اهدى مسمعش نفسك 3
الفصل ١٨
فتح اجفانه مستقيظًا على دفعة بقبضة صغيرة لكزته على ذراعه السليمة، وصوت يعلمه جيدًا يهتف ساخطًا :
– ماتقوم ياعم انت هاتفضل نايم اليوم كله .
رمش بعيناه قليلًا ينظر اليه بتشوش مع ثقل رأسه وهم ليتجاهله مكمًلا نومه، فدفعه الصغير وكرر لكزه بقبضته الصغير عدة مرات يصيح عليه :
– قوم ياعم قوم باه، هو انا هاقعد اصحي فيك لبكرة على كدة وانت عامل زي الميت؟
استفاق يرد بصوتٍ متحشرج من اثر النوم :
– عايز ايه يامحمد ؟ وجاي ليه تصحيني كدة على اول الصبح بس ؟
أجابه محمد حانقًا :
– دا مش اول الصبح ، احنا داخلين عالساعة ٨ ومش انا اللي عايزك ، ابويا هو اللي عايزك .
اعتدل قليلًا يفرك بعيناه سائلًا :
– وابوك عايزني في ايه بقى الصبح بدري كدة؟ .
زفر الصغير بطريقته المحببه واضعًا كفيه على خصره :
– مش تقوم وتشوف انت بنفسك ايه اللي ابويا عايزه منك ؟ بدل ما انت عمال كدة بتسأل فيا وتتعب قلبي .
اعتدل جيدًا بجذعه يرد بمشاكسة :.
– طب دا برضوا كلام يااستاذ محمد، تيجي وتتعب نفسك في صحياني وانت مش عارف السبب اللي والدك عايزني فيه .
ابتسم من قلبه صالح وهو يرى الغضب المرتسم على وجه محمد الصغير وعيناه التي احتدت بسبب انه اتخذ الكلمات على كرامته ، اردف صالح :
– خلاص يامحمد باشا متزعلش نفسك انا بس بهزر معاك .
رد محمد باندفاع :
– ماتهزرش تاني عشان هزارك بايخ .
رفع له صالح كفيه للأعلى باستسلام قائلًا :
– خلاص ياباشا ، انا اسف ومش هكررها تاني ، بس يعني ممكن أسال هو الوالد فين عشان اشوفه؟
قوم وتعالى انا هاوديك ليه .
قال محمد وهو يشير اليه بكفه الصغير، تحرك صالح قليلًا ليجاريه ، حتى نزلت بأقدامه من على التخت ، فاكتنفه دوار رأسه المعتاد ، ليمسك مستندًا على قائم السرير ، سمع قول محمد من خلفه بسأم :
– انت هاتدوخ تاني كمان ، انا قولت عطلان وماحدش صدقني .
ضحك صالح بخفة وبحذر قبل يرفع رأسه الى محمد متصنعًا الجدية :
– انت بتتمسخر على العيا يامحمد مش خايف لربنا يبتليك ولا راسك توجعك انت كمان زيي؟ .
كشر محمد بوجهه قائلًا بحدة :
– وانت عايز ربنا يبتليني ليه بعد الشر وراسي توجعني كمان؟ خلص ياعم جر رجليك التقيلة دي عشان اَخدك و ادخلك على باب الجنينة خلص.
تفوه محمد كلماته الاَخيرة بسأم نحو صالح الذي انتبه على جملته سائلًا بدهشة وهو يشير بابهامه للطفل نحو النافذة :
– انت قصدك على الجنينة اللي هنا دي يامحمد؟
– ايوه ياعم خلصني يالا، وهات يدك عشان ماتوهش مني .
هتف بها محمد وهو يتناول كف صالح الذي استسلم لسحبه ، رغم دهشته وتعجبه ، خرج به محمد من الغرفة وقبل ان يصل به الى الباب الخلفي ، اشار له بيده :
– اهو الباب اللي قدامك ده ، هاتدخل فيه على طول تخش على الجنينة ، هتلاقي ابويا وعمي يونس قاعدين تحت شجرة الجميز ، بس كدة بقى انا ماشي.
اوقفه صالح يجذبه من تلابيب قميصه يسأله :
– ماشي فين ؟ انت هاتخليني ادخل لوحدي هنا وانت بقى طالع وماشي ؟
نفض ذراعه محمد يحاول نزع نفسه عن صالح قائلًا :
– وانت هاتخاف ماتخش لوحدك ، بقولك هتلاقي ابويا وعمي قدامك ، سيبني بقى خليني اطلع العب كورة مع العيال برة ، بقولك سيبني باه .
هتف بالاخيرة بعد ان افلت راكضًا من صالح الذي انتابه الحرج، لا يعلم كيف يدخل او كيف يخرج ، حتى اجفل على صوتها الرقيق وهي تهتف من خلفه :
– واقف ليه مكانك ماتدخل .
التف اليه فوجدها امامه في الناحية الأخرى بوجهه الذي يشبه القمر بصفائه ، وابتسامتها المشرقة التي تبعث في القلب بهجة بمجرد النظر اليها ، ترتدي ملابس مهندمة جميلة وبيدها الدفاتر الورقية، وعلى كتفها علقت حقيبة سوداء صغيرة، تمتم مسرورًا امامها دون تفكير:
– ياصباح الخير و الهنا والسرور كمان
ابتسمت بخجل لكلماته ثم اردفت ببعض الجدية :
– ماتتكسفش وادخل على طول ابويا مستنيك فعلًا جوا .
تجاهل كلماتها وسئلها بفضول :
– رايحة المعهد ولا المستشفى .
قطبت بابتسامة مستترة :
– الاتنين ، عن اذنك بقى عشان احصل ميعادي ، وانت ولو احتجت حاجة، اطلب من أي حد في االبيت ، سلام بقى .
اردفت بالاخيرة وتحركت تتخطاه مغادرة ، نظر هو في اثرها قليلًا ، قبل ان يعود لوضعه ، ثم خطا ليدلف الى الحديقة بتردد ، ولكنه تفاجئ بسالم اسفل احدى الشجيرات يرتشف من كوب للشاي خاصته ، يشير بكفه اليه ليتقدم ، وفي الناحية الأخرى ، كان يونس يعزق بفأسه في أحد أحواض الخضرة ، رمقه بنظرة سريعة ، ثم تابع عمله .
……………………….
وفي المدينة وبعد ان ترجلت من سيارة الأجرة الخاصة ببلدتهم ، انفصلت عن مرافقتها من احدى فتيات البلدة مخالفة السير معها في الطريق المعتاد ، بحجة التقائها الضروري لإحدى صديقاتها من اهل المدينة لأمر مهم يخص الدراسة ، وسارت في الطريق الذي وصفه لها ، تقطعه على تخوف وتردد، مع رغبة قوية في المغامرة، كان الطريق في بداية الصباح تقريبًا خاليًا من السكان، وهي تسير بحرص حتى تفاجأت به يخرج لها من آحدى البنايات ،
– ندى .
هتف بها مقتضبه بابتسامة انارت وجهه الوسيم ، يتقدم نحوها بقميص اسود على بنطاله من الجينز ، والذي لائم جسده النحيف بخطوات مسرعة نحوها وكأنه لا يصدق رؤيتها ، اومأ لها لتتحرك بخطواتها فسارت هي للجهة التي يشير اليها حتى وقفت معه في ركن قريب بعيد نسبيًا عن الأعين المتلصصة وحركة المشاة في الشارع، تحدث قائلًا بلهفة :
– دا انا مكنتش مصدق انك هاتيجي .
ردت قائلة بهدوء :
– ما انا كنت فعلًا مش هاجي ، بس بصراحة خوفت لا تزعل وتفتكرني خايفة منك زي كل مرة ، وكمان عشان الطريق سهل وهايوصلني لمدرستي ، مش انت قولت كدة .
اومأ لها بلهفة مشيرًا لها بيده قائلًا :
– ايوة امال ايه ؟ شايفة الشارع الصغير اللي قدامك هناك ده ، هاتدخلي تمشي فيه وفي ظرف عشر دقايق هتلاقي المدرسة في وشك على طول.
اومأت برأسها صامتة فتابع بنظراته المتفحصة وكأنه يلتهم تفاصيل وجهها :
– ماتعرفيش انا فرحان ازاي دلوقت، انا حاسس قلبي هاوقف مني من ضربه السريع جوا صدري ، دا انا بحبك قوي ياندى .
قال فجاة مقبضًا على كفها ، جعلها ترتد للخلف مجفلة من فغلته ، رفع كفيه امامها بتراجع :
– اسف ، سامحيني والنبي انا مش عايزك تخافي مني تاني. .
ردت وهي تنظر نحو كفه قاطبة بدهشة :
– انت ايدك بتتنفض .
قال مقررًا :
– انا جسمي كله بيتنفض ، مش بقولك حاسس قلبي هايوقف من الفرحة .
– لدرجادي ؟
سألت غير مصدقة ، اردف هو :
– واكتر من الدرجادي كمان، بكرة لما يوصلك الحب اللي في قلبي هاتبقي زيي واكتر كمان .
صمتت وهي لا تستوعب كلماته فتابع، هو
– شوفي كدة انا عملتلك ايه ياندى .
قال وهو يخرج لها خلف ظهره ورقة كبيرة تحمل صورتها .
هتفت بسعادة وهي تتفحص الصورة :
– دي الصورة اللي انت بعتهالي امبارح على الوتس ،
– عجبتك الصورة ياندى ؟
اومأت برأسها ، فاأخرج لها علبة مخملية من جيب بنطاله قائلًا :
– طيب وايه رأيك في الهدية دي ؟
التمعت عيناها بشعاع الفرح لرؤية السلسال الذهبي الذي اخرجه لها والذي تدلي منه قلب ومعه حرف الكاف باللغة الأجنبية ، قالت متصنعة عدم الفهم :
– سلسلة مين دي ؟
– دي سلسلة فيها حرفي ياندى والقلب اللي فيها دا يبقى قلبي انا ، عايزك تلبسها وماتتقلعش من رقبتك نهائي .
لمسته بيدها بانبهار ولكنها تداركت نفسها ونزعته سريعًا :
– ايوة بس انا قولتلك ماينفعش اخد حاجة من حد غريب .
– ايوة ماانا قولتلك كمان كلمي اهلك عشان تبقى رسمي .
استفاق يدرك حدته في الحديث فخخف من لهجته قائلًا :.
– انا قصدي يعني ، عشان اعرف اكلمك براحتي وكمان اقدر البسك سلسلتي دي واجيبلك كل اللي بتحلمي بيه ، من دهب ولبس وجزم ، كل انت عايزاه ياندى .
ابتعلت ريقها وقد راقها الحديث وانعش داخلها الاحلام التي لطالما راودتها في مواكبة فتيات المدينة هنا ، تابع يسألها:
– ها هاتكلمي ابوكي عشان يوافق بالخطوبة .
اومأت برأسها صامتة لتجده امسك بكفها يضع بها السلسال:
– خليه في ايدك دلوقت عشان قريب قوي هالبسهولك هالبسهولك بإيدي ، والصورة بقى سيبهالي انا وخليها معايا تصبرني .
………………………………
– ايه ياعم ؟ هو احنا مقومينك من سريرك عشان تيجي تنام هنا،
اردف بها سالم ساخرًا نحو صالح والذي كان جالسًا بجذعه مستندًا بظهره على جزع الشجرة مغمض العينان مستمتعًا بملمس الهواء لبشرته ، ورائحة الخضرة المتنوعة وهي تخترق انفه ، فتح اجفانه اليه مرددًا باسترخاء:
– ماتلومش عليا ياعم سالم ، دي اول مرة من سنين طويلة اقعد قعدة زي دي، ولا احس فيها بهوا يسكر كدة.
– وه .
اردف بها سالم وقد ادرك مقصد الاَخر ، ربت بكفه على ركبة صالح مهونُا :
– معلش ياولدي ، انا كنت ناسي ومخدتش بالي ، لكن اطمن بكرة ربنا هايفك كربك وماهترجعش للمدوعق السجن دا تاني أبدًا .
تبسم صالح بزاوية فمه ساخرًا فجاء الرد من يونس في الجهة الأخرى :
– ادعي ياعم الحج وقول امين ، ماحدش عارف يمكن يحصل .
رد صالح على كلمات يونس :
– رغم احساسي انك بتستهزأ ، بس انا هاقول امين عشان فعلا ماحدش عارف ، ويمكن يحصل .
تدخلت نجية والتي كانت اَتية بصنية كبيرة ممتلئة بالطعام :
– مافيش حاجة بعيدة عن ربنا ، اقرب ياصالح عشان تاكل معانا ، وانت يايونس سيب العزيق وتعالى افطر .
رد صالح بإحراج :
– نفطر فين ياجماعة ؟ لهو انتوا مصحيني عشان كدة؟
– ايوة ياسيدي مصاحينك عشان تفطر معانا هنا في الهوا ، ااقرب ياللا بسم الله .
– ياجماعة ماينفغش ، هافطر كيف بس ؟
هدر عليه يونس الذي ترك فأسه ليغسل يداه تحت صنبور المياه الكبير،.
– ماتقوم ياعم انت محتاج عزومة ، ولا يكونش كمان مش عاجبك الوكل في الخلا وعلى الارض تحت الشجرة .
تبسم صالح له وهو يحاول الوقوف مستندًا على فرع الشجرة :
– مش عاجبني ازاي بس ؟ وانا نفسي فيها القعدة دي وبحلم بيها من زمان، بس على الأقل اكل وانا نضيف او مغسولة يدي حتى، ثواني هادخل اغسل وشي وراجع تاني .
اوقفه سالم يجذبه من كفه :
– رايح فين ياصالح ؟ ماهي الحنفية اهي ادخل تحتيها واغسل وشك زي يونس ولا هاتتكبر ؟
انشقت ابتسامة مرحة على وجه صالح وهو يردف :
– والله مامتكبر ، بس انا هاعملها ازاي دي وانزل بدماغي زي يونس ، مخي المتعور دا يتحمل ازاي بس ؟
– احلهالك انا ياسيدي .
اردف لها يونس وهو يقترب بخرطوم المياه السائلة من الصنبور :
– اغسل من المية دي ، ساهلة اهي
ضحك صالح من قلبه وهو يتناول خرطوم المياه ويمرر بها يغسل وجهه ويديه في تجربة لم يخوضها من قبل.
………………………..
وفي المدرسة وبعد ان وصلت الى فصلها لتجلس سريعًا على تختها ، التفت يمينًا ويسارًا لاهثة بأنفاسها قبل ان تضع يدها بداخل حقيبتها المدرسية مخرجة تلك العلبة المخملية ، وتتناول السلسال الذهبي، فشهقت بإعجاب شهقة منعتها في حضوره أمامها ، لا تصدق ان هذا السلسال الجميل أصبح هديتها من عاشق لها كما يقول ويؤكد لها دائمًا هو، من رجل يتمنى قربها ويكاد ان يق*تل نفسه للارتباط بها .
– ايه الحلاوة دي ؟
اننتفضت مفزوعة وهي تجد سلسالها اختطف من يدها واصبح في كف زميلتها علية؛، تلتف به امامها بإعجاب:
– يخرب عقلك يا ندى ، سلسلة دهب وفيها قلب وحرف الكاف كمان ، مين دا يابت اللي بحرف الكاف وبيجبلك هدايا دهب ؟
ارتعبت ندى وذهبت مهرولة لتغلق باب الفصل ، قائلة برجاء :
– ابوس ايدك ياعلية وطي صوتك هاتفضحينا ، دا هدية من خطيبي .
– ولما هو هدية من خطيبك ، بتخبي ليه انك مخطوبة اساسًا ؟
سألتها بتشكك وهي تبتعد بالسلسال عنها وتلاعبها ، ردت ندى بارتباك :
– ماهو هايبقى خطيبي والله واتقدملي كمان بس ابويا هو اللي رفض .
شهقت الفتاة مرددة بعدم تصديق :
– ابوكي رفضه ومع ذلك هو بيجبلك هدايا بالدهب كمان ، دا مين دا يابت ؟
نظرت لها بتخوف وتردد في ذكر الأسم فعلية هذه لطالما اشتهرت بعلاقاتها مع الشباب .
– ماهو انتِ لازم تقوليلي الأسم ياندى، عشان ياحبيبتي انا مش هاسكت النهادة غير لما اعرف .
قالت الفتاة بمحايلة وتابعت وهي تغمز بعيناها :
– قولي يا حبيبتي عشان ادلك ليكون حد بيضحك عليكِ، قولي يابت .
تعرقت ندى وزاد توترها حتى زاغت عيناها لخارج النافذة الخشبية للفصل نحو الشرفة المعروفة ، شهقت الفتاة ضاحكة حينما التفتت للناحية التي تنظر لها ندى قائلة:
– لا ماتقوليش، معقولة يكون العاشق المتيم ؟
حينما صمتت ندى فهمت الفتاة فزادت من ضحكاتها المجنونة وهي تدور حول ندى مرددة:
– اه ياكهينة يا لئيمة انتِ ، بقى معلقة الواد ومقشطاه ومعانا احنا بتضحكي معانا وتتمسخري عليه ؟
هتفت عليها ندى غاضبة :
– بلاش كلامك المستفز دا يا علية، كرم عايزني في حلال ربنا بدليل انه اتقدملي زي ماقولتلك .
تخضرت الفتاة وهي تحدق بندى من رأسها لأخمص قدمها ، فقالت بميوعة :
– طب انا مش هاقولك كلام مستفز ولا اضايقك حتى ، بس بشرط تحكيلي الحكاية من طق طق لسلام عليكم .
زفرت ندى من انفها تشيح بعيناها عن الفتاة لبعض اللحظات تفكر قبل ان تعود اليها حاسمة امرها :
– انا هاتكلم واحكيلك ، بس وديني ياعلية لو طلع الكلام دا للبنات المايصين اصحابك لاكون مبلغة عنك مديرة المدرسة بأي بمصيبة من اللي بتعمليها مع البنات .
اومأت الفتاة برأسها على مضض قائلة :
– ماشي ياندى .
……
الفصل ١٩
بوجه ضاحك وابتسامة غابت عنها كثيرًا ، كانت تتعامل مع زملائها في العمل والمرضى أيضًا ، كان نصيبهم الرعاية مع الحديث اللطيف المرح، تهون به عليهم ، انتبهت عليها صديقتها في اثناء مررهم برواق المشفى الذي يتدربن به :
– عيني عليكي باردة ، النهاردة اول مرة من مدة طويل الاقي وشك منور كدة وضحكتك طالعة من القلب.
اومأت لها يمنى بابتسامة غير مبالية فتابعت صفاء :
– وكمان بتتقلي ومابتروديش ، جرا ايه يابت عم سالم ؟ ، ليكونش مخبية عني حاجة يابت ؟
– ويعني هاكون مخبية عنك ايه بس يامجنونة انتِ ؟ هاتستعبطي ما كل حاجة على يدك .
قالت يمنى فالتفت لها صفاء ترمقها بتفحص وردت تسألها رافعة احدى حاجبيها بريبة :
– على يدي كيف يعني؟ اوعي تكوني اتخطبتي ومداريه عني يابت ؟
ضربت يمنى بكفيها تضحك مرددة :
– عليا النعمة صح مجنونة ، يابت افهمي بقى، انا لا يمكن هاتخطب ولا اتنيل طول ما انتِ بتنبريلي فيها ببوزك الفقر ده !
شهقت صفاء مستنكرة ترد عليها :
– انا بوزي فقر برضوا يايمنى؟ دا احنا اطورنا على كدة وبقينا بنعرف نألس بالكلام كمان يا يمنى ، ايه اللي حصلك يابت ؟
ضحكت بمرح يمنى وهي تتلقى لكزة صديقتها على ذراعها ، ثم توقفت بجوار شرفة زجاجية في احد اركان المشفى، تنظر للخارج وقالت بشرود :
– هاتصدقيني ياصفاء لو قولتلك ان انا نفسي مش عارفة انا ليه مبسوطة .
– لا والنبي .
اردفت بها صفاء بغير تصديق وتابعت :
– يعني على كدة بقى انتِ صحيتي الصبح ولقيتي نفسك بالهيئة دي ، طب والوش المكشر ؛ بتاع الأيام اللي فاتت في القلق والخوف ، دا كان برضوا كدة من غير سبب .
ردت مضيقة عيناها وقالت بشقاوة :
– اممم، لا دا كان ليه سبب . بس برضوا على غير ارادتي .
– من غير اردتك ازاي يعني ، هو انت مجنونة يابت
قالت صفاء وهي تدفعها بكفيها حتى كادت ان توقعها على الارض، صاحت يمنى عليها بصوت خفيض :
– يامجنونة هاتوقعيني وتخلي صوتي يطلع ، انت عايزة تجيبلنا الكلام .
لم ترد صفاء وزفرت حانقة ، فتابعت يمنى بمرح :
– طب خلاص ماتكشريش كدة، واعدلي وشك المقلوب ده.
صمتت يمنى قليلا ثم أردفت :
– احساس ان تبقى روحك معلقة بروح حد تاني غريب عنك ، او لما تشوفيه تبقى متأكدة انك تعرفيه من سنين طويلة ، دا اسمه ايه؟ لما تحسي بقلبك بيرفرف من الفرح اما بس تشوفي ضحكته ولا ابتسامته النادرة دا يبقى ايه؟ لما تحسي ان صدرك طابق على قلبك والنفس منحاش عنك، لمجرد بس انه زعلان لشئ يخصه، حتى من غير مايقولك عنه ، دا اسمه ايه ؟
تنهدت صفاء بابتسامة تزين ثغرها فقالت :
– هيييح ، على دلع البنات يما ومياصتهم، ماهي معروفة لوحدها ومش محتاجة تفسير ، ناقص بس الفعل وتبقى رسمي .
ظهر الحزن على وجه يمنى الذي اختفى منه المرح وهي ترد على صديقتها :
– للأسف دا حلم بعيد ، لا انا ولا هو نجرؤ عليه ، ماانتِ عارفة ظروفه مهببة ازاي ، مش انا حكايالك برضوا .
ردت صفاء :
– عارفة ، بس مافيش حاجة بعيدة عن ربنا ، انت بس قولي يارب .
– يارب ياصفاء يارب
رددت يمنى بتمني حتى اجفلت على هتاف صديقتها :
– صح يابت يايمنى انا قريت عن حاجة كدة مشابهة لحالتك انت صالح ، عارفة يابت بيقولوا عليها ايه ؟
قطبت يمنى تسألها باستفسار :
– اسمها ايه .
اجابتها الأخرى :
– دي والله اعلم ، حاجة كدة شبه التخاطر .
……… ………………..
في البلدة الأخرى
كان العم فضل جالسًا بطرف الطريق على جزع نخلة صغيره مستندًا بظهره على احد البيوت الطينية، وكأنه في انتظار أحد ما ، حتى ظهرت احدى النساء وهي تعبر الطريق وبيدها عدة اكياس بلاستيكية ممتلئة بالخضروات ، هتف عليها فضل وهو يتقدم بخطواته نحوها :
– استني ، استني اقفي عندك يا سيدة .
توقفت على سماع الصوت المرأة الأربعينيه ، تنظر بتفحص نحوه حتى اذا اقترب منها رددت مرحبة :
– عم فضل ، ياهلًا بيك ياراجل ياطيب ، عاش من شافك .
اقترب يصافحها بمرح هو الاَخر :
– انت اللي عاش من شافك ، بقيتي مختفية ومحدش بيشوفك خالص ، ليكونش عيشة القصر عجبتك يافقرية .
ضحكت المراة بمرح حتى ظهرت اسنانها فقالت :
قصر مين ياعم بس اللي هايعجبني واحنا شغالين خدامين فيه ؟ هو احنا وش قصور برضوا .
– خدامين خدامين ، كلنا خدامين لقمة عيشنا يا سيدة ، مش احسن من مد اليد .
اردف بها العم فضل ، ردت المرأة على قوله :
– احسن مية مرة طبعًا ، بس انت نفدت ياعم فضل ، جوزة عيالك وسيبت الشغل تراعي قراطين الأرض ، يارب انا كمان اجوز البنتين عشان اترحم زيك .
ضحك العم فضل مستخفًا يرد :
– طول ما في جوازة بنات عمرك ما هاتستريحي ، دي مصارفهم بعد جوازهم بتكتر مش بتخلص .
– والنبي صح عندك حق .
اومأت المرأة مصدقة بقوله فتابع هو سائلًا :
– الا قوليلي صح ، عاملة ايه البنية وردة ؟ خفت كدة بعد ما طلوعها من المصحة ولا لساتها على حالها ؟
لوت المرأة ثغرها تلوح بكفيها :
-والله ما انا فاهمالها ياعم فضل ، مش انا مرعياها اليوم كله اها وبيتقطم ضهري قبالها، لكن والنعمة ما فهمالها، نوبة الاقيها بتبصلي واكنها عارفاني وسامعة كلامي ، ونوبة تاني اشوفها كأنها واحدة تانية ، نظرتها بتخوفني واحس كدة وكانها هاتهجم عليا ، تقولش بسم الله الحفيظ ملبوسة .
– وه لدرجادي ، طب يعني على كدة هي مابتتكلمش واصل ؟
نفت المرأة تهز برأسها وقالت :
– عارف ياعم فضل ، الدكاترة نفسيهم محتارين فيها ، وانا عن نفسي صعبانة عليا ومقطعة قلبي عليها والنبي ، البت وردة وهي وردة ، الوش وكانه بدر منور ، لكن العقل الله مخلف بقى .
– ااااه
اومأ فضل وكأنها يتفهم كلماتها ثم رفع رأسه لها قائلًا :
– بقولك ايه ياسيدة ، هي البت بيعمولها زين في القصر هناك ولا طول الوقت حابسينها في اوضتها وكاتمين نفسها ؟
……………………….
وفي الحديقة وبعد ان تناول معهم وجبة الإفطار على الأرض وسط الخضرة واجواء الطبيعة الساحرة ، كان يتحرك معهم بخطواته معهم ، يتابع طريقتهم في جنى الثمار الناضجة من الشجرة التي طرحت حديثًا ، ثم غرز الحبوب في الأرض بعد ان تم عزيقها واخراج النباتات التالفة منها ، ثم ريها بالماء الجاري حتى تنبت وتختضر كسابقتها، شاكسه سالم قائلًا :
– تعبناك معانا النهاردة ياعم صالح .
بادله الابتسام قائلًا صالح :
– بصراحة مش عايز اكدب عليك ياعم سالم واقولك متعبتش ، لأن انا فعلًا تعبت .
– وه ، ههههه.
اردف بها سالم مقهقًا يتابع :
– انت كدة هاتخليني اصدق كلمة ولدي صح لما بيقول انك عطلان
ضحك صالح وانطلقت ضحكة مدوية من يونس وهو يردد :
– دا محمد ولدك دا مصيبة صح ياواد ابوي .
ردد صالح هو الاَخر :
– الله يخرب عقله ، حتى معاكم انتوا كمان فاضحني ، الا فين هو صح ، ماشغالش النهاردة معاك زي كل يوم ياعم سالم .
– النهاردة في ماتش كورة في الاستاد الكبير ، يعني مش هاياجي غير بعد ما يخلصه ، انا مش عارف النصيبة دا امتى اتعلق بالكورة ، دا عمره مابجيبش الست سنين الله يخرب مطنه .
ربت يونس على صدره بتفاخر :
– طالع لعمه حبيب عمه ده ، دا انا مكنتش بسيب ماتش الا اما اشترك فيه على ايامي ، قبل مااحس بالدنيا والمعايش تطحني ، الله يلعن ابو الفقر ، ماله الواحد لو كان معاه فلوس دلوك ، مش كان زمانه اتجوز من زمان وريح مخه ، بلا وجع قلب .
خاطبه صالح قائلًا :
– مش دايمًا الفلوس بتبقى نعمة ، احيانا بتبقى نقمة ونصيبة كبيرة ، اسألني انا ، شوية الهوا دول اللي طالعين من وسط الخضرة الى تشمهم وسط ناسك وحبايبك، صدقني والله بالدنيا ومافيها .
صمت سالم ويونس بتفهم لمقصد صالح الذي اردف متابعًا :
– ياما نفسي احضر فرحك يايونس ، واشوف شكلك عالكوشة جمب عروستك، ههه هاتعرف توشوشوها كدة برضوا يايونس وتضحكها عالكوشة؟
صدرت ضحكة مدوية من سالم ، كما ظهرت على وجه يونس قبل ان يستدير بجسده عنهم متصنع الغضب يضرب بالفأس قائلًا :
– خبر ايه امال ، لا انتوا فاكرني مخبل ، اعرف طبعًا اقول كلام حلو كتير كمان ، بس انا هاخدها من قاصرها ، واخدها من الكوافير للشقة على طول ، فاضي انا للكوشة والكلام الفاضي ده .
قالها يونس وانطلقت نوبة من الضحك بينهم ، غير قادرين على التوقف ، حتى صدح صوت الهاتف الخاص بسالم على الأرض ، مسح كف يده على جلبابه قبل ان يتناوله سريعًا ويرى اسم المتصل ، فتح يرد على الرجل بترحاب .
– الوو ……. يااهلاً ياعم فضل تسلم……. هو زين والحمد لله…..ايوة ……… يعني كلمتها واتأكدت من الكلام ده ؟ ……. زين قوي …….. حاضر من عنيا، في أي وقت انت اتصل وان شاء الله ليها حل …….هابلغه حاضر.
بعد أن انهى المكالمة التفت سالم لصالح قائلًا بحماس :
– شكلك كدة هاتتلم على اختك قريب وتشوفها .
انتفض قلب صالح بصدره يردد بعدم تصديق :
– انت بتتكلم جد ياعم سالم ؟ يعني فضل عرف يلاقيلنا سكة في القصر .
اجابه سالم يطمئنه :
– ان شاء الله هاتشوفها بعيد عن القصر خالص ، اصله بيقولك ان ليها ميعاد في السبوع بيطلعوها برا القصر ويودوها للدكتور النفساني ، يعني ان شاء الله لو عرفنا الميعاد ، نلاقي طريقة نوصلها بيها .
ردد صالح بقلب انفطر بالحنين نحو شقيقته اثار الشفقة بقلب سالم ومعه يونس :
– يارب دا يحصل ياعم سالم ، يارب يحصل قريب قوي ،.
………………………
في المساء وعلى سطح منزله كان سالم يكركر في حجر الشيشة خاصته وهو جالس كالعادة على مصطبته الملتصقة بسور السطح ، حينما اقتربت منه ابنته الصغرى ندى تلقي التحية بأدب :
– مساء الخير يابوي .
قطب سالم يرد التحية بابتسامة واسعة :
– مساء الخير ياعين ابوكي، خطوة عزيزة يا سنيورة ندى ، نورتي السطح .
ردت بابتسامة خجلة وهي تجلس بجواره :
– الله يسامحك يابوي عشان بتتريق عليا وانا جاية اقعد جمبك واونسك .
ضحك سالم من قلبه :
– اهي دي بقى النكتة صح ، من امتى يابت انتِ بتطلعيلي ولا بشوف وشك حتى ، اطلعي من دول وقولي عايزة ايه دوغري ؟
صمتت قليلًا بتفكير ثم قالت بتحايل :
– يعني لو قولتلك يابوي مش هاتكسفني زي امي مابتعمل دايمًا .
قطب يسألها بحيرة :
– امك بتكسفك ليه ان شاء الله ؟ هو انتِ عايزة إيه بالظبط يابت .
صمتت تنظر اليه بتردد قبل ان تحسم امرها تجيبه :
– بصراحة كدة عشان ما لفش وادور عليك ، الجدع اللي اتقدملي قريب ، بعتلي واحدة قريبته وعايز يتقدملي تاني .
– جدع مين ؟
قال سالم ثم تذكر يردف لها :
– يكون قصدك على الواد اللي ساكن في البندر جمب مدرستك ؟
اومأت برأسها فتابع سالم :
– الله يخرب مطنه ، هو الواد ده ماببيزهقش، انا قايله مش هاجوز بتي لحد غريب ، هو مابيفمش!
ردت ندى بدفاعية :
– وفيها ايه يعني لما يكون غريب ، مدام مأصل وابن ناس واصول .
– وانا ايش عرفني بقى انه ابن ناس واصول ، مايمكن مايكونش كدة .
– يابوي ماتقولش كدة حرام عليك ، دا ابن ناس برضوا .
قالت ندى بتعصب فتفاجأت بأبيها يقبض على رسخها يهدر بغضب :
– وانت عرفتي منين يابت بأصله ولا فصله حتى ؟
تلعثمت في قولها ، تخشى غضب ابيها وقالت :
– من قريبته يابوي والنعمة ، هي اللي قالتي انه ابن ناس مرتاحين وحالتهم حلوة كمان هناك في البندر ، دا غير انه وحيد ابوه ، وامه ميتة ، يعني عريس لقطة زي مابيقولوا في الأمثال .
ترك سالم رسخها مرددًا :
– برضوا ماضمنوش ، انا الواد ده لما قعد قصادي واشتغل يلح عليا في طلبك ، معجبنيش ، وبصراحة مارتحلتوش ، وانا احساسي مابيكدبش ابدًا .
– يابوي احساس ايه والكلام الفاضي اللي بتقوله ده ؟ الراجل شريني ، وعايز يتاقلني بالدهب زي ما قالت قريبته ، وانت تقولي احساس ، يعني مش كفاية امي اللي موقفة كل المراكب السايرة قدامي غيظ في يمنى اختى اللي مش طايقة واد اخوها ، وظلماني انا في النص ، وانا ماليش ذنب .
ضيق سالم عيناه يستمع لخطاب ابنته بملامح مغلفة لا تنبئ بشئ ثم مالبث ان يرد قائلًا بحسم :
– خلصتي كل كلامك يا ندى؟
اومأت برأسها تردد بتوجس من هيئته :
– يعني يابوي على حسب انت موافق ولا لاه.
– اممم، طب اسمعي بقى ياعيون ابوكي ، انا مش شاريكم من السوق ، عشان ارمي الوحدة فيكم لأي حد، حتى لو كان غني وحالته مرتاحة زي ما بتقولي،.
– يعني ايه يابوي ؟
سالته باستفسار اجابها سالم بكل حزم :.
– يعني تبلغي البت قريبة الواد ده، ان ابوكي رافض وماعندوش مرارة للت والعجن كل شوية
…….
الفصل ٢٠
– رفض ، ابوكي رفض !
هتفت بها الفتاة مستنكرة في وجه ندى الجالسة جانبها في التخت وتابعت ‘.
– هو ابوكي دا مجنون ولا تفكيره على قد…….
– لمي نفسك ياعلية، عشان انا والله ما هاسمحلك للغلط فيه .
هدرت بها ندى مقاطعة الفتاة بغضب ، ردت الفتاة بملاوعة :
– اتا مقصديش ياندى اني اشتم ابوكي ولا ازعلك ، بس يعني ماتزعليش مني احنا ربنا ادانا العقل عشان نفكر ونختار الصح، مش نرفض كدة من الباب للطاق، هو انت ماقلتلوش على حالته المادية والعز اللي هايعشك فيه؟
ردت ندى متأففه، قولت والله وقولت انه وحيد ابوه ، وامه مش عايشة معاه عشان تنكد عليا زي بقية الحموات ، بس برضوا ابويا مقتنعش، كل اللي عليه ، ان الشخص دا غربب واحنا منعرفش ايه ظروفه ، اعمل ايه تاني عشان يقتنع ، دا انا كل ما اجيله يمين، يجيني شمال ، لما فالاَخر حسم وقالي قفلي على الموضوع وافصلي .
لوكت علية بفمها قليلاً بسخرية ثم قالت :
– طب يدي نفسه فرصة الأول ويفكر في مصلحة بنته ، هو كل يوم الواحدة بتجيها فرصة حلوة كدة ، دا معظم الشباب اللي بتتقدم في الزمن ده بيبقوا واقعين واسأليني انا ، رافضة يجي اربعة دلوقتِ بسبب ظروفهم الزفت المادية .
لم ترد ندى ولكن رمقتها بنظرة متشككة فهمتها الفتاة فهتفت معترضة :
– لا بقولك ايه ، ماتبصليش كدة ياحبيبتي وتفتكريني بفشر ولا بألف عليكي ، لا ياقلبي، دا انا العرسان اللي بتيجي تتقدملي وتخبط على باب بيتنا ايه، كدة اهو كدة اهو، أمم ياامي، أمم .
قالتها علية وهي تعبر بيدها وتتحدث بطريقة جعلت ندى تضحك ، واردفت علية :
– بس اقولك على حاجة يابت يا ندى ، ابوكي دا لو كان شاف الشقة اللي في العمارة اللي ساكن فيها كرم ، اكيد كان هايعيد نظر، انا متأكدة ان ايجار الشقة دي من شكلها كدة يجيب شئ وشويات .:
– لا ما هو كرم قالي انها ملك مش ايجار .
قالتها ندى بزهو لتفاجأ بصيحة من الفتاة :
– كماااان ، يعني مش كفاية شقة واسعة في عمارة فخمة، لا كمان زيادة تطلع ملكه دا ايه الحظ ده .
هتفت ندى وهي تلوح بكفها تخمس بوجه الفتاة :.
– الله اكبر، في عينك ياشيخة ، هي ناقصة حسد.
شهقت عليه مستنكرة فعلة ندى وقالت مابين أسنانها :
– بتخمسي في وشي وخايفة احسدك على ايه بقى يا حبيبتي؟ دا حتى ابوكي رافض يعني .
اطرقت ندى رأسها بحزن بعد أن وضعت قبضتها المستندة على التخت تحت وجنتها، رردت علية بكيد :
– والله ما انا عارفة دا فقرك انتِ ولا فقر ابوكي ، طب ياريتوا كان حصل معايا انا ولقيت واحد بس من ولاد الايه اللي اتعلقت في حبالهم ؛ خبط على بابي واتقدم ، والنعمة دا انا كنت مسكت فيه بإيدي وسناني .
التفتت اليها ندى قائلة :
– على فكرة ماتزعليش مني ياعلية ، بس انا بصراحة يعني ، السبب الأساسي اللي خلاني وافقت بكرم هو انه دخل البيت من بابه دوغري ، وعايز يتجوزني النهاردة قبل بكرة، رغم اني احيانا بضايق من الحاحه.
فمغمت بالاَخيرة بصوت خفيض ، فكان الرد من عليه انها لوت ثغرها تنهض عن المقعد :
– تمام ياحبيبتي ، بس المهم بقى انك تتجوزيه ومايبقاش كلام على الفاضي .
جذبتها ندي من كفها توقفها قائلة :
– ماتزعليش مني ياعلية ، انا مش قصدي حاجة وحشة عنك .
تنهدت الفتاة متململة ثم ردت :
– خلاص ياستي مش زعلانة، سييني بقى امشي اروح فصلي قبل الفسحة ماتخلص .
همت ترد ندى ولكنها ابتلعت كلماته مع طنين اهتزاز هاتفها بورود مكالمة هاتفية ، فقالت مخاطبة الفتاة :
– طب اتفضلي ياستي اهو بيرن ، ارد اقوله ابه بس وهو مستتني على نار من امبارح خبر الموافقة؟
التمعت اعين الفتاة بالحماس تجيبها :
– ردي عليه وقوليلوا انك لسة بتحاولي .
هتفت بملل والهاتف بيدها :
– تاني يعني ماقلوش ابويا رفض وافصل على كدة مدام مافيش فايدة .
قفزت لتعاود الجلوس بجوارها تترد بلهفة :
– ماتبقيش هبلة وتضيعي الفرصة من ايدك ، لوعيه لحد ما تاخدي الموافقة من اهلك ، عشان مايطفشش منك، افتحي المكالمة انتِ بس وانا هامليكي تقوليلوا ايه ؟
اذعنت على تردد تنفذ طلبها بفتح المكالمة والأخرى تضع اذنها على الهاتف معها .
– الوو ، ايوة ياكرم !
………………………..
بمنزل سالم وفي الحديقة الخلفية وبعد ان سُمح له بدخولها ، بعد ان اطمأنوا من جهته اصبح يقضي معظم وقته بها ، اما بصحبة سالم ويونس في اوقات فراغهم ، او وحده يتأمل ويملأ صدره بالهواء العليل بها ، او بصحبة المشاغب الصغير محمد الذي لا تهدأ حركته اًبدًا .
– خلاص يامحمد انزل بقى وكفاية .
هتف بها صالح بخوف وهو واقف اسفل الشجرة التي صعدها محمد والذي هتف مرددًا لصالح :
– ياعم اهدى ، بقولك شوية تاني ونازل .
زفر صالح بقلة حيلة قائلًا له :.
– ياحبيبي كفاية اللي جنيتهم ، دول حلوين قوي ، يابني انزل لغصن الشجرة يميل بك وتقع .
– يعني كدة مثلًا .
لوح بجسده محمد بدعابة ثقيلة ، جعل الخوف يزلزل قلب صالح قبل ان يستدرك مزاحه ، فهتف ساخطًا وهو يبتعد بجسده عنه معترضًا :
– كدة برضوا يامحمد ، دا برضوا هزار تهزروا ؟،
– معلش متزعلش منه ، دا عيل برضوا ومش فاههم .
التفتت مجفلًا على صوتها ، فتبدد غضبه العاصف وكأنه لم يحدث وهو يرى تهادي خطواتها الرقيقة وهي اَتية نحوه بصنية عليها كوبان من العصير ، فقال لها :
– انا عمري ماازعل منه ، انا زعلي بس خوف عليه .
القت نظرة محذرة نحو محمد قبل أن ترد قائلة :
– وهو عارف كدة ، بس تعمل ايه بقى ؟ بيستغل ده ويستهبل ، خد اشرب العصير ده وروق اعصابك شوية خد .
تناول منها الكوب الزجاجي الكبير الممتلئ بالعصير، وقال ممازحًا :
– طب انتِ جايبة كوباتين ، ليكون حسبتي محمد معايا ، دا راجل مشغول ومش فاضي .
– مين دا اللي مشغول ؟.
هتف بها محمد وهو يحاول النزول متمسكًا بفروع الشجرة، وقال متابعًا نحو شقيقته التي كانت تضحك :
– تعالي يابت نزليني خليني اشرب العصير بتاعي ، عصير مانجة دا صح ؟
هزت شقيقته رأسها شقيقته بالرفض:
– لا مش هنزلك ، وخليك انت عالشجرة بقى شوف مين اللي هاينزلك ، بعد ما زعلت صالح منك ؟
التفتت محمد نحو صالح برجاء ، فادعي الاَخر غضبه منه واشاح بوجهه عنه فهتف محمد :
– طب وحياة غلاوتي عندك ياشيخ ، لتنزلني وماتسمع كلام البت دي .
لم يستطع صالح كبح ابتسامته وهو يتجه ليتناول محمد من أحد الاغصان القريبة ليُنزله أرضًا قائلًا ليمنى :
– معلش بقى مضطر اتنازل ، دا حلفني بغلاوته .
انزله على الأرض واننطلق محمد نحو شقيقته يختطف منها كوب العصير ليرتشفه بسعادة مهللًا :
– الله على المنجة الحلوة ياناس.
– بالهنا ياسيدي .
اردفت بها يمنى وهي تنظر له بدهشة ومعها صالح هو الاَخر و الذي خاطبها قائلًا :
– شكله بيحب الفواكه كلها ، انا كنت فاكره بيحب الجميز بس .
– قول عليه زيك ، ما انت كمان من ساعة ابويا مافتحلك باب الجنينة وانت بقيت لابد ليل نهار فيها .
قالت يمنى ، فانشق ثغره بابتسامة سعيدة يردف :
– مسجون وانفتح له باب يطل منه على الدنيا، يتفرج على طرح الأرض وخضار الطبيعية وهواها اللي ينعش الروح …
صمت قليلًا ثم تابع :
– ويرد روحه برؤية الوجه الحسن ، يبقى اقعد في اؤضتي ليه واحرم نفسي من دا كله ؟
تلجلجت وهي لا تعلم بماذا ترد على كلماته الجميلة وغزله الصريح لها ، فقالت مرتبكة :
– تقصد مين بالوجه الحسن ؟
مط شفتيه قائلًا بمغزى :
– والله انت عارفة كويس قوي ، انا اقصد مين بالوجه الحسن .
تورد وجهها وهي تتناول كوب العصير الفارغ من يده تود الهروب من امامه ، بخجل جعل اطرافها ترتعش من فرط ارتباكها، ولكنها اجفلت منتفضة على صيحة جهورية من والدها وهو يدلف لداخل الحديقة مسرعًا :
– عندي ليك خبر بمليون جنيه ياصالح .
انتفض هو الاَخر على صيحة الرجل ، بعد ان افاقه من شروده بمحبوبته وخجلها الذي يفعل بقلبه الافاعيل ، فردد له بتلعثم :
– مممليون جنيه ! ليه هو انت هاتقولي ايه بالظبط .
توقفت يمنى وهي تشاهد ابيها وهو يقف امام صالح يشير له الهاتف قائلًا :
– اتفضل واسمع بنفسك عشان تصدق .
تناول صالح الهاتف يرد على المتصل بعدم فهم ، فوصله صوت الرجل العجوز :
– الوو ياصالح ، انا عمك فضل .
ردد قاطبًا :
– اهلًا ياعمي ، في ايه عندك .
وصله صوت الرجل قائلًا :
– في ان عرفت ميعاد خروج اختك من القصر بكرة وجيبت عنوان الدكتور اللي ريحاله ، يعني بإذن المولى تقدر تشوفها ياولدي .
ارتجف قلبه بداخل صدره من مجرد الفكرة فردد بصوت مهزوز للرجل :
– بتتكلم جد ياعم فضل ؟ اوعي تكون بتكدب والنبي ، دا انا كنت اموت فيها لو طلع امل كداب .
جاء صوت الرجل بضحكة ودودة قائلًا :
– بعد الشر عليك يا ولدي من الموت ، هاتصدق بنفسك بكرة لما تشوفها بعينك وتضمها لصدرك .
– تأوه صالح بحرقة اشتياقًا للقاء شقيقته فلم يستطع للمتابعة ونزل جالسًا على الارض ، بعد ان خذلته اقدامه من الفرحة، تناول عنه سالم الهاتف ، وفور أن انهى المكالمة مع العم فضل ، ربت بكفه على ظهر صالح قائلًا بدعم :
– اصحى كدة واقف على رجلك، دا مش وقت صدمة ولا قعاد على الأرض.
رفع انظاره الى سالم قائلًا بانتباه بعد أن استفاق ذهنه :
– انا فرحت قوي ياعم سالم على اساس اني هاشوفها صح ، بس انا دلوك مش عارف دا هايبقى ازاي ؟ وهي متحاصرة منيهم ، دا غير انها ممكن ماتعرفنيش اساسًا .
جلس سالم بجواره على الارض يخاطبه قائلًا :
– ماتشلش هم دلوك ، العبد في التفكير والرب قي التدبير .
رد صالح بنبرة محبطة :
– ونعم بالله ياعم سالم ، بس برضوا الموضوع دا كبير قوي ، اصل انا عارفهم الجماعة دول ، مابيمشوش غير برجالة الحراسة ، ودول الواحد فيهم قد الباب لوحده، يبقى هانعدي منهم ازاي بس ونوصلها ؟ دا بينه حلم ومستحيل هو كمان .
هدر عليه سالم :
– ولا مستحيل ولا حاجة ياراجل ، انا قولتلك ان ربنا هايدبرها ان شاء وهانشوفلك طريقة ، بس احنا عايزين حد شباب عشان يقدر يساعد معانا .
ساله صالح قاطبًا باسنفسار :
– مين الشباب ده اللي هايرضى يساعدنا ياعم سالم ؟
…… …………………
– بتقول مين ؟
هتف بها صائحًا يونس نحو شقيقه الجالس امامه فوق سطح المنزل ، بعيدًا عن اعين الجميع ، وتابع يونس :
– مش واخد بالك يا سالم ، ان انت زودتها قوي مع الجدع ده ؟ طب علاج وقولنا نكسب فيه ثواب ، فتحلتوا بيتك وأمنته في وسطينا وقولنا زي بعضه، مدام طلع مظلوم وحكايته عفشة زي ماحكالنا الراجل العجوز ؛ لكن بقى ندخل نفسينا في المواضيع التقيلة بتاعته دي ، اهو ده اللي لا يمكن يحصل عاد ، العمر مش بعزقة ياواد ابوي .
– ومين بس اللي قالك انك هاتضيع عمرك ولا يجرالك اي حاجة يايونس ؟
هتف بها سالم على شقيقه بمحايلة فهتف الاَخر متشدقًا :
– امال ايه بس؟ بلاش تلف وتدور عليا ياسالم في الكلام ، انت عارف ان الموضوع دا كبير ، دا المشي مع صالح نفسه تهمة لوحديها ولا انت نسيت ؟
رد سالم :
– لا مانستتش ياسيدي ، بس بالعقل يعني لو احنا عملنا حسابنا وخططنا كويس ، ايه اللي هايعرف الحكومة ولا ناسه ؟
حرك راسه يونس بعدم فهم فهتف سائلًا :
– تقصد ايه يعني ؟ هايلبس طقية الاخفا بقى ولا هايطير في الجو ومحدش يشوفه .
تبسم سالم لأخيه قائلًا :
– لا دي ولا دي ، الموضوع مش صعب قوي على فكرة زي ماانت فاهم ، انا قولتلك ، الموضوع محتاج بس تخطيط ، انت بس وافق واي مشكلة بعد كدة نشوف لها حل .
ضغط يونس على شفتيه يشيح بوجهه ليبتعد عن انظار اخيه التي كشفته على الفور فهتف عليه :
– شكلك بيقول انك وافقت ولا لسة بتوزنها في مخك ؟
– لا لسة بوزنها في مخي ياسالم ، بلاش بقى تزن عليا عشان ماتعصبش عليك .
رفع سالم كفيه في الهواء مستسلمًا بابتسامة مستترة يرد على اخيه :
– اها ياواد ابوي مش هازن ولا اللت فوق مخك ، وهاسيبك انت براحتك تقرر ، بس عشان تعرف ، انا عارف قرارك من دلوفتي .
– يوووه .
اردف بها يونس متأفافًا في وجه سالم الذي اشار بغلق فمه ليجعله يفكر بروية ، صمت قليلًا يونس ثم مالبث ان يلتف الى اخيه سائلَا بتفكير :
– لكن قولي ياسالم ، انت برضك معرفتش ان كان شعبان ابو مندور مات عادي كدة ولا مات مقتول زي ما قال صالح .
قطب سالم بحيرة قبل ان يجيب يونس قائلًا :
– والله ما انا عارف ، فعلًا والله حاجة تحير ، طب لو هو اتق*تل صح زي مابيقول صالح ، الحكومة ازاي تخبي حاجة زي دي ؟
…..
الفصل ٢١
دلفت علية لداخل فصل ندى ، تشير لها بكفها وتومئ برأسها بمغزة فهمته الأخرى ، فهزت رأسها بالإجابة قبل ان تخرج علية لتنتظرها في الخارج ، برواق المدرسة ، انتبهت رضوى الفتاة المجاورة لندى على التخت فلكزتها بمرفقها وهى تلملم بأشيائها الخاصة بعد انتهاء اليوم الدراسي لتضعها بحقيبة المدرسة :
– هي البت دي عايزة ايه منك ؟ وبتشاورلك ليه أساسًا ؟
هزت بأكتافها ندى تجيبها متصنعة عدم الفهم :
– عادي يعني يارضوى ، عايزاني اروح معاها نزور واحدة صاحبتنا هنا في البلد عيانة .
ضيقت عيناها رضوى بتفكير وقالت :
– وانتِ من امتى بتمشي معاها ولا بتجمعكم صدقات ولا مشاوير حتى ؟ عشان تلزقلك اليومين دول وتدخل في زواريقك كدة ، انتِ من امتى مصاحباها اساسًا ؟
ردت ندى بتوتر تجاهد لعدم اظهاره :
– هي صاحبتي من زمان على فكرة يارضوى ، بس كانت معرفة سطحية ودلوقت اتطورت شوية عشان صاحبتنا العيانة .
– اممم .
صدرت من رضوى بتهكم قبل ان تردف وهي تضع حقيبتها المدرسية على ظهرها، طب خلي بقى من نفسك ياحبيبتي وانتِ معاها ، بلاش تقليدها في كل حاجة .
سألتها ندى بريبة :
– قصدك ايه يعني ؟ مش فاهمة .
اومأت رضوى بعدم اكتراث :
– والله انتِ عارفة كويس وفاهمة على فكرة انا اقصد ايه، وفنصيحة مني يعني ، بلاش تتأخري عند صاحبتك معاها لتفوتك مواصلات البلد وتبقى حوسة معاكي بعد كدة .
بصقت كلماتها وذهبت تترك ندى بحيرتها وهي تعدل في ملابسها المدرسية وحجابها كالعادة على المراَة الصغيرة فوق التخت، فور انتهائها خرجت لصديقتها التي كانت مستندة بظهرها على احد الأعمدة الأسمنتية بوسط الرواق تلوك فمها بالعلكة ، اشارت لها بكفها لتستعجل بخطواتها اليها .
حينما وصلت ندى قالت على الفور :
– على فكرة انا قلبي متوهوهش من المشوار ده ، وطالعة معايا نلغيه من أولها .
اعتدلت علية قائلة بتفكه وهي تقبض على مرفقها :
– تلغي ايه يابت ؟ هو انت عبيطة ؟ تعالي تعالي بلاش خوف ، انا معاكي ومش هاسيبك .
اذعنت ندى تستلسم لها وهي تسحبها من مرفقها ولكنها قالت بتردد :
– يا علية انا خايفة حد من شباب البلد يشوفني ويوصل الكلام لابويا ، دا كان يقطع خبري لو عرف والنعمة .
اصدرت عليه بفمها صوت استخفاف ترد عليها :
– يعني انتِ خايفة لحد من بلدكم يشوفك معاه في الكافتيريا ومكنتيش بتخافي بقى لما تقابليه في الشارع زي الحرامية ؟
التفت اليها برأسها ترد بغضب :
– انا عمري ما عملت زي الحرامية ياعلية ، دا واحد طالبني في الحلال وانا برد على سؤاله .
اجفلت عليه على وجه ندى المحتقن بالغضب ، فقالت ببعض الطف لتخفف من حدتها :
– يابنتي انا مش عايزاكي تاخدي كل كلامي قفش كدة ، انا بس عايزاكي تفهمي ان الكافيه احسن مية مرة لمقابلاتكم مع بعض في الشارع واهو تعرفيه وتاخدوا على بعض ، لحد اما ربنا يفك كربكم ويوافق ابوكي على الجواز ، ثم ان بالعقل كدة ، مين في بلدكم كلها يعرف اماكن فخمة زي دي ؟
صمتت ندى ومازال على وجهها يرتسم الخوف والتردد ثم قالت اَخيرًا :
– خايفة لكون غلطت لما تبعتك ووافقت على الخروج معاه ، لا وكمان خلتيني انا اللي احدد بنفسي اسم الكافيه ، وانا في حياتي ما شوفته اساسًا ولا اعرف دا شكله ايه ؟
اطلقت عليه ضحكة مدوية في الشارع ، لفتت لها انظار المارة حولها وهي تتمايل بمشيتها فقالت بمرح :
– دلوقتي ياحبيبتي ، تعرفي وتشوفي بنفسك الفخامة بتاعة المكان ، يابت دا انا هاخليه يطلبلك كمان حاجات حلوة من اللي بيعملها المحل هناك ، ايوة امال ايه ، مش هو واقع على بوزو يبقى يصرف ويكوع دم قلبه كمان .
……………………………
بداخل السيارة الأجرة التي كانت مصطفة مرابطة تحت المبني الشاهق الإرتفاع في المدينة ، والخاص بعيادات الأطباء ومكاتب المهندسين والشركات الصغيرة ، كانت تضم يونس في الكرسي الأمامي بجوار السائق ، وفي الخلف كان سالم وبجواره صالح الذي كان متخفي بنقاب اسود غطى جميع جسده ، ولم يظهر من وجهه سوى عيناه .
– وبعدين ياجماعة احنا هانفضل مستنين كتير كدة ؟
تفوه يونس بالسؤال ، رد سالم في الخلف :
– لسة الميعاد يا يونس ، على ملام غم فضل يبقى فاضل على كدة يجي نص ساعة .
قال يونس بتأفف :
– ولما هو لسة الوقت ، جيبتونا ليه بدري نتلطع بالساعات؟
– وه يا يونس عليك وعلى قلبك الحامي ، ما احنا ناخد حذرنا عشان نشوف الوضع ايه ، اهدى كدة وارسى ياواد ابوي لما انت بتقول كدة ، امال السواق اللي وقفنا حاله معانا يقول ايه بقى ؟
جاء رد السائق في الأمام :
– ماتقولش حاجة ياعم الحج ، انا جاي بناءًا على توصية جدي فضل بعد مأمني على السر معاكم ، والله دي قعدته في البيت على عينه ، بس هو مش عايز يلفت النظر لو حد عرفه منهم .
ربت سالم على كتف الفتى مردد :
– بارك الله فيك وفي جدك ياوالدي ، دا راجل زين صح ، وربنا هايجازيه كل خير على فعله معاكم ، ساكت ليه ياوالدي ، مش تاخد وتدي معانا في الكلام ؟
قال الاَخيرة بإشارة نحو صالح الذي أخرج صوته بصعوبة من فرط ما يشعر به من قلق :
– معلش ياعم سالم مش قادر اتكلم ، خلي الكلام بعدين .
اومأ له سالم متفهمًا قبل ان ترتفع راسه على صوت السائق وهو يهتف :
– وصلوا ياجماعة وصلوا ؟
التفت الرؤوس بحدة نحو الوجهة التي يقصدها الفتي ، فا اردف لهم محذرًا :
– براخة ياجدعان اتقلوا شوية عشان ماحدش ياخد باله .
اذعنوا للطلب الفتى مضطرين، حتى اصبحوا يتابعون السيارة السوداء التي توقفت امام المبني ، وترجل منها الحراس ضخام الأجسام بملابسهم السوداء ، قبض صالح بكفه على رسخ سالم يردد بصوت مرتعش :
– وردة اهي ، اختى نازلة من العربية دلوقت ياعم سالم .
– فينها دي ؟ انا مش شايف حد .
سأل سالم وهو يدقق النظر ، اجابه الفتى السائق :
– البنية الصغيرة اللي نازلة ورا الست الكبيرة ياعم سالم ، وراهم عمتي سيدة شايلة بتراعي الست وردة .
ربت سالم بكفه على ذراع صالح بغرض تهدئته ، بعد أن وصل اليه ارتجافه وقال مداعبًا :
– اعذرني ياولدي لو معرفتهاش من الاول ، دي بسم الله ماشاء الله عليها ، كيف الهوانم الصغيربن اللي في البندر .
– هوانم مين ياسالم ، دي تقول للقمر قوم وانا اقعد مكانك ، بقى البت اللي زي القشطة دي تبقى اختك ياصالح ؟
اردف بها يونس بعفوية اجفلت الثلاثة نحوه ، تمتم سالم بخجل من تصرفه :
– الله يخرب مطنك ياشيخ .
استدرك يونس نفسه يتمتم معتذرًا :
– لا مؤاخذة يعني ياصالح ياخوي ، دي طلعت كدة مني من غير قصد .
التزم صالح الصمت ولم يرد ، تابع يونس مغيرًا دفة الحديث وهو يبحث بجيب بنطاله :
– اا احنا يدوبك بقى نتصل !
…………………………..
وفي الأعلى كانت بداخل غرفة الاستراحة بعيادة الطبيب الشهير كانت واقف تنظر من النافذة نحو الشارع ، لترد على المكالمة التي اتتها فجأة:
– ايوة تمام ….. ما انا شوفتها قبل ماتدخل العمارة ……….تمام تمام ، اطلعوا بس انتوا بهداوة من غير ما حد يحس وانا هاتصرف …… ماشي سلام .
– والنعمة يا يمنى لو اتأذيت في شغلي ولا حصل حاجة للبت لكون مبلغة عنك .
قالتها الفتاة الممرضة من خلفها فالتفت اليها بابتسامة واسعة :
– لا متخافيش ، لأنه لو حصل ، انتِ مش هاتلحقي تبلغي اساسًا ، عشان هاتتسحبي على السجن دوغري من غير كلام .
شهقت الفتاة تنكزها بقبضتها :
– وليكي عين كمان تستظرفي وتغلسي بالكلام ، والنعمة انت بت ناكرة للجميل وعفشة صح .
ضحكت يمنى وهي تدلك بكفها على ذراعها لتخفيف الألم ، بعد ان ابتعدت عن الفتاة :
– معلش يارورو ، نصيبك بقى يا حبيبتي تتصاحبي على واحدة زيي عشان تورطك معاها .
صمتت الفتاة قليلًا مضيقة عيناها ثم تحدثت بجدية :
– لولا بس غلاوتك عندي ، دا غير ان البنت نفسها صعبانة عليا ، مكنتش هاوافق واصل على حاجة زي دي .
سألتها يمنى بجدية هي الأخرى :
– لدرجادي حالتها متاخرة يارويدا ؟ ولا الدكتور بتاعك نفسه مش فاهملها ؟
اجابتها الفتاة :
– لا فاهملها يايمنى ، وانا كمان فاهمالها ، البنية دي اللي تعبها نابع من نفسها ، وعلاجها متعلق بحاجة هي مرتبطة بيها ، والحاجة دي ؛ هي بس اللي تقدر تخليها تستجيب للعلاج وترجع لطبيعتها ، فعشان كدة بقى لما انتِ كلمتيني امبارح ، في مساعدة اخوها اللي محروم من رؤيتها انه يشوفها ، قولتلك على طول امين ، اهو نكسب ثواب ويمكن يكون سبب في رجوع ضحكتها ، الله اعلم .
انشق ثغر يمنى بابتسامة بعرض وجهها تردف لصديقتها :
– والله ما انا عارفة ، السر يبقى في مين فيهم ؟ يعني انا مثلًا لما عرفت بالصدفة من ابويا عن اسم الدكتور بتاعك ، ماصدقتش نفسي لما افتكرت انك شغالة معاه ، لدرجة اني اتوقعت رفضك رغم علمي بجدعتنك وطيبة قلبك ، لكن اقول ايه بقى ؟ ربنا اكيد لو حكمة عشان يجمع الاخ واخته بعد اربع سنين فراق .
اومأت رويدا برأسها ثم قالت مستدركة وهي تتحرك للخروج :
– طب اطلع انا بقى اروح اشوفهم ، زمانهم وصلوا اوضة الانتظار .
تفوهت يمنى من خلفها :
– تمام حبيبتي ، بالتوفيق يارب .
………………………
وفي مكان اَخر
يقترب من المرسى النيلي ، وكُتب على يافطته اسم باللغة الإنجيزيه ، يتميز بخصوصيته والشكل الهندسي المبهر من الخارج ، دلفت ندى بصحبة علية لداخله ، لتفاجأ برقي مرتاديه من رجال ونساء اظهرت ملابسهم امتياز حالتهم المادية ، يتحرك النادل امامه بملابسه البيضاء النظيفية بين الطاولات التي وزعت بشكل متفرق ، ليحفظ خصوصية الزبائن من عشاق أو أسر اتت بأفرادها لتتنعم ببعض الهدوء والجو اللطيف به .
– يانهار اسود ياعلية ، دي الناس هنا كلها بتبرق من النضافة ، احنا ايه بس اللي جابنا وسطيهم بهدومنا المنيلة دي ؟
ضحكت علية قائلة :
– ياعبيطة احنا داخلين بيُنيوفورم المدرسة ، يعني شئ عادي وبتحصل كتير ، تعرفي بقى ، اهو احنا لو جينا بهدومنا العادية وسطهم ، كنا هاننكشف صح .
أومأت ندى برأسها مرددة :
– فعلاً عندك حق ، اليونيفورم ستر وغطا ، دا انا هدومي كلها ماتجيش حق بلوزة لبساها ست منهم .
– طب ياختي ، اهو المجنون بتاعك قاعد هناك مستنكي ، ياختي دا حاجز طرابيزة مختصرة ، لا حبيب يا واد .
هتفت بها عليه ساخره والتفتت ندى نحو الزاوية التي تقصدها وجدته يتحرك من مكانه فور أن لمحها ، ليقترب بخطواته المسرعة منهن .
– ازيكم يابنات اخيرًا وصلتوا
اردف بها مرحبًا فور ان وصل اليهن ، صافح علية بكفه سريعًا ، ثم اطبق على كف ندى يسحبها مرددًا :
– تعالوا بقى دا انا مستنكيم بقالي كتير .
القت ندى نظرة نحو علية بتساؤل حول امساكه بيدها من خلف ظهره ، فغمزت لها بابتسامة متسلية ، فور ان وصلوهم للطاولة ، اومأ لهم ليجلسوا دون ان يفلت يدها ، حتى قرب كرسيه ليجلس بالقرب منها ، فهتفت بسعادة :
– انا مش مصدق نفسي ، اخيرًا وافقتي على طلبي !
ردت علية من الناحية الأخرى:
– ادعيلي انا بقى ، عشان انا اللي خليتها توافق ، بعد ما كانت منشفة دماغها زي الحجر .
– طب شدي حيلك بقى واقنعي اهلها كمان بالمرة ينوبك ثواب ، وانا داعيلك واديكي الحلاوة كمان .
قالها بسرعة ولهفة ، اثارت الدهشة لدى علية التى رددت بابتسامة ساخرة :
– ههه بالدرجادي انت ملهوف عالجواز منها ، دا انت مجنون ندى صح بقى
التفت رأسه اليها بنظرة مرعبة وتوقف قليلًا امامها بشكل جعل الخوف يزحف بأوردتها فقالت مصححة :
– انا قصدي يعني انك بتموت فيها ، طب ياريت الاقي انا حد يحبني انا كدة ، حتى نص الحب ده .
لانت ملامحه وهو يعود بنظره لندى قائلًا بنعومة :
– ندى دي عمري كله .
ثم رفع كفها الى فمه يلثمها بقبلة طويلة اثارت الرجفة لديها لدرجة جعلتها تتململ لنزعها منه ، امام انظار علية التي تراقب بابتسامة مستترة ، وتابع :
– انا نفسي اخطبها عشان اجيبلها كل اللي هي نفسها فيه ، واخليها برنسيسة عالكل .
هتفت عليه بمرح :
– اوعى بقى ؟ ايوة كدة فرحها وقول اللي يبسطها ويشجعها تزن على اهلها .
التف اليها قائلًا ببرود :
– طب بقولك ايه ؟ ماتسبينا انت شوية عشان اعرف اقول واشجعها زي مابتقولي كدة .
فغرت فاهاها بدهشة ومعها ندى التي تلجمت من جرأته وهمت لترد ولكنها سبقها مرددًا :
– واطلبي كل اللي نفسك فيه طبعًا على حسابي .
– حلو اوي ، يبقى هاطلب جاتوه وحلويات .
قالت وهي تنهض هاتفة بحماس امام ندى التي اصابتها الصدمة من فعلتها ، وودت تترجاها حتى لا تتركها وحدها ، تابعت هي مخاطبة ندى قبل ان تبتعد :
– انا هاقعد على طرابيزة قريبة منكم ، ملتقلقيش .
– تقلق ليه بقى ان شاء الله ؟ هاتسبيها مع حد غريب ،
اردف بها غاضبًا قبل ان يعود لندى ويقرب كرسيه ليلتصق بكرسيها وتابع لها مقربًا رأسه ووجهه منها :
– قوليلي بقى انتِ كمان نفسك في ايه ؟ وعايزاني اجيبلك زيها ؟
ابتعدت بوجهها عنه وهي تحاول صنع مسافة بينهم تجيبه بتردد :
– ااا جيبلي جاتوه وحلويات زيها .
– انت تؤمري .
اردف بها ورفع يده عالياً للنادل يأمره بطلبه .
………………………..
وعودة لصالح الذي كان يقطع مسافة درج البناية بسرعة غير عابئ بمظهره والعباءة النسائية السوداء التي يرتديها ، حتى اوقفه يونس على احدى الدرجات محذرًا له من تحت أسنانه :
– اهدى ياعم هاتفضحنا ، لو حد شافك دلوك لا يمكن هايظن انك حرمة منقبة ، اي نعم احنا في السلم الخلفي للعمارة ، بس برضوا مافيش حاجة مضمونة .
اومأ صالح براسه وانفاس صدره تصعد وتهبط بحدة ، فخرج صوته الاهث :
– عندك حق يا يونس ، انا بس نسيت وخدتني الحماسة ، بس انا فعلًا لازم اخد بالي ، الف شكر ياايونس ، الف شكر .
نظر خلفه يونس بإشفاق يتمتم بتأثر :
– ربنا مايحرم حد من حبيبه .
……
الفصل ٢٢
تسحب على أطراف اصابعه بعد أن دلف من الباب الخلفي للعيادة ومعه يونس ، حتى التقوا بيمنى التي أدخلت صالح وخلفه يونس في الطرقة الضيقة والمؤدية الى الى الحمام والمطبخ ، وبغرفة الاستراحة ، ادخلته ودخلت هي خلفه لتصفق الباب بهدوء لعدم لفت الانتباه ، ظل يونس بمكانه يراقب وكأنه من عمال العيادة .
اما صالح فكشف عن وجهه هو فور ان اغلقت باب الغرفة ليسألها :
– شوفتيها ؟ شوفتي وردة يايمنى؟.
هزت رأسها تجيبه نافية :
– لا لسة طبعًا ، انا قاعدة هنا من الصبح مستنياك ، على العموم رويدا هاتعرف تتصرف ان شاء الله وتجيبها هنا .
اومأ يفرك كفيه بقلق :
– يارب ، يارب يايمنى .
قالت هي ناظرة اليه بحنان :
– طمن قلبك ، وانت ان شاء الله تشوفها، فات الكتير ومابقاش الا القليل .
تنهد بثقل يرد عليها :
– جمايلكم معايا كترت قوي يايمنى ، وانا مبقتش عارف هاعرف اردها ازاي معاكم ، انت ولا خالتي نجية ولا عمي سالم ، دا حتى يونس بقى مدايني زيكم .
تبسمت بحنان وهى تنظر لخارج الغرفة من فتحة مواربة للباب :
– ياسيدي احنا مش عايزين منك حاجة وان كان على عمي يونس ، تبقى ردهالوا في فرحه اللي بقالنا سنين بنحلم بيه . .
– يارب دا يحصل يارب .
تمتم بها وهو ينظر نحوها وبداخله امنية اخرى يود تحقيقها.
…………………………
وعند ندى التي كانت تتناول من طبق الحلوى الذي بيدها على استيحاء من نظراته المراقبة لها وصديقتها علية من الجهة الاخرى تتناول في طبقها بنهم ، وكل دقيقتين تشير اليها بمرح .
– مابتاكلش في طبقك ليه ؟
خاطبته ندى وهي تومئ بعيناها نحو طبقه الممتلئ لاَخره امامه على الطاولة ، ولم يلمس هو منه شئ ، أجابها وهو لا يكلف نفسه حتى بالنظر اليه ؟
– وانا مالي بالجاتوه والحلويات وانا معايا اصل الحلاوة كلها .
تبسمت على غزله بزهو وعيناها تذهب نحو صديقتها التى انتبهت لها ، وتابع هو وصوته خارج باضطراب :
– انا كفاية عليا اشوفك كدة وانتِ بتاكلي ، وكل حتة بتدخلي بوقك الصغير الحلو ده .
توقف يبتلع ريقه ثم اكمل :
– احس انها في بقي انا وانا حاسس بسكرها وطعامتها جوايا .
توقف و قد أجفلها تعبيره الغريب .
– وقفتي اكل ليه ؟
سألها باندهاش ، أجابته بتردد :
– عادي يعني ، حاسة نفسي شبعت .
اقترب فجأة بأصباعيه نحو فمها فارتدت للخلف بوجهها فصدرت منه ضحكة مضطربة لها مرددًا :
– ايه يا ندى ؟ انا بس هامسح الكريمة اللي علقت على شفتك .
اذعنت بقلق مستلمسه لرغبته ، وتلمس هو بسبابته والإبهام يمسح بتمهل القطعة العالقة على شفة فمها السفلية ، ثم رفع طرف اصبعه لفمه يلعقه بنظرة غريبة نحوها لم تفهمها ؛ ولكنها اثارت بقلبها الخوف ، فنهضت فجأة تردد وهي تنظر نحو صديقتها لتفهم :
– انا اتأخرت ولازم امشي .
نهض خلفها ليوقفها وهو يجذبها من مرفقها :
– لا استني ، هو انتِ لحقتي تقعدي عشان تمشي .
نزع كفه على الفور عنها بمجرد ان رأي نظرتها وتحولها نحوه فقال بترجي :
– انت ملحقتش اقعد معاكي يا ندى ، دا غير ان نفسي ارسى على بر في موضوع جوازنا ، نفسي بقى نتخطب ونتلم في بيت واحد انا وانتي بسرعة .
في هذا الوقت وصلت علية فخاطبته بكذب :
– ما انت اكيد هاترسى على بر ، بس استنى عليها على ماتقنع والدها.
– طيب ، دي كلها شهرين والدراسة تنتهي ، يعني لو مالحقتش تقنعه، هاتحرم انا من شوفتها ، دا كنت اموت لو دا حصل .
هتف بها واثار ابتسامة متسلية من الفتاة فقالت مخاطبة ندى :
– الجدع هايموت يامنيلة ، حاولي بقى تقنعي ابوكي .
التفت اليها ندى ترمقها بعدم رضا ثم عادت اليه تلقي الحقيقة بوجهه دون مواربة :
– بصراحة بقى ياكرم انا حاولت اقنع ابويا امبارح وبرضوا مرديش .
ردد خلفها بصدمة :
– ايه ؟ مرديش !
– اه بس هي ممكن تحاول معاه تاني ماتقلقش .
قالتها بلهفة علية ، فهدرت عليها ندى بسأم :
– لا مش هاينفع احاول معاه من تاني ياعلية ، عشان ابويا قفلها وقالي اياك اسمع السيرة دى تاني، يعني من الاَخر رفض الكلام في الوضوع بشكل نهائي،
حينما لم يرد وظل متسمرًا بحالتها ، تحركت ندى تستأذن للمغادرة :
– طب انا ماينفعش اقعد اكتر من كدة ، عن اذنك ياكرم .
تفوهت بالاَخيرة قبل ان تبتعد وتتركه بصدمته ، وعلية لحقتها بتردد رغم غضبها من موقفها.
……………………………..
وبداخل العيادة في الردهة الفسيحة الخاصة للإنتظار ، سألت ثريا الفتاة الممرضة وهي جالسة بجوار وردة والخادمة سيدة في انتظار دورهم :
– لو سمحتي هو احنا دورنا في الكشف مطول ولا أيه ؟
– لسة في كشف واستشارة قبلكم ياهانم .
قالت الفتاة وهي تجيبها فتدخلت رويدا التي كانت تراقب من قريب .
– لو المريضة تعبانة هاتيها تستريح جوا في اوضة الاستراحة ياهانم ، اصل الدكتور قدامه ساعتين على مايخلص ، ما انتوا الجلسة العلاجية بتاخد في ايده وقت .
سمعت ثريا واقتربت برأسها نحو وردة تهمس لها :
– انت تعبانة ياوردة تروحي معاها في الاستراحة ؟ ولا هاتقدري تنتظري معانا هنا دورك ؟
رمقتها وردة بنظرة غير مبالية كعادتها فردت ثريا :
– خلاص لما تتعب هانبقى نقولك .
عادت رويدا للخلف نحو الحائط التي كانت مستندة عليه من البداية ، وارسلت نظرة ذات مغزى نحو من تراقب خلف الباب في غرفة الاستراحة ، استمر الانتظار لمدة تعدت النصف ساعة ووردة مازالت على جلستها ، وثريا تلعب بهاتفها بغير انتباه والخادمة سيدة تتطلع هي الأخرى للفرصة حتى اصاب الجميع الاحباط، وبحركة جريئة من يمنى، خرجت فجأة من الغرفة بصورة طبيعية اجفلت رويدا صديقتها وعمها يونس الذي تتبعها بدهشة وهي تقترب من وردة ومعها ثريا حتى اذا و
صلت اليهم ، م
تكعبلت قدميها في السجادة بتصنع حتى كادت ان تسقط على وردة لولا انها تماسكت ، ولكن سقط من يدها علبة العصير على فستان وردة .
– يانهار اسود ، انا اسفة ، اسفة جدًا سامحيني
هتفت بها يمنى وهي تنشف بمنديلها الورقي بقعة العصير الكبيرة التي لوثت الفستان ، أجفلت وردة ومعها الخادمة سيدة التي كانت تساعد هي ايضًا و ثريا التي هتفت بجزع :
– نهار ايه دا اللي بتتكلمي عنه ، وانتِ غرقتي فستان البنت .
بررت يمنى قائلة :
– معلش ياهانم ، اصلي اتكعبلت في السجادة وكنت هاقع عليها بس الحمد لله سندت نفسي ، ودي حاجة غصب عني ، بس ملحوقة هاتيها جوا معايا تنشف الفستان تحت المروحة في الاستراحة ، على ما يجي دورها .
– تيجي فين معاكي ؟ وهي تعرفك منين أساسًا ؟
هدرت بها ثريا فهتفت من خلقها سيدة :
– هاقعد انا معاها ياست هانم ، وانتِ استنينا هنا .
تبسم يونس من مكانه وهو يرى نجاح خطة يمنى في اقناع المرأة ، اما صالح فقد كان يشعر بتوقف دقات قلبه وهو يرى شقيقته وهي تقترب من الغرفة بصحبة يمنى والخادمة سيدة ، حتى اذا دلفن اليه بداخل الغرفة ، صفق بابها على الفور ، وازاح الغطاء عن وجهه ، كي ينظر لها جيدًا فشقيقته اصبحت فتاة ناضجة ، اختفت عن وجهها استدارت الطفولة ، ونحت وجهها الأبيض الجميل ، لتزداد انوثة وجاذبية ، يشعر انه طولها ازداد قليلًا ، كما يبدوا انها فقدت الكثير من وزنها ، ولكنه يشعر بأنها لا تعرفه !.
– وردة ، انا اخوكي ياوردة .وردة .
كرر يهتف باسمها عدة مرات بلهفة وشوق ، وهي تنظر اليه بخواء وعدم ادراك ، يكاد ان يق*تله الشوق في ضمها اليه لكنه لايستطيع ، ردد بترجي وهو يومي بكفه نحو صدره اليها :
– بصيلي كويس ياوردة ، انا اخوكي ، بصيلي كويس يا بت ابوي يمكن تعرفيني .
ربتت على ذراعيه يمنى بتهوين مرددة :
– معلش اعذرها ، ماانت عارفها تعبانة .
رددت خلفها الخادمة سيدة ترحب به :
– كيفك ياولدي عامل ايه ؟ انا سيدة فاكرني .
– التفت صالح الى المرأة يجيبها :
– فاكرك والله يا خالتي ، ونفسي اختي كمان تفتكرني .
رويدا التي كانت تراقب بتركيز اردفت قبل أن تجر قدميها للمغادرة ، كي تظل في الخارج وتراقب :
– اصبر عليها يااستاذ ، علاج الحالات اللي زي دي بتاخد وقت في العلاج ، ودي ماكنتش بتتكلم خالص ، حمد لله ان ربنا فك عقدة لسانها اَخيرًا ….
رد صالح بانتباه سريعًا :
– يعني هي بتتكلم ؟ طب ما بترودش عليا ليه؟
قالت سيدة بتاثر وشفقة على حاله
– بترد بس كلامها بيطلع في النادر قوي .
أصاب صالح الإحباط بقوة ، فعاد بجسده ليسقط على الأرض جالسًا ، وقد ارتخت اقدامه ولم تقوى على تحمله ، قبضة قاسية اعتصرت قلب يمنى وهي تنظر الى حزنه وعجزه عن التواصل مع شقيقته الوحيدة وهي امامه وعيناها تقابل عينيه ، ولكنها لا تبدوا انها تعلمه ولا تشعر بوجوده من الأساس ، حتى انها ابتعدت لتجلس على التخت بلا مبالاة ، اقتربت منها يمنى بمحاولة يائسة تضع كفها على ظهرها وشعرها بتدليل :
– بسم الله ماشاء عليكي ياوردة ، دا اخوكي ظلمك لما قال جميلة ، عشان انتِ مش جميلة وبس ، لا ، دا انت تقولي للقمر قوم وانا اقعد مطرحه.
استجابت وردة الى تدليلها بابتسامة رائعة ، خطفت قلب شقيقها واسعدت يمنى التي ، تابعت نحوها:
– شعرك جميل قوي تقليل وناعم كدة ، انت عاملة زي البنات اللي بيجوا في الاعلانات .
نهض صالح ليجلس امام شقيقته على عقبيه ، ليتابع حديث يمنى ، واستجابة شقيقته معها ، حتى هي بدأت تنتبه له ونظرت له مطولًا قبل ان تجفل معه على دلوف رويدا السريع الى داخل الغرفة نحوهم وخلفها يونس ايضًا ، تردد .
– بسرعة يا جماعة لموا نفسيكم وروحوا ، الست اللي برة ابنها البيه جه فجأة وقاعد معاها دلوقت .
هدر صالح بغضب :
– ودا ايه اللي جابة ده دلوقت ؟
اجابته سيدة ببخوف :
– بيجي معانا احيانا ياولدي لما يبقى عايز يطمن على حالتها بنفسه من الدكتور، حن عليك ياولدي قوم بسرعة ، لاحسن حد يشوفك واروح انا في داهية معاك .
تسمر صالح مكانه ، لا يريد المغادرة مع شعوره باستجابتها في النظر اليه ،وكانها بدأت تستوعب حضوره ، حتى اقترب منه يونس يوقفه على اقدامه بقوة :
– مش وقت الضعف دلوقت ، قوم معايا شد حيلك ، خلينا نمشي وننفد بجلدنا، على الاقل يبقالنا فرصة في شوفتها مرة تانية .
انتبه صالح على كلمته فصحح يونس :.
– قصدي تشوفها انت يعنى .
نهض صالح مستلسمًا لسحبه بصعوبة وعيناه لا تفارق شقيقته ؛ التي تعلقت هي الأخرى به وكأنها بدأت تستوعب وجوده ، رغم عدم تفوهها بكلمة واحدة، توقف صالح امام الباب بنزل الغطاء على وجهه خاطبها قائلا :
– راجعاك تاني ياورة ، راجعلك ومش هاسيبك تاني ، بس اظبط ظروفي وارجعلك بابنت ابوي.
– طب يالا بقى جر اتسحب بهداوة واستناني على باب السلم الخلفي وانا راجعلك .
تمتم بها يونس وهو يربت على كتف صالح بتشجيع ، فتحرك الاَخر يمسك بالمقبض ، وقبل ان يفتح الباب القى نظرة اخرى نحوها ونحو يمنى بأعين تغشاها الدموع من تحت النقاب ، بعد خروج صالح التف يونس نحو يمنى التي تسمرت محلها من الحزن:
– دقيقيتين بالظبط وتنزلي عشان تحصلينا ، لو حسيتي بأي قلق اتصلي على طول .
اومأت له يمنى وقبل ان يخرج يونس استدار مخاطبًا وردة :
– انا ماشي ياقمر ، ماشي وهاسيبك ، ااه بس لو الوحد يعتر على واحدة في نص حلاوتك ، يخرب بيتك ياصالح .
………………………
في البلدة وبعد ان عادت ندى متأخرة عن ميعاد رجعوها بساعتين على الاقل ، دلفت لتجد منزلهم تقريبًا خالي من افراده ، حتى اجفلت على صوت ضحكات صاردة بصخب ، من قلب غرفة الجلوس ، تقدمت لتعرف من الضيف ، فاتفاجأت بشقيقتها سمر التي جذيتها من ذراعها توقفها بعيدًا حتى ادخلتها لغرفتهم معًا :
– توك ما جاية ياست البرنسيسة، ايه ياست هانم ما كني استنيتي للمغرب احسن .
اردفت بها سمر نحو شقيقتها التي ردت بتأفف :
– اووف ياسمر عليكي وعلى زنك ، ما قولتلك من قبل ما اطلع ، اني رايحة ازور واحدة صاحبتنا عيانة ، دا انا استأذنت امي كمان .
هتفت سمر بحذر لعدم سماع صوتها خارج الغرفة :
– ايوة قولتي ياندى ، بس ياحبيتي ، المشوار مايخدتش اكتر من ساعتين ، دي زيارة واحدة عيانة ، مش فسحة .
اجفلت ندى من حدة شقيقتها فردت ببعض اللطف :
– اهو اللي حصل بقى يا سمر ، ضحكنا شوية انا وبقية البنات معاها ، وخدتنا الحكاوي ونسينا الوقت، المهم بقى كنت عايزة اسألك ، مين الضيوف اللي مشرفينا النهاردة في اوضة الجلوس؟ وعايز اعرف كمان ، هو ابويا سأل عليا ولا لأ ؟
تكتفت سمر تجيبها بامتعاض :
– اطمني ياختي مسألش عليكي ، عشان هو مارجعش لسة من برة اصلًا ، واما عن الضيوف بقى فدى تبقى عمتك ، روحية، اصلها وصلت النهاردة من اسوان ، وسألت عليكِ على فكرة .
تبسمت ندى تردد بسعادة :
– الله ، دي وحشتني قوي وربنا ، انا هاروح اسلم عليها .
– استني هنا الاول .
اوقفتها سمر تجذبها من ذراعها ، استدارت اليها الأخرى تسأله باستفسار :
– بتوقفينى ليه بابنتي؟ هو في ايه بالظبط ؟
ردت سمر من تحت اسنانها :
– ياناصحة يافالحة انتِ ، ناسية ان عندينا صالح ، وعمتك لو شافته وعرفت بقصته مش بعيد ، تعمل مصيبة وتفضح الدنيا .
استوعبت ندى تردد بصدمة :
– يانهار اسود ، ايو صح دا انا كنت ناسية ، طب احنا هانعمل ابه دلوقتي؟
…….
الفصل ٢٣
فتحت سمر الباب الخلفي للمنزل ليتسلل منه الأربعة في الداخل ؛ يمنى وصالح ، ويونس ، وسالم ، بعد تنبيههم لهم من قبلها سابقًا في الهاتف؛ بوجود الزائرين الجدد في المنزل :
– هي عمتك في البيت بقالها فترة طويلة يابت؟
سأل سالم مخاطبًا سمر والتي أجابته على الفور :
– ايوة يابوي، اصلها جات من العصرية واحنا دلوكت الساعة داخلة على تمانية العشية ، وطول الوقت كانت بتسأل عليكم انتوا التلات واحنا كل شوية نطلعلها بحجة شكل .
– وه دا احنا دي تلاقيها قلقت على كدة .
قال يونس وهو يخلع الشال الصوفي من رقبته، فرد سالم بسأم :
– واحنا كنا نعرف يعني بجيتها، ماهي اللي طبت فجأة كمان ومدتناش فكرة بتلغراف ولا حتى تلفون .
اردف يونس بحيرة :
– ايوة بس احنا دلوك هانقولها ايه ، انه حجة دي اللي هانبرر بيها غيابنا احنا التلاتة، طول الوقت ده ؟
– اي حجة ياعمي وخلاص ، عمتي روحية طيبة أساسًَا وما افتكرش انها هاتكدب حد فينا ، المهم دلوقت ؛ احنا لازم نفكر ونشوف مكان لصالح يبات ويقعد فيه ، بعيد عن عمتي .
قال صالح من جهته ، وهو يقوم بخلع الرداء النسائي الأسود
ومعه غطاء الوجه :
– ياجماعة ماتشلوش همي ، انا هاطلع دلوقت ، اتصرفلي في نومة في جمب مداري في البلد ، ولو غلبت يعني هاطلع عالجبل ، ما انا ليا عشة هناك كنت قاعد فيها قبل ما اجيلكم .
هدر عليه سالم بصوت خفيض :
– تطلع الجبل كيف انت كمان ؟ هو انت ناقص لديب ولا حاجة عفشة هناك تهجم عليه في الدنيا الضلمة دلوقت .
تبسم له صالح وهو يتحرك لينزل بجسده جالسًا على حجر كبير وجده أمامه ، في ارض الحديقة :
– ياعم الوحوش والديابة امرها هين ، طلقة في الهوا وهاتخوفهم وتبعدهم عني ، انا خلاص اتعودت عليهم .
– طب والبرد الشديد اتعودت عليه برضوا كمان ؟
سألته يمنى برد فعلِ غاضب اثار الحنين بقلبه نحوها ، وتابعت :
– انت جسمك ضعيف وراسك لسة جرحها مطابش ، يعني انت مش حمل برد ولا انفعال حتى .
رد سالم أيضًا :
– عندها حق ياولدي ، دا السقعة في الوقت ده تنشف الدم وتجمد الحي في مكانه .
– ايوة انتوا الاتنين يعني هاتبيتوه فين يعني ، بعد الكلام والحديت دا كله .
اردف بها يونس بسأم ، فوجد الإجابة من ناحية أخرى :
– انا عملت حسابي من قبل ما تيجوا يابوي ، فرشت للأستاذ صالح في اؤضة الخزين بتاعة الغلة وحبوب القمح ، دا لو يرضى يعني .
قالتها سمر وهي تنظر صالح بخجل ، اثار ابتسامة داخله لقرب شبهها من طباع شقيقتها يمنى، فقال مشفقًا :
– وانا ليا حق اعترض واكسفك بعد ما قدرتيني وافتكرتِ فيا يااا.
– اسمها سمر ياولدي .
قالها سالم وأكمل له :
– كدة حلو قوي ، يالا انت روح مع سمر دلوك هاتوديك لفرشتك ، واحنا بقى هانلف وندخل من الباب التاني عشان نسلم على اختي ، ياللا يايونس ياللا يا يمنى .
اردف بكلماته الاَخيرة وهو يتحرك للخروج ، فتحرك خلفه شقيقه ، لكن يمنى تثاقلت اقدامها في التحرك ، بعد أن ذكرها برحيله المحتوم ، هتف ابيها بحزم :
– جري رجلك شوية يايمنى ، خلينا نطلع واختك تقفل الباب من جوا ، أومأت هي لأباها ثم خرجت بعد أن تقابلت عيناه بعينه حتى اختفت من أمامه ، تنهد صالح بثقل وكأنه يشعر بما تقوله بأعُينها
………………………..
– عمتي روحية ، حمد الله عالسلامة ياجميل .
هتفت بها ندى بمرح فور أن طلت برأسها لداخل غرفة الجلوس ، التفتت اليها المرأة بصيحة هي الأخرى :
– اهلًا بالسنيورة الحلوة ندى ، تعالي بابت سلمي ، وحشتيني يابت الفرطوس .
دلفت اليها ندى راكضة بمرح ، فتلقفتها عمتها بالعناق وهي تقبلها باشتياق وهي تنكزها بقبضتها قائلة :
– ماتعرفيش تتصلي وتكلميني مع حتى مع امك في التلفون ، صغيرة انتِ على السؤال على عمتك يابت ؟ ها قوليلي صغيرة ؟
قهقهت ندى بضحكة جلجلت في قلب الغرفة ، فهتفت نجية من الناحية الأخرى :
– وطي صوتك يابت وخفي الضحك شوية ، في شباب في الأؤضة هنا قاعدين .
نزعت ندى من أحضان عمتها على الفور ، فقالت روحية مخاطبة لها :
– سيبك منها يابت مافيش حد غريب ، دا واد عمتك عيد مش فاكره؟
التفتت ندى على الجهة التي تشير اليها فتقابلت عيناها بأخرى بنية على وجه أسمر ضاحك حتى ظهرت أسنانه البيضاء ، يقول لها :
– انا مش حد غريب ، انا واد عمتك ، يعني اضحكي وخدي راحتك في الضحك كمان .
انخفصت عيناها من الخجل امامه مع ابتسامة كبيرة حاولت اخفائها ، لتجفل على نكزة أخرى من عمتها وهي تخاطبها :
– ما قالك انه مش غربب ، اتحركي يالا وروحي سلمي عليه .
خطت مضطرة نحوه حتى وصلت اليه لتمد اليه كفها على استيحاء ، قابله هو بمرح وهو يردف لها :
– وه وه وه ، دي بتتكسف صح ياجدعان ، الله يرحم خنقاتها معايا واحنا صغيرين ، فاكرة لما زقتيني في حوض الميا وابوكي بيسقي الأرض زمان ؟
انطلقت الضحكات الصاخبة من الجميع في قلب الغرفة ، وضعت هي كفها على فمها تداري ضحكتها ايضًا وتبتعد بخجل عنه ، قالت روحية بمشاكسة لابنها :
– ما انت اللي كنت خايب وحيلك مبتوت ، تعملك ايه هي بقى ؟
– لا والله ياما عمري ماكنت خايب ، دا هي اللي كانت عفريتة ودايمًا تاخدني على خوانه ومن ضهري ، صح ولا لاه ياندى ، عيني في عينك كدة وكدبيني لو كنت بتكلم غلط ، ها قولي ان كنت بتكلم غلط .
هزت برأسها اليه ، غير قادرة على الرد من فرط ضحكها أمامه ، هتفت روحية من خلفها :
– اهي اللي كانت عفريتة زمان ياخوي ، كبرت وادورت وبقت عروسة تملى العين والقلب ، ناقصها غير فارس خيال .
اومأ برأسه ضاحكًا يردد بمكر :
– ايوة ماانا واخد بالي .
واخد بالك من ايه ياناصح ؟
رددها خلفه سالم بمرح وهو يدلف الغرفة وخلفه يونس ويمنى أيضًا ، هتفت على اثره روحية وهي تنهض بتهليل :
– وه يامرحب يامرحب بالناس اللي غايبة من الصبح ومحدش شايفها .
– لساكي برضوا لسانك مسحوب ياروحية يابت ابوي .
قالها سالم قبل ان يعانق شقيقته ويرحب بها بشوق لقاء الأحباب .
………………………..
بعد قليل كان الجميع مجتمعون على مائدة الطعام ، بتناولون وجبة العشاء في جو اسري افتقده الأشقاء منذ زمن طويل ، قالت روحية بمشاكسة كعادتها مخاطبة نجية :
– اهو وكلك الحلو ده يانجية ، هو اللي مخلي اخويا ماسك فيكي بيديه واسنانه .
ردت نجية على مشاكستها :
– يعني من غير الوكل الحلو ، سالم ما هايمسكش فيا بآيديه وسنانه ، طب انت ايه رأيك في الكلام ده ياابو العيال ؟
– رأيي ان اختي رأيها صح ؟
قالها وصمت يرى رد فعل زوجته التي سهمت بصدمة ، فعاد يردد ضاحكًا سالم :
– وانت كمان صح يام العيال ، هو انا اقدر استغني عنيك حتى لو ما طبختليش واصل حتى .
ضحك الجميع وتفاخرت نجية بزهو امام روحية التي تابعت موجهة خطابها لشقيقها الأصغر :
– واخد بالك انت ياحزين ، مش ناوي بقى تحل عقدتك انت كمان وتمسك في واحدة بيديك وسنانك ، ياواد عديت التلاتين سنة .
تأوه يونس بفكاهة قائلًا :
– يا بوووووي ، عليكِ يابت ابوي ماتفكرنيش ، دا انا لو عليا لكنت اتجوزت من عشر سنين وعبيت البيت بعيالي ، لكن اعمل ايه بقى في نقص الفلوس، ها قوليلي اعمل ايه ؟
ضحكت روحية بصوت عالي مرددة :
– ههههه كنت عايز تتجوز على عشرين سنة يايونس ، يخرب مطنك ، دا على كدة واد اختك عيد كمان كبر زيك مدام اهو هايقفل ٢٤ سنة .
– لا كدة بقى اللحق نفسي ياما .
قالها عيد ردًا على والدته واكمل وعيناه تركزت على ندى :
– على العموم انا برضك نفسي اتفتحت وعايز امشي على نصيحتك ياخال ، جوزيني يامااا.
انطلقت الضحكات مرة اخرى حتى اصبحت بقهقهة على دعابة عيد وجرأته، حتى التفتت روحية على يمنى التي كانت تبتسم بمجاملة شعرت بها عمتها فخاطبتها:
– وانت يا يمنى يا حتة بسبوسة انتِ ، بكرة ربنا هايكرمك بواحد حلو زيك كدة .
سبقت نجية في الرد ابنتها ورددت لروحية :
– والنبي يا حبيبتي ، العريس اللي زي العسل موجود ، بس هي تقول امين وتوافق .
التوى ثغر يمنى وقد علمت بما تلمح اليه والدتها ، ولكن اباها كان قام بالرد عنها :
– عسل ولا بصل حتى ، كل شئ نصيب، وهي نصيبها قاعد بأذن الله .
– والنبي عندك حق يا خوي في كل كلمة ، فعلا كل شى نصيب ، وكل بنت ومسيرها لبيت جوزها، مهما طال الزمن او قصر .
رددت روحية خلف شقيقها ، الجمت بكلماتها نجية على التكملة فيما تود التحدث فيه ، شعرت يمنى ببعض الارتياح ، ولكن مع تذكرها لصالح ونومته اليوم بين اشولة الغلال والحبوب ، شعرت بغصة في قلبها تحجر اللقيمة التي تمضغها وتجعل من الصعوبة في ابتلاعها ولو حتى بالماء .
…………………………..
بعد انتهاء وجبة العشاء استمرت السمر بين روحية واشقائها ، واولادهم ، بالتحدث عن الذكريات القديمة ومواقف الطفولة بينهم ، وسخريتهم منها ، اندمجت ندى مع هذا الجو الاسري الجميل المرح ، ودعابات ابن عمتها هذا المدعو عيد وخفة ظله في اطلاق النكات ، بالإضافة الى تلميحاته نحوها بمكر يجعلها تشعر بالسعادة والفرح نحوه ، انتبهت على دوي هاتفها بالرقم الذي باتت تحفظه عن ظهر قلب ، زفرت داخلها ، تنظر للرقم بسأم وملل ، وهي لا تريد ترك الجلسة الجميلة هذه ، ولكن مع الحاحه اضطرت ان تستأذن للذهاب والرد على مكالمته بامتعاض ، تحركت بخطواتها لتبتعد عن الجمبع حتى دلفت لداخل الحديقة كالعادة ، ثم ردت على مضص :
– الووو……. ايوة ياكرم
وصلها صوته الملتهف بسرعة :
– ايوة ياندى ، توك ما افتكرتي تردي عليا ، برن عليكي فوق المية ، وانتِ ولا سائلة حتى برسالة على الوتس ، تحنى عليا بيها .
لوت ثغرها بضيق وردت ببعض اللطف :
– وانت عايزني ارد ليه يعني ياكرم ؟ ما انا قولتلك على اللي فيها ؛ ابويا مش موافق ياسيدي ، اعمل ايه انا بقى .
صاح بصوت جهوري يوشك على خرق اذنها :
– انتِ بتساليني ياندى ؟ ماتعرفيش توقفي في وشه وتتمسكي بيا ، ماتعرفيش تقوليله انا هاموت لو ماقبلتش بكرم خطيب ليا ، ماتعرفيش تهدديه بعدم جوازك العمر كله بواحد غير كرم .
فغرت فاهاها وهي تنظر للهاتف غير مصدقة لما يطلبه منها ، والحدة التي يتفوه في توجهيها لشئ غير مقتنعة لفعله .
– مابتروديش ليه ؟
قالها اخيرًا حينما استمرت على صمتها ولم ترد عليه ، فقالت هي بهدوء :
– بقولك ايه يا ابن الناس ، ماتسيب كل حاجة بإيد ربنا ، واللي يريد بيه ربنا يصير .
ردًا على كلماتها سألها بريبة :
– تقصدي ايه بكلامك ده ياندى .
اجابته بنفس الهدوء غير مبالية بحالته :
– يعني لو لينا نصيب بعض تمام ولو مافيش خلاص بقى ، لأن انا بصراحة مش هاقدر اعصى ابويا ولو على موتي حتى ، ماشي ياواد الناس ، سلام بقى عشان بيندهوني .
اغلقت المكالمة وذهبت عائدة لجلستها ، غير مكترثة لما قد يحدث منه بعد ذلك ، وغافلة عن من وقف بمحله متسمرًا بنظر في اثرها بدهشة ، بعد ان خرج بالصدفة من مخبأه ، وسمع لجميع ما قد قيل في المكالمة ، فوضعت بقلبه الحيرة ، انسته همه وماكان يشغل عقله من دقائق صغيرة ، قبل ان تدلف ويراها بداخل الحديقة .
…..
الفصل الرابع والعشرون
استيقظ على صوت طرق الباب ؛ الذي اختلط مع اصوات العصافير التي ضجت بتغريدها على اغصان الشجر في الحديقة ، فتح عيناه ليرى الظلمة قاربت على الإختفاء بالغرفة ، مع تسلل خيوط ضوء الصباح ؛ ماببن نوافذ الغرفة ، وطاقة صغيرة مفتوحة في أعلى الحائط ، اعتدل بجسده لينهض من فرشته التي كانت موضوعة على الأرض ، ولكن الباب دفع فجأة ودلف منه محمد كالعادة .
– يخرب بيتك . دي عملة تعملها ، هتفت بها وهي تدلف خلفه بصنية للطعام ، رد محمد بعند وهو ينظر نحو صالح :
– ما انت صاحي اها ، سايبنا ليه نخبط عليك بقالنا ساعة ؟
ابتسم صالح على مشاكسته كالعادة دون أن يرد فقالت يمنى :
– انا اسفة ، بس انت اكيد بعد الوقت دا كله عرفته بقى ؟
– عرفته قوي .
قال صالح وهو يدنو من محمد وهو يقبله على وجنته بقوة اثارت اشمئزاز محمد وهو يردد :
– مابحبش حد يبوسني ياعم ، ايه هو ده ؟
انطلقت ضحكة مرحة بصوت عالى من صالح اثارت حنق محمد الذي ارتد للخلف خارجًا ، انا ماشي اكمل نومتي .
– محمد استنى يازفت .
هتفت يمنى ليعود، ولكنه اكمل طريقه دون أن يلتفت لها ، فخاطبها صالح من خلفها :
– سبييه يا يمنى ، خليه يروح يكمل نومه ، انت صحتيه بدري ليه بس ؟
راقها سماع اسمها منه، ولكنها عادت تردف بثباتٍ كاذب :
– يعني انا حبيت بس انه يساعدني وانا جاية وماسكة الصنية .
ابتسم لها وهو يجلس على أحد ألأشولة الموضوعة على الارض قائلًا :
– يعني مش عشان مكسوفة .
– لا مش مكسوفة ولا حاجة، عن اذنك .
قالت وهي تنفي برأسها كذبًا ، بعد ان توترت بملحوظته وهمت لتنسحب كالعادة ، ولكنه أوقفها :
– استني والنبي يايمنى ما تمشيش .
توقفت بمحلها وساألته بروتينيه :
– عايز حاجة يعني اعملهالك ؟
هز برأسها صامتًا بوجه مبتسم ، وكأن عيناه هي التي تتحدث وحدها ، ازداد توترها فقالت :
– صحيح انا كنت عايزة اطمنك ، النهاردة العشية بإذن الله هاتبيت في فرشتك ، اصل عمتي وابنها كانوا جاين في مشوار صد رد، يعني هايروحوا على بلدهم النهاردة .
اختفت ابتسامته وحل محلها شئ اَخر ، فقال :
– لا مش قلقان من الموضوع ده ، عشان بصراحة يعني ، انا كمان ماشي .
اختفى تماسكها بمجرد سماعها لجملته ، فسألته بوجه شاحب :
– تمشي ليه ؟ مش لما تطمن على نفسك كويس الاول ، وتشوف هتنام ولا تعيش ازاي بعد كدة ؟
رد مبتسمًا لها بشحوب :
– لا ماتشليش همها دي ، اللي خلاني دبرت نفسي في الاول ، يقدرني ادبر نفسي في اللي جاي ، المهم دلوك بقى …..
قطع جملته فسألته هي باستفسار :
– ايه هو المهم بقى ؟
– انتِ يا يمنى .
– انا !
اردفت بها مندهشة فتابع هو :
– ايوة انتِ ، بصراحة نفسي اطلع اللي جوا قلبي ، واقولك ان انت احلى حاجة حصلتلي في حياتي ، سوا في النص الاول منها لما كنت ابن زوات والدنيا فاتحالي دراعاتها ، او بقى في النص التاني ، وانا تعبان في عز ضيقتي وما يعلم بحالي غير ربنا .
تسمرت بمحلها ، لا تعلم بما ترد عليه ، اردف يكمل :
– انا عارف ان اكيد كلامي مالوش فايدة معاكي ، لأني زي ما انتِ عارفة كدة ، راجل مالوش مستقبل ، دا غير القضية الجديدة اللي عليا ، بس انا كنت هاموت لو ماقولتش ولا حكيت اللي في قلبي ليكي ، انتِ صافية قوي يا يمنى ، وجودك بس في حياتي الايام اللي فاتت كان كيف البلسم اللي اتحط على جرح بقالوا سنين وجاه في دقيقة طيبوا ، انا مش طالب منك حاجة يايمنى ، عشان انتِ غالية قوي ، انا كل اللي طالبوا بس ، انك لو شوفتيني في مكان ، وانا براقبك واطل عليكي ، ماتخافيش ولا تكشي مني ، سيبني اكحل عيني واريح قلبي برؤياكي ،
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تنظر اليه بعجز ؛ لا تملك القوة في الكذب وادعاء عدم المعرفة ، ولا الحق في التشبث به وافراغ ما يكنه قلبها اتجاهه .
– انا عارفة وحاسة بكل كلمة انت قولتها ، اللي في قلبك واصلني من غير ماتتكلم ولا تبوح بيه ياصالح، بس انت قولتها بنفسك ، مافيش أمل…
توقفت الكلمات بحلقها وابتلعت غصتها وهي تنظر اليه دون خجل هذه المرة بعد ان انزاح الستار الذي كان تحجب بها مشاعرها عنه ، فقالت اَخيرًا :
– خلي بالك من نفسك ، وياريت تحاول تلاقي طريقة تتواصل بيها مع …….. الناس اللي بتعزك وبتحبك .
اردفت بكلمتها الاَخيرة وتحركت تركض من أمامه هاربة ، حتى وصلت لغرفتها تفرغ شهقاتها بالبكاء الحارق ، وقلبها يأن بداخلها من هذا الألم الموجع ؛ الم الفراق والعجز في التقرب الى من تحب .
……………………..
– اعمل حسابك يامرة انتِ قعدتك دي ماتتحسبش زيارة عشان تبقي عارفة .
تفوهت بها نجية بعتب المحبين نحو شقيقة زوجها التي كانت تلف شالها حول رأسها ، ردت روحية بضحكة صاخبة :
– ماتحسبيهاش ياختي ، عشان انا اصلًا ليا جيا قريب ، وهاقعد بالايام كمان ، ولا ايه رأيكم يابنتة ؟
قالت الاَخيرة موجهة نظرها نحو الفتيات سمر وندى التي قالت بمرح :
– تعالي ياعمتي واقعدي بالشهر كمان ، دا انت قعدتك حلوة قوي .
– ياختي يحلي دنياتك يابت ياقمورة انتِ تعالي هنا.
قالت روحية وهي تقترب منها وتقبلها بسعادة على وجنتيها ، هدر من خلفها عيد قائلًا بفكاهة :
– براحة ياما على البت لتفعصيها ، سبيها لصاحب نصيبها .
اردف الاَخيرة بصوت ماكر وخفيض اثار ضحك الجميع ، فقالت روحية بمكر هي الأخرى :
– انا عارفة مين هو صاحب نصيبها ، وان شاء الله يتم اللي في بالي .
لكزت سمر بمرفقها شقيقتها التي كانت تضحك بخجل ، فصدح الصوت الجهوري من قريب :
– العربية الأجرة وصلت يابت ابوي ، جاهزة انتِ وولدك ولا اقول للسواق يستني؟
– لا ياواد ابوي احنا جاهزين وخلصنا .
قالت روحية وهي تتحرك للخروج مع ولدها ، اردف سالم مرددًا لهم :
– طب حتى كنتِ استنوا جية يونس من السوق ، اهو يسلم عليكم بالمرة .
رد عيد من جهته :
– معلش ياعمي ، احنا كدة كدة جاين قريب.
– تاَنسوا وتشرفوا ياولدي .
قالها سالم وهو يتحرك للخروج معهم ، ولكنه توقف فجأة على جذب ذراعه من يمنى التي خرجت فجأة من غرفتها ، فهمست له بجانب اذنه ببعض الكلمات ، قطب على اثرها سالم سائلًا بدهشة :
– يمشي كيف يعني ؟ ازاي الكلام ده ؟
………………………………
– هامشي زي الناس ما بتمشي ياعم سالم ، ماهو خلاص بقى ملهاش لازمة القاعدة أكتر من كدة .
قال صالح ردًا على سؤال الرجل والذي أردف :
– ياولدي انت لسة راسك لساها مخفتش ولا حتى الجرح اللي في كتفك لم زين، استنى لما ربنا يعفي عنك بالمرة .
ابتسم صالح بمودة قائلًا للرجل :
– كل ده هين ياعم سالم مدام ربنا قدرني امشي على رجلي ، بعد كدة كل شئ بهون .
ارتسم الحزن على ملامح سالم وهو يردد بصوت خفيض :
– يكون زعلت ياولدي لما بايتناك امبارح في اؤضة الخزبن ، بس ياولدي انت عارف ماكنش ينفع اختي تشوف………
– والله عارف ياعم سالم ومزعلتش لا.
قال صالح بمقاطعة وتابع :
– انا بس فكرت وشوفت الوضع كويس، يعني لو حد شافني في بيتك دلوك ، هاترد عليهم انت وتقول ايه ؟ دا غير كمان الحكومة وق*تل شعبان ؛ اللي انا مش عارف اي حاجة في تطوارته ، متنساش كمان السمعة اللي لبستني زور ؛ مش عايز حد يعرف صفتي ويجيب يعني اسم بناتك في أي حاجة شينة بالافترا ، الناس ملهاش غير الظاهر .
قال الاَخيرة بصوت خفيض وبه الخزي ، فردد سالم اليه بقوة :
– والله ياولدي ، انا عاشرتك وابصم بالعشرة على اخلاقك وأصلك الطيب ، بس انت قولت ، الناس ملهاش غير الظاهر ، منه لله اللي شوه سمعتك .
اومأ له صالح بابتسامة بزواية فمه :
– اهو راح عند ربنا ياعم سالم وفي دار الحق دلوك ، ربنا اولى بيه .
حدق به قليلًا سالم يزن برأسه كلمات صالح التي اصابت الحقيقة ثم أردف مستسلمًا :
– طب مدام كدة بقى اقعد قضي اليوم معانا وخلي المشي يبقى بالليل ، عشان الليل ستار واهو بالمرة تلحق تسلم على يونس ، ولا انت مش عايز تسلم عليه ؟
رد صالح بابتسامة على مشاكسة الرجل :
– حرام عليك ياعم سالم ، هو انا لدرجادي غبي يعني؟ عشان مقدرش جدعنة الراجل معايا في اَخر ايامي معاكم ؟
– لا ياولدي اسم الله عليك من الغباوة ، انا بس بنكشك .
قالها سالم على ركبته بدعم ، ولكنه اجفل على دلوف محمد اليهم فجأة هاتفًا :
– يابوي يابوي ، في ناس ضيوف جاين يشوفوك .
قطب سالم يسأله باستفسار :
– ناس مين يامحمد كمان اللي جات وانا اختى هي وولدها توهم مروحين على بلدهم ؟
…….. ………………
– بتقولي مين ياسمر ؟ انتِ متأكدة من كلامك ده ؟
سألت ندى بجزع شقيقتها ، لا تصدق ما تفوهت به امامها ، ردت الأخرى بتأكيد :
– يابت بقولك هو نفسه الشاب اللي جه عندينا سابق ، انا شوفته بنفسي وعرفته، بس دا جدع بارد قوي ، مدام رفضناه، يبجي بيتنا تاني ليه ؟
انسحبت الدماء من وجه ندى وهي لا تدري سبب هذه الزيارة المفاجئة منه بعد ان اغلقت الموضوع حينما أبلغته برفض والدها ، ترى لماذا أتى الَان وماسبب الزيارة الكريمة ؟ ذهبت عيناها نحو حقيبتها وهي تتذكر السلسال الذهبي الموجود بها .
– يانصبتي ليكون جاي يفضحني ويقول لابويا عليها ، انا نسيته ازاي بس ده ؟
تمتمت بها محدثة نفسها بصوت خفيض لفت نظر شقيقتها :
– انت بتكلمي نفسك ياندى؟ لتكوني كمان عايزاه الحزين ده ، وترجعي بقى تتقمصي وتعمليها موال من تاتي مع ابوكِ وامك .
نفت برأسها ندى ، فقالت وهي تزدرد ريقها بتوتر :
– هو ابوكي قاعد معاه فين دلوقت ؟
– في المضيفة اللى برة البيت ، اصل ابوكي مارديش يدخلوا البيت ولا اؤضة الجلوس حتى .
…………………………….
كان سالم يستمع اليه صامتًا ، مضيقًا عيناه بتفكير؛ لكل كلمة او فعل يصدر منه اثناء حديثه حتى اجفل اليه سائلًا :
– ساكت ليه يا عم سالم؟ ماتتكلم وقول حاجة بدل ما انا قاعد كدة وكأني بكلم نفسي .
رد سالم بهدوء :
– يعني عايز اقول ايه بس ياولدي ، لا حول ولا قوة الا بالله .
– يعني ايه مش فاهم ، فسر كلامك معايا ياعم سالم .
زفر سالم بداخله قبل ان يميل اليه قائلًا :
– افسر واقول ايه بس ؟ ياولدي انا قولتلك من المرة اللي فاتت ، انا مش هاجوز بتي لحد غريب ، دا سلو بلدنا واحنا ماشين عليه ، يعني مش عيبًا فيك ولا في اصلك لا سمح الله ، عشان تيجي تكُرلي تاريخ عيلتك والناس الكبيرة فيها .
– ياعم سالم هو انت هاتجوز بتك برة البلد ، دي هاتبقى في نفس المحافظة معاك ، يعني بمواصلة عربية هاتبقى عندها ، دا غير اني موافق على اي شرط انت تقول بيه ، ولو طلبت نجوم السما هاجيبها انا لندى ومش هاقول لا .
قالها كرم بمحايلة فكان رد سالم :
– ياولدي هي غنيوة ؟ ماانت قولت الكلام ده المرة اللي فاتت ، واتكلمت على ظروفك المرتاحة وانا برضوا سمعت منك وقولت ، ايه اللي هايخليني اغير رأيي تاني ؟
– اللي يخليك تغير رأيك هو ان بتك عايزاني .
قالها بدون تفكير ، فاحتدت عيناه سالم وقال موجهًا اليه بغضب :
– انت واعي للكلام اللي انت بتقوله ، دا يطير في رقاب .
ازدرد ريقه كرم ورد على تخوف :
‘- ياعم سالم انا مابطلبش منك حاجة عفشة ولا شينة ، انا كل اللي طالبه منك هو حلال ربنا ، من واحدة انا بحبها ، الحب حلله ربنا ، يعني ارحم انت بقى وحس بينا ، انا عايزها وهي عايزاني تقف ليه انت في طريقنا وتحرمنا من بعض .
صمت قليلًا سالم يحدق به بنظرة مرعبة قبل أن ينهض فجأة قائلَا بصوت خفيض ومريب :
– اسمع ياض ، انت تلم نفسك من هنا وعلى موقف البلد عدل ، قبل مااخسر حباية العقل اللي فاضلين جوايا واطلع بندقيتي اخلص عليك وادفنك حي مكانك ، وملكش عندي ديه .
نهض كرم يرد باحتداد متسارع الانفاس :
بس انت كدة هاتبقى راجل ظالم ، بتحرمني من اعز حاجة عندي ومن حلال ربنا ، انا مش جاي اشحت منك .
أومأ له سالم برأسه نحو الباب بأعين مخيفة وهو يجاهد لعدم التهور :
– كلمة تاني ومش هاسمي عليك ، على الباب اللي قدامك ده دلوقتي حالاً ، اخلص يااااض .
…………………………….
وعند صالح الذي كان مستلقي في فراشه بعد ان فارقه الليلة الفائتة ، انتفض فجأة على صوت الصراخ الخارج من قلب البيت ، اعتدل بجزعه وخرج سريعًا على مصدر الصوت ، ليجد يمنى ووالدتها وسمر ملتفون حول سالم ، يحاولون للفصل بينن وبين ابنته ندى التي كان ممسك بشعرها بقوة وهو يهدر عليها :
– ردي يابت الكل……. الواد ده ، انتِ اللي باعتاه ولا لأ.
ندى وهي تصرخ بين يديه متألمة :
– والله مااعرف بجيته يابوي ، هاتلي مصحف وانا احلف عليه قصادك .
صاحت نجية على زوجها :
– بتقولك انها ماتعرفش ، سيبها ياسالم البت هاتموت في يدك .
مع اصرار سالم ، تقدم صالح على تردد ليحاول معه هو الاَخر :
– صلي على النبي ياعم سالم، ايه لزوم الضرب بس ؟
هتف سالم بقوة مخاطبًا ابنته :
– امال الواد ابن الفرطوس دا جايب الجرئة دي منين ؟ يدخل بلد غريبة ويلح في طلب الجواز ، لا وكمان يقولي بتك عايزاني ، عرف منين ان انتِ عايزاه يابت الكل……
جحظت عيناها ندى وارتشعت شفتاها وقد اصبح وجهها كتلة حمراء ، فقالت ببكاء:
– كداب يابوي والنعمة كداب ، انا قولتلك انه بعتلي واحدة قريبته تسالني ، يمكن هي اللي الفت من مخها ، ولا هو اللي بيتبلى عليا ، انا ايه ذنبي ياناس ؟
ضغط صالح بقوته حتى فرق الرجل عن ابنته التي ارتمت في حضن شقيقتها يمني تشهق باكية بصوت عالي ، فقالت نجية بغضب :
– واحد بارد ورامي دمه علينا ، ايه ذنب البت عشان تيجي وتنشدلها كدة ، دي مش عوايدك دي ياابو محمد .
تلاحقت انفاس سالم وهو يجاهد لضبط النفس :
– انا دمي بيغلي والشيطان صورلي مية حاجة قدامي ، الواد ده كان هايخليني ارتكب ج*ريمة دلوقت، اعمل ايه انا بقى لما الاقي واحد يقولي جوزني بتك ياظالم وماتحرمناش من بعض .
التفتت الجميع بذعر نحو سالم بعد سماع جملته حتى ندى التي توقف بكاءها فجأة، فقالت نجية بازدراء :
– واسمه ايه الحزين ده اللي بيخربط بالكلام ده
يقطعه ياشيخة ويقطع سيرته
قال اسمه كرم قال
التفت صالح نحو ندا بعد سماع الاسم ينظر إليها بصدمه وقد تذكر محادثتها أمس مع شخص ما بنفس هذا الاسم.
….
الفصل ٢٥
دافنة وجهها في جبلبابه بين يديها تتنشق رائحته وكأنها الحياة، وهي تبكي بحرقة ألم الفراق ، متى جاء وكيف تغلغل عشقه بداخل قلبها لاتعلم ؟ كيف ستقضي الباقي من عمرها وقلبها معلق بعشقٍ مستحيل لاتعلم ؟ كيف لها أن تتزوج من رجل اَخر وهناك من امتلك وجدانها بل والنفس الذي تتنفسه لاتعلم ، نزعت الجلباب عن وجهها بصعوبه بعد أن اغرقته بدموعها ، لتطويها داخل الحقيبة الجلدية الصغيرة ومعها بعض الاشياء الخاصة به كالمحفظة وبطاقة الهوية التي اظهرت صورته بها كم كان جميلًا ووسيمًا قبل سجنه وظلمه ، وضعت معه ادويته وبعض الأشياء الضرورية التي قد تلزمه في منفاه طريدًا في الجبل.
– بت يا يمنى خلصتي ترتيب الشنطة :
قالت نجية بعد أن دلفت فجأة لداخل الغرفة دون استئذان ، مسحت يمنى بكفها على وجهها لتمحو اَثار الدموع العالقة ، ولكن قد فات الاوان .
– كنتِ بتقولي حاجة ياما ؟
قالت يمنى وهي تلتفت لوالدتها التي تسمرت محلها بعد رؤية ابنتها ، ردت نجية وهي تناولها حقيبة بلاستيكية كبيرة :
– كنت جاية اسألك خلصتي ترتيب الشنطة ولا لسة عشان اديكي الكيس دا تحطيه جمب حاجة صالح .
قالت يمنى تداري ارتباكها :
– في ايه اللي حطاه الكيس ده ياما ؟
– الكيس ده في وكٌل ونواشف يقضي بيها ايامه على ما ربنا ياخد بيده ويشفى عنه هناك .
قالت نجية ، فردت يمنى بابتسامة شاحبة :
– كويس ياما ، كويس قوي ، دا هايدعيلك اكيد .
قالت نجية بمغزى :
– انا مش عايزاه هو يدعيلي، انا كفاية عليا انتِ بس تفوقي لنفسك ، وتطلعي من الأوهام اللي انتِ عايشة فيها .
حدقت في والدتها بصدمة فتابعت نجية:
– كان قلبي حاسس من الأول بس كنت بكدب نفسي ، اصحي يايمنى وقومي اغسلي وشك وتعالي برة اقعدي معانا زيك زي بقية اخواتك ، صالح حبناه ولا كرهناه برضك في الاَخير ماينفعكيش وانت عارفة من غير ماقولك ، صح ولا لاه يابت بطني ؟
اومأت برأسها لها يمنى بأعين دامعة تظهر حجم الالم بصاحبها:
– صح ، صح قوي ياما .
……………………………..
بوسط الردهة الفسيحة للمنزل كان جالسًا بينهم على كنبة خشبيه بجوار سالم ومحمد ، والبنات سمر وندى في الجهة الأخرى ومعهم والدتهم التي انضمت اليهم اخيرًا ، بعد ان فرغت من مجموعة الاطعمة التي احضرتها لصالح ، يتعرف ويتسامر معهم بعد ان قضى معظم اليوم بينهم وتناول وجبتي الغذاء والعشاء معهم، وكأنه احد أفراد الأسرة .
– يعني انتِ على كدة في ثانوي عام بقى ياسمر ، طب حلمك تطلعي ايه ؟
ردت سمر بتفاخر على سؤاله :
– ناوية بآذن الله ادخل هندسة ، عشان انا شاطرة في الرياضيات وبجيب فيها النهائيات .
– ايوة ياختي شاطرة بس هلكاني في الدروس .
قال سالم بتدخل في الحديث معهم ، زامت سمر بتأفف :
– ماهي الدروس لازم يابوي ، ولا انت فاكرني يعني هاجيب النهائي كدة لوحدي من غير مساعدة ، ماينفعش طبعًا .
ابتسم صالح وهو يرى رد فعل سالم الذي التوى ثغره بامتعاض قبل ان يردف :
– والنبي انتوا ولا حاجة نافعة معاكم ، لا اللي داخلة ثانوي رحماني ولا اللي داخلة فني برضك رحماني كلكلم ناحلين وبري وبس
قلبت ندى عيناها دون رد على كلمات ابيها ، ولكنها تفاجأت بنظرة غريبة من صالح نحوها ، قبل ان يتجه نحو محمد يسأله متصنع الجدية :
– وانت ياأستاذ محمد ، مش ناوي تقولنا بقى انت نفسك تطلع ايه ؟ عشان ناخد فكرة يعني ؟
– هادخل الزراعة عشان ابقى مزارع .
اجاب محمد بمنتهى البساطة جعل الجميع ينطلقوا ضاحكًين على عفويته، حتى قبله صالح بمشاكسة اثارت تأفف محمد بصوت عالي وجعل ضحكاتهم تزداد صخبًا ، بعد ان هدأوا قليلًا التفت صالح نحو سالم يسأله :
– هي الساعة كام دلوقت ؟
اجابه سالم وهو ينظر بساعة يده :
– الساعة داخلة على تسعة ونص ، يعني اصبر شوية على ما الحركة تهدى في الشارع ، عشان ماحدش يشوفك وانت طالع .
– خلاص طب انا عايز ادخل استنى في الجنينة ، ينفع ؟
قال صالح وهو ينظر بيأس لباب غرفتها التي اندست فيها ولم تخرج منها منذ ساعات .
رد سالم وهو ينهض معه :
– ادخل ياولدي البيت بيتك ، بس بقى انا هاطلع برا البيت عشان اراقب حركة الناس في الشارع وبالمرة استنى يونس اللي اتأخر قوي النهاردة مش عارف ليه ، لا وكمان مابيرودش على تلفونه .
ردد من خلفه صالح :
– خير ان شاء الله ياعم سالم ماتقلقش .
………………. ………..
بعد قليل
كان واقفًا بالحديقة الخلفية للمنزل اسفل شجرة الجميز ، ينظر للخضرة في الظلمة القاتمة ، ويستمع لصوت الليل بها ، بعد أن فقد الأمل بتوديعها وقد اقتربت ساعة رحيله ، وهو مازال ينتظر ظهروها قبل ان يدلف اباها ويخرج معه ، فجأة شعر بوجودها خلفه، تقافزت دقات قلبه داخل صدره مع شعوره بكل خطوة تخطوها وهي تقترب منه ، أغمض عيناه يستمع لنبرة صوتها الحنونة وهي تردف بخجل من خلفه :
– اا مساء الخير .
التف اليها قائلًا على الفور :
– مساء الفل اتأخرتي ليه ؟ انا كنت خايف لامشي من غير ما اشوفك.
اجفلها بسؤاله فقالت وهي تناوله ورقة بيداها :
– اصل كنت ببحث على النت على الأدوية المناسبة لحالتك ، وسألت دكتور كمان ، قالي على شوية نصايح ، دونتها هنا في الورقة .
نظر للورقة جيدًا ثم اردف وهو يرفع عيناها اليها :
– بس انا جرحي خف من ساعة ما شوفتك يايمنى ، وكل اللي باقي دلوقت جروح سطحية مسيرها تخف مع الزمن لوحدها .
قالت بتوتر :
– النصايح دي ضروري تلتزم بيها عشان بس ما يحصلش تطورات ، متنساش انك مدخلتش مستشفى ولا عملت تحاليل وأشعة .
– لو تعبت يا يمنى هانزل من الجبل اطل عليكي واكحل عيني برؤياكي ، وانا متأكد ان ساعتها هاخف على طول .
– ياشيخ والنبي ، بلاش كلامك ده ، انا اساسًا ……
شهقت ولم تستطيع اكمال جملتها فتحركت لترتد وتعود ولكنه أوقفها :
– يمنى استني طيب ، ممكن منك طلب ؟
تسمرت محلها قليلًا تناجي التماسك قبل ان تستدير اليه بثبات زائف :
– طبعًا اكيد ، قول اللي انت عايزه .
– ممكن تبقي تراعي وردة وتصاحبيها في المواعيد اللي بتحضرها في عيادة الدكتور ، اصل انا اخري المحها من بعيد لبعيد على ما ربنا يحلها .
ردت يمني :
– اكيد هايحلها ان شاء الله ويجمعكم ببعض ، انا واثقة عشان قلبي حاسس .
– طب مش حاسة بحاجة تاني يايمنى ؟
قال وهو ينظر لها برجاء منتظر الإجابة منها ، فتابع :
– اصل انتِ صافية قوي وعندك من الطيبة اللي تفتح الف باب مقفول .
تبسمت بشحوب وردت وهي تومئ برأسها :
– مش في كل الاوقات الطيبة بتنفع صاحبها ، بس لو سألتني عنك هاقولك بقلب مليان ؛ ان انت ربنا هاينصفك ويجيب حقك ، دا اللي انا حاسة بيه دلوقت .
نظر اليها جيدًا يتحقق من كلماتها التي كانت تردفها بكل تصميم ، حتى اجفل الاثنان على صوت محمد وهو يهتف عليه :
– ياصالح ، تعالي كلم ابويا جوا عشان في ضيوف عايزينك .
ردد بدهشة وعدم تصديق
– في ضيوفى عايزني انا ! طب ازاي ؟
……………………..
خطا الى داخل البيت حتى اذا وصل الى الصالة تسمر واقفًا محله وكان صاعقة قوية ضربت رأسه وهو ينظر الى اَخر شخص يتوقع حضوره ، جالسًا بين سالم و يونس ، وكانه واحد منهم .
– دا ايه اللي جابه ده ، هو في ايه بالظبط ؟
اردف بها صالح وهو يوجه نظرات الإتهام نحوهم ، فرد يونس على الفور :
– قبل ما تتهمنا ومخك يروح شمال ، اسمع من الراجل واعرف هو عايز منك ايه ؟
– صح ياوالدي انا لو مطمنتش لكلامه ماكنتش سمحتلوا أبدًا انه يدخل بيتي .
قال سالم فرد صالح بعتب :
– اطمنتلوا ! انت برضوا ياعم سالم اللي بتقول كدة ؟ دا ولده ، ابن النج……..
– متكملش ياصالح .
قالها عثمان بمقاطعة وهو ينهض بملابسه الباهظة ، وهي لا تلائم ابدًا المكان ، فقال متابعًا وهو يخطوا نحو صالح رافعًا كفيه في الهواء :
إيديا الاتنين اهم رافعهم قصادك فاضين مافيهمش س*لاح ، هدومي اللي لابسها تعالي فتشها بنفسك ، زي ماعمل معايا يونس وعم سالم ، جايلك لوحدي ، مش معايا رجالة ابويا اللي طاردوك ولا حتى حراسي ، انا مش جايلك وانا ناوي على شر .
– امال جايلي ناوي على ايه ؟
سأله صالح بعدم تصديق ، فرد عثمان متجاهلًا تهكمه :
– جايلك في خير يا صالح ،
اعتلت شفته ابتسامة ساخرة وهو ينظر اليه قائلًا :
– جاي في خير للي ق*تل ابوك ! هو انتِ فاكرني عبيط يابني ، ولا فاكر صالح بتاع زمان اللي غدر بيه ابوك وضيعه وضيع اعز ماله ، هو نفسه ماتغيرش ، طب ازاي ؟
تنهد عثمان قليلًا ثم اردف :
– انا لو ما كنتش عارف صالح بتاع زمان كويس ، مكنتش جيت دلوقتِ اكلمك بقلب مليان وانا راجل اعزل .
مط شفتيه صالح وهو ينظر اليه بتمعن صامتًا ، قبل ان يلتفت على صوت سالم وهو يخاطبهم :
– خلوا كلامكم وانتوا قاعدين عشان تاخدوا وتدوا مع بعض زين ، تعالي يا استاذ عثمان ، تعالي ياصالح ياولدي اقعد هنا واسمع منه ، زي ما سمعنا انا واخويا منه ، وميز بعقلك ان كان بيتكلم صدق ولا بيبلفنا كلنا .
اذعن عثمان وارتد ليجلس على احد المقاعد ، يثني بنطاله ، زفر صالح قبل ان يخطو ليجلس أمامه ويستمع اليه مضطر بناءًا بعد الحاح سالم عليه ، جلس مشبكًا كفيه يتنفس بغضب قبل ان يومئ بكف يده اليه قائلًا :
– اتفضل يا استاذ عثمان ، اتكلم واتحفني بالخير اللي انت جاي فيه ، لواحد ق*تل ابوك !
– وانت مين قالك ان انت اللي ق*تلت ابويا ؟
مال صالح اليه برأسه فقال بنبرة غريبة وخطرة :
– اسمع اما اقولك ، من البداية كدة انا مش عاوز لوع معايا في الكلام ، دا لو عايزني اسمعلك ، انت عارف ومتأكد كويس اني ق*تلت ابوك بأمارة التلت طلقات اللي رشقتهم في صدره ، وشوفته وهو بيتقلب في الارض قدامي .
اغمض عثمان عيناه قليلًا قبل ان يردف بنفاذ صبر :
– الله يخليك بلاش الوصف ، عشان دا مهما كان يبقى ابويا .
– ولما هو ابوك ، ماجيتش ليه وخدت طارك مني ، لا وكمان جاي تكلمني بكل برود وتقولي انا عايزك في خير ؟
سأله صالح بتشكك ، رد عثمان :
– عشان مش عايز اكرر ظلمك من تاني ، انت رشقت في قلب ابويا وصدره تلت طلقات ، بس في المقابل هو عمل ايه عشان يوصلك لق*تله ؟
ضيق صالح عيناه يستمع بتركيز ، فتابع عثمان :
– انا عارف كل الحكاية ياصالح من طق طق لسلام عليكم ، وما تستغربش لما اقولك ان عارف الحكاية من أصحابها الاساسين ، اللي حضروا وشاركوا في ظلمك بسكوتهم .
– تقصد والدتك ؟
اردف بها صالح بأعين مشتعلة من الغضب ، اجابه عثمان :
– ايوة ياصالح امي ، هي اللي قدرت تلم موضوع ق*تلك لابويا ، لما نبهت على الخدم اللي شافوك ، محدش فيهم يجيب سيرتك ، هي اللي وصت اخوها الدكتور اللي اتولى حالة ابويا وهو بيموت ، انه يكتم الخبر ومايبلغش عن ق*تله ، زي ما خلته بعد كدة يزور شهادة الوفاة وتبقى وفاة عادية مش ق*تل وسين وجيم ، امي ياصالح دخلت لابويا وهو بيطلع في الروح وقالتلوا بالفم المليان ، عالي هاتعملوا من بعده عشان يخفف عن ذنبه في حقك ، يمكن يشفع ليه عند ربنا ويخفف العقاب !
قطب صالح يسأله بعدم فهم :
– اللي ايه هو بالظبط ؟ عشان انا مش فاهم حاجة منك .
تنهد عثمان قبل ان يقترب منه قائلًا بجدية :
– امي هاتجيبلك حقك ياصالح .
انشق ثغره بابتسامة ساخرة تحولت لضحكة غير مفهومة ، قبل ان يتوقف اخيرًا يقول :
– اهي دي تبقى صحيح نكتة الموسم ، انت جاي تهزر ياعثمان ولا دي لعبة جديدة بتلعبها امك عليا ، بعد ما خرست زي الشيطان الأخرس ، وخلتني اشيل تهمة تمس عرضها قدام العيلة كلها .
رد عثمان :
– انا عارف ان انت ليك حق متصدقش بعد كل اللي حصلك ، بس اوزنها كدة بعقلك ، ابويا اللي اتدفن بسره ومحدش عرف انه مات مقتول ، انا اللي جايلك بنفسي بعد ما دورت وتعبت عنك ، لو كنت عايز اذيتك كنت خليت رجالتي مسكوك وانت لابس النقاب في العيادة وبتقابل اختك سرقة ، اصلك متعرفش ان اللي حصل كان بناء على اتفاقي مع سيدة ، خدامة اختك اللي والدتي شايلاها في عنيها من ساعة ماخرجت من المصحة.
برقت عيناه صالح وهو يستوعب كم المعلومات التي يدلي بها عثمان امامه ، والذي تابع :
– انا جاي برجلي بعد ماخليت رجالتي تراقب وتعرف مكانك ، جايلك وانا مادد ايدي لك عشان تشوف الحرية وتعيش عمرك اللي جاي وتعوض اللي راح منه .
……
الفصل ٢٦
بشرفتها التي كانت تنتظره فيها كل يوم ، بعد ان يقضي سهراته الماجنة ويعود اليها تفوح من فمه رائحة التبغ المختلطة برائحة الخمر ، في عادة اتبعها منذ ان تمكن وضمن كل شئ بيده ، منصب النيابة في المجلس ، مال العائلة الذي اصبح بيده وحده المتصرف فيه ، بعد ان تخلص من صالح الذي كان رقيبًا معه رغم صغر سنه، بإدخاله السجن وموت والدته بحسرتها ثم ذهاب عقل شقيقته التي كان من الممكن ان تكون شاهد الاثبات الوحيد ضده ، فظلت هي الوحيدة المشتركة بظلمه وقلبها ينزف يوميًا من هذا الحمل الثقيل، تنهدت بثقل وهي تناجي الله الخلاص ، انتبهت فجأة على صوت سيارته التي دلفت من البوابة الرئيسية وتقترب الاَن من باب القصر ، راقبته وهو يترجل منها يميل يمينًا ويسارًا بعدم اتزان بفضل الخمر ، لفت شالها كي تدخل وتنتظره بغرفتها ولكنها اجفلت على هذا الغريب الملثم والذي خرج من قلب الأشجار الكثيفة في الحديقة والظلام الدامس وهو يباغت زوجها بضربة بقبضته من الخلف جعلته يلتف مجفلًا ، همت لتصرخ ولكنها توقفت فور ان رأت وجهه بعد ان رفع الشال عن وجهه، تمتمت بصوتها تريد الصراخ او ان تثنيه عن ما ينتوي فعله ، ولكنها خشت ان تنبه بصوتها الخدم والحراس، فتتلبسه تهمة اخرى كسابقتها ، حسمت امرها بالذهاب اليه للفصل بينهم ، ركضت كطفلة صغيرة من غرفتها حتى نزلت الدرج وقبل ان تصل لباب القصر حدث ما كانت تخشاه فتوقفت قليلًا بصدمة وهي تسمع صوت الطلقات النارية ، وبعدها حدث الهرج والمرج في داخل البيت وخارجه ، كانت هي اول من تلقف زوجها الذي توقف بطلقات صدره ، لا يستطيع النفس ولا الحركة ودمائه اغرقت رخام الدرج أسفله ، هتفت بجزع :
– اتحامل على نفسك شوية ياشعبان على ما اتصل باخويا الدكتور يبعتلك عربية الإسعاف من المستشفى الخاص بتاعته .
حدق بها صامتًا وهو يرتجف من هول ما ينتظره ، وقد غفل عن النهاية ولم يعمل حساب هذه اللحظة ، ولقاء الخالق اطلاقًا .
اتى صوت الحارس من قريب :
– الحراس بيطاردوا المجرم اللي عملها واكيد ان شاء الله هايوصلوله.
صاحت هي بحزم على الرجل :
– احنا مش هانستنى حد ، روح هات عربيتوا وتعالى معايا بسرعة قبل ماحد من بقية البيت يطلع ، واسمع اللي هاقولك عليه عشان تنفذه بالحرف الواحد .
– حاضر ياهانم امرك .
ذهب الحارس مهرولًا والتفت هي لزوجها تخاطبه بشدة :
– المرة دي مش هاكرر الظلم يا شعبان ، سوا ربنا خد بإيدك او روحت للي خلقك ، كفياك كدة ، عشان ربنا ياخد بإيدك او يشفعلك فعل واحد في اخر حياتك .
اومأ لها برأسه وسالت من عيناه دامعة ساخنة وقد شعر بقرب النهاية .
فاقت من الذكرة الأليمة تمسح بطرف اصبعها الدموع العالقة على وجنتيها وهي واقفة امام المراَة ، تنهدت تعيد جمع شتات نفسها ، وعادت لتلف حجابها بعد ان توقف عن لفه ولم تشعر مع شرودها ، ثم تحركت لتترك غرفتها وتفعل ما ودت فعله منذ سنوات .
………………………
بعد قليل كانت ثريا واقفة بجوار ابنها في استقباله في قلب المنزل ، وسط استهجان بقية الأسرة ودهشة العاملين بالقصر ، دلف وخلفه سالم ويونس الذي القى التحية بعفويته :
– السلام عليكم .
ردد الجميع التحية وخاطبت ثريا صالح قائلة :
– ازيك ياصالح ، مش هاتسلم عليا بإيدك .
رمقها بنظرة ممتعضة من اعلى لأسفل فقالت بلطف :
– طب ممكن ندخل اؤضة المكتب عشان نتكلم براحتنا ، لو ترضى يعني .
ربت سالم على كتفه ليحثه على الدلوف خلفهم امام النظرات الممتعضة من سكان القصر .
وبداخل الغرفة اتي انغلقت عليهم خاطبته ثريا :
– اظن دلوقت اتأكدت من صدق نيتي بعد ما دخلت البيت في عز النهار ومحدش جرؤ على انه يكلمك ولا يقرب من منك
اومأ لها بزاوية فمه :
– بس الكل بيحتقرني وشايفني راجل مش تمام وعلى فكرة انتِ كدة بتثيري الشبهات على نفسك وبترجعي الأشاعات عليكي من تاني بعد دخلولي بيتك وانا راجل خربج سجون ، وانتِ جوزك اللي حبسني ميت .
احتد عثمان صائحًا :
– ماتخلي بالك من كلامك ياصالح ، طب خلي حد يجرؤ ينبت لسانه بكلمه ان ماكنت اقطعه مبقاش انا .
– انا بقول الحقيقة .
قال صالح بتصميم ، ردت ثريا من جانبها :
– وانا عارفة ياصالح ، وعشان كدة بقولك ان هاجبلك حقك .
هز رأسه يسألها باستخفاف :
– هاتجيبي ازاي؟ وهاترجعيلي عمري اللي فات ازاي ؟
ردت ثريا :
– ان كان على عمرك اللي فات ، فانت لسة صغير والدنيا قدامك ، وان كان على حقك فانا هاجيبه لما اثبت برائتك قدام مجلس العيلة واجيب معايا الشهود فضل ووردة كمان .
– وردة !
اردف بها بعدم تصديق ، رددت هي بتأكيد :
– ايوة وردة، ما انت ماتعرفش ان العلاقة بيني ومابينها اتطورت لدرجة انها قالتلي عاللي تعبها من سنين طويلة ولجم لسانها ، اختك اتحسنت دلوقت عن الأول بكتير ياصالح .
رد صالح :
– ايوة بس انا اختي شافتني ومعرفتنيش ،
– لا عرفتك بس مابينتش عشان كانت لساها خايفة ، هي حكتلى بعد ماشافتك ، حتى جملة يونس قالتلي عليها .
اجفل يونس واضعًا كفه على فمه ، متمتمًا بحرج وهو يشيح بوجهه عنهم :.
– وه ياوقعة مربربة .
……………………………
في المدينة وبعد ان خرجت من حصتها الدراسية تقابله خلف المدرسة ، كالمرة السابقة بناءًا على طلبه ، وقفت أمامه بأعين نارية واضعة كفيها بجيب زيها المدرسة :
– نعم عايز ايه ؟
قالت بحدة فور ان وصلت اليه دون ان تلقي التحية ، تقرب هو مرددًا :
– عايز ايه ؟ طيب حتى سلمي الاول قبل ماتسأليني .
نظرت لكفه الممدودة نحوها، ورفعت عيناها ترد دون ان تخرج اليه كفها :
– واسلم ليه بعد اللي عملته معايا وانت عايز تفتني مع اهلي ؟
عاد بكفه قائلًا بصدمة :
– انا عايز افتنك مع اهلك ؟ انا اللي روحت لولدك اتذل له وكان هاين عليا ابوس على رجله عشان يقبل بجوازنا يبقى عايز افتنك مع اهلك ؟.
هتفت بحدة :
– ومن امتى الجواز كان ببوس الرجلين ؟ هو انت ليه مش عايز تفهم ان نظرة الاهل غير نظرتي ونظرتك ، ابويا رافض الجواز من غريب ، قوم انت تروحلوا برجليك وتقولوا ان بنته عايزاك ، في اب في الدنيا هايرضى بكدة ؟
تحدث بلهجة باكية :
– انا عايزوا يقبل بجوازي بيكِ ياندى ، مش عايزه يقف في طريقنا ، هو ليه مش قادر يصدق ان سعادتك هاتبقى معايا انا بس ، ليه رافض راحة بنته وانا بقولوا ، أؤمر بنجوم السما وانا اجيبها لبنتك ، ابوكي ظالم ياندى .
– ماتقولش على ابويا كدة .
قالت بغضب وتابعت :
– ابويا ليه حق يقبل او يرفضك ، لكن انت ملكش حق تشتمه .
حرك رأسه بعدم تصديق :
– انا مش مصدق ياندى ، انتِ اتغيرتي ودا مش كلامك ، مين اللي لعب في عقلك ونساكي عشق حبيبك .
– عشق حبيبي !
تفوهت بها بدهشة ثم تحركت ترتد باقدامها تنهي الجدال :
– اسمع يا كرم يابن الناس ، انا قولتلك سابق ، انا تحت طوع ابويا ، لو وافق يبقى امين ولو موافقش يبقى كل واحد يروح لحاله ، عن اذنك .
اردفت بالأخيرة وهرولت هاربة فتركته ينظر في اثرها بصدمة ، وكأنها طعنته بخنجر داخل قلبه .
………………………….
في المساء
في بيت سالم كانت الجلسة تضم جميع افراد الأسرة وهم يتبادلون الحديث في هذا الموضوع الجديد والمشوق .
– يعني على كدة الولية شهدت قدام الكبارات صح وما رجعتش في كلامها ؟
سالت نجية بدهشة ، واجاب زوجها :
– قدام عيني انا ويونس ياام محمد اللي حضرنا معاهم، نطقت باالكلام اللي قالوا صالح ، ومكدبتش في كلمة ، ورغم ان الجماعة هناك زعقوا فيها بكلام قاسي وشتموا على جوزها المرحوم ، لكن هي كملت واكنها بتزيح حمل تقيل من على قلبها .
تدخلت سمر :
– يعني على كدة صالح بقى رجع وسط عيلته عشان ياخد حقه وورثه؟
اجابها يونس :.
– الا ورثه داكمان ، دا مال لا يتعد ولا يتحصي ، ناس مالكة البلد ومافيها يابت اخوي ، ناس عايشة يعني مش غلابة زينا .
رد سالم على كلمات شقيقه :
– عايشة ولا ميتة ، ماهو كان محروم من العز دا كله مسكين وعايش في الجبل ، ولولا الولية ما ضميرها صحي في الاَخر كان هايشوف العز تاني ابدًا في حياته ؟ بس كله كوم واخته كوم تاتي
– مالها اخته يابوي ؟
سألت ندى ، واجاب اباها :
– اتكلمت يابتي اخيرًا بعد ما ضيعت نفسها بخوفها وراح عقلها منها ، دي حاجة كدة ولا في الخيال .
– هي كلها ولا في الخيال اصلًا ياواد ابوي ، ودا جمال دا اللي عليها دي ، دي تفتن بلد ياراجل ، الواحد مايلاقيش واحدة حتى في نص جمالها يابوي .
قال يونس وانطلقت الضحكات من الجميع ، حتى يمنى التي كانت صامتة من بداية الجلسة تستمع فقط ولا ترد ، تبسمت على قول عمها .
قالت نجية :
– حد عارف يا يونس ، يمكن يكون فيهم عرق تركي ، مدام اغنية قوي كدة وصيتهم واصل في البلاد ،
ضربت ندى بكفيها :
– ياسبحان الله ، طب والنعمة انا لحد دلوقت مش مصدقة ، بقى صالح اللي دخل بيتنا قاتل ومجرم ، يطلع منه على قصر جده ويرجع باشا زي بقية عيلته من تاني !
– ايوة يابتي هي كدة الدنيا ، محدش يعرف بكرة هايحصل فيها ايه ، بس احنا نحمد ربنا ، انه قدرنا نعالجوا وناخدوا وسطينا ، دي ثوابها مع واحد مظوم عند ربنا كبير قوي .
– ايوة يا ابو محمد صح عندك حق ، بس احنا بقى لحد كدة نسكت ونشوف نفسنا ، صالح ايامه عدت معانا وفاتت خلاص ، لا بقي هو منينا ، ولا احنا بقينا نصلح نقعد جمبه حتى ، دا رجع بيه زي ناسه الكبارات ولا ايه رأيك يايمنى ؟
اجفلتها نجية بسؤالها ، تبعث برسالة واضحة لها ، فردت هي بقلب مكسور :
– طبعًا ياما ، عندك حق في كل اللي قولتيه .
والى ندى التى ما أن دلفت لغرفتها مع شقيقتها وفتحت هاتفها تفاجأت بمجموعة هائلة من الرسائل على تطبيق الوتساب الخاص بها ، فتحت على الرقم الغريب فعلمته من صوره التي التقطها بعدة أوضاع ومناظر ، كصعوده فوق حصانه وهو يضحك ، او مع جمله وهو يخرج لسانه بفكاهه، او بين اصدقائه وبجوار منزلهم ، ضحكت من قلبها وهي تقرأ الرسائل المشاكسة التي ارسلها لها ، فخاطبت شقيقتها وهي ترفع لها الهاتف لترى ما به هي الأخرى :
– المجنون دا عرف رقمي منين ؟
ردت سمر وهي تنظر معها ضاحكة ايضًا :
– يخرب مطنك ياعيد ، دمه عسل ابن اللذينة ، لايق عليكي ياندى ،هو مجنون وانت اجن منه .
قطبت ندى تسالها باستغراب :
– لايق عليا كيف يعني ، انتِ بتقولي ايه ياسمر .
تبسمت لها سمر مردفة :
– بقول الصح يا حبيبتي ، هو انتِ بعد دا كله ولسة مافهمتيش ؟ يا ماما دي حاجة باينة زي عين الشمس .
سالتها ندى بمكر ضاحكة :
– هي ايه اللي باينة زي عين الشمس ؟ ماتفسري اكتر .
تنهدت سمر ترد عليها :
– يابوووي على كهنك ياندى ، انت عاجباه وهو عاجبك ، ويكون في علمك احنا كلنا واخدين بالنا ، ولا انت فاكرة عمتك لما بتقول هاجي قريب وتلمح بالكلام كدة عالفاضي من غير ماتكون حاسة ، دي ناقص تكتبها عالحيطان ، ندي لعيد و عيد لندى .
سهمت قليلًا تستوعب الكلمات قبل ان تسأل شقيقتها :
– هو انا لدرجادي باين عليا ؟
– باين ! دا باين وباين وباين ، قال بتسأل قال ، روحي يابت انا مش فاضيالك ، خليني اذاكرلي كلمتين يمكن ينفعوني .
ابتعدت ندى عن شقيقتها وهي تزن الكلام بعقلها ثم تذكرت كرم وادعائه ليل نهار انها تحبه ، مع انها دائمًا ماتشعر بالتوتر والقلق في حضوره، عكس ابن عمتها الذي بمجرد ذكر اسمه ينفرج فمها بالابتسام وتشعر بالفرح والبهجة، اذن هي قلبها لمن يميل ؟
……
الفصل ٢٧
بشرفة غرفتها كانت واقفة ناظرة بأعينها نحو الحديقة ، تنظر لها بشرود نحو الشجرة التي جمعت اَخر لقاء بينهم ، عندما حدثها عن أمله الضعيف بلقائها ، عن رغبته المستحيلة في الارتباط بها ، تنهدت بعمق وهي تذكر نفسها بما وصل اليه الاَن ، بعد مرور شهرين من اثبات برائته امام مجلس عائلته ، اصبح هو القائد والمتصرف في الأموال ، وحل محل شعبان في تسلم القيادة ، تتابع اخباره من والدها وعمها ، وهو لم يكلف نفسه مرة بلقاءها او السؤال عنها ، وقلبها يتحرق شوقًا لرؤيته ، عقلها يترجم ذلك في الاحلام برؤيته ليلًا ، وعند الصباح تستيقظ مستنزفة من عذاب اشتيقاها له ، وهو لم يكلف نفسه عناء الاتصال بها ولو مرة واحدة ، وكأن شيئًا لم يحدث .
– انت لسة واقفة مكانك يايمنى ؟ مش ناوي تروحي معهدك النهاردة ولا ايه؟
قالت ندى وهي تدلف لداخل غرفة شقيقتها ؛ التي التفت اليه تجيبها :
– لا ياستي طبعًا هو انا اقدر ، اكيد هاروح بس يعني قولت اوسع صدري بهوا الصبحية واملي عيني من خضار الأرض .
رددت ندى بإعجاب :
– اممم ، دايمًا كدة تبهريني بجملك ، انا مش فاهمة بتجيبي الشاعرية والرومانسية دي منين ؟
توسعت ابتسامة يمنى وهي تتناول حقيبتها ترد على شقيقتها :
– ياعم كفاية عليا الشاعرية ، سيبتلك انت الرومانسية تنفعك مع المجنون بتاعك .
ضحكت شقيقتها بخجل وهي تتحرك معها للخروج قائلة :
– عليا النعمة لحد دلوقت ما مصدقة اني بقيت خطيبته رسمي ، انا مش فاهمة ايه اللي خلاني اوافق على واحد دماغه ضاربة زي ده ، دا مرووش يابنتي والنعمة ، لو افتحلك تشوفي الرسايل اللي بيبعتهالي هاتوقعي على نفسك من الضحك .
– لا ياستي انا عايزة افضل بعقلي ، خلي الضحك ليكِ انتِ .
قالت يمنى وهي تجذبها من ذراعها توقفها قبل أن تخرج من الغرفة ، ثم تابعت وهي تعانقها بحب :
– ربنا بهنيكم ببعض ياقلبي ويتم جوازكم على خير .
شددت ندى من حضن شقيقتها تردد بقلق :
– ادعيلي والنبي يا يمنى ، محتاجة لكل دعوة من قلبك الصافي ده .
…………………………
– عشان انا قولتلك من الأول وانت مصدقتنيش .
قالت علية وهي واقفة معه في احدى زوايا الشارع ، فتابعت وهي تتمعن بوجهه المظلم أمامها :
– من ساعة ماحطت السلسلة في ايدي وقالتلي رجعيها لكرم ، وانا قلبي حس من وقتها ، فاكر قولتلك ايه ساعتها ؟
اجابها بجمود وهو يتلاعب بالسلسال :
– قولتيلي انها اكيد بتفكر في واحد غيرك ، وانا بغبائي مصدقتش ، حتى لما حظرتني ومنعت تقابلني ، برضوا كنت بكدب نفسي واقول ان ابوها هو اللي ضاغط عليها .
قالت متصنعة الأسى عليه :
– انت صعبان عليا ياكرم ، في الاول كانت بتضحك البنات عليك على هيامك بيها ، وبعد قعدت تتسلي بيك ، ولما لقت غيرك رمتك من طول دراعها ، ولا اكنها كانت تعرفك ، طب بزمتك هي بتديك فرصة حتى تكلمها ؟
نفى برأسها مرددًا :
– لا طبعاً ، دي بتدخل المدرسة ومابتطلعش منها غير وقت الأنصراف وهي متحاوطة بكذا بنت ، تعدي عليا ولا اكنها شافتني .
تابعت في بث فحيحها :
– ناصحة يابني وعارفة بتعمل ايه كويس ، ياريت بس دا يبقى درس ليك عشان تعرف اللي بيحبك على حق وبين اللي بيتسلى بيك .
اومأ برأسه لها ثم سألها :
– انتِ متعرفيش هي اتخطبت لمين ؟
اجابته على الفور :
– عرفت انها اتخطبت لابن عمتها وهاتتجوز في اسوان .
………………………..
في وقت لاحق
كانت تلملم ادواتها الدراسية داخل الحقيبة ، بعد انتهاء َاخر اختبارتها، وسط الجلبة التي يفعلنها الفتيات حولها تهليلًا بمرح على انتهاء السنة الدراسية ، وهي تشاركهم بسعادة :
– ايه ياندى ؟ مبسوطة انتِ طبعُا عشان هاتخلصي وماتجيش المدرسة تاني .
قالت رضوى صديقتها بمشاكسة فردت ندى بدون تحفظ :
– طبعًا يا حبيبتي وماتبسطتش ليه ، وانا هاقلع البدلة الزفت دي والبس بقى واتأنتك براحتي في البس الموضة ولا ازكر في مزاكرة تاني ولا زفت .
– لا وهاتتجوزي .
اكملت رضوى بمكر فردت ندى بمرح :
– ايوة يااختي هاتجوز ودي حاجة عيب مثلًا ، ولا انتِ مش هاتتجوزي ياقطة ، قولي يعني لو مش هاتعمليها .
– ياختي هاتجوز خلاص ، دا انت بقيتي حقنة .
قالت رضوى بضحك فهمت ندى ترد ولكنها تفاجأت بدوي هاتفها بهذا الرقم الغريب مرة اخرى ، فتجاهلته كالعادة منذ ان افترقت عن كرم وحظرت رقمه وهي تتجنب التحدث لكل الأرقام الغريبة ، احتياطًا وحذر، ولكن هذه المرة تبع الاتصال برسالة الى هاتفها ، فتحت لترى فحواها بفضول ، فتوسعت عيناها بفزع وهي تكتم شهقة امام صديقتها من هول ما رأته ، من قراءة الكلمات عرفت بهويته التي اثبتها برسالة ، كي تنفذ مطلبه ؟!
…………………………..
وعند يمنى التي كانت تخلع عنها ملابس العمل بغرفتها التبديل الخاصة بالممرضات انتبهت على اصوات الجلبة في الخارج ، التي تتحدث عن زيارة مهمة لأحد الاشخاص بالمشفى ، قبل ان تدلف اليها صديقتها صفاء تخبرها :
– شوفتي يا يمنى مين جاي يتبرع للمعهد النهاردة والمدير والدكاترة عامليلوا قلبان ؟
مطت شفتيها ترد بعدم اهتمام وهي ترتدي سترتها :
– سمعت ياستي ، بيقولوا واحد غني قوي جاي يتبرع للمستشفى عادي يعني وبتحصل كل يوم .
– لا ياحبيبتي مش عادي ولا بيحصل كل يوم ، ماهو انتِ ماتعرفيش من هو الضيف .
قطبت يمنى على حديث صديقتها المبهم فسألتها :
– ليه بقى ؟ مين هو الضيف؟
– تعالي شوفي بنفسك وانتِ تعرفي .
قالت صفاء وهي تجذبها من ذراعها تسحبها لخارج الغرفة ، فسألتها يمنى باستفسار :
– يابنتي طب فهميني الأول ، بدل ما انتِ جراني كدة زي البهيمة.
– ياحبيتي بعد الشر عليكِ ما تبقي بهيمة ، انتِ بس اصبري وهاتفهمي لوحدك .
قالت صفاء وهي تستمر بسحبها رغم اعتراضها ، حتى توقفت بها امام احدى قاعة ضخمة للإجتماعات ، كان يقف بها المدير وصف من الاطباء مع مجموعة مهمة من الرجال وفي الوسط …..
توسعت عيناها وتلاحقت انفاسها مع التسارع الشديد لنبض قلبها ، لقد علمته رغم التغير الشامل لهيئته ، وهو يرتدي حلة باللون الكحلي القاتم ، وفوق اكتافه العريضة عباءة بنية زادته هيبة ، بشرته الخمرية ازدادت توهجًا ورُقيًا ؛ وكأنه لم يقضي يومًا واحد بالسجن او طريدًا بالجبل ، يقف بينهم ومدير مشفاها يشرح له باستفاضة عن احد الامور الخاصة بالمشفى ، انتابتها الحسرة وهي تشعر بالتقزم بفقرها وتواضع مستواها امامه ، لم تقوى على الصمود اكثر من ذلك ، ارتدت اقدامها للخلف وخرجت مسرعة دون اخبار صديقتها التي هرولت خلفها مندهشة ، حتى دلفت خلفها من الباب الجانبي الذي تراصت امامه السيارات ، توقفت يمنى بجوار احدى السيارات تطلق العنان لدموعها اخيرًا ، وشهقت تبكي بحرقة ، ربتت على ظهرها صفاء مهونة :
– يا بنتي مالك ؟ ايه اللي جرالك بس ؟ وليه البكا ؟
اخذت نفسها قليلًا قبل ان تجيبها :
– شوفته وقلبي وجعني يا صفاء ، الفرق بيني ومابينه فرق السما والأرض ، انا ماليش حق اني افكر فيه اصلًا .
– ماتقوليش كدة يايمنى ، انت تعرفي ربنا كاتب ايه .
قالت صفاء بتأثر على حال صديقتها ، ردت يمنى بتصميم :
– لأ لازم اقول وافوق نفسي ، امي كانت عندها حق .
– كان عندها حق في ايه ؟
سمعتها بالصوت الأجش وانتفضت ترفع رأسها نحوه ، فوجدته حل محل صديقتها وكفه على ظهرها ، انتفضت تبتعد عنه وقالت بجزع :
– انت ايه اللي جابك ؟
– جايلك انتِ ياقلب صالح .
اردف بها ، فقالت هي بعدم تصديق :
– بلاش كلامك دا لو سمحت ، ماينفعش .
– هو ايه اللي مينفعش ؟
سألها بابتسامة ساحرة فردت هي بارتباك :
– أهو ماينفعش وخلاص ، هو انت مش شايف نفسك .
ازداد اتساع ابتسامته وهو يقترب وهي ترتد حتى التصقت ظهرها بالسيارة التي خلفها ، مال برقبته نحوها يردف :
– انا شايفك انتِ ودا كفاية عليا .
ردت بنبرة عاتبة :
– بس انت مسألتش عليا ولو مرة واحدة طول الشهور اللي فاتت .
– هما شهرين بس على فكرة وعليهم ٧ ايام زيادة عشان يبقى الحساب مظبوط ، بس عشان تعرفي يعني ، ما فيش يوم عدى عليا فيهم من غير مااشوفك ولا اعرف فيهم اخبارك اول باول .
ازداد اتساع عينيها وهي تحدق به فتابع :
– يمكن ماتصدقنيش ، بس انا كنت قاصد يايمنى ان اقسى عليكِ وعلى نفسي ، لحد اما ادبر اموري كلها ، بحيث لما ارجع اشوفك تشوفي صالح القديم ، مش المجرم والمطارد .
– بس انت بقيت حاجة كبيرة قوي ، انا حتى ماجرأش حتى ان احلم بيك .
– لا ما هو ماعدتش في حلم خلاص ، كل اللي جاي هايبقى حقيقة .
سألته عن مغزي كلماته :
– يعني ايه ؟
– يعني تتحركي ياحلوة على عربيتي عشان اروحك معايا وتفهمي من ابوكي بنفسك .
قال وهو يتحرك ممسكًا بكفها ، فرددت بعدم استيعاب :
– يعني ايه برضوا؟ انا مش فاهمة حاجة :
– ماتردي عليها انتِ ياصفاء وفهميها .
قال مخاطبًا صديقتها فردت الأخرى بضحكة من القلب :
– يابنتي ما يبقاش مخك ضلم ، بيقولك انه كلم ابوكي ، محتاجة تفسير اكتر من كدة ايه عشان تفهمي ؟
تبسمت بخجل وقد وصلها مقصد صديقتها فنظر هو اليها بحنان ، ولكنها استدركت نفسها تحاول نزع يدها عنه بارتباك :
– صح ازاي انت واخدني من ايدي كدة ، انا ماينفعش اركب معاك وحدينا .
– ومين قال بس ان انتوا لوحديكم ؟ وانا روحت فين بس ؟
التفت يمنى لمصدر الصوت فوجداتها امامها بجمالها الخلاب ، ضحكت تردد بعدم تصديق :
– وردة ! انت كنتِ فين وظهرت امتى ؟
– والله انا هنا ياحبيبتي من اول الفيلم ، بس انتِ ياروحي هاتاخدي بالك ازاي بس ؟
نظرت اليها يمنى مبتسمة بامتنان فاقتربت منها وردة تعانقها بحب مرددة :
– انا هاروح معاكي بنفسي لحد والدك عشان تعرفي وتصدقي ان صالح خطبك منه من قبل حتى ما يطلع من بيتكم .
– معقولة !
اردفت بها بذهول فردد وهو يدفع الاثنتان لداخل السيارة :
– والله ياستي معقولة ونص كمان ، يالا بقى عشان الراجل مستنينا .
بداخل السيارة حركت رأسها لا تصدق انها لا تحلم وهي مازالت لا تستوعب ما يحدث ، من خارج النافذة لوحت لها صديقتها بكفها بمرح ، عادت بأنظارها للداخل اصطدمت بعيناه الجميلة بالمرأة الأمامية وهو يدير محرك السيارة ويخاطبها :
– تحبي نشغل حاجة واحنا ماشين ؟.
سبقتها وردة في الرد :
– شغل أي اغنية عالية ياصالح ، يمكن تفوق .
– لا بقى انا هاشغل اغنية رقيقة زيها ، وتفوق براحتها عليها .
قال صالح قبل ان يدير بمذياع السيارة اغنية لإليسا وسعد مجرد ” من اول دقيقة” فاندمجت يمنى مع صالح مع كلمات العشق المعبرة عما بداخل الاغنية .
………………………..
وعودة لندى التي خرجت مهرولة لخلف المدرسة فوجدته مستندًا بجسده على جزع الشجرة ينظر لها باسترخاء، هدرت :
– ايه اللي انت باعتهولي عالتليفون ده ؟ انت اتجننت .
تحركت بخطواته نحوها قائلًا ببرود :
– يعني لازم ابعتلك الصور عشان تحسي على دمك وتيجي ، صنف ما يجيش غير بالعين الحمرا .
– تفبرك صورتي على حريم عريانة عشان اجيلك غصب ، ياواطي ياقليل الأصل .
قالت وهي تدفعه بقبضتها على صدره ، فتلقفها يقبض عليها بكفه الغليظة مرددًا بفحيح :
– الفضيحة دي اقل حاجة تتعمل مع واحد خانت حبيبها وراحت لواحد غيره ياخاينة
هتفت وهي تحاول نزع يدها من كفه :
– حبيبي مين يامجنون ؟ انا لا حبيتك ولا زفت ، دا كان هبل وعبط مني لما كنت فاكراك بني ادم وبعقلك ، مش مجنون وعايز يلبسني حبه بالعافية ، اوعى كدة سيبني يامجنون .
كلماتها الغاضبة كانت تنزل على ذهنه المشتت وكأنها تصب الزيت على النار فتزيده غضبًا وجنونًا :
– بقى انا مجنون انا ياندى ؟ انا مجنون؟ انا ها خليكي تشوفي المجنون ده هايعمل ايه ؟
قال جملته وقبل ان تستوعب ، وجدته بكفه الحرة منديل ابيض كتم بها انفاسها برائحة غريبة حاولت المقاومة ولكن الرائحة القوية جعلتها تفقد الوعي ولم تشعر به وهو يرفعها على كتف ظهره يدخلها داخل سيارته في المنطقة الخالية دون ان يشعر به احد….
……………………………….
والى صالح الذي كان يحلق بسعادة معها في سماء العشق وهو يردد معها كلمات الاغنية ، فلم يشعر بدوي صوت الهاتف الا مؤخرًا ، ولكن بمجرد فتحه المكالمة وسماع الطرف الاَخر ، تغضن وجهه بالغضب وهو يأمر الرجل بالمتابعة ، قبل ان يغلق بوجهه المكالمة ، وارتد بعجلة القيادة للخلف كي يغير وجهته ، قائلًا بجمود :
– معلش يابنات ، انا ورايا مشوار ضروري ولازم اعمله الأول .
– مشوار ايه اللي مستعجل عليه لدرجادي ؟ هو الراجل اللي كلمك دا قالك ايه ؟
أومأ برأسه لهم صامتًا فصاحت عليه شقيقته :
– ماتقول ياصالح انت راجع بينا ورايح فين ؟
…………………………
والى ندى التي استفاقت بالصدفة حينما اصطدمت رأسها بقائم السرير وهو يضعها عليه ، فتحت عيناها تستوعب فتفاجأت به وهو يقترب بوجهه منها ، فهتفت بجزع وهي تحاول ازاحته بيدها الضغيفة ورأسها مازالت ثقيلة بفعل المخدر :
– انت بتعمل ايه وجايبني هنا ليه ياكرم ؟ هو انا فين بالظبط ؟
انفرج فمه بابتسامة غريبة يردف :
– انتِ هنا في اؤضتي وعلى سريري ، مش كنتِ مضايقة من فبركة الصور ، انا دلوقتِ هاخليها طبيعية ، لا وبالصوت والصورة كمان، كويس خالص انك صحيت عشان تبقى المتعة احلى والتصوير ياخد مصداقية .
هزت رأسها بعدم تصديق ودمعاتها تهطل من عيناها مع استيعابها لكلماته :
– لا ياكرم انت متعملش كدة ، ابوس ايدك ماتلبسنيش فضيحة ، خليني اقوم وامشي هو انا ليه راسي تقيلة قوي كدة .
– دا انا ابقى مغفل لو ضيعت فرصة زي دي ، طب فكري كدة لو الصور راحت لابوكي ، غصب عنه هايرضى بجوازي منك .
ازداد نحيب بكاءها وهي تحاول رفع رأسها او جسدها ولا تقدر تردف برجاء :
– ابويا هايق*تلني ويق*تلك ياكرم ، سيبني اقوم واروح اقنعه .
ازداد اتساع ابتسامته وهو ينهض ليخلع عنه قميصه ويردد بانتشاء :
– هو انا لسة هاستنى ؟ ما انتٍ من خلاص بقيتي عروستي ومراتي ياندى .
…..
الفصل الثامن والعشرون والاخيرة
يهرول بأقصى طاقته حتى انه يصعد درجات السلم الدرجتين بدرجة ، لا يريد تكرار التجربة المريرة مرة أخرى ، هذه المرة لو حدث مايخشاه ، لن يتردد ويتأخر في الق*تل ، وصل الطابق المذكور وأمام الشقة الموصوفة ، التقط انفاسه سريعًا قبل ان يدفعه بكل قوته بقدمه؛ فانفتح مكسورًا ودلف للداخل بعقل مشتت ، يتقدم بخطواته بارتباك لعدم معرفته بوجهته ، حتى وصل الى اسماعه صوت همهمة من احدى الغرف مصحوبة بنحيب ، في ظرف ثانية كان مخترق الغرفة ، صعق لما راَه ،
هذا الفتى يعتليها وبيده النجسة يحاول تجريدها من ملابسها المدرسية بدون رحمة لضعفها وهي تقاومه بتوسل لتركها ، تغضنت ملامح وجهه واندفعت الدماء برأسه كغلي الحميم وهو يستعيد بذهنه نفس المشهد تقريبًا ، و لكن هذه المرة لن يدع فرصة للتردد او التأخر عما ينتوي:
– حرام عليك يا كرم، ابعد عني مضيعنيش
– اهدي انتي بس، انا مش عايز استخدم معاكي القوة، كل دي هدوم لابساها؟
لم ينتظر صالح استئذان، اندفع يهجم كالوحش على هذا الفتى ، فدفعه من فوقها ليطير بوزنه الضعيف حتى سقط على الأرض كالخرقة البالية ، رفع رأسه كرم يستوعب الصدمة فنهض يهجم عليه صارخًا :
– انت مين يا بن ال……؟ تدخل بيتي وتتهجم عليا .
– انا ملك الموت يا روح …….. اللي جاي يقبض روحك .
قالها صالح وانطلق يتلقفه باللكمات والضربات القاسية ، مرة برأسه ومرة بأقدامه ، ومرات عديدة بقبضة يده الحديدية ، لا يراعي الدماء التي تسيل منه ، ولا شكل وجهه الذي اختفت منه الملامح بفضل الضربات ، هو يريد ق*تله، ولا يريد شيئًا اَخر، وقد تشوشت الرؤيا امامه، ليرى هذا الفتى بصورة الاخر، ذلك الذي استباح ضعف شيقيقته، ولم يتوانى عن ظلمه وسجنه كان عنيفا بتوحش اعمى بصره، حتى استفاق على دفعة قوية جعلته يسقط ارضًا وصوت خشن يهدر عليه :
– سامحني يا باشا الله يخليك عليها دي، ما هو انا لو معملتش كدة واوقفك، كنت هتق*تله وتضيع نفسك ؟
زفر صالح يلتقط انفاسه الهادرة بصوت عالي، يحاول استيعاب فعل الرجل، ليهدأ من وتيرة غضبه المتصاعد رويدا رويدا، كي لا يعود إلى هذا الفاسد يفتك به، او يزيد عليه بكسر عظامه، فيربح البشرية من الفاسدين امثاله.
ظل يتمتم بالاستغفار حتى انتبه على دلوف يمنى وهي تهرول بجزع، والتي ارتمت بجانب شقيقتها ، لتضمها لأحضانها بقوة والأخرى ترتجف ، باكية بنشيج عالي.
– عمل فيكي ايه ابن الكل….. ده ، اوعي يكون مَسك ولا أذاكي ؟
– ملحقش يعمل حاجة يا هانم ، صالح بيه لحقها .
انتقلت أبصارها اليه فوجدته يغمض عيناه لاهثًا بتعب ، فقال موجهًا خطابه للرجل الواقف امامها ، يشير لكرم المرتمي على الأرض كج*ثة هامدة :
– تاخد الواد ده تربطه من ايديده ورجليه زي البهيمة تسلمه للبوليس .
انتفضت ندى تنزع نفسها من حضن شقيقتها :
– استنى يا صالح ، خد منه التليفون دا مفبركلي صور فيه .
اومأ برأسه لها :
– ماتقلقيش واطمني ، انا هادبر كل حاجة .
…………………………..
بعد قليل
بداخل السيارة كان صالح متوفف بها في أحد زوايا الشارع وعيناه تتابع الثلاث نساء ، شقيقته التي كانت تنتفض جواره في المقعد الأمامي، وقد عاد الى اذهانها ما كان يحدث سابقًا بكل ما تحمله برأسها من ذكريات بشعة تجاهد لطمسها، علُها تنجح وتعيش الحياة الطبيعية.
وفي المقعد الخلفي يوجد ندى التي كانت ما زالت على صدمتها تبكي بحرقة داخل حضن شقيقتها ، غير انها استفاقت اكثر واستطاعت تحريك جسدها قليلًا عن الأول ، يمنى كانت تربت على ظهرها وتلمس على شعرها بحنان ، لتبث داخلها الأطمئنان :
– خلاص بقى اهدى كدة مدام ربنا ستر .
– مش قادرة، كل مل افتكر اني كنت هاضيع في لحظة و…….
ازدادت شهقاتها وشقيقتها لا تمل من تهدئتها والربت على ظهرها بحنان، حتى هدأت قليلًا لتنزع نفسها من حضن يمنى وتسألهم :
– لكن انتوا عرفتوا ازاي ؟ مين اللي قالكم ؟
– اسألي صالح هو اللي عنده كل المعلومات ، انا عرفت على اَخر لحظة .
قالت يمنى فرد صالح من جهته :
– انا عيني ماتشالش من على حد فيكم من ساعة ما طلعت من بيتكم ، وخصوصًا انت يا ندى ؛ عشان انا قلقت عليكي من ساعة ماسمعتك وانت بتكلمي الواد ده في الجنينة ، وبعد ما سمعت الكلام اللي قالوا لوالدك ، عرفت إنه فيه شئ مش مظبوط .
تطلعت اليها يمنى، تتمعن بالنظر اليها جيدًا وهي تسألها :
– هو انتِ كنتِ ماشية مع الواد ده صح ؟
اطرقت برأسها ندى واجأبت بخزي :
– والله ماكانت علاقة بالمعنى المعروف ، انا فتحلته سكة للكلام معايا ، عشان اثبتلي انه عايزني في الحلال ، يعني مش بيتسلى بيا ولا بيضحك عليا ، هو بس تصرفاته كانت غريبة وخلتني اشك فيه في الاَخر .
اومأ لها صالح وهو ينظر اليهل في المراَة قائلًا :
– مش معنى انه عايزك في الحلال يبقى انسان ملاك ، كرم دا انا سألت عنه وعرفت بمشاكله النفسية مع والده ووالدته التي رمته واتجوزت وسابت البلد ، مش ماتت زي ماهو كان مفهمك ، الواد ده سبق له دخول المصحة برضوا لما اتسبب لخطيبته بعاهة مستديمة لما فسخت خطوبتها معاه .
شهقت ندى بفزع امام يمنى التي وقع قلبها من الخوف :
– يانهار اسود ، يعني ممكن انا كمان بعملي عاهة مستديمة ، يالهوي عليكي يا ندى ، دا انا الموت عندي اهون .
– اهدي اهدي ،
اردف حازمًا وأكمل :
– انا عملت اتصالاتي وهو خلاص مش هايشوف الشارع تاني ، دا غير اني هابعده عن الصعيد نهائي ، عشان تبقي برضوا مطمنة .
رددت يمنى بارتياح :
– الف شكر ليك ياصالح ، اقسم بالله ماعارفة اوفي جميلك ده ازاي،
ضحك بمرح مرددًا لها في المراَة وهو يدير محرك السيارة :
– هههه تتجوزيني .
تبسمت يمنى بخجل فخاطبته ندى بقلق :
– طب انا كنت عايزة اطلب منك طلب ..
قاطعها مردفًا :
– عارفوا ومش محتاج تنبيه ، ابوكِ ولا والدتك ولا حتى عيد خطيبك أو سمر اختك الصغيرة ، ماحدش هايحس ولا يعرف بشئ ، خلاص دي صفحة وانقفلت ، ماشي يا ندى ؟
اومأت له برأسها ببعض الارتياح فاتجه هو نحو شقيقته يضم كفها الصغيرة بداخل كفه الكبرى ، ليطمئنها ويشاكسها :
– وانتِ ياوردتي ، ايه ياقمر؟ ليكون عقلك سرح من تاني ، لا والنبي دا انا مصدقت .
رفعت بيدها كفهِ اليها تقبلها وترد :
– لا ياحبيبي اطمن وشيل من على ضهرك حملي ، انا خلاص والحمد لله ، بقاوم ضعفي ومرضي بنفسي ، يعني مش هاسمح لشئ يرجعني للخلف من تاني .
– ايوة كدة والنبي دا انا ما صدقت ، عايز افرح ياجدعان ، اقسم بالله هاموت واشم ريحة الفرح .
قال مهللًا بصوت عالي ، جعل الفتيات يضحكن بمرح ، فقام بتشغيل المذياع على اغنية شعبي لتشع جوا مليئًا بالمرح والفرح .
– النهاردة فرحي ياجدعان ، عايز كله يبقى تمام
………………………
حينما عادوا الى البلدة بالسيارة الفارهة التي جذبت انظار الجميع في البلدة الفقيرة ، تفاجأت الفتيات بتغير وجهة السيارة التي سارت نحو طريق اًخر .
في البداية تسائلت يمنى بحرج :
– صالح ، مش ده الطريق اللي مودي على بيتنا.
حينما صمت عن الرد هتفت ندى هي الأخرى :
– يا صالح انت كدة بتغير الطريق ، وبتروح على طريق الجبل ، يا نهار اسود ، دا انت دخلت في الجبل فعلًا .
مع ازياد القلق بينهم وصمت صالح المريب ، التفت اليهم وردة بجذعها قائلة بفكاهة :
– اصل احنا ناوين ناخدكم ونتاويكم هنا في قلب الجبل .
مع نبرتها الغريبة صمتن الفتيات بدهشة والتزمن أمكنتهم في انتظار التوضيح ، حتى ظهرت النتيحة حينما تباطئت السيارة والمرور داخل منطقة خضراء امتدت على طول الطريق ، قطبت يمنى متسائلة :
– ايه الزرع ده ؟هو احنا فين بالظبط ؟.
التف اليها بنظرة سريعة يرى رد فعلها ثم أكمل طريقه ، حتى توقف امام منزل جميل في وسط الخضرة ، تحاوطه الزهور من كل الجهات ، صعقت الفتيات حينما رأين والدبهما ويونس وسمر والصغير محمد ، امام المنزل .
توسعت عيناها يمنى بدهشة وشقيقتها تهتف بمرح :
– انتوا عملتوا ايه يامجانين ؟
توقف بسيارته فجأة فترجلت الفتيات سريعًا نحو والديهم يتسائلن :
– في ايه ؟ ودي ارض مين بالظبط اللي انتوا قاعدين فيها ؟
اجابهم سالم بفخر :
– احنا في ارضنا يا بت ،يعني مش ارض حد غريب .
– ازاي يعني ؟ وكيف يابوي ؟
– ياختي ازاي دي احنا منعرفهاش ، لو عايزة تعرفي اسأليه هو وراكي .
قالتها نجية وحينما التفت اليه يمنى وجدته يبتسم لها بآشراق فقال مشاكسًا :
– تسألني ازاي بقى ؟ دي نستني اساسًا وسط الجمال ده .
استدركت بذكائها تسأله :
– معقولة انت اللي عامل كل ده ؟ طب ازاي ؟
– تعالي وانا افهمك ازاي .
قال لها وهو يشير بيده اليها ، فنظرت لوالدها باستفسار ، اومأ برأسه لها موافقًا ، فتحركت تضع كفها الصغير داخل كفه ليسحبها ويبتعد عنهم.
وردة التي كانت مندمجة اجفلت فجأة على الصوت الخشن بجوارهم :
– لكن انت ِ راضعة لبن ولا قشطة طبيعي ،
التفتت اليه قائلة بحزم مصنطع وابتسامة مستترة :
– تاني برضوا بتعاكس .
– لا يابوي انا مش بعاكس ، انا بس بسأل سؤال برئ فيها حاجة دي ؟
اشاحت بوجهها تضحك حتى ظهرت غمازتها ، اردف هو بانبهار :
– يابووووي ، يخرب بيت حلاوتك ياشيخة، لكن برضك مجاوبتيش على سؤالي.
هذه المرة التفت اليه بابتسامة تحاول إخفاءها:
– تاني برضوا؟ انت شكلك مش عاوز تجيبها لبر، اخويا واعر وانت مش كده.
– انا كد عشر زيه
قالها بنبرة عنجهية قاربت الفكاهة ليعود مشاكسًا:.
– بس برضك هو راجل بيفهم وأكيد يعني هيجدر ويراعي واحد غلبان زيي، او ع الأجل ياخدني على كد عجلي، دا لو حسبني مجنون
– اهي دي انت صدجت فيها، اجرب تفسير لحالتك .
قالتها سريعًا لتلتف عنه غارقة في نوبة الضحك ، وهو يردد خلفها:
– طب والله مجنون مجنون انا قابل، كفاية اسمع الضحكة الحلوة دي، يا بووووي
…………………
والى يمنى التي ابتعد بها حتى صعدت معه احدى التلال القريبة ، فتوقف بها على قمتها ، سألته بنفاذ صبر :
– ماكفاية بقى اتكلم وريح بالي .
سألها صالح :
– في الأول ياستي كنت عايز اعرف منك ، عجبك البيت ؟
– قوي ، حلو قوي
قالت فضمها بذراعه يشير لها بيده الحرة نحو المنزل والخضرة حوله :
– اهو البيت ده انا بنيته في اقل من شهر ونص كان مكان عشتي القديمة ،اصريت اني ابنيه واستصلح الأرض اللي حواليه، العمال كانوا بيشتغلوا فيه ليل نهار ، مع عمال الارض اللي جهزوها ونبتوا فيها الزرع والاشجار والورد .
– وليه يعني تتعب نفسك وتصلح في ارض جبلية ؟.
– عشان عايز افتكر دايمًا اللي حصلي وافتكر ازاي اني كنت مجرم مطارد ، ميت من الداخل بحزني ، وفجأة ظهرلي ملاك برئ نجاني ورجعلي روحي من تاني ، واخدة بالك انا بتكلم عن مين يا يمنى ؟
اومأت بابتسامة ساحرة تحرك كتفيها بدلال :
– يعني انا الملاك ! يمكن !
ضمها من كتفها بذراعيه ليردف بصوت العاشق :
– أنتي ملاكي وطاقة النور اللي ربنا فتحها في وشي لاجل ما تتكتبلي حياة جديدة ، انتي القمر اللي نور عتمة ظلامي ، انتي الشمس اللي دفت برد قلبي من وحشتة ، انتي قلبي يا يمنى، واصلك يا يمنى اللي انا حاسس بيه؟
اومأت بصوت متحشرج من فرط ما تشعر:
– واصلني وبس؟ دا واصلني من قبل ما اشوفك حتى ، انا روحي اتلعقت بروحك، وسبحان من يجمع القلوب بعد شتاتها ، ربنا ما يحرمني منك يا صالح،
طبع على ظهر يدها قبلة عاشقة، أثارت بجلدها قشعرة لذيذة، ليردف بحب:
– ربنا يقدرني واسعدك يا قلب صالح، يرزقني منك بالخلف اللي يزود رباط المحبة ما بينا ،
تمتمت بتمني :
– اللهم امين
…………………
وفي ناحية قريبة، وقفت ندى تشاهدهم بابتسامة ارتسمت على شفتيها بغبطة تغمر قلبها، وشعور يالارتياح أصبح يتخللها رويدا رويدا، بعدما تأكدت من صدق صالح، خطيب شقيقتها كما اخبرها والدها منذ قليل ، بعد سؤالها عما يحدث وما تراه الاَن، لقد نجاها الله بفضله، لتنزع عنها ثوب الغباء بانتهاء هذه المرحلة، مغشية العينين بها ، ولتبدأ الان مرحلة جديدة، بثوب نظيف، وقد انعم عليها بالنجاة والفوز بحبيبها عيد.
– واجفة سرحانة وبتضحكي زي الهبلة يا ندى
صدرت من سمر لتلتف اليها الأخرى، ترمقها بغيظ ترد:
– هبلة في عينك يا بعيدة، انتي مالك يا زفتة ان كنت اضحك ولا اكشر..
تبسمت سمر تقول بتسلية وهي تقترب منها:
– طب اعملك ايه؟ ما اهي القافية هي اللي حكمت بعد ما شوفتك بتضحكي وانتي بتبصي عليهم، اختك وصالح اللي مكنتيش طايجة سيرته، سبحان مغير الأحوال.
تغضنت ملامح ندا بأسف تجيبها:
– ما انا كنت غلطانة وعرفت غلطي يا سمر، كلنا بنتعلم مع الوقت
شعرت سمر بلمحة من الشجن تتخلل نبرة شقيقتها، لتقطب بانتباه تسألها:
– لكن انا ليه حساكي مش طبيعية النهاردة؟
شرعت تجيبها بنفس الحجة التي تردد بها من وقت ما وصلت ولكن سمر سبقتها بفراستها:
– بلاش تعيدي نفس الكلام اللي جولتيه لابوكي وامك، انك اغمى عليكي في المدرسة واتصلوا باختك تشوفك، عشان انا مش بلعاها خالص الرواية دي.
على الرغم من حنقها وغيظها منها، الا ان ندى لم تقبل هذه المرة ان تكذب او تستخف بعقلها بتبرير اخر، لتتبسم لها برقة تخاطبها:
– ماشي يا سمر ، انا هحكيلك على كل حاجة، ما انتي برضوا لازم تعرفي وتفهمي باللي كان هيحصلي، عشان تستفيدي، مع اني متأكدة انك مش محتاجة بعقلك اللي يوزن بلد ده رغم صغر سنك، بايني انا الوحيدة اللي كنت هبلة ما بينكم.
ضحكت سمر لروح الدعابة الجديدة من شقيقتها ، لتسمع منها بعد ذلك بإنصات عن ما حدث معها طوال الساعات الماضية
………………..
فرد سالم ذراعيه يتلقى عناق صالح بعدما قرأ معه الفاتحة بصوت عالي في حضور الجميع، رغم وجود اتفاق مسبق، لكن الاَن لها وقع اخر، ليتم تبادل المباركات والتهاني بين الجانبين ، ثم هتف صالح بالجميع:
– طب كدة يا اخونا هيتم الفرح الكبير في وسط عيلتي وناسي يعني في بلدنا، لازم اخليه يسمع هنا وهناك، دا ندر انا كنت نادره، من اول ما ظهرت برائتي وروحي اتردتلي بفضلها……
اتجهت انظاره نحوها:
– بفضل الغالية، وش السعد وسبب كل خير انا في دلوك
اسبلت يمنى أهدابها بخجل لا تقوى على كبت ابتسامتها ، تتلقى عناق والدتها المحبة بعدما ارضاها الله في عزيزتها، لتطلق بفمها زغروطة عليا اصدرت صداها في الخلاء الصحراوي
– لولولولوي
هلل يونس على اثرها بابتهاج لما يحدث، وابصاره مصوبة نحو من اسرت قلبه بفتنتها،:
– الله عليكي يا مرة اخوي، زغرطي تاني يا ولية وادعيلي ربنا يكرمني باللي خطفت جلبي انا كمان جولي امين
– امين
تمتمت بها نجية مع البقية بمرح، حتى صالح هو الاخر، وقد غمر قلبه الارتياح بفرح متعاظم، مع بداية جديدة خالية من الحزن والظلم واليتم، بداية السعادة له ولشقيقته بعد ان ظن فرصتها مستحيلة، ويأتي الآن فرج الله من حيث لا يحتسب، ليغمغم بتضرع:
– الحمد لله يارب الحمد لله
…………تمت بحمد الله ……………
بقلم أمل نصر & بنت الجنوب.
