حماتي كسفت بابا وماما 3

تسمر الجميع مكانهم، وفادي مسك التليفون بقوة وهو بيجز على أسراره وقال بغضب:

ـ إنتي إيه يا فريدة؟ كففاية لعب بعقول الناس وبفلوسهم! إنتي عملتي فينا إيه وعايزة إيه تاني؟!

صوت فريدة جه من التليفون ببرود مستفز وهي بتقول:

ـ أنا كل اللي عملته إني ضمنت مستقبلي، والموضوع أبسط بكتير مما تتخيلوا.. الشيكات دي كلها ممكن تتلغي وتتحرق قدام عينيكم، بشرط واحد بس!

معتز كان قاعد على الأرض بيعيط زي العيال وبيقول بانهيار:

ـ أي شرط يا فريدة.. والنبي ارحميني، أنا هضيع، السجن هيقفل عليا!

فريدة كملت بخبث:

ـ شرطي يا موزي، إن البيبسي.. قصدي شقة العيلة بتاعتكم، تتتنازلوا لي عنها وتكتبوها باسمي فوراً، وتعملوا لي توكيل رسمي بكل الممتلكات اللي ورثتوها عن عمكم.. ساعتها بس، أرجع وأقطع الورق ده كله.

إلهام أول ما سمعت كلام فريدة، الدم رجع يجري في عروقها، واتنصرت لكرامتها اللي كانت مجروحة. سحبت إلهام إيدها من إيد معتز اللي كان ماسك فيها برجاء، ووقفت قدام التليفون اللي فادي كان ماسكه، وقالت بصوت قوي وثابت خلى فريدة تسكت تماماً على الناحية التانية:

ـ تحلمي يا فريدة! تفكري إنك بتهديدك ده هتكسرينا وتستولي على شقى عمر العيلة؟ خبطي راسك في الحيط، والشيكات دي لو آخرها حبل المشنقة، إحنا مش هنديكِ طوبَة واحدة من حطامنا!

معتز رفع راسه بصدمة وإلهام بتكمل كلامها:

ـ البسي عباية اللصوص واجري زي ما جريتي، بس القانون والشرطة هما اللي هيجيبوكِ، ووقتها مش هينفعك الندم ولا الشيكات اللي سرقتيها بطرق شمال.

فريدة اتجننت من كلام إلهام وقالت بصوت مسعور:

ـ هوريكم.. هحبسه وأرميه ورا الشمس!

إلهام قفلت التليفون في وشها بقسوة، ورمته على الترابيزة. بصت لمعتز اللي كان مكسور وبيبص لها بنظرات الندم كله، وقالت له بصوت حازم:

ـ قوم يا معتز.. قفلتنا مع فريدة لسه مبدأتسش، وبدل ما تبكي زي الستات، قوم واقفه على رجليك عشان نصلح مصيبتك بالقانون، ومش هسيبك إلا لما أجيب حقك وحقنا كلنا منها.

قام معتز من الأرض وهو بيترعش، ساند على الكنبة والكسرة باينة في كل ملامحه. بص لإلهام ودموعه لسه على خده وقال بصوت مخنوق:

ـ قانون إيه يا إلهام اللي هينقذني؟ أنا واكل بريد رسمي وممضي على بياض، الشيكات دي لو راحت النيابة الصبح هتحبس علطول، فريدة رتبت لكل حاجة ومأمنة نفسها صح!

إلهام بصتله بصلابة وقالتله:

ـ فريدة غبية مش ذكية زي ما إنت فاكر، طالما ساومتنا على شقة العيلة والورث، يبقى هي لسه مخدتش الفلوس من حد، ومحتاجة التنازل ده رسمي عشان تهرب بيه برة البلد. فوق يا معتز وامسح دموعك دي، فادي.. كلم المحامي بتاعنا خليه يصحى ويجيلنا هنا حالاً.

فادي هز راسه بسرعة وطلع تليفونه يكلم المحامي، ومعتز قعد على الكرسي وحاطط راسه بين إيديه، مش قادر يبص في عين إلهام اللي هانها وقدّم بنت عمه عليها، ودلوقتي هي الوحيدة اللي واقفة في ضهره.

بعد نص ساعة، وصل الأستاذ عصام المحامي، وشاف شكل معتز والتوتر اللي في الشقة. قعد وسمع القصة كاملة من فادي وإلهام، ولما خلصوا، المحامي سكت شوية وهو بيفكر وبعدين قال:

ـ الموقف قانونياً صعب لإن التوقيع صحيح، بس عندنا ثغرة.. فريدة كلمتكم وساومتكم على الشقة والورث مقابل الشيكات، والمكالمة دي لو مسجلة أو لو قدرنا نوقعها في الفخ ونخليها تبعت رسائل بالطلب ده، هنرفع عليها قضية ابتزاز وسرقة شيكات بالاكراه وخيانة أمانة، وده هيوقف تنفيذ الشيكات مؤقتاً لحد ما التحقيق يخلص.

إلهام عينيها لمعت وقالت:

ـ فريدة مش هتبطل كلم، هي طماعة وهتتصل تاني عشان تشوف وصلنا لإيه في التنازل. معتز.. إنت اللي هترد عليها المرة الجاية.

معتز رفع راسه بخوف:

ـ أنا؟ هقولها إيه؟ أنا مش قادر أسمع صوتها!

إلهام قربت منه وبصت في عينه بقوة:

ـ هترد وتقولها إنك موافق على كل شروطها، وإنك بتموت من الرعب ومستعد تكتبلها الشقة والورث الصبح، بس بشرط.. تقابلها عشان تستلم الشيكات وتديلها التنازل في نفس الوقت، ولازم المقابلة دي تكون متصورة أو تحت عيون الشرطة.

المحامي ابتسم وقال:

ـ برافو يا مدام إلهام، ده بالظبط اللي كنت هقوله، هنعمل لها كمين “تلبس بالابتزاز”، وبكده نقلب الترابيزة عليها.

فجأة، تليفون فادي رن تاني، وكان نفس الرقم الغريب. إلهام شاورت لمعتز يمسك التليفون، وفتحت مسجل الصوت في تليفونها التاني، وهزت راسها لمعتز عشان يفتح الخط.

معتز فتح الخط وإيده بيموت فيها الرعب، وطلع صوت فريدة الخبيث:

ـ ها يا موزي؟ فكرت ولا لسه عاجبك برود مراتك اللي هتوديك في داهية؟ الشيكات جاهزة تتقدم كمان كام ساعة.

معتز بلع ريقه وحاول يظبط صوته المكسور وقال:

ـ فريدة.. أرجوكي بلاش حبس، أنا وافقت.. وافقت على كل اللي إنتي عايزاه، هتنازل لك عن الشقة والورث وكل حاجة، بس بلاش تدخلي الشيكات النيابة.

ضحكة فريدة الرنانة طلعت من السماعة وقالت بنبرة انتصار:

ـ شاطر يا موزي، طول عمرك بتسمع الكلام.. بكره الصبح التنازل يكون جاهز وتجيبهولي.

معتز كمل حسب خطة إلهام:

ـ هجيبهولك، بس مش هسلمك التنازل إلا لما تديني الشيكات في إيدي، قوليلي أنتي فين وأنا هجيلك في أي مكان.

فريدة سكتت لحظات كأنها بتفكر، وبعدين قالت:

ـ ماشي يا معتز، بكره الساعة ١٠ الصبح هقابلك في..

ـ بكره الساعة ١٠ الصبح هقابلك في الكافيه المقفول القديم اللي على طريق مصر الإسماعيلية، تيجي لوحدك ومعاك الأوراق جاهزة ومختومة، وأي حركة غدر منك أو لفتة يمين ولا شمال، الورق هيكون في النيابة وفضيلتك هتكون على كل لسان.

قفلت الخط بسرعة من غير ما تديله فرصة يرد.

إلهام بصت للمحامي اللي هز رأسه بارتياح وقال:

ـ تمام جداً، المكالمة سجلناها، والمكان معزول وده معناه إنها خايفة ومستخبية هناك. أنا هتحرك فوراً مع فادي على قسم الشرطة عشان نعمل بلاغ رسمي بالابتزاز وخيانة الأمانة وننسق مع المباحث عشان يتحركوا معانا الصبح ويعملوا الكمين.

معتز كان باصص للأرض، وفي وسط الكارثة دي كلها، حس بنظرات إلهام الثابتة عليه. المحامي وفادي نزلوا بسرعة عشان يلحقوا الإجراءات، وقفلوا الباب وراهم، ومبقاش في الشقة غير معتز وإلهام.

ساد هدوء تقيل ومخيف. معتز قام وقرب من إلهام بخطوات مهزوزة، وعينيه مليانة ندم وخزي، وقال بصوت واطي ومكسور:

ـ إلهام.. أنا مش عارف أقولك إيه.. أنا تافه وغبي، وكنت أعمى ومستاهلش ضفرك.. أنا اللي قسيت عليكي وهنتك قدامهم عشان واحدة طلعت في الآخر بتبيعني وبتدمرني، وإنتي اللي وقفتي في ضهري وبتنقذي حياتي.. سامحيني يا إلهام.

إلهام بصتله ببرود، وملامحها متهزتش، وقالت بنبرة جافة وقاسية:

ـ متخلطش الأمور يا معتز. أنا واقفة هنا وبصلح المصيبة دي مش عشان سواد عيونك، ولا عشان نسيت الإهانة والمعلقة والضوافر ودلع “موزي”.. أنا واقفة هنا عشان اسمي وعيلتي وشرفنا اللي فريدة عايزة تمرمغه في التراب، وعشان شقى أبوك وعمك اللي الست هانم عايزة تسرقه.

لفت ضهرها وقعدت على الكرسي وكملت:

ـ لما نخلص من المصيبة دي وفريدة تقع، ساعتها هيبقى لينا كلام تاني خالص. ودلوقتي اجهز عشان الصبح مش هيعدي بالساهل.

عدت الساعات كأنها سنين، وطلع فجر اليوم الجديد. الساعة بقت ٩ الصبح، وكانت القوة الأمنية متخفية حوالين الكافيه المهجور، والمحامي وفادي واقفين بعيد في عربية، ومعتز نزل من العربية ورجليه مش شايلقاه، وماسك في إيده الشنطة اللي فيها الأوراق المزورة اللي جهزها المحامي.

إلهام كانت قاعدة في العربية مع فادي، عينيها ومراقباه ويديها على قلبها.

دخل معتز الكافيه المهجور، الجو جوه كان تراب وضلمة، وفجأة ظهر خيال فريدة من ورا عمود وهي لابسة نظارة سوداء وكاب ومبتسمة ابتسامة النصر.

بصت لمعتز وقالتله بغرور:

ـ جيت في معادك يا موزي.. هاتي الشنطة ووريني التنازل، عشان تاخد ورقك اللي هيحميك من السجن.

معتز مد إيده بالشنطة وهو بيترعش، وفريدة مدت إيدها التانية وطلعت الشيكات من جيبها.. وفي اللحظة اللي فريدة مسكت فيها الشنطة، معتز قبض على إيدها بقوة وزعق:

ـ إلحقوني!

وفجأة.. صرخت فريدة لما لقت رجال المباحث بيحاوطوا المكان من كل حتة، وفي نفس اللحظة دخلت إلهام وفادي والمحامي. فريدة وشها اتقلب ١٨٠ درجة وبقت تبص حواليها برعب وهي بتقول:

ـ إنتوا بتعملوا إيه؟ أنا ماليش دعوة! هو اللي مضى برضاه!

الظابط مسك الشيكات والشنطة وبص لفريدة وقال:

ـ مقبوض عليكي بتهمة الابتزاز وسرقة شيكات وخيانة الأمانة.. اتفضلي معانا.

وهما خارجين والكلبشات في إيد فريدة، عينيها جت في عين إلهام، إلهام قربت منها وابتسمت بثقة وقالتلها بصوت واطي:

ـ الدلع اللي متعودة عليه يا فريدة.. خليه ينفعك جوه في الحجز.. وفرجينا ضوافرك ورقتها هتعمل إيه هناك.

فريدة صرخت بغل وهي بتتسحب بره، ومعتز قعد على ركبه في الأرض وهو بيتنفس براحة كأنه اتولد من جديد، وبص لإلهام بنظرة رجاء أخيرة.. لكن إلهام لفت ضهرها ومشيت من غير ما تبص وراها.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *