اي اللى جابك
وعد الصعيدي مايا خالد
كانت بتجري وسط الزرع والنفس بيتحرق جوه صدرها، فستانها اللي كان من ساعات رمز لفرحتها بصحبتها في ليلة عرسها، بقى دلوقتي عبارة عن خرقة دايبة بتتكعبل في رجليها الحافية. الصمت في غيطان الصعيد واعر، مبيسمعش غير صوت ضربات قلبها وهي بتهرب من رعد.. الراجل اللي عينه منزلتش من عليها طول الفرح، الراجل اللي فاكر إن كل حاجة ينفع تتاخد بالدراع.
فجأة، خبطت في صدر صلب زي الحجر، صرخت وهي بتغمض عينها وبترجع لورا بانهيار:
لا.. ابعد عني.. أبوس يدك سيبني في حالي!
فتحت عينها براحة، لقت راجل واقفه هيبته تهد جبال، لابس جلبابه الصعيدي وواقف في نص الأرض ببرود وثبات. مكنش رعد، كان حد تاني خالص، ملامحه فيها قسوة الأرض بس عينه فيها لمعة شهامة.
يا فتاح يا عليم.. إيه اللي جابك هنا يا بت الناس في وقت زي ده؟ وإيه اللي عاملك فيكي كدة؟
وقعت تحت رجله وهي بتنهج بدموع:
أنا غريبة.. أنا ضيفة.. وديني عند كبير البلد، هما قالوا إنه راجل حقاني وهيحميني.. أبوس يدك وديني لدواره.
عاصم وطى مستواها، وبص في عينها اللي بتلمع بالرعب، صوته طلع رخيم وهادي بس فيه قوة تطمن بلد:
قومي يا بت القاهرة.. انشفي واصل. إنتِ وقفتي في المكان الصح.. أنا عاصم الهواري، وأنا كبير البلد اللي بتدوري عليه، والي دخل حدودي مفيش مخلوق يقدر يمسه، ولو كان جان من جنون الجبل.
سندها لحد وصلوا الدوار، وأمر الكل يخدمها، لحد مايشوف حكايتها الصبح.
الخبر وصل لـ رعد إن البنت اللي قلبت موازينه هربت وراحت لعدوه اللدود، عاصم الهواري. مكنش قدامه غير إنه يروح ياخدها بالذراع، دخل الدوار ببرود ورجالته وراه، وعينه بتلف في المكان زي الصقر الجعان.
عاصم كان قاعد في صدر المضيفة، بيشرب قهوته ببرود يحرق الأعصاب، وأول ما رعد دخل، عاصم محركش ساكن، فضل باصص لفنجانه وقال بصوت واطي بس مسموع:
منور يا رعد.. بس مش عوايدك تدخل بيوت الناس من غير إذن.
رعد ضحك ضحكة صفرا وقال:
إحنا أهل يا عاصم، والبيت بيتنا.. أنا جاي آخد الأمانة اللي عندك، البنت ضيفة عندي وتاهت منهم في الزحمة، وهما قلقانين عليها.
عاصم رفع عينه وبصله بنظرة خلت رعد يبلع ريقه:
الأمانة اللي دخلت داري، خلاص بقت تخصني.. والبنت قالت إنها لا قريبتك ولا تعرفك، واستجرت بيا.. وإنت عارف عاصم الهواري كويس، اللي يستجير بيا يتقطع صباعي ولا يتسلمش للي زيك. مايا خالد
الجو اتكهرب، ورعد قرب خطوة وبنبرة تهديد:
هتقوم حرب بين الصاوي والهوارية عشان خاطر بنت مالهاش أصل يا عاصم؟ سلمها بالذوق أحسن ما نفتحوا بحور دم.
عاصم قام ووقف بكل طوله، وبقى وشه في وش رعد:
لو الدم هو اللي هيعلمك الأدب، فأنا رويان منه.. البنت دي حمايتي، والكلمة اللي قلتها السلا*ح هو اللي هينفذها.. اطلع بره يا رعد، وإياك رجلك تخطي حدود الأرض دي تاني طول ما هي فيها.
رعد خرج وهو بيتوعد بشر.
عاصم أتأكد أن ورا البنت دي مشكلة كبيرة ولازم يفهمها..
الصبح طلع وشقاشق النور بدأت تملى الدوار، بس عاصم مكنش نام.. فضل طول الليل في المندرة عين مابتغفلش، بيفكر في البنت اللي أترمت في طريقه، وفي جراءة رعد اللي زادت عن حدها.
مايان صحيت على صوت زقزقة العصافير وريحة الخبيز اللي مالية المكان. نزلت بخطوات مهزوزة، لقت الحاجة آمنة أم عاصم واقفة وسط الفرن، وبنات الدوار حواليها. أول ما شافتها الحاجة آمنة، وشها نور وضحكت:
تعالي يا جمر.. تعالي يا بتي افطري وبلّي ريقك، ده إنتِ وشك كان مخطوف امبارح خطفة تقطع القلب.
مايان بكسوف حاولت تنسحب، بس حنية الأم في صوت الحاجة آمنة شدتها. بدأت تقعد معاهم، ومع الوقت، لقت نفسها من غير ما تحس بتمد يدها تساعدهم. أصلها كانت يتيمة وعاشت طول عمرها تعتمد على نفسها، فمقدرتش تقعد ضيفة والكل شغال حواليها.
خليني أساعدك يا طنط.. أنا بعرف أعجن شوية، كنت بساعد صاحبتي في القاهرة.
الحاجة أمنه أرتاحت وياها وقالت لها: اي طنط دي جولي ياما هتطلع منك جمر زيك.
ماياخالد
في الوقت ده، كان عاصم بيتمشى في حوش الدوار، وقف بعيد ورا نخلة، عينه جات عليها. شافها وهي بتضحك مع أمه، وشاف العفرة بتاعة الدقيق على مناخيرها.. لأول مرة يحس إن الدوار فيه روح جديدة، روح رقيقة مكنتش موجودة وسط سلا..ح الصعايدة وكلمتهم الناشفة.
مر أسبوع وكل ما يحاول يكلمها يفهم منها سبب غرض رعد منها وليه مصمم يرجعها دوارهم بتهرب منه وتخاف فيسيبها على راحتها لحد ماتيجي هي تحكي.
وفضل مراقبها من بعيد لبعيد. شافها بتنضف الخضار، وبترش الحوش بالماية قبل المغرب عشان البرودة، وبقت يدها في يد أمه في كل حاجة. الحاجة آمنة مكنتش بتبطّل كلام عنها قدامه:
يا عاصم يا ولدي، البنية دي رزق.. رقيقة وحسيسة، وبقت زي بنتي اللي مخلفتهاش، بس عينيها فيها غيمة حزن مابتفارقهاش واصل شوف حكايتها وحلها زي عادتك يا ولدي.
عاصم: حاضر ياست الكل هشوف مشكلتها وأحلها.
في يوم، عاصم دخل المطبخ فجأة وهي كانت لوحدها بتغسل المواعين. اتنفضت لما شافته، والصحن وقع من يدها اتكسر.
أنا.. أنا أسفة يا عاصم بيه، مكنتش أعرف إنك هنا.
قرب منها عاصم بخطوات هادية، ونظرة عينه كانت غريبة.. فيها حنية ممتزجة بحدة:
عاصم بس يا مايان.. مفيش بيه بيني وبينك. وإنتِ هنا مش خدامة، إنتِ هنا ضيفة.
مايان وشها جاب ألوان، وقلبها بدأ يدق بسرعة. الكرم اللي شايفاه منه ومن أهله بيخلي السر يتقّل على قلبها أكتر. كانت حاسة إنها بتخدعهم، إنها لو قالت الحقيقة عاصم هيرميها بره الدوار، أو رعد هيوصلها ويكمل كسرها وهي يتيمة.
عاصم كمل كلامه وهو عينه في عينها:
أنا بعتّ ناس القاهرة يسألوا عليكي.. عرفت إنك يتيمة وبتشتغلي سكرتيرة في عيادة، وإنك متميزة وشاطرة.. بس لسه معرفتش إيه اللي يخلي رعد الصاوي يقلب الدنيا عليكي ويقول إنك ضيفته؟ رعد مبيعملش واجب مع حد يا مايان، إلا لو كان وراه مصلحة.. قوليلي يا بت الناس، إيه اللي مخبياه في عينيكي؟
مايان بدأت تترعش، والدموع بدأت تتجمع في عينها. عاصم قرب خطوة كمان، ويدُه القوية لمست كتفها براحة كأنه بيطمنها:
انطقي.. أنا حلفت أحميكي، والكلمة عندي عقد.
مايان مكنتش قادرة، بس كانت خايفة من حبه اللي بدأ يكبر وهي حاسة إنها بدأت تحبه وشايفه في عينه هو كمان أعجاب.
سكتت وهي بتبكي بصوت مكتوم، وعاصم كان واقف قدامها زي الجبل، بيحاول يفهم السكوت ده وراه إيه، وهو مش عارف إن السكوت ده هو اللي هيهد الجبل ده بعدين.
عاصم بدأ يشوف فيها سكنه، وهي بدأت تشوف فيه الأمان اللي عمرها ما عرفته، بس خايفه تلمسه.
فات شهر، وبقت مايان جزء من روتين الدوار. عاصم كان بيحب يراقبها وهي مش واخدة بالها. في يوم، كانت الدنيا شتا والجو برد واصل في الصعيد، عاصم رجع من الغيط ولقى مايان قاعدة في ركن في الحوش، وماسكة قميص من قمصانه كانت الخية بتاعته مقطوعة، وبتحاول تخيطه بتركيز والبرد منشف صوابعها.
وقف عاصم يراقبها، كانت بتنفخ في صوابعها عشان تدفيهم وترجع تكمل خياطة. قلب الكبير رقّ، قرب منها وقال بصوت واطي:
سيبي اللي في يدك ده يا مايان.. البرد في الحوش يِكسر العضم، قومي ادخلي جوه جِوار الفرن.
مايان اتخضت ورفعت عينها، لمعة الإعجاب في عين عاصم خلت وشها يورد رغم البرد:
خلاص يا عاصم، غرزتين وهخلص.. القميص ده غالي عندك، الحاجة آمنة قالتلي إنك بتحب تلبسه في القعدات الكبيرة.
عاصم ابتسم، ودي كانت نادرة، وطلع الشال الصوف اللي على كتفه وحطه على كتافها هي.. الشال كان فيه ريحته، ريحة أرض وهيبة. مايان حست بدفا غريب، دفا واصل لقلبها.
دفي كتافك.. والقميص فداكي، لو باظ نشتري غيره، بس إنتِ ميتعوضش تعبك.
مايان بصت في الأرض، الكلمة كانت كبيرة وقوية. عاصم حب يشيل التوتر، فبدأ يسألها عن حياتها في مصر، عن وحدتها، وعن أحلامها اللي اتسرقت. كانت بتحكي وهو بيسمع بقلبه قبل ودنه، لقى نفسه بيوعد نفسه إن اليتيمة دي مش هتعرف طعم اليتم تاني طول ما هو عايش.
وفي ليلة تانية، عاصم تعب شوية من نزلة برد شديدة. الدوار كله اتقلب، والحاجة آمنة كانت تعبانة مش قادرة تقف. مايان هي اللي سهرت جنبه، كانت بتعمله كمادات وتغيرله الماية طول الليل وهو غايب عن الوعي.
في لحظة، عاصم فتح عينه نص فتحة، لقى إيدها الناعمة على جبهته، وشعرها نازل على وشها بتعب. مسك إيدها وهو مش دريان، وقال بهمس:
متمشيش يا مايان.. خليكي هنا.. الدوار من غيرك ملوش طعم.
مايان قلبها كان هيقف، عيطت في صمت وهي بتبوس إيده من غير ما يحس:
يا ريت ينفع أفضل يا عاصم.. يا ريتني كنت نظيفة كفاية عشان أليق بيك.
عاصم فاق الصبح، لقاها نايمة على الكرسي جنبه من التعب. بصلها بحب حقيقي، حب ملوش علاقة بالشفقة. بقى بيخلق أعذار عشان يكلمها، يطلب منها تعمل له القهوة مخصوص، يطلب رأيها في لون دهان في المندرة الجديدة.. كان بيحسسها إنها ست البيت مش مجرد ضيفة.
لكن وسط كل ده، كان رعد زي الخيال الأسود، بيظهر في أحلامها، ويظهر في نظرات رجالته اللي بيعدوا من قدام الدوار كل يوم. هي كانت بتموت من جوه، كل ما عاصم يقرب خطوة، هي ترجع خطوتين بخيالها، خايفة إن الحلم ده ينتهي بكابوس اسمه الحقيقة.
رعد مكنش من النوع اللي ينسى، والسكوت بتاعه كان هدوء ما قبل العاصفة. كان بيغلي وهو شايف إن عاصم الهواري مش بس كسر كلامه، لا ده كمان مأمن البنت وعامل لها شنة ورنة في الدوار.
في يوم، عاصم كان في الغيط، بيشرف على جني المحصول، والجو كان هادي زيادة عن اللزوم. فجأة، سمع صوت فرامل عربيات وغلظة سلا..ح. رعد نزل من عربيته ومعاه عشر رجالة، كلهم شايلين السلا..ح على كتافهم.
عاصم وقف ببرود، ومعاه النبوت بتاعه، وبص لرعد بنظرة سخرية:
إيه يا ولد الصاوي؟ جيت الغيط بموكب، خايف من شجر الذرة لا يطلعلك فيه عفاريت؟ مايا خالد
رعد قرب ووشه محقون بالغل:
العفاريت إنت اللي محضرهم يا عاصم. أنا جيت أقصر معاك الكلام.. البنت اللي عندك دي، أنا عارف إنك بدأت تتمسح فيها، بس حابب أقولك إنك بتلعب في عرضي أنا.. البنت دي كانت ضيفة في بيتي، والناس بدأت تتكلم، وصيتها بقى على كل لسان.. سلمها بالذوق، بدل ما أخلي سيرتك وسيرتها لبانة في بق الكل.
عاصم قرب من رعد لحد ما النفس بقى في النفس، وقبض إيده على النبوت بقوة:
عرضك؟ إنت تعرف يعني إيه عرض أصلاً؟ البنت دخلت حمايا، ولو نملة لمستها يبقى قطع رقبتك على يدي.. والناس اللي بتتكلم، أنا أقطع لسانها، وإنت أولهم لو نطقت اسمها تاني.
رعد ضحك بصوت عالي ومستفز:
ماشي يا كبير الهوارية.. بكرة لما تعرف حقيقتها، إنت اللي هترميها لرجالتك في الغيط. البنت دي مش زي ما إنت فاكر يا مغفل.. اسأل نفسك هي ليه بتهرب من عيني كل ما تشوفني؟ وليه مرعوبة من رعد بالذات؟
رعد سابه ومشي، بس الكلمات دي زرعت شك بسيط في قلب عاصم، مش شك في أخلاق مايان، لكن شك إن فيه مصيبة رعد عاملها وهي اللي مأثرة عليها.
عاصم رجع الدوار بالليل ووشه ميتفسرش، دخل لقى مايان واقفة في الطرقة بتستناه وبيدها فوطة عشان يغسل وشه من تراب الغيط. أول ما شافت عينه، قلبها انقبض.
مالك يا عاصم؟ فيك إيه؟ حد حصل له حاجة في الغيط؟
عاصم بصلها نظرة طويلة، نظرة كانت عايزة تخترق ضلوعها وتعرف المستخبي. مسك يدها فجأة وقال بصوت فيه نبرة غريبة:
رعد كان عندي في الغيط يا مايان.. رعد بيقول إنك كنتي في بيته وسيرتك بقت على لسان الناس.. رعد بيقول إن فيه حاجة أنا معرفهاش.
مايان حست إن الأرض بتلف بيها، دمها هرب من عروقها، والفوطة وقعت من يدها. كانت عايزة تنطق، بس لسانها اتجمد.
هو.. هو قالك إيه؟
عاصم ضغط على يدها براحة:
ميهمنيش هو قال إيه، يهمني إنتِ تقولي إيه.. أنا مش مصدقه، بس سكوتك ده بيحرقني يا مايان.. قوليلي مفيش بينك وبينه حاجة، قوليلي إنه كداب وأنا أروح أمحيه من على وش الأرض دلوقتي.
مايان بدأت تترعش بانهيار، مكنتش قادرة تبص في عينه. سحبت يدها منه وجريت على أوضتها وهي بتعيط بحرقة. عاصم فضل واقف مكانه، قلبه بيتعصر.. حاسس إن فيه حيطة سد بينه وبين البنت اللي عشقها، والحيطة دي رعد هو اللي بناها.
الليل دخل وسكنت الحركة في الدوار، بس النار اللي رعد قادها في صدر عاصم مكنتش راضية تهمد. عاصم فضل قاعد في الحوش، ماسك مسبحته وصوت حباتها وهي بتخبط في بعضها كان زي دقات طبول الحرب.
أما مايان، فكانت في أوضتها، قافلة على نفسها وبتموت في كل ثانية مية مرة. كلام رعد لعاصم كان معناه إن النهاية قربت، وإن الستر اللي استخبت فيه شهر كامل بدأ يتكشف. مكنتش خايفة من رعد، كانت خايفة من نظرة الاحتقار اللي ممكن تشوفها في عين عاصم لو عرف.
قامت ببطء، غسلت وشها، ولبست شالها الصوف، وقررت إن النهاردة لازم يكون آخر يوم للخوف. نزلت السلم بخطوات زي الخيال، لقت عاصم قاعد لوحده، ضهره محني لأول مرة وكأنه شايل جبل.
وقفت وراه وقالت بصوت مهزوز:
عاصم..
عاصم مالتفتش، بس صوت مسبحته وقف. رد بصوت ناشف زي الحجر:
عاصم كان بيستناكي يا مايان.. كان مستني إنك متخليش الكداب ده ينام الليلة وهو حاسس إنه كسرني فيكي.
مايان قربت وقعدت على طرف الكرسي اللي جنبه، كانت بتترعش بس عينيها كانت ثابتة المرادي:
رعد مكذبش في حاجة واحدة.. هو فعلاً دمرني.. بس كذب في الباقي.
عاصم لف وشه ليها فجأة، عيونه كانت حمرا من السهر والوجع:
يعني إيه دمرك؟ انطقي يا بت الناس.. رعد عمل فيكي إيه؟
مايان غمضت عينيها، ودمعة سخنة نزلت حفرت طريق على خدها:
بعد الفرح.. لما روحت معاهم الدوار عشان أغير هدومي.. رعد قفل عليا الباب. صرخت، استنجدت، بس مكنش فيه حد.. رعد خد مني كل حاجة يا عاصم.. خد شرفي وغصب روحي، ضربته على دماغه وهربت منه وهو بيجري ورايا بالبندقية عشان يكسر فيا أكتر.. أنا جيتلك وأنا مكسورة، جيتلك وأنا حاسة إني ج*ثة ماشية على الأرض.
الكلمات نزلت على عاصم زي الصاعقة. قام وقف فجأة، الكرسي وقع وراه، ملامحه اتحولت لشيء مرعب، العروق في رقبته برزت وصدره بقى بيطلع وينزل زي البركان.
مايان كملت بانهيار:
كنت عايزة أقولك.. والله كنت عايزة، بس كنت بخاف من اللحظة دي.. كنت بخاف أشوف في عينك إني رخيصة أو إني دنس غصب عني.. أنا مش ذنبي يا عاصم، والله ما ذنبي!
عاصم ملمسهاش، ولا نطق بكلمة حنية واحدة زي ما كانت متوقعة. سابها واقفة بتبكي، ومشي بخطوات سريعة ناحية السلا..ح اللي متعلق على الحيطة. خده، وحمرق في عينه شر ملوش آخر، وخرج من الدوار وهو بيصرخ في رجاله:
يا هوارية!! السلا..ح يطول.. النهاردة مفيش صلح.. النهاردة فيه دم هيغسل العار!
مايان وقعت على الأرض بتصرخ، كانت فاكرة إنه هيحضنها، بس عاصم الصعيدي، الكبير اللي جواه غلب العاشق. خرج ومبصش وراه، وهي فضلت في مكانها، حاسة إنها خسرت كل حاجة.. خسرت نفسها، وخسرت الراجل الوحيد اللي حست معاه بالأمان.
عاصم راح لبيت رعد، والبلد كلها صحيت على ضرب النار. عاصم مقتلوش بطلقة وخلاص، عاصم ذله قدام الكل، جابه تحت رجله وخلاه ينطق بالحقيقة قدام كبار البلد وهو بيموت من الضرب، وبعدها سلمه للبوليس بعد أعترف على كل أعماله الغير شرعية واخرهم خطف الضيفة واعتداءها عليها
ده حق اللي استجارت بيا.. وده حق الغدر.
رجوع عاصم الدوار كان أصعب من خروجه. دخل ووشه متغرق دم، لقى مايان قاعدة مكانها زي ما سابها. بص لها نظرة وجعت قلبها أكتر من رصاص رعد.. نظرة فيها حب ميت، ووجع كبير.
حقك جه يا مايان..
قالتله وهي بتمسح دموعها بكسرة:
وحقي عندك يا عاصم؟
بص لها بجمود وقال:
إنتِ في حمايا يا بنت الناس، وهتفضلي هنا معززة مكرمة.. بس اللي انكسر بيني وبينك، الجبل نفسه ميعرفش يلمه.. قومي ادخلي أوضتك، والصبح هو اللي هيقرر طريقنا فين.أسبوع كامل مرّ وكأن الدوار اتقلب لمقبرة، عاصم اللي كان جبل بيحميها، بقى هو الجبل اللي كاتم على نفسها. الجفا في الصعيد ملوش صوت، بس ليه نغزة في القلب أوعر من نغزة السلا..ح.
كانت مايان بتتحرك في الدار زي الخيال، كل ما تحاول تقرب خطوة، تلاقي منه صدة تخليها ترجع عشرة. في يوم نزلت وراه المندرة، شايلة القهوة اللي كانت بتعملها بيديها وتشوف في عينه لمعة الرضا، بس المرة دي، أول ما دخلت، عاصم محركش عينه من على الورق اللي قدامه، وقال بنبرة خشنة ومن غير ما يبصلها: سيبيها عندك يا بت الناس، وخلي سعدية هي اللي تعاود تاخد الفنجان.. مش عايز أشغل وقتك بخدمتي واصل.
مايان وقفت والدمعة فرت من عينها: إنت مابقتش تطيق تبص في وشي يا عاصم؟ أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟.
عاصم قام وقف فجأة، وشه كان محقون بالوجع والغضب، وصوته طلع مبحوح كأنه بيطلع من تحت الأنقاض: ذنبي وذنبك إننا اتقابلنا والوجع تالتنا! كل ما أبص في وشك بفتكر رعد.. بفتكر إني جيبت حقي بالدم بس مبردتش ناري.. إنتِ ضحية يا مايان، بس أنا صعيدي، والصعيدي لو لقى في أرضه نبتة داس عليها الغريب، مبيعرفش يرويها تاني بقلب صافي!.
طول الأسبوع كان بيلف من طريق لو شافها ماشية فيه، ولو قعدت على سفرة، يسيب أكله ويقوم بحجة إنه شبعان. حتى الشال اللي كان بيدفيها بيه، بقى يرميه على الكرسي لو لمسته يدها غصب عنها، كأنه بيخاف من عدوى الوجع اللي ساكنها لحد اليوم اللي عاصم كان قاعد في المندرة والظلمة واكلة نص وشه. دخلت مايان بخطوات زي الهمس، مكنتش محتاجة تحكي، وشنطتها اللي في يدها كانت هي الحكاية كلها لكن خرج صوتها ببطئ: أنا مسافرة يا عاصم أشوف وشك بخير وشكرا على كل حاجة عملتهالي ورجعت لي حقي وقفت قدامه والمسافة بينهم كانت كأنها بلاد.
بصت له بصه طويلة، كانت عايزة تلمح في عينه أي رجاء، أي حركة تقولها خليكي. لكن عاصم فضل زي التمثال، عينه مثبتة على السجادة اللي تحت رجله، وإيده ضاغطة على طرف الكرسي بقوة خلت الخشب يزيق. الصمت كان تقيل، تقيل لدرجة إن نهج صدورهم كان مسموع.
مايان حطت مفتاح أوضتها على التربيزة اللي جنبه، الرنة بتاعة المفتاح كانت كأنها حكم إعدام في ودن عاصم. هو مغمضش عينه، ولا اتحرك، بس ملامحه اتشنجت وكأنه بيبلع جمرة نار.
مايان لفت ضهرها ومشت ناحية الباب، وفي كل خطوة كانت بتستنى إيده تمسك كفتها، أو صوته ينادي اسمها. لكن عاصم فضل مكانه، صامت صمت القبور.. صمت صعيدي مبيعرفش يسامح الوجع، حتى لو كان بيعشق صاحبه.
أول ما رجليها خطت عتبة الدار، عاصم غمض عينه بقوة، ونزلت دمعة واحدة وحيدة، تاهت وسط تجاعيد وشه الناشفة. مايا خالد بيدج قصص الحياة
الصبح طلع، والبيوت كانت لسه نايمة لما وصلها للمحطة. مشي وراها بمسافة، شايل شنطتها بجمود. القطر صفر، ووقف بضجيجه اللي غطى على أنفاسهم المخنوقة. حط الشنطة على الرصيف، وبص في الفراغ.. مايان طلعت القطر، وقعدت ورا الشباك، بصلته بصه أخيرة وهي بتمسح دموعها، وهو فضل واقف زي النخلة، رافع راسه للسما، وإيده في جيبه ضاغطة على منديل كانت هي سيباه في المندرة.
القطر تحرك، وعاصم ملوحش بيده، ولا نطق بكلمة.. فضل واقف مكانه لحد ما القطر بقى نقطة في الأفق، ولف ضهره ورجع للدوار اللي مابقاش فيه غير ريحة وجعهم.
دخل عاصم الدوار والسكوت فيه بقى ليه صدى، كأن الحيطان نفسها بتلومه. رمى شاله على الكنبة وقعد، حاطط راسه بين يديه، والدار اللي كانت بتشيل مية راجل، بقت في عينه أضيق من خرم الإبرة.
أبوه الحاج هواري كان قاعد في ركن المندرة، بيراقب ابنه من تحت لتحت، وكأنه شايف جبل بينهار قدامه. الحاجة آمنة دخلت بقلب الأم المحروق، بصت لمكان مايان الفاضي وقعدت قدام عاصم ونطقت بصوت كله عتاب:
هانت عليك يا ولدي؟ هانت عليك العصفورة اللي لقت في دارك الأمان، تطردها في وش الفجر وكأنها عملت مِعيرة؟
عاصم مرفعش راسه، ورد بصوت مخنوق ومكتوم:
محدش طرد حد يا أما.. هي اللي اختارت، والبعد أستر ليها ولينا.
الحاج هواري خبط بعصايته الأرض خبطة رنت في الدوار كله، وقال بصوته الجهوري:
أستر لمين يا عاصم؟ للناس اللي هتلوك في سيرتها وتقول سابها ليه بعد ما جاب حقها؟ ولا لقلبك اللي إنت كاسره بيدك؟ البنية يتيمة يا ولدي، واليتم مكنش في موتها أهلها بس.. اليتم الحقيقي لما اللي عشقته يرميها لغدر الطريق وهي مكسورة الجناح.
عاصم قام وقف، والنار قادت في عينه:
يا بوي أنا صعيدي! أنا اللي لمس طرف توبها رعد! رعد اللي بينا وبينه دم وغدر.. كل ما أبص لها بشوفه هو، بشوف مده يده عليها، بشوف عجزي إني مكنتش موجود في اللحظة دي.. ناري مش راضية تبرد واصل!
أبوه بص له نظرة حكمة وقال ببرود:
نارك مش راضية تبرد عشان إنت ظالم.. رعد أخد حقيرة من جسمها وغسلته إنت بالدم، لكن إنت يا عاصم بتاخد حقيرة من روحها وجاي تغسلها بالجفا. رعد كان عدوها، لكن إنت كنت أمانها.. والكسرة من الأمان بتقتل يا ولدي.
مر شهر.. وعاصم زي السبع الجريح. مابقاش يضحك، مابقاش يروح الغيط بقلب، بقى يهرب من أوضته ويقعد في المندرة بالساعات، عينه على الكرسي اللي كانت بتقعد عليه وهي بتخيط قميصه. ريحة عطرها لسه ثابتة في الشال اللي رفض ياخده منها، وبقى كل يوم يمسكه ويشمه بوجع ملوش آخر.
بقى يصحى بالليل على صوت نهجها وهي بتجري في الغيط في حلمه، يقوم يدور عليها في الدوار يفتكر إنها مشيت. السرير بقى جمر، والأكل بقى علقم. لحد ما في ليلة، الحاجة آمنة دخلت عليه لقته ماسك المنديل بتاعها ودموعه نازلة في صمت.
قربت منه وطبطبت على كتفه:
القلب اللي بيعشق مبيعرفش يكره يا عاصم.. وإنت قلبك دايب. سافر يا ولدي.. سافر ولم اللي كسرته، الصعيد هيبته في الحق، والحق بيقول إنها ملهش ذنب، والرجولة بتقول إنك متسيبش حمالك للريح.
عاصم رفع عينه لأمه، وكانت المرادي فيها قرار. قام غسل وشه، ولبس أغلى جلباب عنده، وخد مفتاح عربيته.
أنا مسافر يا أما.. مسافر أجيب اللي ضيعته بجهلي.
دخل عاصم العيادة، الهيبة هي هي، بس العين فيها انكسار ميتداريش. أول ما شافته، سابت اللي في يدها واتجمدت مكانها. مفيش سلام، ولا كلام، ولا كيفك.
عاصم وقف قدام المكتب، مد يده وطلع مفتاح الدوار وحطه قدامها على المكتب بجمود.
مايان بصوت مخنوق: جاي ليه يا عاصم؟
عاصم وعينه في عينها المرادي: جيت أرجع الأمانة لصاحبتها.. الدوار اتقفل يا مايان، ومحدش معاه المفتاح ده غيرك.. يا تعاودي تفتحيه، يا يفضل مقفول على اللي جواه لحد ما نموتوا.
مايان ضحكت بوجع، وزقت المفتاح ناحيته بصباع واحد:
فات أوان الحماية يا كبير الهوارية.. أنا هنا بدأت أعيش، وبدأت أنسى إن كان ليا سكن في يوم.
عاصم ملمش المفتاح، فضل باصص لها بنظرة فيها فقدان أمل حقيقي، نظرة راجل جاب آخره:
حقك.. وحقي إنك تعرفي إني سجنت رعد بأعماله الشمال وشره، بس معرفتش أمحيكي من عقلي دقيقة واصل.. أنا مش جاي أتحايل، أنا جاي أقولك إن القطر اللي ركبتيه، خد روحي معاه.
لف ضهره ومشي بخطوات تقيلة، محاولش يجادل ولا يبرر. ركب عربيته وفضل واقف قدام العيادة.. مش يوم، ولا اتنين.. عاصم خيّم قدام بابها.
بقى كل يوم مع دقة الساعة تمانية الصبح، يوصلها بقلبه قبل عينه، ومع خروجها، يفضل ماشي وراها بعربيته لحد باب بيتها من غير ما ينطق حرف.
يوم.. ورا يوم.. ورا يوم.. شهر كامل وعاصم غفير على بابها في عز برد القاهرة، لا بيكلمها ولا بيقرب منها، بس موجود كأنه ضِلها.
لحد ما في ليلة، الدنيا كانت بتمطر مطر واعر، وعاصم واقف ساند على عربيته، الجلباب اتبل وبقى يقطر ماية، وهو واقف زي النخلة مبيتهزش. مايان كانت واقفة ورا شباك بيتها بتراقبه، قلبها كان بيتقطع وهي شايفاه بيذل كبريائه ووجاهته عشان خاطرها.
نزلت له، وقفت قدامه وهي بتترعش من البرد والدموع:
هتموت من البرد يا عاصم.. إمشي وارجع لبلدك، ملوش عوز اللي بتعمله ده!
عاصم رفع عينه ليها، كانت حمرة ومنتهية من التعب، رد بصوت هادي وناشف:
موت البرد أهون من موت القهر يا مايان.. أنا مش هتحرك من هنا، يا تفتحيلي قلبك، يا يلموني جث*ة من قدام بابك.
سكتت مايان، والاتنين فضلوا باصين لبعض وسط المطر.. مفيش كلام، بس الكسرة اللي في عين عاصم كانت بتقول إن الدرس اتعلم، وإن الجبل المرادي هو اللي انحنى قدام العصفورة.
بعد محايلات، وبعد ما عاصم داب قدام بابها، وافقت مايان ترجع.. مش عشان سامحت تماماً، بس لأن قلبها ملقاش وطن غيره. رجعت الدوار في صمت، واتعمل فرح يليق بـ ست الدار، بس عاصم كان بيتعامل معاها بـ حرص وخوف، كأنه شايل حتة كريستال مكسورة وخايف يلمسها تجرحه أو تزيد كسرها.
ليلة الدخلة، عاصم كان قاعد في ركن الأوضة، وشه للأرض، مش قادر حتى يرفع عينه فيها. الوجع والشك القديم كان لسه مضلل على روحه، كان خايف يلمسها فيفتكر رعد، وخايف يقرب منها فيشوف في عينها الكسرة.
قال بصوت مبحوح:
مايان.. إنتِ عارفة إني رايدك واصل، وعارفة إني جيبت حقك.. بس أنا مش هلمس منك شعرة غير لما تحسي إنك نضفتي من جواه من أي وجع.. أنا واخدك سكن، ومش عاوز أكون حمل عليكي.
مايان مكنتش بتتكلم، كانت بتبصله بدموع محبوسة، وقربت منه بهدوء وحطت يدها على كتفه. ومع أول لمسة، داب التلج، وانفجر بركان الوجع والشوق اللي كان مكبوت شهور.
وفجأة.. في وسط السكون، الدنيا وقفت. عاصم اتنفض مكانه، عينه برقت بذهول ملوش وصف، بص لـ مفرش السرير الأبيض اللي اتلون بلون النصر.. لون الشرف اللي رعد كان بيحاول يلوثه بالكدب بل كان عايز يكسرها وفشل.
عاصم لسانة اتلجم، وبص لمايان اللي كانت بتعيط بذهول هي كمان، مكنتش تعرف إنها لسه بنت.. كانت فاكرة إن رعد ضيعها فعلاً في اللحظة الغابرة دي.
عاصم بصوت مش طالع: مايان.. إنتِ.. إنتِ لسه بكر؟! يا مري.. يا سواد دنيتي يا عاصم! رعد الكلب كان بيكدب؟! إنتِ كنتِ صاينة نفسك طول الشهور دي وإنا كنت بدبحك بظني؟!
مايان انهارت في حضنه، والشهقات كانت بتطلع من ضلوعها:
والله ما كنت أعرف.. والله كنت فاكرة إني ضعت.. يا عاصم أنا شريفة! أنا لسه ملكك لوحدك!
عاصم في اللحظة دي اتجنن، الفرحة والندم خلوه زي المغيب. قام وقف بكل طوله، ودموعه نازلة زي المطر، سحب المنديل الأبيض ورفعه للسما وهو بيصرخ بأعلى صوت عنده في قلب الدوار:
يا هوارية!! يا بلد!! ارفعوا الراس واضربوا النار!! ست البنات شريفة.. ست البنات طاهرة..، وعاصم الهواري النهاردة بس اللي اتولد!
نزل الحوش باللباس الأبيض، والمنديل في يده، وبدأ يضرب نار من بندقيته في السما بجنون، والدار كلها صحيت. الحاجة آمنة والحاج هواري نزلوا يزغردوا، والبلد كلها عرفت إن عرض الهوارية ملمسهوش نجس.
مايان رفعت راسها، وفي اللحظة دي بس، الغيمة اللي كانت في عيونهم راحت، وبدأت حياة جديدة، حياة مفيهاش شك، مفيهاش رعد، مفيهاش غير عاصم ومايان والعهد اللي اتكتب بالدم والطهر.
مرت الأيام، والدوار اللي كان فيه جفا، بقى بيت العز. عاصم مابقاش يفارق مايان، وبقى يشاركها في كل كبيرة وصغيرة. وفي ليلة هادية، وهما قاعدين في الحوش تحت النخل، مايان حطت يدها على بطنها وبصت لعاصم بابتسامة:
عاصم.. الدوار ده محتاج وريث يشيل اسمك، ويشيل طهر أمه.
عاصم شالها ولف بيها وهو بيضحك لأول مرة من قلبه:
وهيطلع سيد الرجال يا مايان.. وهيطلع أول درس يتعلمه، إن الشرف مش كلمة بتتقال، الشرف روح بتتصان.
وانتهت حكاية بنت القاهرة اللي لقت في قلب الصعيد وطن، بعد ما غسل المطر والحق كل وجع السنين.
، بعد مرور خمس سنين، الدوار مابقاش مجرد حيطان وسلا..ح، بقى جنة مايان اللي زرعتها بالحب والصبر.
عاصم كان واقف في وسط الغيط، الشمس حامية بس هو مش حاسس بيها، عينه كانت على عاصم الصغير اللي بقى عنده أربع سنين، لابس جلباب صعيدي صغير وعمامة فكها وهو بيجري ورا أمه وسط الزرع.
مايان كانت ماشية بوقار، وشها منور بضحكة مكنتش بتفارقها من يوم ليلة النصر. عاصم قرب منها، شال ابنه وحطه على كتفه، ومسك يدها وباسها قدام الكل، مابقاش يهمه هيبة الكبار اللي بتمنع الحنية، لأن هيبته الحقيقية لقاها في صونها.
عاصم بهمس: تعرفي يا مايان.. ساعات بقعد مع نفسي وأقول، لو مكنتش سافرت وراكي القاهرة، كان زماني دلوقتي إيه؟
مايان بابتسامة هادية: كنت هتبقى كبير الهوارية يا عاصم، بس من غير قلب.. الأرض كانت هتبقى ناشفة، والدار كانت هتبقى سجن.
عاصم ضحك وشدد على يدها:
فعلاً.. إنتِ اللي سقيتي الأرض دي يا بت الناس. رعد في سجنه بياكل في نفسه، والبلد كلها نسيت اسمه، بس اسمك إنتِ بقى ست الدار اللي سيرتها بتعطر المجالس.
فجأة، عاصم الصغير شد أبوه من جلبابه وقال بطفولة:
يا بوي، هو ليه جدي بيقول إنك بطل؟
عاصم بص لمايان نظرة طويلة، نظرة فيها كل الحكاية، من أول ليلة استجارت بيه وهي بتترعش، لحد اللحظة دي.. نزل لمستوى ابنه وقال بصوت فيه فخر:
عشان يا ولدي، البطل مش اللي بيشيل السلا..ح وبس.. البطل هو اللي بيعرف يحمي الأمانة، واللي بيفهم إن الستر والعدل هما اللي بيعملوا الراجل. والدرس ده، أمك هي اللي علمتهولي.
شال ابنه، ومسك يد مايان، ومشيوا التلاتة في وسط الغيط، والكل بيبصلهم بدعوات الخير. الدوار اللي كان شاهد على الجفا والشك، بقى النهاردة شاهد على أعظم قصة حب طلعت من قلب الوجع.. قصة عاصم ومايان اللي أثبتت إن الحق مهما استخبى، نوره في الآخر بيعمي عيون الظالمين.
تمت.
مايا خالد