انا هنا بس عشان استر على عيلتي 3
“إنت… إنت اللي كنت بتبعتلي الورد الأبيض كل يوم الصبح؟ إنت اللي اشتريت كل لوحاتي من المعرض البسيط اللي عملته في الكلية من غير ما أعرف مين المشتري؟”
صوت قمر كان بيترعش، والدموع متجمعة في عينيها وهي بتبص للسطرين اللي مكتوبين في آخر مذكراتها:
“أنا طيفك اللي بيحرسك من بعيد.. أنا الراجل اللي شاف روحه بين سطورك. مش هظهر في حياتك دلوقتي، بس بوعدك، لما نتقابل، هخليكي ملكة متوجة على عرش قلبي، في قصر ما تدخلوش ست غيرك.. الإمضاء: جَبَلِك وحمايتك.”
جبل قرب منها بخطوات بطيئة، ملامحه القاسية دابت تماماً، وبقت كلها حنية ودفء، ومسك إيديها اللي كانت ماسكة المذكرات برعشة:
“أيوه يا قمر.. أنا. من خمس سنين، لما شُفتك صدفة قاعدة تحت شجرة التوت اللي على أول أرضكم، بترسمي وبتتكلمي مع نفسك كأنك طير حر.. قلبي اتخطف. ولما نسيتي المذكرات دي وفتحتها، وعرفت إزاي بتفكري، وإيه أحلامك، وإزاي بتتمني راجل يحميكي مش يتحكم فيكي… حلفت إنك مش هتكوني لغيري.”
قمر بلعت ريقها والدموع نزلت على خدها: “ولما إنت بتحبني كل ده.. ليه ما جيتش طلبتني من أبويا؟ ليه الرعب اللي عيشتني فيه ده كله واللعبة اللي عملتها؟”
جبل اتنهد تنهيدة طويلة، ورفع إيده يمسح دموعها بصباعه بإحساس خلاها تغمض عينيها غصب عنها:
“عشان جبل الهواري من خمس سنين ما كانش الراجل اللي يقدر يسعدك.. كنت غارق في شغل السرايا ومسؤوليات أكبر مني، وسمعتي كراجل قاسي وصارم كانت سابقة اسمي. أبوكي كان مستحيل يوافق، وإنتي كنتي لسة زهرة بتفتح، كنتي هتتخضي مني وتكرهيني. قررت أبني نفسي، وأجهزلك السرايا دي، وأعملك المرسم اللي حلمتي بيه. ولما عرفت إن أختك هتهرب وهتجيب العار لأبوكي، وعرفت إنهم هيفكروا يدوكي ليا كترضية.. قولت دي إشارتي، إني أنقذ أختك من جوازة غصب، وأنقذ أبوكي من الفضيحة، وأجيبك لحضني.”
قمر فتحت عينيها، وبصتله بصدمة ممزوجة بإعجاب.. الراجل ده ما كانش أناني ولا وحش زي ما كانت فاكرة، ده كان الحارس الخفي اللي بيحميها من بعيد.
وقبل ما قمر تنطق بكلمة تعبر بيها عن الزلزال اللي جواها، باب الجناح اتفتح بقوة من غير استئذان. دخلت “الحاجة رضوى”، عينيها بتطق شرار، وماسكة في إيدها ورق.
“أنا مش هسكت يا جبل! البنت دي بتلعب بيك وبفلوسك! أبوها مديون وطمعان في أملاكنا، وهي متفقة معاه تاخد نص السرايا وتضحك عليك بكلمتين! الورق ده بيثبت إن أبوها…”
”أمييي!”
صوت جبل قاطعها بحدة، بس المرة دي ما كانش فيه عصبية، كان فيه حسم قاطع ونهائي. وقف قدام قمر كأنه درع بيحميها، وبص لأمه بهدوء مميت:
“الورق اللي في إيدك ده تبليه وتشربي ميته. حتى لو أبوها مديون بمال قارون، أنا أسدد ديونه بمالي كله، ده شرف ليا. قمر بقت مراتي، وست السرايا، ونص أملاكي اللي انكتبت باسمها دي ماتجيش نقطة في بحر غلاوتها عندي. من اللحظة دي، الجناح ده محرم على أي حد يدخله من غير إذنها، حتى إنتي يا أمي. يا تقبلي بمرات ابنك وتشيلها فوق راسك زي ما أنا شايلها جوة عيني، يا السرايا كبيرة وكل واحد يعيش في حاله.”
الحاجة رضوى وقفت مذهولة، الكلمات سقطت منها. شافت في عين جبل نظرة ما شفتهاش في حياتها.. نظرة راجل مستعد يحارب الدنيا كلها عشان الست اللي واقفة وراه. عرفت إن دورها انتهى، وإن قمر ما بقتش مجرد عروسة، دي بقت روح جبل. لفت وسابت الجناح من غير ولا كلمة، وقفلت الباب وراها.
بمجرد ما الباب اتقفل، جبل لف لقمر، ملامحه رجعت لينة، بس شافها بتبكي بصمت.
“بتعيطي ليه دلوقتي؟ أنا قولتلك محدش هيقدر يمس شعرة منك طول ما أنا بتنفس.”
قمر ابتسمت وسط دموعها، ومدت إيديها لمست وشه لأول مرة بجرأة، حست بمدى خشونته ورجولته، وقالت بصوت مليان رقة وعشق بدأ يتولد:
“بعيط عشان أنا كنت غبية.. كنت خايفة من الجبل، وما عرفتش إن الجبل ده هو أكتر مكان ممكن أستخبى فيه وأحس بالأمان. إنت ما كذبتش يا جبل.. إنت فعلاً الفارس اللي رسمته في خيالي.”
جبل عينيه لمعت بفرحة ما تتوصفش، حس إن الدنيا كلها بقت بين إيديه.
قمر راحت ناحية التربيزة اللي عليها شنطتها، طلعت منها “وثيقة العصمة” اللي المأذون كتبها، ومسكتها قدام عينيه، وبحركة سريعة… قطعتها حتت صغيرة ورمتها في الهوا.
جبل عقد حواجبه بصدمة: “بتعملي إيه يا مجنونة؟ ده سلاحك وضمانك!”
قمر قربت منه، وحطت إيديها الاتنين حوالين رقبته، وبصت في عينيه بحب خالص وتحدي لذيذ:
“أنا مش محتاجة سلاح ضدك يا جبل.. أنا سلاحي هو إنت. وضماني هو قلبك اللي فضل يحبني 5 سنين في السر من غير ما يمل. العصمة في إيد الراجل اللي بيعرف يصون، وإنت صُنتني قبل حتى ما أكون ليك.”
جبل ما قدرش يستحمل أكتر من كده، شدها لحضنه بقوة كأنه بيدخلها جوه ضلوعه، شالها من على الأرض ولف بيها في وسط المرسم، وضحكته العالية الرنانة ملت أركان السرايا كلها لأول مرة من سنين.
نزلها ببطء، وسند جبينه على جبينها، وأنفاسهم اختلطت في لحظة رومانسية خطفت الأنفاس، وهمس لها بصوت دايب في العشق:
“بحبك يا قمر.. بحبك يا نور الجبل اللي نور عتمته.”
قمر غمضت عينيها بابتسامة صافية، وهمست له برد زلزل كيانه:
“وأنا بعشقك يا جبل.. يا حصني وأماني.”
وهنا، بين الألوان واللوحات، وفي قلب السرايا اللي كانت بتعتبرها سجن، بدأت قمر أجمل قصة حب عاشتها، مع الراجل اللي أثبت إن الحب مش بالسيطرة والأوامر، الحب هو إنك تبني قصر من الأمان للي بتحبه، وتستناه لحد ما يجيلك بكامل إرادته.
(تمت)
لو عجبتك الروايه متنساش تعمل متابعه لصفحتي سهر الحكايات الكاتبه سهر محمد