حماتي كانت تاخد منى 2
حماتي كانت تاخد مني كيس لحمة كل أسبوع عشان «أبو جوزي الدكتور مانعه من الفراخ»… وبعد شهور دخلت فريزرها بالصدفة ولقيت أكتر من 30 كيس لحمة متخزنين باسمي.
كل يوم جمعة كانت تيجي.
تقعد تشرب الشاي.
وقبل ما تمشي تقول:
—متنسيش كيس اللحمة لأبو جوزك.
كنت أفتح الفريزر.
أطلع كيس.
وأديهولها.
رغم إن اللحمة كانت غالية.
ورغم إن ساعات آخر الشهر كنت بعمل لعيالي بيض ومكرونة عشان أوفر.
لكن كنت أقول:
راجل كبير ومريض.
وأولى مننا.
مرة سألت جوزي:
—هو أبوك بياكل كل اللحمة دي؟
قال:
—الدكتور كاتبله نظام غذائي.
عدت شهور.
وفي يوم حماتي تعبت.
جوزي طلب مني أروح أقعد معاها لحد ما يرجع من الشغل.
كنت في المطبخ بعملها ينسون لما طلبت مني أطلع كيس خضار من الفريزر الكبير.
فتحته.
واتجمدت مكاني.
أكياس لحمة.
عشرات الأكياس.
مرصوصة فوق بعضها.
وفي كل كيس ورقة صغيرة بخط إيدي.
«جمعة 5 يناير.»
«جمعة 12 يناير.»
«جمعة 19 يناير.»
الأكياس اللي كنت بديهالها.
عديتهم.
33 كيس.
دخلت عليها.
—اللحمة دي بتعمل إيه في الفريزر؟
وشها اتغير.
—لحمة إيه؟
—اللي باخد من أكل عيالي كل أسبوع وأديهالك.
قالت ببرود:
—كنت بخزنها.
—ليه؟
—الزمن ملوش أمان.
—وأبو جوزي؟
سكتت.
دخل أبو جوزي في اللحظة دي.
سمع الكلام.
بصلي باستغراب.
—أنا مالي؟
قلت:
—مش الدكتور مانعك من الفراخ؟
ضحك.
—أنا عمري ما رحت لدكتور من سنتين.
بصيت لحماتي.
لكنها قالت:
—متعمليش حكاية على كام كيلو لحمة.
رجعت بيتي.
حكيت لجوزي.
كنت مستنية يغضب.
لكنه سكت.
وبعدين قال:
—سيبي أمي براحتها.
بصيتله.
—إنت كنت عارف؟
معرفش يرد.
تاني يوم روحت أخد الأكياس.
لكن الفريزر كان فاضي.
حماتي قالت:
—بعتهم.
—بعتي لحمة عيالي؟
قالت:
—وكان لازم أسدد اللي عليا.
سألتها:
—ديون إيه؟
طردتني.
بعد أسبوع، راجل غريب خبط بابي.
كان ماسك دفتر.
قال:
—مدام سعاد قالتلي آخد باقي الحساب منك.
—حساب إيه؟
فتح الدفتر.
لقيت اسمي مكتوب.
وتحته مبالغ وتواريخ.
نفس تواريخ كل مرة حماتي كانت بتاخد فيها اللحمة.
قلت:
—أنا عمري ما استلفت منك.
قال:
—وأنا عمري ما شوفتك.
—أمال اسمي عندك ليه؟
قلب الصفحة.
وطلع صورة بطاقتي.
قلبي وقع.
—مين اداك دي؟
قال:
—جوزك.
استنيته يرجع.
حطيت الدفتر قدامه.
وشه اصفر.
قلت:
—إنت وأمك بتعملوا إيه باسمي؟
قعد على الكرسي.
وبعد سكوت طويل قال:
—اللحمة مكانتش بتتخزن عشان ناكلها.
—أمال؟
قال:
—أمي كانت بتجمعها عشان تثبت حاجة.
ضحكت بعصبية.
—تثبت إيه بـ33 كيس لحمة؟
طلع موبايله.
فتح صورة.
وحطه قدامي.
كانت صورة حماتي واقفة جنب الفريزر المفتوح.
والـ33 كيس وراها.
وفوق الصورة تاريخ.
قال:
—أمي مقدمة بلاغ إنك بتسرقي فلوس البيت وتشتري بيها لحمة وتخزنيها عندها.
صرخت:
—وإنت ساكت؟!
قال:
—الموضوع أكبر من كده.
وقبل ما أسأله، الباب خبط.
فتحت.
لقيت اتنين واقفين.
واحد منهم سأل:
—حضرتك صاحبة البطاقة دي؟
بصيت لبطاقتي في إيده.
قلت:
—أيوه.
فتح ملف وقال:
—إحنا جايين بخصوص محل اللحوم المسجل باسمك.
قلت:
—محل إيه؟
بص لجوزي.
وبعدين رجع بصلي وقال:
—المحل اللي والدتك باعت له 33 كيس لحمة الأسبوع اللي فات… والشرطة لقت في مخزنه فواتير شراء بمئات الآلاف كلها متوقعة باسمك.
لفيت لجوزي.
كان واقف عند الباب.
شايل شنطة سفر.
وقبل ما أجري ناحيته قال جملة واحدة:
—اسألي أمي مين صاحب المحل الحقيقي.
وهرب.
وقفت مذهولة، وعيوني مش قادرة تستوعب اللي بيحصل. جوزي، شريك حياتي وأبو عيالي، هرب وسابني في وش إعصار أنا مش عارفة حتى بدايته من نهايته. صوت خبطهم على الباب بقى أقوى، والراجل اللي كان واقف قدامي بدأ يقرأ تفاصيل أكتر من الملف اللي في إيده.
— مدام.. إحنا معانا أمر بضبطك وإحضارك في قض*ية “استيلاء على أموال وتزوير”. المحل ده عليه ديون بمئات الألوف، وكل الورق، وكل الأختام اللي اتعملت باسمك، وكل اللحمة اللي كانت بتتباع وتتورد للمحل ده كانت بتطلع من “مخزنك المزعوم” اللي هو بيت حماكي.
حسيت الدنيا بتلف بيا. 33 كيس لحمة؟ دول كانوا مجرد “طُعم”؟ يعني كل يوم جمعة، وكل ما كنت أتنازل عن لقمة عيالي عشان “أبو جوزي المريض”، كنت بحط طوبة في جدار حبسي؟
بصيت للراجل وقلت بصوت بيترعش:
— أنا لا فتحت محل، ولا أعرف حد، ولا حتى عندي حساب في بنك! إزاي ده يحصل؟
الراجل بصلي بأسف وقال:
— الست حماتك عندها إجابة لكل ده. إحنا لازم نمشي حالاً.
ركبوني العربية، ومنها على القسم. قعدت في غرفة التحقيق وريحة الورق القديم والتحقيقات بتخنقني. بعد ساعة، لقيت حماتي داخلة الغرفة. كانت لابسة طرحة سودة، وماسكة شنطة إيد كبيرة، وعنيها فيها نظرة “انتصار” باردة جداً. قعدت قصادي وحطت الشنطة على الطاولة.
— اتفاجئتِ؟ قالتها وهي بتعدل طرحتها ببرود.
كنت عايزة أصرخ، أهجم عليها، بس لساني كان متخشب. قلت بصوت مبحوح:
— ليه؟ ليه يا طنط؟ ليه تعملي فيا كده؟ أنا كنت بحترمك وبقدرك.. حتى اللحمة اللي كنت بطلعها من بوق عيالي كنت بديهالك عشان أنا راضية!
ضحكت ضحكة صفراء وقالت:
— يا حبيبتي، البيت ده كان محتاج “فلوس” عشان يفضل واقف. جوزي، أبو جوزك، خسر كل حاجة في مضاربات خسرانة، وجوزك.. ابن قلبي.. كان غرقان في ديون قمار وسلف. كان لازم نلاقي “كيس أسود” نشيل فيه كل القرف ده. وكان لازم يكون فيه “كيس” تاني نلبسهولك عشان لو وقعنا، نقع إحنا والبيت كله فوق دماغك.
— يعني إيه؟ يعني كنتِ بتستخدمي اسمي؟
— المحل ده كان بوابتنا للدنيا. أخدنا بطاقتك يوم ما جيتي هنا عشان “تفتحي حساب توفير للولاد”، ومن يومها.. كل شيء، كل عقد، كل فاتورة، كانت بتمضي بإيدك اللي بتعرفيش عنها حاجة. اللحمة اللي كنتِ بتديهالي؟ كنت ببيعها للمحل عشان نثبت حركة بيع وشراء، وعشان “الدفاتر” يكون ليها أصل في الواقع.
كنت بسمعها وقلبي بيتمزق. سألتها:
— وجوزي؟ كان عارف؟
— جوزك؟ جوزك ده هو اللي كان بيخطط لكل حاجة. هو اللي كان بيجيلك في البيت يمثل دور الغلبان، وهو اللي كان بيسحب الفلوس من المحل يخلص ديونه. ولما الأمور اتكشفت والشرطة بدأت تشم ريحة الديون، قررنا إننا لازم نضحي بـ”الضحية” المثالية.. إنتي.
حسيت بمرارة في حلقي.
— وأبو جوزي؟ هو كان عارف؟
سكتت للحظة، وبعدين قالت بنبرة واطية:
— أبو جوزك.. مات من شهرين.
وقفت قلبي عن النبض.
— مات؟ إزاي؟ والراجل اللي كان بيقعد يضحك معايا ويقولي إنه مش مريض؟
— ده كان أخوه، عم جوزك، اللي كان بيجي يمثل الدور عشان يكملنا المسرحية. جوزي مات بجلطة لما عرف إنكم.. إنكم هتضيعوا مستقبلكم ومستقبل الولاد في لعبكم ده.
بصيت لها والدموع محبوسة في عيني. كنت حاسة إني غريبة في الدنيا دي.
— والولاد؟ ولادي فين؟
ابتسمت ابتسامة شيطانية وقالت:
— ولادك؟ ولادك في أمان عند أخت جوزك في البلد. لو اعترفتي إنك شريكة، وإنك كنتِ بتسرقي المحل ده وتبيعي اللحمة عشان تكبري “بيزنس” خاص بيكي، المحامي بتاعنا هيطلعك براءة في خلال كام شهر، والولاد هيرجعولك. لكن لو فتحتي بوقك بكلمة عن جوزي أو عننا.. هتتحبسي سنين، والولاد مش هتشوفيهم تاني غير لما يكبروا.
خرجت من القسم بعد يوم طويل، وكنت ممضية على “اعتراف” إني كنت شريكة في تزوير فواتير المحل. المحامي اللي بعتوهولي كان بيتحكم في كل كلمة بقولها. روحت البيت، كان كل حاجة فيه متفتشة. الدولاب مفضى، والولاد مش موجودين.
قعدت على الأرض في نص الصالة، المكان اللي كنت بشوف فيه حماتي بتشرب الشاي وبتطلب “كيس اللحمة”، وبفتكر ضحكة جوزي وهو بيطمنني. كل زاوية في البيت بقت بتصرخ بذكريات كدب.
بدأت ألملم شتات نفسي. هما فاكرين إني “الضحية” اللي هتفضل ساكتة عشان ولادها. بس هما نسوا حاجة واحدة.. “الست اللي بتأكل عيالها مكرونة عشان توفر لحمة، الست دي تقدر تعيش على المية والملح وتتحمل أي حاجة.. بس بشرط واحد: إن ولادها يرجعوا في حضنها”.
طلعت الموبايل القديم اللي كان جوزي ناسيه في درج المكتب. فتحته، لقيت عليه رسايل “واتساب” ممسوحة، بس نسخة احتياطية كانت موجودة. فتحت النسخة، وبدأت أقرأ.
الرسايل ما كانتش بس عن المحل. كانت عن “شحنات تانية”.. لحمة فاسدة، بضايع مجهولة المصدر، أسامي ناس تانية مسروقة هوياتهم. جوزي ما كانش مجرد مقامر، كان جزء من شبكة أكبر بكتير.
حماتي فاكرة إنها مسكتني من إيدي اللي بتوجعني.. بس هي متعرفش إنها حطت في إيدي “سلاح” ممكن يهد البيت ده فوق دماغها هي وجوزي.
مسحت دمعتي، وقمت غسلت وشي. بصيت للمراية، ملامحي اللي كانت دايماً هادية وخاضعة اختفت. مكانها شفت ست تانية.. ست عندها استعداد تحرق الدنيا عشان تسترد حقها.
مشيت ورا خيوط الرسايل دي، بدأت أتصل بأرقام كانت موجودة في الرسايل. لقيت واحد منهم صاحب مطعم كان بيشتري منهم، كان بيشتكي من اللحمة.
— أيوة، أنا مدام… صاحبة المحل اللي كنتوا بتوردولنا منه. أنا عايزة أقابلكم. أنا عندي كل الفواتير الحقيقية.. اللي بتبين إنكم إنتوا اللي بتوردوا “السم” للناس، مش أنا.
الراجل على الطرف التاني سكت، وبعدين قال:
— لو ده حقيقي، يبقى أنتي في خطر كبير يا مدام.
قلت بصوت ثابت:
— الخطر اللي أنا فيه مش هيزيد عن إني أكون أم محرومة من عيالها ومسجونة بتهمة أنا معملتهاش. أنا ببيع البيت، وببيع كل حاجة عشان أوصل للحقيقة.
عدت الأيام وأنا بلعب دور “الخاضعة” قدام حماتي. كانت بتيجي كل يوم، تسألني:
— عملتي إيه في القض*ية؟ المحامي قال إيه؟
كنت ببتسم وأقول:
— المحامي بيقول إن الموضوع ماشي زي ما إنتوا عايزين يا طنط.
وفي نفس الوقت، كنت بجمع كل الدليل. سجلت لها اعترافات، صورت العقود الأصلية اللي كانت مخبياها في خزنة قديمة في بيتهم القديم اللي قدرت أدخله بمفتاح كان مع جوزي، وجمعت كل “أكياس اللحمة” الفاضية اللي كانت بتشهد على جريمتهم.
كانت اللحظة الحاسمة قربت. كان ميعاد “تصفية” المحل عشان يغسلوا أيديهم منه نهائياً. يومها، كان لازم أكون هناك.
لبست عبايتي، وخدت شنطتي اللي فيها “الحقيقة”، وخرجت. الشوارع كانت زحمة، والجو خانق زي الحالة اللي أنا فيها. وصلت للمحل، كانت حماتي واقفة ومعاها المحامي، وبدأوا يوقعوا أوراق التنازل عن المحل لشخص “وهمي” جديد عشان يخرجوا من اللعبة.
دخلت عليهم. الهدوء اللي في وشي كان مرعب بالنسبة لهم.
— بتعملوا إيه؟ سألت بصوت عالي.
حماتي بصتلي بصدمة:
— إنتي بتعملي إيه هنا؟ مش قلنا تستني في البيت؟
طلعت من شنطتي “فلاشة” ودفتر صغير.
— كنت بستنى، بس لقيت نفسي زهقت من الانتظار. وجبت معايا “حساب” تالت، مش حساب المحل.. حساب السنين اللي ضيعتوها من عمري.
بصيت للمحامي:
— دي تسجيلات، وفواتير، وصور، وإثباتات إن المحل ده كان واجهة لشبكة تهريب لحمة فاسدة وتزوير هويات. وعندي إيميلات لجوزي وهو بيهدد أصحاب شركات تانية عشان يمشوا في طريقه.
وش حماتي اتخطف. المحامي حاول ياخد الفلاشة، بس أنا كنت أسرع.
— لو قربت، الفيديو ده هيبعت نفسه حالاً للنيابة وللصحافة. أنا بعت نسخة منه بالفعل لصديق لي صحفي، لو ما رجعتليش ولادي في خلال ساعة، الخبر ده هينزل في كل الجرايد، وهتكونوا إنتوا وجوزي في قفص الاتهام الحقيقي.
حماتي صرخت:
— إنتي اتجننتي؟ هتضيعينا!
— أنا ضعت من زمان يا طنط. دلوقتي دوركم إنتوا.
بعد ساعة، كان ولادي في حضني. كانت أخت جوزي جايبة ولادي وهي مرعوبة من اللي سمعته. سابتهم وجريت.
جوزي، اللي كان مقتنع إني “ضعيفة”، اتصل بيا بعد دقايق. كان بيزعق، بيهدد، بيترجى.
— أنتي عملتي إيه؟ أنتي عارفة إنك بتنهي حياتنا؟
قلتله وأنا بضم ولادي:
— حياتكم أنتوا خلصت لما فكرتوا تنهوا حياتي وتسرقوا اسمي. أنا دلوقت رايحة أصلح اللي أفسدتموه.
خرجت من المحل، ومعايا ولادي. رميت المفاتيح بتاعة البيت في وشهم، ومشيت. ما كانش يهمني أخد حاجة من البيت. كل اللي كان يهمني هو “الحقيقة”.
لما وصلت للنيابة، قدمت كل حاجة. كان الوقت ليل، والسما كانت بتمطر، زي ما تكون بتغسل الشوارع من القذارة اللي عشناها.
قعدت قدام وكيل النيابة، وبدأت أحكي. أول مرة في حياتي أحس إني حرة، رغم إني عارفة إن الطريق لسه طويل، وإن المشاكل القانونية هتاخد وقت. بس يكفيني إني في اللحظة دي، ولادي كانوا نايمين في أمان، وإني قدرت أوقف الـ 33 كيس لحمة اللي كانوا هيبنوا سجني.. بقوا هما اللي هيبنوا سجنه هو وأمه.
الحكاية لسه ما خلصتش، بس النهاية اللي كنت بخاف منها.. اتغيرت تماماً.
سألت نفسي وأنا ماشية في ممر المحكمة: هل يا ترى جوزي كان فعلاً بيحبني في يوم من الأيام، ولا كنت مجرد “كيس لحمة” تالت في فريزر حياتهم؟ الإجابة ما عادتش تفرق.. اللي يفرق إني عرفت قيمتي، وعرفت إني أقوى مما كنت أتخيل بكتير.
**تفتكري لو رجع بيكي الزمن، إيه أول خطوة كنتِ هتعمليها عشان تحمي نفسك وأولادك قبل ما يوصلوا للمرحلة دي؟**
وقفت قدام باب النيابة، ولادي في إيدي، والجو بره كان بيمطر مطر خفيف بيحاول يغسل وشوش الشوارع من القرف اللي شفته. كنت حاسة بتقل في قلبي، بس في نفس الوقت، كان فيه خيط رفيع من الراحة بدأ يتربط جوايا. سلمت الفلاشة والأوراق، وخرجت من المبنى وأنا عارفة إن “الزلزال” بدأ خلاص يضرب أساساتهم.
ركبت تاكسي، وطلبت منه يوصلني لبيت أهلي في منطقة تانية خالص بعيدة عن كل الذكريات دي. كنت محتاجة مكان آمن، مكان مافيهوش ريحة حماتي أو نبرة صوت جوزي الماكرة. طول الطريق، ولادي كانوا نايمين على كتفي، كنت ببص عليهم وأنا بأكد لنفسي ألف مرة: “أنا عملت الصح.. أنا حررتهم من اسم أبوهوم اللي بقى مرتبط بالعار”.
وصلت بيت أبويا، خبطت. فتحت لي أمي، وشي كان شاحب وعيوني وارمة من قلة النوم والضغط. بمجرد ما شافتني شافت ولادي، وقعت الشنطة من إيدها وخدتني في حضنها. ما سألتش.. كانت عارفة إن فيه مصيبة حصلت، وعارفة إن بنتها ما بتهربش من بيتها إلا لو البيت بقى جحيم.
قعدت في غرفتي القديمة، الغرفة اللي عشت فيها أحلامي البسيطة قبل ما أتجوز وأدخل دوامة “عيلة جوزي”. بدأت أرتب أفكاري. الفلاشة اللي قدمتها كانت بس “البداية”. كان فيه أسرار تانية، أسرار دفنتها حماتي في “الخزنة القديمة” اللي فتحتها، أسرار تخص ناس كتير غيري.
فجأة، الموبايل رن. كان رقم غريب. رديت بصوت خايف:
— ألو؟
— إنتي فاكرة إن اللعبة انتهت؟ صوت حماتي كان جاي من التليفون، نبرته كانت مزيج من الغضب والتهديد. — جوزي.. قصدي جوزك.. كلم الناس اللي إنتي هددتيهم. فاكرة إنك لما تروحي النيابة هما هيسكتوا؟ دول ناس مش بتهزر، ولو الفلاشة دي ظهرت، ولادك مش هيكونوا في أمان أبداً.
