انا هنا بس عشان استر على عيلتى 2
“أنا… أنا هفضل مرات جبل الهواري، وهكمل معاه يا بابا.”
الكلمة نزلت على السرايا كلها زي السكوت اللي بيسبق العاصفة. الحاج عبد الرحمن عينيه وسعت بصدمة، كأنه مش مصدق إن بنته الرقيقة، اللي كانت بتترعش من الخوف امبارح، واقفة دلوقتي بالثبات ده.
قمر سابت المأذون، وقربت من أبوها، مسكت إيده العجوزة وباستها بدموع محبوسة، وقالت بصوت قوي نابع من كرامتها:
“أنا مش هطلق يا بابا.. بس مش عشان خايفة من نفوذه، ولا عشان طمعانة في الفلوس اللي كتبها باسمي. أنا هفضل هنا عشان جبل بيه اداني الس*لاح اللي أحمي بيه نفسي.. العصمة في إيدي، يعني أنا قاعدة في السرايا دي بمزاجي وبإرادتي، مش غصب عني ولا كبش فدا لفضيحة حد. اطمن يا حبيبي، بنتك بميت راجل، ومحدش هيقدر يكسرها.”
جبل كان باصصلها، وصدره بيعلى ويهبط من كتر الأنفاس اللي كان حابسها. ملامحه اللي دايماً صارمة، ظهرت عليها ابتسامة إعجاب وفخر هزت كيانه من جوه. دي مش مجرد بنت بيحبها، دي ملكة تستاهل تتربع على عرش السرايا وقلبه.
الحاج عبد الرحمن بص لجبل نظرة طويلة، كلها تحذير، وقال بصوت خشن:
“سمعت كلامها يا جبل؟ بنتي قاعدة بإرادتها.. بس قسماً بالله، لو دمعة واحدة نزلت من عينها قهر، أو مسيت كرامتها بكلمة، لهقفلك ولو كنت مين!”
جبل قرب منه بكل هدوء واحترام، حط إيده على كتف الحاج عبد الرحمن وقال بنبرة مليانة يقين:
“دمعتها بكفر يا حاج.. ورقبتي سدادة لو في يوم قصرت معاها. قمر في عيني، ومفيش راجل بيأذي روحه.”
انسحب الحاج عبد الرحمن والمأذون، والباب الكبير اتقفل. وهنا، الصمت اتكسر بصوت “الحاجة رضوى” اللي ضربت كف على كف بذهول وغضب:
“يا مراري الطافح! بقى حتة عيلة زي دي تلوي دراع جبل الهواري؟ تاخد نص أملاكك وتبقى العصمة في إيدها؟ السرايا دي ليها كبير يا جبل، وإنت الظاهر عقلك طار!”
جبل لف لأمه، ونظرته رجعت قاسية زي الجليد:
“الكبير ربنا يا أمي. والسرايا دي مالهاش غير ست واحدة، وهي اللي واقفة قدامك دي. قمر خط أحمر، كلامها يمشي على الكبير قبل الصغير هنا.. وأي حد هيزعلها، السرايا دي هتبقى ضيقة عليه أوي، حتى لو كان أقرب الناس ليا.”
الكلمات كانت زي الرصاص، الحاجة رضوى سكتت وهي بتغلي من جواها، وبصت لقمر بنظرة توعد قبل ما تسيبهم وتطلع أوضتها.
جبل لف لقمر، عينيه كلها شغف ولهفة. مد إيده ومسك إيديها، وسحبها وراه من غير ولا كلمة لحد ما طلعوا لجناحها (المرسم). أول ما قفل الباب، ساب مسافة بينه وبينها احتراماً لطلبها القديم، بس عينيه كانت بتحضنها.
”كنت هموت لو مشيتي..” همس بيها بصوت أجش، فيه ضعف أول مرة راجل زيه يبينه. “لما شوفتك واقفة قدام المأذون، حسيت إن روحي بتنسحب مني.. إنتي مش متخيلة الكلمة دي عملت فيا إيه يا قمر.”
قمر بلعت ريقها، وحاولت تحافظ على قوتها قدام طوفان المشاعر اللي بيحاصرها منه، وقالت بجدية:
“أنا وافقت أفضل عشان مكسرش أبويا مرتين، وعشان مسمحلكش تنتصر في لعبتك وتتحكم في مصايرنا براحتك. إنت إديتني مفتاح حريتي.. بس ده مش معناه إني سامحتك أو إني بقيت بتاعتك. إنت لسه محتاج تثبتلي إنك تستاهلني، وإني ممكن أثق في راجل خطط من ورايا سنين.”
جبل ابتسم ابتسامة خطفت قلبها، وقرب خطوة واحدة، رفع إيده ومشى ظهر صوابعه على خدها برقة متناهية وقال:
“وأنا قابل التحدي. هخليكي تعشقيني يا قمر، هخليكي ما تشوفيش غيري، وهعوضك عن كل دمعة. إحنا هنبدأ من الصفر.. بس في حاجة واحدة لازم تعرفيها الأول.”
قمر عقدت حواجبها بحيرة: “حاجة إيه؟”
جبل مشى بخطوات هادية ناحية خزنة حديد صغيرة متدارية في ركن المرسم. فتحها، وطلع منها حاجة خليت قلب قمر يدق بعنف.. “مذكراتها”! الدفتر القديم اللي ضاع منها من 5 سنين وكان فيه كل أسرارها وتفاصيل حياتها.
جبل رجع وقف قدامها، ومد إيده بالمذكرات، وعينيه بتلمع ببريق غامض:
“عارفة إيه اللي خلاني أصبر 5 سنين بحالهم وما أجيش أطلب إيدك من أبوكي وقتها؟ مع إني كنت قادر أعملها وأنا حاطط رجل على رجل؟”
قمر خدت المذكرات وإيديها بترتعش، وبصتله بتساؤل: “ليه؟”
جبل أخد نفس عميق، وقال بصوت مليان مشاعر متأججة:
“عشان وعد قطعتوا على نفسي. افتحي المذكرات يا قمر.. افتحي آخر صفحة إنتي كتبتيها قبل ما تضيع منك بيوم.”
قمر فتحت المذكرات بسرعة، قلبت الصفحات لحد ما وصلت لآخر صفحة. قرأت كلامها اللي كانت كاتباه بخط إيدها عن “فارس أحلامها المجهول”، بس فجأة عينيها اتجمدت.. كان في سطرين مكتوبين تحت كلامها، بخط رجولي قوي، حبره لسه محتفظ بلونه وكأنه مكتوب إمبارح.
قرأت السطرين في سرها، وشهقة صدمة مكتومة طلعت من شفايفها. رفعت عينيها المليانة بالدموع والذهول لجبل، ملامحها كلها بتنطق بسؤال واحد مستحيل عقله يصدقه.
”إنت… إنت اللي كنت….؟!” صوتها طلع بالعافية وهي بترجع خطوة لورا.
جبل ابتسم بحنين، وعينيه ركزت في عينيها وقال:
“أيوه يا قمر… أنا اللي كنت…”
ياترى قمر قرأت إيه في المذكرات؟ وإيه السر العاطفي اللي جبل مخبيه عنها من 5 سنين وبيقلب كل الموازين بين ليلة وضحاها؟ وهل هتقدر تقاوم السحر اللي جواه، ولا الحاجة رضوى هيكون ليها رأي تاني وهتحضرلهم مفاجأة تدمر الليلة دي؟ …يتبع
في الجزء الاخير من الروايه
