بعد ما ورثت بيت ابويا 3
### الجزء الخامس: أوراق اللعبة القذرة
نظر المستشار رفعت إلى الملف الأخضر الذي أخرجته من حقيبتي، وارتسمت على وجهه علامات الدهشة والفضول. فتح الملف ببطء وبدأ يقلب بين الأوراق والمستندات بتركيز شديد، وفجأة اتسعت عيناه ونظر إليّ بذهول وقال:
— يا نهار أبيض يا أسماء! الأوراق دي خطيرة جدًا.. إنتي جبتي المستندات دي منين؟ دي تقلب عيلة طارق وتخليهم ينهشوا في لحم بعض!
ابتسمت بهدوء، وتذكرت الأيام الأخيرة التي سبقت حبس طارق، عندما أرسلت لي جارتهم القديمة، التي كانت تكره لؤم شيرين وجشعها، صندوقًا كرتونيًا صغيرًا كانت شيرين قد تركته عندها كأمانة أثناء نقل أثاثها القديم ونسيته هناك. فتحت الصندوق ووجدت فيه ما لم يتخيله عقل.
التفتت للمستشار رفعت وقلت له بنبرة واثقة:
— شيرين كانت دايماً بتعمل نفسها المظلومة الغلبانة قدام أمها وأخوها، وإنها مديونة ومحتاجة الإيجار. لكن الأوراق دي بتثبت إن شيرين باعت نصيبها في ورث أبوها “من ورا طارق وأمه” لتاجر عقارات كبير، وقبضت تمنه كاش من خمس سنين، ولما طارق فتح مكتب المحاسبة وسألها عن فلوس الورث، ادعت إن الفلوس ضاعت في تجارة خسرانة. ومش بس كده.. دي شارية شقة تمليك تانية باسم جوزها في الإسكندرية ومأجراها من وراهم وبتدخل في حسابها آلاف الجنيهات كل شهر، في الوقت اللي كانت بتاخد فيه مني ومن طارق مبالغ تانية بحجة إنها مش لاقية تاكل وعيالها هيتشردوا!
ضحك المستشار رفعت وقال وهو يفرك يديه بحماس:
— يعني الحاجة إجلال اللي قالبة الدنيا وبتحضر لحملة تشويه لسمعتك في المنطقة عشان تنقذ ابنها، متعرفش إن بنتها حبيبتها شيرين سارقاهم وناصبة عليهم هما الاتنين؟
— بالظبط كده يا سيادة المستشار. هما دلوقتي بيجمعوا ناس من قرايبنا وناويين يعملوا قعدة عرب ويجيبوا ناس يرموا عليا كلام مش تمام في المنطقة عشان يضغطوا على أعمامي ويخلوني أتنازل عن قض..ية طارق. أنا عايزة القعدة دي تتم، وعايزاهم يجمعوا كل كبار العيلة.. عشان الصدمة تكون قدام الكل!
وفي مساء يوم الخميس، امتلأ صوان العائلة الكبير في حي المعادي، وحضر أعمامي وكبار المنطقة بناءً على دعوة “الحاجة إجلال” التي دخلت وهي ترتدي السواد المبالغ فيه، وتبكي بحرقة مصطنعة، وتجر خلفها شيرين التي كانت تولول وتدعي المظلومية.
بدأت الحاجة إجلال الحديث بصوت مرتفع أمام الجميع وقالت بنبرة حادة:
— يا جماعة، إحنا جينا هنا عشان نشتكي لبنات الأصول وكبار العيلة. أسماء اللي كنا شايلينها في عينينا، تتبلى على ابني طارق وتجيب له حراسة وتلفق له قض..ية س..لاح واقتحام عشان تاخد ممتلكاته ومكتبه وشقى عمره! دي ست جاحدة ومشت على كلام محامين عشان تخرب بيتها وتذل أهل جوزها.. وسمعتنا في الحي بقت على كل لسان بسبها!
أومأ بعض الحاضرين برؤوسهم، وبدأت الهمهمات تتعالى في الصالة، والتفت أعمامي إليّ بنظرات عتاب وتساؤل.
وقفت في منتصف القاعة بكل ثبات، ولم أهتز شعرة واحدة. أخرجت الملف الأخضر من حقيبتي ووضعته على الطاولة الكبيرة أمام كبار العائلة، ونظرت لشيرين التي بدأت ملامحها تتغير تدريجيًا عندما لمحت لون الملف.
وقلت بصوت مسموع هز أركان المكان:
— أنا مش هرد على كلام الحاجة إجلال.. أنا هسيب الورق ده يرد. بس قبل ما تقروا الورق، أنا عايزة أسأل شيرين قدامكم كلكم: الفلوس اللي كنتي بتستلفيها مني ومن طارق كل شهر عشان تدفعي إيجار شقتك “المزعومة”، كانت بتروح فين؟ ولما طارق كان بيبكي على مكتبه وشقاه، كنتي إنتي بتعملي إيه بفلوس ورث أبوكي اللي قولتوا إنها ضاعت؟
صرخت شيرين بارتباك واضح حاولت إخفاءه بالهجوم:
— ورق إيه وزفت إيه! إنتي كمان هتألفي حكايات وتتهميني؟ الفلوس ضاعت في البورصة والكل عارف!
تقدمتُ خطوة وأخذت العقود الرسمية الموثقة وكشوف الحسابات البنكية السرية من الملف، ورفعتها في وجه الحاجة إجلال وقلت:
— اتفضلي يا حاجة إجلال.. اقري عقود الملكية دي. بنتك شيرين بايعة نصيبها في الورث وقابضة تمنه ملايين من وراكم، وعندها شقة تمليك باسم جوزها في أرقى مناطق الإسكندرية وبتجيب لها إيجار شهري عالي جدًا. بنتك اللي خلتك تضغطي عليا عشان أبيع لها بيت أبويا بـ 4.5 مليون من حسابي أنا وطارق، كانت بتخطط تاخد البيت لنفسها وتطلعك إنتي وابنك طارق من المولد بلا حمص!
وقعت الكلمات كالصاعقة على رؤوس الحاضرين. خطف عمي الأكبر الأوراق وبدأ يقرأ الأرقام والتواريخ بصوت عالٍ، بينما تحول وجه الحاجة إجلال من الغضب والوعيد إلى الشحوب التام. التفتت لابنتها شيرين وعيناها تتسعان بجنون وصدمة:
— الكلام ده صح يا شيرين؟ إنتي عندك شقة تمليك؟ وبايعة الورث ومخبية عليا وعلى أخوكي اللي محبوس بسبك؟!
انفجرت شيرين بالبكاء وحاولت الإنكار، لكن العقود الرسمية الممهورة بامضائها وبصمتها وكشوف الحسابات كانت قاطعة لا تدع مجالاً للشك. تبدلت الجلسة في ثوانٍ؛ وتحول الهجوم الموجه ضدي إلى خناقة عائلية طاحنة بين الحاجة إجلال وابنتها شيرين أمام كل كبار العيلة والجيران! وقامت الأم تلطم وجهها وتصرخ في ابنتها: “خربتي بيت أخوكي وطمعتي فينا يا فاجرة!”.
انسحبتُ بهدوء من وسط الفوضى والصراخ، ووقفت عند باب القاعة مع المستشار رفعت الذي كان يبتسم بانتصار كبير، وقال لي:
— برافو يا أسماء.. ضربة معلم. هما دلوقتي هيقطعوا بعض، وحملة التشويه اتقلبت عليهم فضيحة بجلاجل أمام الحي كله. طارق في السجن هيعرف باللي أخته عملته، ومش هيرحمها.
نظرت إلى بيت والدي البعيد، وشعرت برياح النصر تهب على قلبي. لكن المستشار رفعت استدرك فجأة بملامح جادة، وأخرج هاتفه الذي كان يهتز بعنف، ونظر إلى الشاشة وقال بنبرة قلقة:
— أسماء.. فيه خبر جديد لسه جاي حالا من النيابة.. طارق رفض يتكلم مع محاميه، وطلب يقابل وكيل النيابة لوحده عشان يعترف بحاجة تانية خالص.. حاجة تخص “عقد ملكية قديم” لبيت أبوكي ممكن يقلب القض..ية كلها لمال صالحهم من جديد!
ما هو هذا السر القديم الذي يملكه طارق في جعبته؟ وكيف سيحاول استخدامه لتهديد ملكية بيت المعادي من داخل سجنه؟
### الجزء السادس: العقد الأسود من تحت الأنقاض
وقعت كلمات المستشار رفعت على مسامعي كالمياه الباردة، لكنني لم أسمح للرعب أن يتسلل إلى ملامحي مجددًا. التفتُّ إليه والأنظار خلفنا في الصوان ما زالت مشتعلة بصراخ الحاجة إجلال وعويل شيرين بعد الفضيحة التي دوت في الحي بأكمله.
قلت للمستشار بنبرة حازمة:
— عقد قديم إيه يا سيادة المستشار؟ بيت المعادي ده أبويا وأمي شقوا في ثمنه قرش فوق قرش، وعقده المسجل في الشهر العقاري كان في خزنة مكتب أبويا وممضي بخط إيده السيراميك اللي لسه محتفظة بيه لحد النهاردة! طارق هيجيب عقد منين وهو محبوس؟
رد المستشار رفعت وهو يمسح حبات العرق عن جبينه ويشير لي بالتحرك نحو سيارته للابتعاد عن الضوضاء:
— طارق محاسب قانوني ذكي يا أسماء، ولما لقى نفسه هيقضي أحلى سنين عمره ورا القضبان، وأخته طلعت نصابة وضحكت عليه وعلى أمه، قرر يلعب لعبة “عليّ وعلى أعدائي”. المحامي بتاعه أبلغني إنه قدم طلب رسمي للنيابة لإرفاق “عقد إيجار قديم مشهور” ومدفوع الثمن بالكامل لمدة 59 سنة، العقد ده مؤرخ بتاريخ قديم جداً، يعني قبل وفاة والدك الأستاذ هشام بسنتين!
اتسعت عيناي بذهول وقلت:
— إيجار قديم؟ ومين اللي مأجر؟ ومن مين؟
قال المستشار وهو يشغل محرك السيارة:
— العقد مكتوب فيه إن والدك الله يرحمه أجر البيت بالكامل لطارق شخصياً قبل جوازكم بسنة، بمبلغ رمزي جداً ومدفوع مقدم إيجار عن المدة كلها! طارق بيدعي إن والدك عمل كده كـ “مهر وتأمين” ليه عشان يتجوزك ويحافظ على البيت، وإن طارق شال العقد ده ومظهروش طول السنين اللي فاتت مراعاة لخواطرك، لكن لما إنتي “طردتيه” ووقعتيه في فخ ممتلكاته، قرر يظهر العقد عشان يثبت إن ليه حق منفعة قانوني في البيت لمدد طويلة جداً مفيش قوة تقدر تخرجه منها، وبكده حتى لو البيت ملكك، مش هتقدري تعيشي فيه ولا تبيعيه ولا تتصرفي في شبر منه!
شعرت بغصة في حلقي. هل يعقل أن يكون أبي قد فعل ذلك؟ لا.. مستحيل. أبي كان يعلم مدى طمع طارق، ورسالته في الخزنة كانت واضحة: *”لو في يوم حد فكر يستقوى عليكي.. روحي للراجل ده”*.
قلت بثقة ويقين:
— العقد ده مزور يا سيادة المستشار. أبويا مستحيل يمضي على ورقة زي دي من ورايا، ومستحيل يسلم رقبتي لطارق من قبل حتى ما نتجوز. طارق زور امضاء أبويا!
التفت إليّ المستشار رفعت ونظرة الإعجاب بصلابتي تملأ عينيه:
— وأنا رأيي من رأيك يا بنتي. الأستاذ هشام الله يرحمه كان رجل قانون ومستحيل يقع في غلطة زي دي. طارق استغل السبع سنين اللي عاشهم معاكي في البيت، ودخوله لمكتب والدك، وأكيد لقى ورقة قديمة عليها امضاء والدك أو درس خطه بالمسطرة والقلم وزور العقد ده بمساعدة محامي منعدم الضمير. لكن المشكلة إن العقد ده متقدم للنيابة بطلب رسمي، والنيابة هتحوله للطب الشرعي لـ “أبحاث التزييف والتزوير” عشان يفحصوا الخط والامضاء، والموضوع ده بياخد وقت، وطارق هيستغل ده عشان يطلب إخلاء سبيله على ذمة القض..ية ويدخل البيت بقوة القانون كـ “مستأجر حائز”!
نظرت من نافذة السيارة إلى شوارع المعادي الهادئة، والضوء الخافت المنبعث من أعمدة الإنارة يذكرني بليلة اقتحام طارق للحوش. فكرت بعمق، وتذكرت شيئاً مهماً.. شيئاً صغيراً جداً قد يقلب الطاولة على طارق ويدفنه في السجن إلى الأبد بتهمة التزوير الجنائي.
التفتت للمستشار وقلت بابتسامة حادة:
— خليه يقدم العقد للطب الشرعي يا سيادة المستشار، وخليه يفرح باللعبة دي كام يوم. طارق نسى حاجة مهمة أوي وهو بيزور العقد ده.. حاجة هتكشف كذبه من أول دقيقة فحص للورق!
— حاجة إيه يا أسماء؟
— طارق لما زور امضاء أبويا، أكيد استخدم قلم حبر عادي عشان يبان الخط قديم. لكن أبويا الله يرحمه، من يوم ما استلم عقد ملكية البيت، مكنش بيمضي على أي ورقة تخص البيت أو الشغل إلا بقلم واحد بس.. “قلم السيراميك الأسود” اللي سابهولي في المكتب، الحبر بتاع القلم ده حبر كربوني مخصص للمستندات الرسمية، مش حبر جاف عادي، وأبويا كان دايماً يقول لي: *(الحبر ده بيموت مع الورقة ومبيتغيرش لونه ولا بيتمسح)*. لو الخط المكتوب بيه العقد الجاف العادي، الطب الشرعي هيثبت إن عمر الحبر متطابقش مع التاريخ المكتوب! ومش بس كده.. العقد المزعوم مكتوب بتاريخ قبل وفاة أبويا بسنتين.. وفي التاريخ ده بالذات، أبويا كان في رحلة علاجية برة مصر في ألمانيا لمدة 6 شهور، وجواز سفره القديم لسه معايا في الخزنة ومثبت فيه تواريخ الخروج والدخول من المطار! يعني أبويا مستحيل يكون مضى العقد ده في مصر بالتاريخ اللي طارق كاتبه!
صاح المستشار رفعت بفرحة عارمة وضرب بيده على مقود السيارة:
— الله أكبر عليكي يا أسماء! أنتي مش بس أمّنتي نفسك، أنتي بقيتي أستاذة قانون! جواز السفر القديم مع تقرير نوع الحبر كفيلين يحولوا قض..ية طارق من “نزاع مدني” لجناية تزوير في أوراق رسمية واستعمال محرر مزور، ودي عقوبتها الأشغال الشاقة!
في صباح اليوم التالي، توجهنا إلى النيابة وقدمنا حجة غياب والدي وجواز سفره، مع طلب استعجال فحص العقد من الطب الشرعي. وفي نفس الوقت، كان طارق يقبع في حجز القسم، ينتظر الفرج ويظن أن عقده الأسود سينقذه.
لكن المفاجآت لم تتوقف عند هذا الحد.. فبينما كنا نخرج من مبنى النيابة، وجدنا شخصاً يقف أمام الباب ينتظرنا، شخصاً لم نكن نتوقع رؤيته أبدًا في هذا الموقف.. “زوج شيرين”، الذي كان يحمل في يده حقيبة سوداء صغيرة، وبدت على وجهه علامات الخوف والرغبة في الانتقام من زوجته وأهلها بعد أن علم بنصبها عليه باسمه في الإسكندرية!
تقدم نحو الفوج وعيناه تلتفتان يميناً ويساراً وقال بصوت منخفض:
— مدام أسماء.. الأستاذ رفعت.. أنا جوز شيرين. أنا مليش ذنب في قذارة العيلة دي، وشيرين ضحكت عليا وكتبت الشقة باسمي عشان تهرب فلوسها. أنا جاي أقول لكم على المصيبة الكبيرة اللي طارق وشيرين مخبينها في المخزن القديم بتاع مكتب المحاسبة.. مصيبة لو البوليس عرفها، طارق مش بس هيفضل في السجن.. ده مش هيطلع منه صاحي!
ما هي المصيبة الكبيرة المخبوءة في المخزن القديم؟ وكيف ستستغلها أسماء لإنهاء كابوس عائلة طارق مرة واحدة وإلى الأبد؟