ضحكت بسخرية وقالت:
— إنتي بتهدديني؟ إنتي فاكرة إني لسه “الست الساذجة” اللي بتصدق إن الدكتور مانعك من الفراخ؟ يا طنط، اللي خسر كل حاجة ما عادش عنده حاجة يخاف عليها. ولادي أمانة في رقبتي، وأنا هحميهم، حتى لو اضطريت أحرق الأخضر واليابس.
قفلت السكة في وشها قبل ما ترد. قلبي كان بيدق بعنف، بس كان إيقاع قوة، مش ضعف.
تاني يوم، النيابة بدأت تستدعي أطراف القض..ية. جوزي اختفى تماماً، كأنه فص ملح وداب. حماتي كانت بتتردد على مكاتب المحامين، وكنت بشوفها من بعيد وهي بتمسح عرقها وتتكلم بعصبية. بس الأهم من ده كله، إن القض..ية أخدت أبعاد تانية خالص. النيابة اكتشفت إن المحل اللي كان باسمي ده كان “واجهة” لأكبر شبكة لتوزيع لحوم فاسدة في المنطقة.
المفاجأة كانت إن فيه “قائمة” طلعت من الموبايل بتاع جوزي، فيها أسماء ناس مهمين كانوا بيشتروا من المحل ده.. مش عشان الجودة، بس عشان الأسعار الرخيصة اللي كانت بتخبي وراها صفقات مشبوهة.
كنت قاعدة مع المحامي اللي عينتهولي نقابة المحامين عشان قض..ية “التزوير” اللي هما رفعوها ضدي، وبدأنا نجهز خطة الدفاع.
— مدام، القض..ية دي بقت قض..ية رأي عام، قال لي المحامي. — لو قدرنا نثبت إن توقيعك اتزور في كل العقود، وإن حماتك وجوزك كانوا بيستغلوا جهلك ببعض الإجراءات، هنخرج براءة. بس لازم نعرف، ليه جوزك هرب؟ وليه حماتك لسه بتهدد؟
قلتله:
— لأنهم خايفين من “الدفتر الأسود”.
— دفتر إيه؟
طلعت من شنطتي دفتر صغير كان موجود في الخزنة. — الدفتر ده فيه كل مليم دخل المحل وكل مليم خرج، ومين اللي كان بياخد العمولات. الدفتر ده مش بس بيدينهم في قض..ية اللحمة، ده بيدينهم في قضايا غسيل أموال. جوزي مش بس قمارجي، جوزي كان “مغسل” أموال لشبكات تانية.
المحامي فتح عينيه بذهول:
— إنتي كنتِ عايشة مع مين يا مدام؟
قلت بمرارة:
— كنت عايشة مع “شيطان” بوش ملاك.
أيام المحاكمة كانت زي الجحيم. كنت بقف قدام القاضي، وبشوف في عينين حماتي نظرات حقد عمري ما شفتها. في إحدى الجلسات، جوزي ظهر. كان باين عليه التعب، وكأنه هربان من كابوس. بص لي، وما قدرش يواجه عيني.
كان القاضي بيسأل عن أصل التوقيع، وفجأة، قامت حماتي وصرخت:
— هي اللي كانت بتدير كل حاجة! هي اللي كانت بتخطط، هي اللي كانت بتسرق!
النيابة قدمت شهادة من “عامل” كان شغال في المخزن، عامل كان جوزي وجوزها بيهددوه، بس لما عرف إن القض..ية كبرت، قرر يقلب الطاولة عليهم. قال إن “اللحمة” كانت بتدخل المخزن من غير رقابة صحية، وإن حماتي كانت بتشرف على “تزوير الأوراق” جوه البيت.
الحياة بقت صعبة. بقيت مطاردة من ناس ما أعرفهمش، ناس كانوا شغالين مع جوزي. بقيت بغير مكاني كل يومين، ولادي مش بيروحوا المدرسة، وعيشتنا بقت في خوف دائم. بس كان عندي “حلم” واحد.. حلم إن العدالة تاخد مجراها، وإني أرجع أعيش في سلام مع ولادي.
في يوم، كنت خارجة من جلسة محاكمة، لقيت عربية سودة واقفة قدام المحكمة. نزل منها راجل لابس بدلة غالية، وبص لي وقال:
— مدام، جوزك عايز يقابلك.
— مش هقابله، قلت بصرامة.
— لو ما قابلتيهوش، “الدفتر” اللي معاكي مش هيكون كفاية عشان يخرجك من الدوامة دي. هو عنده معلومات عن “الطرف التالت” في القض..ية.. الطرف اللي بجد هيأذيكي.
ترددت. كان قلبي بيقولي “لا”، بس عقلي كان بيقول “لازم أعرف”. مشيت وراه، ركبت العربية، واتحركنا لمكان مهجور بره المدينة.
لما وصلنا، دخلت لمبنى قديم. جوزي كان قاعد، وشكله كان مبهدل، وكأنه عجزان عشر سنين. لما شافني، قام ببطء.
— ليه عملتي كده؟ قال بصوت خافت.
— عملت إيه؟ كشفت حقيقتك؟ ولا وقفت في وشك لما قررتوا تضيعوا حياتي؟
— أنتي مش فاهمة.. كنت بحاول أحميكي.
— تحميني؟ إنت كنت بتحميني من إيه؟ من إنك تعيشني في الحرام؟ ولا من إنك تلبسني قض..ية؟
قرب مني وقال:
— الناس اللي أنا شغال معاهم.. مش بس بيتاجروا في اللحمة. دول بيتاجروا في كل حاجة.. السلا*ح، المخدرات، البشر. لما بدأت أتورط، حاولت أخرج، بس هما مسكوني من إيدي اللي بتوجعني.. إنتي والولاد. أمي كانت فاكرة إننا لو عملنا المحل ده، هنقدر نلم فلوس ونمشي، بس الأمور فلتت مننا.
بصيت له بصدمة:
— يعني اللحمة كانت مجرد غطاء؟
— كانت البداية.. بس بعدين بقت الطريقة اللي بنغسل بيها أموالهم. أنا كنت غبي، وأمي كانت طماعة، وإنتي.. إنتي كنتِ الضحية اللي اخترناها عشان نغطي على كل شيء.
بصيت له بحقد:
— وإيه المطلوب مني دلوقت؟
— سلميني الدفتر.. سلميني الفلاشة. أنا هروح النيابة، هعترف بكل حاجة، بس لازم أضمن إنك تطلعي بعيدة عن الحكاية دي.
ضحكت بمرارة:
— إنت فاكر إني هصدقك مرة تانية؟ الدفتر ده هو “حياتي” دلوقتي. هو الضمان الوحيد إني أخرج من الق..ضية دي من غير ما أتأذي.
— لو ما سلمتيهمش، هيصفوكي يا مدام.. هيصفوكي إنتي والولاد.
في اللحظة دي، سمعت صوت تكسير إزاز. كان فيه حد ورانا. جوزي اتخض، وبص وراه.
— هرب! قال جوزي وهو بيحاول يشدني عشان نجري.
بدأنا نجري في المبنى المهجور، والضرب بدأ ينهال علينا. كنت حاسة إني في فيلم رعب، بس ده كان الواقع. جريت بكل قوتي، وكنت حاضنة شنطتي اللي فيها كل الأدلة. جوزي كان بيحاول يغطي عليا، وفجأة، سمعت صوت طلقة نارية.
وقفت، بصيت ورايا. جوزي كان واقع على الأرض، وأمه كانت واقفة بعيد، ومعاها راجل غريب.
— أنتي! صرخت. — إنتي اللي كنتِ بتديري كل ده؟ إنتي اللي كنتِ بتوجهي الناس دي؟
حماتي كانت واقفة ببرود، وبتبص لجوزي اللي كان بيحاول يتنفس.
— كان لازم يخلص، قالته ببرود. — كان نقطة ضعف.
بصتلي وقالت:
— الدفتر.. دلوقتي.
كنت واقفة في نص المبنى، محاصرة. المطر كان بيدخل من السقف المكسور، وصوت الرعد كان بيغطي على صرخي. حسيت إني وصلت لنقطة “اللاعودة”. إما إني أسلم الدفتر وأعيش في ذل، أو إني أواجه الموت وأنا معايا “الحقيقة”.
طلعت الموبايل، وكنت فاتحة “بث مباشر” من لحظة ما ركبت العربية. كنت عارفة إن فيه حد بيراقبني، وكنت عارفة إن الصحفي اللي بعتله النسخة قبل كده كان مستني أي إشارة.
— كل الناس بتشوفك دلوقت يا طنط، قلت بابتسامة باهتة. — كل اعترافاتك، وكل اللي عملتيه، متسجل وبيتبت حالاً للنيابة وللرأي العام.
وشها اتغير، وبدأت ملامح الرعب تظهر عليها لأول مرة. الراجل اللي كان معاها بص للموبايل، وبدأ يهرب.
أنا وقفت مكاني، وبصيت لحماتي اللي كانت بتبص حواليها وكأنها فقدت كل شيء. الموت كان قريب، بس “الحقيقة” كانت أقرب.
قعدت جنب جوزي اللي كان بيحتضر.
— سامحيني.. قال بصوت واطي.
— مفيش مسامحة يا جوزي، قلت بدموع. — فيه بس عدالة.
سيبته ومشيت ناحية المخرج، والشرطة كانت بدأت توصل للمكان. حماتي كانت واقفة، والكلاب البوليسية بتحاوطها. اللحظة اللي كنت مستنياها وصلت، بس الثمن كان غالي جداً.
رجعت لولادي اللي كانوا مستنيين في مكان آمن. ضمتهم لحضني، وبدأت أبكي. مش دموع حزن، ولا دموع خوف، بس دموع “بداية جديدة”.
بس الحكاية لسه ما انتهتش.. لسه فيه فصول تانية للوجع، ولسه فيه قضايا تانية هتفتح، ولسه فيه “دفاتر” تانية هتتكشف.
بصيت للسما، وقلت: “يا رب، أنا عملت اللي عليا.. دلوقتي، الباقي عليك”.
**تفتكري بعد كل اللي حصل ده، إيه أكبر تحدي ممكن يواجهك في تربية ولادك بعد ما عرفوا حقيقة اللي حصل لعيلتهم؟**
الخبطات على باب بيت أهلي كانت متلاحقة وعنيفة، لدرجة إني اتجمدت في مكاني. ولادي في الأوضة التانية بيعيطوا من الخوف، وأنا واقفة في الصالة، ماسكة الموبايل في إيدي، وشاشة البث المباشر لسه منورة، والتعليقات بتجري زي النهر؛ ناس بتشتم، وناس بتدعي، وناس بتسأل: “إنتي فين؟”.
فتحت الباب، لقيتهم ضباط شرطة بوجوه خشبية.
— مدام “هبة”؟ معانا أمر استدعاء جديد للشهادة في قض..ية “الشبكة الدولية”، وجوزك تم نقله للمستشفى في حالة حرجة، ومحتاجين أقوالك فوراً.
نزلت السلالم وأنا حاسة إني ماشية في حلم وحش. الشوارع كانت مليانة “تكاتك” وعربيات شرطة، والناس في الشارع بتبص لي بنظرات غريبة.. نظرة شفقة مخلوطة بفضول. أنا اللي كنت ست بيت عادية، بوزن اللحمة وبحسب ميزانية المكرونة، بقيت “تريند” على السوشيال ميديا، والقصة بتاعتي بقت حديث القهاوي في كل حتة.
في المستشفى، الريحة كانت ريحة طهارة ونفس مطهر، ريحة بتمحي ذكريات “المطبخ” اللي حماتي كانت بتسممهولي. دخلت أوضة العناية المركزة. جوزي كان ممدد، خراطيم في كل حتة، ووشه اللي كان يوم من الأيام “حبيبي” بقى غريب، بارد، ومنهك.
بصيت له وبصيت للراجل اللي كان بيحاول يمثل دور الضحية، والراجل اللي باعني عشان يغطي على قذارة أمه.
— ليه يا “أحمد”؟ قلتها بصوت واطي ومبحوح. — كان ممكن نعيش عيشة بسيطة، ناكل عيش وجبنة ونبقى راضيين، ليه اخترت الطريق اللي بيودي في داهية؟
فتح عينه ببطء، بص لي، وشفايفه اتحركت بصعوبة:
— أمي.. هي اللي.. هي اللي كانت بتدير.. أنا كنت مجرد.. أداة.
ضحكت بمرارة وقعدت على الكرسي جنبه:
— الأداة بتختار يا أحمد هي هتقطع إيه.. إنت اخترت تقطع مستقبلي ومستقبل عيالك.
خرجت من الأوضة، لقيت المحامي بتاعي مستنيني.
— يا مدام هبة، الوضع اتغير. حماتك اعترفت بكل حاجة، بس قلبت الترابيزة عليكي تاني. بتقول إنك كنتِ عارفة من البداية، وإن “اللحمة” اللي كنتِ بتديهالها كانت مجرد “عمولة” ليكي عشان تسكتي وتغطي عليهم.
بصيت للمحامي بذهول:
— إيه الكلام الفارغ ده؟ أنا اللي بلغت! أنا اللي قدمت الدفاتر!
— هي بتلعب على وتر “الزوجة اللي بتنتقم من جوزها”، وبتحاول تصورك أمام المحكمة إنك ست غدارة استغلت فرصة عشان تخلص من عيلة جوزها وتورثهم. قضيتنا بقت صعبة، ولازم نلاقي دليل يثبت إنك كنتِ “ضحية” مش “شريكة”.
رجعت البيت وأنا حاسة إن الأرض بتتميد بيا. لقيت بيت أهلي محاصر بصحفيين. دخلت من الباب الخلفي، رميت نفسي على السرير، وكنت عايزة أصرخ بس صوتي كان مسجون جوايا.
فتحت شنطة جوزي اللي كنت خدتها من العربية المهجورة في اللحظة الأخيرة قبل ما الشرطة توصل. قلبت في ورقها، لقيت ظرف مقفول بالشمع الأحمر، مكتوب عليه بخط إيد “أبو جوزي” اللي مات. فتحته، كان فيه “وصية”.. بس مش وصية ورث، دي كانت “فضيحة”.
الورقة دي كانت بتحكي قصة أقدم بكتير. حكاية إن جوزي مش بس ابن حماتي، جوزي كان “طفل متبني” من دار أيتام، وإن أبو جوزي كان عارف بكل بلاوي مراته وقرر يكتب الحقيقة دي قبل ما يموت، بس هي اللي كانت بتتحكم في كل مليم وبتهدده بيه.
لقيت كمان أرقام حسابات في بنوك بره مصر، وأسماء شركات وهمية متسجلة باسم “سعاد” -حماتي- من سنين طويلة. دي مش مجرد ست بتخزن لحمة، دي “زعيمة عصابة” متمرسة.
قررت أعمل حاجة واحدة.. هروح أواجهها في القسم.
دخلت غرفة الزيارة، كانت قاعدة ورا القزاز، شعرها منكوش، ونظراتها مكسورة، بس لسه فيها لمعة الشر.
— جيتي يا “بنت الناس”؟ قالتها وهي بتضحك. — فاكرة إن الورق اللي معاكي ده هيخلصك؟ أنا عندي محامين يقلبوا الحق باطل.
قربت من القزاز، وبصيت في عينيها مباشرة:
— الورق اللي معايا مش بس هيدينك، الورق اللي معايا هيكشف حقيقتك اللي كنتِ بتخبيها ورا “كيس اللحمة”. أنا عارفة إن أحمد مش ابنك.. وعارفة إنك بتستغليه من يوم ما كان عيل صغير.
وشها اتجمد. القناع اللي كانت لبساه وقع تماماً.
— أنتي.. عرفتي منين؟
— الوصية اللي سابها جوزك. الراجل اللي كنتِ بتذليه سنين، ساب وراه “قنبلة” هتهد كل اللي بنيتيه. أنا مش هدافع عن نفسي بس، أنا هحفر قبرك اللي هتدفني فيه كل ذكريات الرعب اللي عشتها في بيتكم.
خرجت من القسم وأنا حاسة إني بدأت أحسس على طريق الخلاص. بس الطريق لسه فيه عقبة كبيرة.. الولاد.
رجعت لولادي، كان وشهم دبلان. قعدت معاهم، ضمتهم، وقلت لهم:
— أنا عارفة إنكم خايفين. بس يا حبايبي، ماما قوية، وماما هتحميكم. إحنا مش هنعيش في رعب تاني، إحنا هنبني حياة جديدة، بعيد عن كل الناس اللي عايزة تأذينا.
بص لي ابني الصغير وقال:
— يا ماما، هو بابا وحش؟
حسيت بخنجر في قلبي.
— بابا غلط يا حبيبي.. والغلط بياخد صاحبه لمكان وحش. إحنا لازم نسامح نفسنا عشان نعرف نكمل، بس مش لازم نسامح اللي تعمد يأذينا.
تاني يوم، النيابة طلبتني. كان فيه مواجهة أخيرة. دخلت القاعة، كانت حماتي قاعدة، ومعاها محامي من اللي صوتهم عالي. القاضي بدأ يسأل، والشهود بدأوا يتكلموا.
في نص الجلسة، دخل راجل غريب، كان ماسك ملف كبير. ده كان مدير البنك اللي كانت حماتي بتحول عليه الفلوس.
— يا سيادة القاضي، معانا إثبات إن كل الأموال اللي دخلت حسابات “المحل” كانت بتتحول لحسابات شخصية للمدعى عليها، وإن “المدام هبة” لم تكن تعلم بأي شيء، بل كانت مجرد “اسم” استخدموه لتسهيل العمليات.
حسيت بدموع بتنزل على خدي. النصر كان بيقرب.
بس فجأة، سمعت صوت انفجار بره المحكمة. الصريخ زاد، والأمن بدأ يدخل القاعة ويخرجنا.
— فيه إيه؟ سألت الضابط اللي كان بيسحبني.
— هجوم! فيه ناس تبع “الشبكة” بيحاولوا يهربوا المتهمين!
حسيت إني في وسط فيلم أكشن حقيقي. الرصاص كان بيضرب في كل حتة، والناس بتجري في الشوارع. بصيت لقيت حماتي بتستغل الفوضى وبتحاول تهرب من باب جانبي.
بدون تفكير، جريت وراها.
— رايحة فين؟ مش هتخلصي مني ومن الحقيقة!
جريت في الشوارع الضيقة، وسط الزحمة والصريخ، لغاية ما وصلنا لمخزن قديم.. نفس المخزن اللي كنت بطلع منه أكياس اللحمة كل جمعة. وقفت قدامي، وكانت ماسكة سك*ينة.
— دي نهايتك يا هبة! إنتي اللي خربتي كل حاجة!
بصيت للسك*ينة، وبعدين بصيت في عينيها.
— مش هقتلك يا طنط.. عشان أنا مش زيك. العدالة هي اللي هتقتلك، والناس اللي كنتِ بتتاجري بيهم هما اللي هيحاسبوكي.
في اللحظة دي، دخلت قوة التدخل السريع. حاصروها من كل ناحية. سابت السك*ينة ووقعت على الأرض، بتصرخ بانهيار.
وقفت أنا في نص المخزن، وبصيت للأكياس اللي كانت فاضلة، أكياس اللحمة اللي كانت رمز “سجني”. النهاردة، الأكياس دي بقت رمز “حريتي”.
بس وأنا خارجة من المخزن، لقيت موبايلي بيرن. كان رقم جوزي، أحمد.
— ألو؟
— هبة.. أنا آسف. أنا هعترف بكل حاجة، بس أرجوكي.. خدي بالك من نفسك، الناس اللي أنا شغال معاهم.. عرفوا إنك معاكي الوصية.. وهما مش هيسكتوا.
قفلت الموبايل، وبصيت للسما. الغيوم بدأت تنقشع، والشمس بدأت تبان.
عارفة إن لسه فيه “فصل أخير”، لسه فيه مواجهة مع اللي ورا “الشبكة”. بس الليلة، ولادي هيناموا من غير خوف. واللحمة.. اللحمة ما بقتش ريحتها ريحة ذل، بقت ريحة “نهاية كابوس”.
**تفتكري بعد كل اللي حصل ده، إيه أكتر حاجة ممكن تخلي “هبة” تسامح أحمد في يوم من الأيام، وهل يستحق المسامحة أصلاً بعد اللي عمله؟**
