عايزة أتعبها ولا أشغلها عن مستقبلها، خدمة البيت دي مش دلوقت”.

كنت بستحمل وبقول في نفسي “معلش، هما زي أهلي، وبيت جوزي هو بيتي”. جوزي “أحمد” كان دايماً يشوفني وأنا مهدود حيلي، عرقانة وواقفة بطبخ ولا بغسل، كان يعدي عليا ويقولي بنبرة كلها حنية: “الله ينور يا حبيبتي، ربنا يقويكي.. برافو عليكي، خلي بالك من أمي وأختي، أمي تعبانة متخليهاش تشتغل واختي وراها امتحانات”. كان بيقول الكلمتين دول ويمشي على شغله، من غير ما يفكر للحظة أنا بقالي كام ساعة واقفة على رجلي، ولا ضهري اللي بينقسم نصين من التعب ده محتاج راحة ولا لأ. حتى “منة” لما كانت تخلص مذاكرة وتخرج تقعد، مكانتش ترفع كوباية من مكانها، كانت تبصلي وتطلب عصير ولا شاي كأني شغالة بمرتب في البيت! وأنا كنت بعدي، وبقول بكبر عقلي علشان المركب تمشي.

لحد ما جه يوم واتقدم لـ “منة” عريس، ومش أي عريس، واحد من عيلة غنية جداً، مركز ومال وجاه. ولما حصل القبول والموافقة المبدئية، اتفقوا إن العريس هيجيب أهله ويجوا بيتنا علشان يتعرفوا على البنت اللي اختارها وعلى عيلتها. طبعاً البيت اتقلب طوارئ، وحماتي قالتلي: “عاوزين عزومة تشرف، مش عاوزين غلطه تشمت فينا حد، دول ناس أكابر”.

يومها، أنا اتفحت في المطبخ من النجمة. كنت لوحدي تماماً، بعمل محاشي وصواني وبشاميل ولحوم وحلويات.. المطبخ كان عامل زي الفرن، وأنا واقفة في وسط المعمعة دي لوحدي بطبخ وبتنطط من حلة لحلة. وحماتي؟ حماتي كانت واقفة معايا في المطبخ، بس مش علشان تساعدني ولا حتى تقشر بصلة، لأ.. دي كانت واقفة فوق دماغي زي لجنة الامتحان! تراقب كل حركة، وتزعق: “زودي الملح هنا، لا الرز ده لسه ني، ممنوع أي غلطة يا سمر، الناس دي مابتعجبهاش العجب، لو الأكل طلع فيه حاجة هطين عيشتك”.

لما الوقت أزف وقربوا يوصلوا، لقيت “منة” جريت على أوضتها علشان تلبس وتجهز، وحماتي كمان رايحة تغير. بصيت لنفسي واتخضيت.. جلابيتي كانت قديمة ودايبة، ومبقعة بقع صلصة وزيت، ووشي كان عرقان وضوافري متبهدلة من تقشير الخضار. جريت ورا حماتي وقلت لها بلطف: “يا حماتي، أنا هدومي اتوسخت خالص، والجلابية دي قديمة ومش هينفع أقابل الناس بيها، هطلع بسرعة ألبس حاجة نضيفة علشان استقبل معاكوا الناس”.

حماتي لفت وبصتلي بغضب وزعقت فيا وقالت: “تلبسي وتغيري ليه؟ هو أنتِ العروسة؟! أنتِ كويسة كده زي ما أنتِ، اخلصي وراكي أكل على النار، لما تطلعي أنتِ وتتمنظري، مين هيخلي باله من الأكل ومين هيغرف؟!”.

اتحرجت جداً وقلت لها بصوت واطي: “بس يا حماتي هدومي كلها ريحتها طبيخ ومش مناسبة أبداً، والناس زمانهم على وصول، عيب يشفوني كده وأنا مرات ابنك”.

قاطعتني وقالت: “أنا اللي هطلع أغير علشان أنا اللي هستقبلهم، أنتِ وجودك ملوش لزوم وسطنا، المهم الأكل يطلع كويس ويسد عين الشمس، ايديكِ في الأكل ويلا اخلصي”.

سابوني وطلعوا.. وكأني مش فرد في عيلتهم.

بعد شوية، الباب رن، وسمعت صوت الترحيب والضحك والهزار.. الناس وصلوا، وكان باين من أصواتهم إنهم عيلة راقية جداً. قعدوا يتعرفوا على بعض ويهزروا، وكانوا كلهم لابسين على سنجة عشرة، وأحمد جوزي كان قاعد معاهم ولابس أشيك بدلة عنده ومبسوط. وأنا؟ أنا كنت في المطبخ بغرف الأكل في السرافيس الكبيرة.

لما جه ميعاد تقديم العشا، حماتي ندهت عليا بصوت عالي: “يلا العشا يا سمر”.

شيلت الصواني التقيلة وخرجت بيها.. كنت مكسوفة من شكلي، جلابيتي المتبهدلة، وشعري اللي طالع من الطرحة من التعب، وريحة البصل والصلصة المغرقاني. بدأت أرص السفرة بحرج شديد، ووجسمي كله بيترعش من الكسوف، ورديت السلام عليهم بصوت خافت ومكسور، ولسه هلف ضهري علشان أدخل المطبخ تاني وأستخبى، أم العريس بحلقت فيا باستغراب، وبصت لحماتي وقالت بنبرة فيها عجب: “أمال مين دي؟ معرفتوناش عليها ليه من الصبح؟”.

في اللحظة دي اخت جوزي “منة” بصتلي، وشافت منظري المبهدل اللي ماليان بقع، وحست إن شكلي مش من مستواهم وميشرفش قدام أهل خطيبها الغني.. لقيتها بتبصلي بغضب وجحود، وقالت ببرود هز جدران قلبي: “دي شغالة عندنا.. خشي جوه هاتي باقي الأكل!”.

أنا اتصدمت.. الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة، كأن حد ضربني بقلم على وشي قدام الناس. الصدمة خلتني مش قادرة أتحرك. بصيت لأحمد.. بصيت لجوزي اللي ياما شيلت أهله علشانه، كنت مستنياه يتكلم، مستنياه يقولهم”دي مراتي، دي ست البيت “.. بصيت له وأنا مذهولة وكلي عتاب، وقلت في بالي هينصفني وهيجيب لي حقي..

لكن الصدمة الأكبر كانت منه هو.. أحمد اتصدم في الأول من رد أخته، بس في ثانية، راح موطي راسه في الأرض وسكت! سكت تماماً ونزل دماغه علشان ميكدبش أخته وعلشان الجوازة متبوظش..

حماتي لما لقت الجو اتهز، خافت والتوتر ظهر على وشها، فقالت بسرعة وبصوت آمر وهي بتطردني بعينيها: “أيوه.. روحي هاتي العشا للناس اخلصي!”.

في اللحظة دي، وأنا باصة لجوزي وهو موطي راسه، وحماتي اللي بتأمرني، واخت جوزي اللي بتبصلي باحتقار.. في اللحظة دي بالذات، انكسر جوايا كل حبل ود، وفهمت إن محدش هياخد حقي غيري، ولقيت نفسي بقول بكل هدوء وثقة: “حاضر.. من عيوني”.

لفيت ضهري ودخلت المطبخ.. واللي عملته بعدها خلاهم كلهم يتجمدوا من الصدمه !!!!!!

 

دخلت المطبخ ورجلي مكنتش شايلاني، بس فجأة الرعشة والكسوف اللي كانوا فيا اختفوا، وحل مكانهم هدوء مرعب، هدوء حد معندوش حاجة يخسرها. بصيت لصواني الأكل اللي فضلت واكفت بطبخها من النجمة، وبصيت لإيدي المتبهدلة، والدموع اللي كانت محبوسة في عيني جفت تماماً.

وقفت دقيقة واحدة رتبت فيها أفكاري، وقلت لنفسي: “بما إنهم اختاروا يخلوني الشغالة، يبقى لازم يشوفوا الشغل على أصوله”.

طلعت تليفوني من جيب الجلابية، وكلمت واحدة صاحبتي جارتنا في نفس الشارع، وصوتها كان دايماً عالي ومعروفة إنها مبتسكتش عن حق. قلت لها في التليفون ببرود شديد: “أسماء، تعاليلي حالاً افتحي باب الشقة وادخلي، عاوزاكي في مصلحة”.

وبعدها بدأت أنفذ خطتي. شيلت السرافيس الكبيرة اللي باقي فيها الأكل، وخرجت بيها على الصالة. بس المرة دي ممشيتش بكسوف ولا وطيت راسي؛ دخلت وأنا رافعة راسي وببتسم ابتسامة عريضة.

وقفت قدام السفرة، وبدأت أحط الأكل قدام أم العريس وأبوه، وبصوت عالي وجهوري يسمعه كل اللي قاعدين في الصالة، قلت:

“اتفضلوا يا بهوات.. أحلى أكل مصري معمول بإيد الشغالة سمر! بس طبعاً يا فندم، الخدمة هنا ليها نظام.. أنا بقالي سنتين ونص شغالة في البيت ده، من النجمة للمغرب، غسيل ومسح وطبيخ وتلبية طلبات الست هانم الكبيرة، والآنسة منة اللي لسه مخلصتش تعليمها”.

الصمت المفاجئ قطع المكان، المعالق اتثبتت في الهوا، وأم العريس برقت وعينيها وسعت من الذهول.

أحمد جوزي وشه قلب ألوان، وقف فجأة وهو بيترعش وصوته مخنوق: “سمر! أنتِ بتقولي إيه؟ ادخلي جوه حالاً!”.

حماتي وقفت هي كمان، ووشها بقى أحمر زي الدم من الغل والخوف، وحاولت تداري الموقف وقالت لأم العريس بضحكة صفرا ومجروحة: “معلش يا جماعة.. أصلها تعبانة شوية وعقلها على قدها، ادخلي يا سمر جوه حسابك معايا بعدين”.

في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت صاحبتي أسماء وهي بتنهج، أول ما شافتني ندهت عليا: “في إيه يا سمر يا حبيبتي؟ مالك واقفه بجلابية المطبخ دي ليه؟ فين جوزك أحمد؟”.

بصيت لأسماء وقلت لها بصوت مسموع: “أصلهم يا أسماء بيعرفوا الناس عليا إني الشغالة اللي هنا.. علشان لبسي متبهدل من طبخ العزومة دي لوحدي من الفجر”.

أسماء شهقت وصقفت بإيدها وقالت بأعلى صوت عندها: “شغالة؟! شغالة إيه يا أم شغالة! دي سمر ست البنات، ومرات ابنك أحمد الشحط اللي واقف ده! بقالها سنتين شايلاكم على كتافها وتخدم فيكم وفي بنتك الجامعية، وفي الآخر تطلعوها شغالة قدام الناس علشان لبسها اتمسح بيه بلاط المطبخ من خدمتكم؟! ده أنتِ قطعك النص يا أحمد يا قليل الأصل يا اللي سايب مراتك يتهان اسمها قدامك ومفتحتش بقك!”.

الكلام نزل على أهل العريس زي الصاعقة. أم العريس حطت الشوكة من إيدها وبصت لمنة ولحماتي بنظرة احتقار ووداع، وقامت وقفت وهي بتقول: “شغالة؟! وبتتبروا من مرات ابنكم وبتهينوها علشان شكلها متبهدل من خدمتكم؟! البنت اللي تبدأ حياتها بالكدب والجحود على أقرب الناس ليها، متلزمناش وميدخلش بيتنا عيلتها”.

العريس نفسه بص لمنة بنظرة صدمة وخيبة أمل، وقام وقف جنب أمه وأبوه. أحمد جوزي جرى وراهم وهو بيحاول يمسك في العريس ويقوله: “يا فندم استنوا بس، دي مشاكل عائلية وسوء تفاهم، والله الموضوع مش كده!”.

بس أبوه زقه وقاله: “ابعد يا كابتن.. اللي ملوش خير في مراته اللي شايلاه وشايله أهله، ملوش خير في حد.. اتفضلوا معانا”.

أول ما الباب اتقفل وراهم، الصالة اتقلبت لبركان.. حماتي لفت عليا وعينيها بتبخ سم، ومنة بدأت تصرخ وتلطم وتقول: “خربتي بيتي وضيعتي العريس مني يا شحاذة!”. وأحمد لف عليا وهو رافع إيده وعينه مليانة غضب أعمى وجاي عليا..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *