كنت راكبة أنا وبنت عمي 3
وقفت ببطء وأنا ببص للمية اللي في الطبق، وحسيت بنار الغضب بتبدل كل الخوف والكسرة اللي جوايا لجبروت مكنتش أعرف إنه عندي. بصيت لشذى وبصيت لسمير بملامح هادية جداً خالية من أي تعبير، وقلت بصوت هادي وبارد:
“المية بردت يا شذى.. كدة مش هتعمل حاجة والورم مش هيفش.. هقوم أسخنها تاني في المطبخ وأجيبها عشان تريحك على الآخر.”
شذى هزت راسها بدلع وقالت: “يا ريت يا ندى.. كتر خيرك والله.”
وسمير بصلي برضا كأني خلاص انكسرت وسلمت للأمر الواقع، ورجع يتكلم مع أمه.
دخلت المطبخ، وبمجرد ما باب المطبخ دارى وشي، تحولت لواحد تانية خالص. مليت الكاتل مية وحطيته على القاعدة، وفضلت واقفة باصة للمية وهي بتغلي وصوت الكاتل بيعلى ويعلى مع دقات قلبي اللي كانت زي الطبول. مكنتش شايفة قدامي غير القلم اللي علم على وشي، والرمية في الشارع السريع، ونظرات الشماتة في عين شذى وهي حاطة رجلها في حجر جوزي.
أول ما الكاتل فصل وصوت غليان المية السخنة وصل لقمتها، مسكت الكاتل بإيد جامدة مبتترعشش. خرجت للصالة بخطوات ثابتة ووش خالي من أي مشاعر.
قربت من الطبق اللي رجل شذى فيه، ووطيت كأني بظبط المية.. وفجأة، رفعت عيني وبصيت في عين شذى مباشرة، وبدون لحظة تردد واحدة، **دلقت مية الكاتل المغلية كلها دفعة واحدة على رجل شذى!**
الصالة اتزلزلت بصرخة رعب وألم رهيبة من شذى هزت جدران البيت كله! صرخة خلت سمير وحماتي يتنططوا من مكانهم زي المجانين. شذى قامت تصوت وتلطم وهي بتسحب رجلها اللي احمرت واتسلخت في ثانية من المية المغلية، ودموعها ونحيبها بقوا حقيقيين من الوجع.
سمير برّق عينه بصدمة وجنون وزقني بعيد وهو بيصرخ: “أنتِ عملتي إيه يا مجنونة؟! أنتِ اتجننتي!!!”
وقفت طولي بكل ثبات وقوة، ورميت الكاتل الفاضي على الأرض، وبصيتلهم ببرود وابتسامة نصر حقيقية وقلتله:
“أنا مسخنتش المية عشان الورم يفش يا سمير.. أنا سخنتها عشان أغسل وساختكم وقرفكم.. والمرة الجاية المية المغلية دي هتكون على وشوشكم!”
شذى كانت في الأرض بتصرخ بهستيريا وتلطم على وشها من الوجع، ورجليها بدأت تقبب فاقعات من أثر المية المغلية. حماتي سابت مكانها وجريت عليها تصرخ: “يالهوي! البنت هتموت! البنت بتضيع يا سمير! اطلب الإسعاف يا ابني، البنت سقطت البنت سقطت من الرعب!”
سمير وشه بقى أزرق من الصدمة والذهول، بص لشذى اللي كانت بتتلوى وتصرخ، وبصلي وأنا واقفة في وسط الصالة زي الصخرة، مابتشالش عيني من عليهم. النظرة اللي في عينه اتغيرت من البرود والتحكم لرعب حقيقي.. لأول مرة يشوف ندى الضعيفة المكسورة بالوحشية والقوة دي.
هجم عليا ومسكني من كتافي بكل غله وهزني بعنف وهو بيزعق في وشي وعروق رقبته هتنفجر: “أنتِ إيه؟! أنتِ شيطانة؟! عمري ما شفت في قذارتك ولا غلك! دمرتي البنت وحرقتيها! وحياة أمي ما هسيبك، هسجنك يا ندى.. هوديكي ورا الشمس!”
زقيت إيده بقوة وعزم مكنتش أعرف إني أملكه، لدرجة إنه رجع خطوتين لورا. وشاورت بصوباعي في وشهم كلهم وقلت بصوت حاد ومزلزل: “أعلى ما في خيلكم اركبوه! سجن إيه اللي بتهددني بيه يا سمير؟ روحوا الأول المستشفى وقولوا للدكتور ووكيل النيابة إنكم كنتوا قاعدين مدورينها مسخرة وقاعدين تذلوا فيا وتخلوني أغسل رجليها! قولولهم إنك ضربتني وطردتني في السريع عشان خاطرها!”
شذى وسط صراخها وعياطها بصتلي بعيون مليانة رعب وغل حقيقي، النظرة الشمتانة اللي كانت في عينيها من كام ساعة اختفت تماماً واتبدلت بكسرة حقيقية وألم هيفضل معلم في جسمها وعمرها ما هتنساه.
التفتّ وسيبتهم في وسط صراخهم وعياطهم، وطلعت شقتي فوق بكل برود. قفلت الباب ورايا بالمفتاح والترباس، ولأول مرة من يوم ما دخلت البيت ده، أحس إني قادرة أتنفس بجد، وإني أخدت حقي وحق كرامتي اللي داوسوا عليها. قعدت على الكنبة وأنا بسمع صوت دربكتهم وجريهم تحت وهم بياخدوا شذى على المستشفى، وابتسمت من قلبي.. اللعبة خلاص اتقلبت، واللي جاي مش هيكون زي اللي فات أبدًا.
قعدت في البلكونة والجو كان هسس، مفيش غير صوت الهوا وعربيات بعيدة. كنت حاطة رجل على رجل وبشرب كوباية شاي ببرود مكنتش أتخيل إنه فيا، لحد ما لقطت كشافات عربية سمير وهي داخلة شارع العمارة.
وقفت وداريت نفسي ورا السلك وبصيت تحت.. سمير ركن العربية، ونزل بسرعة فتح الباب اللي جنب السواق. شذى كانت نازلة ورجليها متغلفة بشاش أبيض كبير، ومش قادرة تدوس عليها وبتعيط بمسكنة. في ثواني، لقيت سمير بيوطي وبيرفعها بين إيديه بكل حنية وخوف، وهي تفتت في رقبته ودفنت وشها في صدره.
في اللحظة دي، مدمعتش ولا اتأثرت.. بالعكس، طلعت تليفوني بكل ثبات، وشغلت الكاميرا وفضلت أصورهم فيديو واضح جداً من أول ما شالها لحد ما دخلوا بوابة العمارة. وأنا ببص في شاشة التليفون على منظرهم، فجأة لمعت في دماغي فكرة زي البرق..
الخوف اللي في عيون سمير، وجرأته إنه يمد إيده عليا عشانها، وقعدتها في حجر جوزي بالمنظر ده.. ده مش منظر بنت عم وخلاص، ولا حتى حب قديم! الحرقة والغل اللي شذى كانت بتتكلم بيهم الصبح وتحديها ليا.. كل ده وراه سر كبير. “البت دي مش مجرد ضيفة.. البت دي ممكن تكون مرات جوزي!” الكلمة رنت في عقلي وخلت جسمي يقشعر، بس المرة دي من الحماس مش من الصدمة.
قلت لنفسي: “بقى كدة يا سمير؟ بتلعبوا بيا؟ تمام.. وحياة قهرتي وقلم الصبح، لو اللي في دماغي صح لأخلي أيامكم الجاية سودا”.
قفلت التليفون وشيلت الفيديو في مكان سري، وقررت إن أول ما النهار يطلع، مش هقعد أعيط ولا هسيب حقي.. أنا هلبس وأنزل على السجل المدني فورا، وبطريقتي هعمل قيد عائلي لسمير، وأنبش ورا شذى دي لحد ما أجيب قرارها وأعرف هي في عصمته ولا لأ، ولو طلعت مراته.. هتبقى نهايتهم هما الاتنين على إيدي.