امي اشتغلت 77 يوم

أمي اشتغلت 77 يوم من غير ما تاخد جنيه واحد، وصاحب الشغل كل يوم يركب عربيته الـBMW الجديدة ويقول لها: “استحمّليني أسبوع كمان”. ساعتها خرجت من غير ما حد ياخد باله وقت البريك، وعدّيت من وسط سبع رجالة واقفين يحرسوا، وروحت سألت أخطر راجل في القاهرة: “هو ليه محدش خلا الأستاذ شريف يدفع فلوس أمي؟”

 

اسمي آدم.

 

وعندي أربع سنين ونص… والنص ده كان فارق معايا جدًا.

 

بالليل قبلها، صحيت على صوت ماما وهي بتعيط، وكانت فاكرة إني نايم.

 

قالت وهي ماسكة الموبايل:

— لو سمحت يا أستاذ شريف… أنا مستنية بقالي 11 أسبوع. ابني محتاج أكل، اديني مرتبي بس.

 

وفجأة سكتت.

 

وجالي صوت راجل من سماعة التليفون وهو بيقول بمنتهى البرود:

 

— احمدي ربنا إنك لسه شغالة عندنا.

 

تاني يوم، ماما خدتني معاها المطعم، عشان اللي كانت هتقعد معايا اعتذرت في آخر لحظة.

 

قالتلي:

— اقعد هنا في المكتب لوّن في الكراسة، ومتتحركش من مكانك.

 

بس هي ماكنتش تعرف إني كنت مرتب كل حاجة من بالليل.

 

أول ما جه وقت البريك، حطيت كشف الساعات اللي ماما كاتباه في جيب السويت شيرت الأحمر بتاعي، وخرجت بهدوء ناحية صالة المطعم.

 

في آخر ركن كان قاعد الحاج منصور الحديدي.

 

أي حد في القاهرة كان يعرف الاسم ده.

 

أصحاب المحلات كانوا بيوطوا صوتهم أول ما يدخل.

 

ناس كتير كانت بتجري تنفذ كلامه قبل ما تفكر.

 

والكل كان بيقول إنه راجل صعب… لكن عمر حد قال إنه بياكل حق حد.

 

مشيت ناحيته.

 

أول ما قربت، تلاتة من الحرس دخلوا إيديهم جوه الجواكت.

 

واتنين قاموا من أماكنهم بسرعة لدرجة إن الكراسي خبطت في الأرض.

 

الحاج منصور رفع صباع واحد.

 

وفجأة…

 

الكل وقف مكانه.

 

بصلي وقال بهدوء:

 

— إنت جاي تكلمني أنا؟

 

قلت:

— أيوه.

 

ابتسم ابتسامة خفيفة وقال:

 

— متأكد؟

 

بصيت على الرجالة اللي حواليه، وبعدين بصيتله تاني.

 

وقلت:

 

— إنت الوحيد اللي محدش بيهزر معاه… وماما بتقول ده معناه إنك الكبير بجد.

 

ولا واحد ضحك.

 

سألني:

 

— اسمك إيه؟

 

— آدم.

 

— عندك كام سنة؟

 

— أربع سنين ونص.

 

— ومامتك عارفة إنك هنا؟

 

سكت شوية.

 

وبعدين قلت:

 

— فاكراني في الحمام.

 

واحد من اللي قاعدين كان هيضحك.

 

لكن الحاج منصور بصله نظرة خلت الضحكة تموت قبل ما تطلع.

 

قاللي:

 

— إنت عديت من سبع حراس علشان توصل لي؟

 

واحد من الحرس قال:

 

— ستة يا باشا.

 

هزيت راسي وقلت بثقة:

 

— لأ… سبعة.

 

زق كباية العصير من قدامه، وقال:

 

— قوللي بقى… جيت ليه؟

 

طلعت الورقة من جيبي، وفردتها قدامه.

 

كانت ماما كاتبة فيها كل شيفت اشتغلته.

 

كل ساعة إضافية.

 

وكل مرة قفلت فيها المطعم بالليل.

 

وفي آخر الورقة كانت كاتبة:

 

11 أسبوع من غير مرتب.

 

إجمالي الفلوس: 268 ألف جنيه.

 

فضل يبص في الورقة.

 

وكان فيه نجوم بنفسجي مرسومة جنب شوية تواريخ.

 

سألني:

 

— النجوم دي معناها إيه؟

 

قلتله:

 

— ماما كتبت الساعات… وأنا اللي رسمت النجوم.

 

وفي نفس اللحظة، كان الأستاذ شريف واقف عند الكاشير بيضحك بصوت عالي، وبيقلّب مفتاح عربيته الـBMW الجديدة على صباعه.

 

الحاج منصور بص ناحيته.

 

وبعدين رجع بصلي.

 

وسألني:

 

— وإيه حكاية النجوم يا آدم؟

 

بلعت ريقي، وشورت على أول نجمة.

 

وقلت بصوت واطي:

 

— دي الليالي اللي نمنا فيها من غير عشا.

 

وفجأة…

 

المطعم كله سكت.

 

الحاج منصور قام من مكانه بالراحة.

 

وفي نفس اللحظة…

 

الأستاذ شريف لف وشه ناحيتنا لأول مرة.

 

وأول ما عينه جت في عين الحاج منصور…

 

مفتاح العربية وقع من إيده على الأرض…..

سقط مفتاح العربية على الأرض وصوته رنّ في المكان زي صدى جرس، والأستاذ شريف اللي كانت ضحكته مالية المطعم قبل ثواني، وشه اتخطف وبقى شبه الورقة البيضا اللي كانت في إيدي.

الحاج منصور ما اتكلمش. مشي بالراحة، خطوة خطوة، وكل خطوة كانت بتخلي الأستاذ شريف يرجع لورا لحد ما ظهره خبط في الكاشير. رجالة الحاج منصور اتحركوا من غير ما حد يديهم أمر، أربعة وقفوا على الباب الخارجي وقفلوا الترباس، والتلاتة التانيين وقفوا ورا الأستاذ شريف بمسافة شبر واحد.

نزل الحاج منصور لمستواي، حط إيده على كتفي وقال بصوت واطي ومريح:

— آدم… ارجع لماما في المكتب، ومتطلعش غير لما أنا أجيلك.

قلتله وأنا ماسك في السويت شيرت الأحمر بتاعي:

— طب والورقة؟

ابتسم ونزل جاب مفتاح العربية الـBMW من على الأرض، وحطه في إيدي الصغيرة وقال:

— الورقة معايا، والمفتاح ده خليه معاك لحد ما آجي أستردّ دينك.

مشيت ناحية المكتب، ولما جيت ألف، شفت الحاج منصور بيقعد على الكرسي اللي في نص الصالة، وحط كشف الساعات بتاعي على الترابيزة قدامه. بص للأستاذ شريف وقال كلمة واحدة بس بصوت هادي يرعب:

— اقعد يا شريف.

دخلت المكتب، ماما كانت عمالة تلف حوالين نفسها وبتقول بصوت مخضوض:

— آدم! كنت فين يا حبيبي؟ خضتني عليك!

مسكت إيدها وقلت:

— كنت بره برسم نجمة جديدة يا ماما… بس المرة دي مش في الورقة.

قبل ما تفهم قصدي، الصوت بره انقطع تمامًا. المطعم كله بقى زي القبر. ماما فتحت باب المكتب حتة صغيرة وجات تبص، وأنا وقفت جنبها وأنا ضاغط على مفتاح العربية في جيبي.

كان الحاج منصور بيمسك كشف الساعات وبيقرأ تاريخ تاريخ.

— يوم 14 الشهر اللي فات… شغال لغاية الساعة 3 بالليل. يوم 22… شيفت إضافي 16 ساعة.

رفع عينه لشريف وسأله:

— العربية اللي بره دي بكام يا شريف؟

شريف كان بيعرَق وركبته بتخبط في بعضها، قال بصوت بيقطع:

— يا حاج منصور… والله الموضوع فيه سوء فهم، الست دي أختنا… و…

الحاج منصور خبط كفه على الترابيزة خبطة واحدة هزت المكان:

— سألتك بكام؟

— بـ 3 مليون يا باشا…

الحاج منصور هز رأسه:

— وراكب عربية بـ 3 مليون ومستخسر تدي للست اللي طافحة الدم في مطعمك 268 ألف جنيه؟ وكمان بتقولها “احمدي ربنا إنك لسه شغالة”؟

شريف بص للمكتب وشاف ماما واقفة ورا الباب، حاول يستقوى ويقول:

— يا حاج منصور، ده شغل داخلي في الشركة، وحضرتك ملكش…

ما لحقش يكمل الكلمة. واحد من الحرس اللي كانوا واقفين وراه حط إيده على كتف شريف ونزّله على الكرسي بالعافية.

الحاج منصور طلع تليفونه، اتصل برقم وقال:

— يا حلمي… هاتلي المحاسب القانوني بتاع الشركة ورجالة المراجعة، وتعالى على مطعم شريف في وسط البلد. معاك نص ساعة… والباب مش هيتفتح لحد ما تيجوا.

في اللحظة دي، شريف فهم إن الموضوع مش مجرد فلوس هيتدفع، الموضوع بقى أكبر بكتير. وبص ناحية الباب، وشافني وأنا مطلع صباعي وبشير له على مفتاحه اللي في إيدي.

الحاج منصور التفت للمكتب ونادى بصوت عالي:

— امسكي ابنك يا أم آدم وتعالي… الحساب هيتقفل النهاردة، بس بالجنيه وبالساعة!

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *