كنت بعمل نفسي نايم

كنت بعمل نفسي نايم تحت الشجرة عشان أهرب من أهلي، لكن بنت الشغالة اللي عندها 3 سنين نامت على صدري. أمي صرخت وقالت الست دي طمعانة في فلوسك!، وأمرت يفتشوا شنطتها، وفعلاً لقوا فيها إسورة ألماظ… لحد ما طلعت التسجيلات اللي بتثبت مين اللي دسّها جوا الشنطة.
الجزء الأول
شيلوا البنت دي من فوق صدر ابني قبل ما حد يصورها!
صرخت نجوى من البلكونة، كأن بنت عندها 3 سنين بقت خطر على اسم أكبر عيلة في المنطقة.
فتح كريم عينه وهو نايم تحت الشجرة الكبيرة في الجنينة، وأخد كام ثانية يستوعب اللي بيحصل.
كانت ليلى، بنت أمل الشغالة اللي شغالة في الفيلا، نايمة فوق صدره. شعرها الكيرلي لازق في جبينها من الحر، وفستانها الأصفر مكسر، وإيديها الصغيرة ماسكة في قميص كريم من عند قلبه.
في الحقيقة، كريم ماكنش نايم.
كان عنده 34 سنة، وصاحب كذا شركة كبيرة، واسمه مالي الجرائد والمجلات كرجل الأعمال الأشهر والأغنى. لكن كل ما ضغط الشغل يخنقه، كان يستخبى تحت الشجرة اللي زرعها أبوه الله يرحمه، ويعمل نفسه نايم عشان يهرب من المكالمات اللي مبتخلصش، والصفقات، والناس المزيفة اللي حواليه.
النهارده سمع خطوات صغيرة بتقرب، وبعدها حس بليلى وهي بتنام فوقه، كأنها لقت أكتر مكان أمان في الدنيا.
همستله إزيك.
ابتسم وقال إزيك يا ليلى.
سألته إنت كنت نايم؟
رد وهو بيضحك لأ… كنت بعمل نفسي نايم.
ليه؟
وقف شوية… لأنه لأول مرة حد يسأله سؤال بسيط بالشكل ده، وملاقاش إجابة.
بعد كام دقيقة، جريت أمل عليهم وهي مرعوبة، وإيديها لسه مبلولة من التنضيف.
المربية اللي كانت بتقعد مع ليلى تعبت فجأة، ومبقاش

عندها حد يسيب البنت معاه، فاضطرت تجيبها الفيلا من غير ما حد يعرف، لأنها لو خسرت الشغل، مش هتعرف تدفع إيجار الشقة الصغيرة اللي عايشة فيها.
قالت وهي مرتبكة والله يا أستاذ كريم أنا آسفة جدًا… غصب عني، ومش هتتكرر.
قعد كريم بالراحة من غير ما يصحي ليلى.
وقال مفيش داعي تعتذري يا أمل.
بصتله بعدم تصديق.
قالت بصوت مهزوز أنا محتاجة الشغل ده أوي.
رد بكل هدوء وهتفضلي فيه.
بعدها أمر يفتحوا أوضة الألعاب القديمة في الفيلا، عشان ليلى تقعد فيها أي وقت أمها متلاقيش حد يراعيها.
جابوا قصص أطفال، ومكعبات، وسرير صغير، وألوان.
ولأول مرة من سنين، المكان الهادئ ده امتلأ بضحك طفل بجد.
ومن يومها، كريم بقى يتحجج بأي سبب عشان يعدي عليهم.
يقعد يبني أبراج بالمكعبات، وليلى تهدها وهي تضحك من قلبها.
وأمل، اللي كانت دايمًا خايفة ومتحفظة، بدأت تبتسم وهي بتتكلم معاه.
لكن نجوى كانت بتراقب كل حاجة من بعيد.
ست أرملة، كل همها المنظر والمكانة الاجتماعية.
وكانت مقررة من زمان إن ابنها لازم يتجوز ياسمين، بنت عيلة غنية وليها نفوذ.
أما قربه من شغالة… فبالنسبة لها كان فضيحة.
وفي يوم الخميس، لقت كريم تحت الشجرة، وليلى نايمة على صدره من تاني، وأمل قاعدة قريب منهم بتطبق الغسيل.
قالت ببرود المهزلة دي لازم تقف حالًا. الست دي بتستغل بنتها عشان تدخل حياتك.
وقف كريم وقال بغضب إوعي تتكلمي عنها هي أو بنتها بالطريقة دي تاني.
ابتسمت نجوى ابتسامة كلها خبث، وطلعت موبايلها وكلمت رئيس الأمن.
وقالت اطردوا أمل حالًا… وفتشوا حاجتها قبل ما تخرج من الفيلا. النوعية دي عمرها ما بتمشي من بيت غني وإيديها فاضية.
حضنت أمل بنتها بخوف، وهي شايفة اتنين من أفراد الأمن بيقربوا منها.
وأشارت نجوى على الشنطة.
افتحوها… أنا متأكدة إنكم هتعرفوا السبب الحقيقي اللي خلاها تجيب بنتها هنا.
مد فرد الأمن إيده جوه الشنطة…
وفجأة طلع إسورة ألماظ غالية جدًا.
أمل شهقت، لأنها عمرها ما شافت الإسورة دي قبل كده.
لكن اللي عملته نجوى بعدها كان في منتهى القسوة…
وساعتها كريم فهم إن الإهانة اللي حصلت قدام كل الناس دي… كانت مجرد البداية.
صرخت نجوى بصوت عالي يقطع الحديقة كلها
شفتوا؟ شفتوا يا كل اللي حاضرين؟ قلتلكم إنها طمعانة! جابت بنتها الصغيرة عشان تسرقنا وتدخل بيننا! إسورة ألماظ بتسوى فلوس كتير أوي، وعمرها ما كانت تقدر تشتريها ولا في أحلامها! اقبضوا عليها واديها للشرطة، وخلوا كل الناس تعرف إن ده جزاء اللي بيتجرأ يطمع في عيلة المنشاوي!
كانت الساعة خمسة ونص العصر، وأهل الخدمة كلهم وقفوا متجمدين، ما بين خوف وشفقة وعدم تصديق. أمل كانت واقفة وماسكة في ليلى اللي صحيت من النوم وبدأت تعيط بصوتها الصغير، وكل شوية ترفع عينها وتشوف الناس كلهم بيبصوا لامها بنظرات غريبة.
والله يا سيدتي… والله ما أعرف منين جات دي! عمري ما شفتها في حياتي! أنا شغالة وبعرف ربنا، وما أخذش حاجة مش بتاعي ولا أرضى على نفسي ولا على بنتي الحرام ده!
كلماتها كانت بتخرج مهزوزة، ومفيش حد بيصدقها. نجوى كانت ماشية بينهم كأنها نصرت نصرًا مبينًا، وكل شوية ترفع الإسورة في الهوا وتقول
لا تعرفيها؟ طب منين جاتها في شنطتك؟ هل هي جات لوحدها؟ ولا حد حطها لك عشان تفضحينا؟ إنتِ اللي طلبتي المساعدة، وإنتِ اللي جيتي هنا وبنتك وسيلة عندك!
كريم لحد دلوقتي ما تكلمش. كان واقف وعينه على أمل، وشايف الخوف اللي مالي عيونها، والكرامة اللي بتتسحق قدام عينيه. شايف ليلى وهي بتعيط ومش فاهمة ليه الكل بيعامل مامتها كده، وشايف نجوى اللي كانت عايشة كل حاجة بتحصل وكأنها بتتفرج على مسرحية هي اللي كتبتها.
لما حاول واحد من الأمن يمسك إيد أمل، كريم رفع إيده وقال بصوت هادئ بس قوي لدرجة كل حد سمعه وقف مكانه
خلّوها. ولا حد يلمسها.
بصتله نجوى بدهشة
إنت بتقول إيه يا كريم؟ هي سرقتنا قدام عينيك! ده إثبات قاطع!
الإثبات مش الإسورة اللي لقيتوها في الشنطة. الإثبات الحقيقي بيظهر لما نعرف مين اللي حطها هناك. رد كريم وهو بيقرب من أمل ويقف بينها وبين الناس كلها. أنا عايز كل واحد يروح مكانه، ولا حد يتكلم كلمة إلا لما أقول له. وانتِ يا أمل… خدي بنتك واقعدي في مكانك، ولا تخافي. حد في البيت ده مش هيلمسك ولا يهينك طالما أنا عايش.
نجوى غضبت أوي، وبدأت ترفع صوتها تاني
بتحميها فوق كل ده؟ بتعارضني عشان شغالة؟ أنا أمك يا كريم! وأنا عارفة مصلحتك أكتر منك! الناس بتتكلم، والعيلة بتتكلم، وياسمين لو سمعت بالحكاية دي مش هترضى تكون مراتك!
كريم لف عليها ببطء، وقال بنظرة ما شافتش منها في حياتها
ياسمين والعيلة والناس كلهم… ولا قيمة لهم عندي لو الكرامة والعدالة اتضحك عليهم. ما كانش لازم أكون غني عشان أعرف إن الظلم حرام، وإن إهانة إنسان بريء أمر مش هقبله لأي سبب.
أمر بيجيبوا جهاز المراقبة، وكل الكاميرات اللي في الحديقة والمداخل والطرقات المؤدية لغرفة الخدمة. نجوى حاولت تمنعه، قالت إن ده مضيعة وقت، وإن الكاميرات مش بتسجل كل حاجة،
لمحة نيوز

لكن كريم كان حازم
كل حاجة في الفيلا دي بتتسجل. وكل حركة بتحصل بيتشافها. وإن شاء الله الحقيقة تطلع مهما كانت صعبة.
مرّ نص ساعة وهي أطول نص ساعة عاشت أمل في حياتها. ليلى كانت نامت من العياط والخوف، ومخدة راسها على حضن أمها، وكل شوية أمل تمسح على شعرها وتدعى ربنا ينجيها من المحنة دي. نجوى كانت قاعدة في الصالة الرئيسية، وكل شوية تبص على الموبايل وتتكلم مع حد بلهجة متضايقة، وكأنها بتتأكد من حاجة.
لما جاء الموظف المسؤول عن الأجهزة، وقف قدام كريم وقال
كل التسجيلات موجودة يا باشا. بداية من أول النهار لحد ما الحادثة حصلت.
شغلها. قال كريم، وكل الحاضرين وقفوا بتركيز.
أول فيديو ظهر كان من كاميرا قريبة من باب غرفة الخدمة. ظهرت أمل وهي داخلة الشنطة بتاعتها، وكل محتوياتها كانت ملابس ليلى، وشوية أغراض بسيطة، ولا أثر لأي إسورة. بعدها بساعة، ظهرت سكرتيرة نجوى، وهي بتدخل الغرفة وهي بتبص يمين وشمال عشان تتأكد إن مفيش حد شايفها، وبسرعة خفت الإسورة جيبها وحطتها تحت ملابس ليلى في الشنطة، وخرجت وهي بتتأكد إن حد مش شافها.
بعدها تسجيل صوتي كان كريم طلبه من اللي كان بيتكلم مع نجوى في التليفون قبل الحادثة بدقائق
…أنا قلتلك لازم تخلصي الحكاية دي اليوم. حطي الإسورة في شنطتها، وادّي الأمن إشارة يفتشوها، وخلّي كل الناس تشوفها. كده نقطع الطريق عليها وعلى ابنها، ويعرف إن ده مش مكان لحد يطمع فينا. وإن سألتك حد قولي إنك شفتيها بتاخدها من غرفة المجوهرات بالغلط… ولا يهمك، أنا اللي هرتب كل حاجة.
لما خلص التسجيل، سكت المكان كله لدرجة تسمع صوت الهوا بيمر على الشجر. نجوى كانت واقفة ومش عارفة ترد، ووشها تحول لونها لون الدم، وعيونها بتتحرك بقلق ما بين كريم وبين الناس كلهم اللي كانوا بيثقوا في كلامها قبل شوية.
كريم بص لامه، وقال بصوت خافت كل الغضب والوجع
كنت فاكر إنك أمي… وإنك لو شفتني مرتاح لحد، هتكوني أول واحدة تسعد لي. لكن ما عرفتش إنك عايشة في عالم المظاهر بس، وإن أي إنسان مهما كان وضعه، عنده كرامة ومش مسموح نحطمه عشان نحقق أهدافنا.
بص على السكرتيرة، وقال
أنتِ طالبة شغلك من دلوقتي. وكل ما عندك من مستحقات هتاخديها، بس ما تظهريش في مكان تاني أبدًا.
وبعدها لف على أمل، ومد إيده وقال
أنا آسف جدًا على اللي حصل. آسف إن سمحت لأحد يهينك أو يخوفك في بيتي. من دلوقتي، ده بيتك زي ما هو بيتي. وحد مش هيتجرأ يتكلم عنك أو عن بنتك بكلمة سواء.
أمل حاولت تتكلم، لكن الكلمات ما طلعتش من حلقها، ودموعها نزلت غصب عنها، بس دي المرة الأولى اللي دموعها تنزل من الراحة والامتنان مش من الخوف والذل.
نجوى رجعت لغرفتها من غير كلمة، وقفلت الباب وراها. لأول مرة تحس إنها خسرت كل حاجة كانت بتعتقد إنها تمتلكها السلطة، احترام ابنها، وثقة الناس اللي حواليها. جلست على السرير، وبدأت تتذكر الأيام اللي كانت هي وزوجها بيحاربوا عشان يبنوا العيلة دي، وكيف كانت وعدته إنها تحافظ على ابنهم مهما كان، وإنها ما تضيعش إنسانيته وراء الفلوس والمكانة. وبدأت تدرك إنها اللي ضاعت الطريق، وإن كريم مش هو اللي غلط، ولا أمل، ولا حتى ليلى الصغيرة… هي وحدها اللي غلطت.
بعد يومين، طلبت نجوى تقابل كريم. كانت وشها شاحب، وملامحها هدأت، وبدت كأنها رجعت لسنها الحقيقي بعد ما كانت السنين بتخفي وراء الكبرياء والسلطة. قالتله بصوت هادئ مليان بالندم
أنا آسفة يا بني. كنت غبية، وكنت خايفة عليك من الدنيا، بس خوفي جابلك الأذى. كنت فاكر إن الفلوس والنفوذ هم الحماية، ونسيت إن الحماية الحقيقية هي العدالة، وإنك ما تضلمش أحد مهما كان. وأنا آسفة منك يا أمل كمان… وأتمنى تسامحيني.
أمل ابتسمت، وقالت بكل طيبة قلب
الله يسامحك يا سيدتي. كلنا بنخطئ، واللي بيعترف بذنبه غفر له.
من اليوم ده، تغيرت حاجات كتير في الفيلا. نجوى كانت بتقعد مع ليلى وتلعبها، وبتسأل أمل عن حاجاتها، وبتساعدها في كل ما تحتاج. كريم بقى أكتر هدوء واطمئنان، وابتسمته رجعت تظهر أكتر من زمان. أوضة الألعاب اللي فتحها بقت أجمل مكان في الفيلا، وكل يوم بتسمع فيها ضحكات ليلى ونجوى وأمل وكريم مع بعض.
وبعد فترة، جاءت ياسمين بنت العيلة الغنية، وسألت عن الحكاية كلها. لما عرفت الحقيقة، قالت لكريم
كنت عايزة أتجوزك عشان كنت فاكراك رجل أعمال ناجح بس. لكن دلوقتي عرفت إنك إنسان قبل كل حاجة، وإن ده أحسن وأغلى ما فيك. ولو ما كنتش شايف الحق واقف مع المظلوم، ما كنتش عايزة أكون مراتك أبدًا.
وبدأت علاقتهم تتطور ببطء وصدق، مبنية على الاحترام والثقة، مش على الفلوس أو المكانة. وكل ما كان بيجي أي شخص يحاول يفرق بينهم أو يتكلم بكلمة سواء على أمل، كان كريم يقول لهم بكل ثقة
دي إنسانة شريفة، وبنتها طفلة بريئة. ومن يحترمهم يحترمني، ومن يعاملهم بسوء فهو يعاملني بسوء.
والشجرة الكبيرة اللي كان بيستخبى تحتها كريم، بقت مكانهم المفضل كلهم. تحتها كان بيجلسوا، وكريم بيحكي لليلى قصص عن أبوه، ونجوى بتتذكر أيام زمان، وأمل بتشكر ربنا على ما رزقها من نعمة ما كانت تتوقعها أبدًا.
وعرف الجميع في المنطقة إن عيلة المنشاوي مش عيلة غنية بس، ولا عيلة ليها نفوذ وسلطة… إنما عيلة بتعرف معنى الكرامة، والعدالة، وإن الفلوس ما تقدرش تشتري إنسانية الإنسان، ولا تقدر تغير الحقيقة مهما حاولوا يخفوها أو يزوروها.
وظلت ليلى كل ما تشوف كريم تجري عليه وتقعد فوق حضنه، وكل ما أمها تمنعها تقول ببراءة
ده مكاني المفضل… هو آمن مكان في الدنيا.
وكريم كان يضحك ويقول
وأنا كمان آمن لما تكوني معايا.
وهكذا انتهت المحنة، وظهر الحق، وعرف كل واحد جزاء فعله الظالم نال ندمه، والمظلوم نال راحته، والخير بقي هو اللي ساد في النهاية، زي ما وعد الله في كتابه الكريم ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *