انا وجوزي حكايات روماني مكرم الاخير
**الجزء الخامس (قبل الأخير)**
خرج أهله ورجالتهم من صالة بيت أهلي يجرّون أذيال الخيبة والعار، وبقايا صوت جوزي المكسر وهوان صراخه لسه بيرن في السقف. منظر الزوجة الثانية وأخوها وهم بيمسكوا فيه قدام الكبارات كان ضربة قاضية شلت أي قدرة عنده على المناورة أو إنه يمثل دور الضحية.
طلعت الشمس تاني يوم، وكنت قاعدة مع أبويا والمحامي في المكتب. الأستاذ حط العرائض والأوراق قدامي على الترابيزة وقال بنبرة واثقة:
— يا مدام جيهان، موقفنا دلوقتي في السماء. إحنا مش بس رافعين ق\ضية تبديد منقولات ونفقة طلاق، إحنا معاكي كارت ضغط جنائي يخليه يكتب لك الشارع كله عشان ينجو بنفسه من الفضايح والسجن. حماكي اتصل بيا الصبح بدري وهو بيبكي، وطالب إننا نخلص كل حاجة بالتراضي وبدون محاكم.
أبويا بص لي وقال:
— قولي شروطك يا جيهان.. البيت ده لازم يتقفل بابه للابد، وكل حق لك يرجع لك لحد عندك.
رفعت رأسي وقلت بصلابة:
— المؤخر كاملاً يدفع كاش، الذهب بتاعي اللي أخده بحجة المشروعات يرجع جرام بجرام أو قيمته بسعر النهاردة، شقتي المؤثرة بحاجتي آخد كل حبة فيها، وورقة طلاقي توصلني رسمية وموثقة من المأذون خلال 48 ساعة.. وغير كده، القضايا هتترفع بكرة الصبح، والورق بتاع الزوجة الثانية هيكون في النيابة بتهمة التزوير في أوراق رسمية وإخفاء بيانت!
المحامي نقل الشروط للطرف الثاني.. ومكنش قدامهم أي خيار للمناورة. النذل نايم في سريره مش قادر يتحرك، وسمعته بقت على كل لسان في المنطقة وفي مكان شغاله، والزوجة الثانية وأخوها مخليين عيشته سوداء ومطالبينه بحق ابنهم وتسجيله رسمياً.
في خلال يومين بالظبط، كان المأذون قاعد في صالة بيت أهلي، وحمايا قاعد قصاده وشه أصفر وكأنه كبر عشر سنين في يومين. اتكتبت وثيقة الطلاق، واستلم أبويا المبلغ كاملاً مع قيمة الذهب والمنقولات، ووقّعت على أوراق التنازل عن القضايا بعد ما أخدت كل فتق وقير من حقي!
أول ما مسكت ورقة طلاقي في إيدي، حسيت بنسيم حرية نضيف بيعدي جوة صدري. خرجت من تجربة الخيانة دي مش مكسورة ولا مظلومة بتتحسر على حظها، بل ست عرفت تأخد حقها بدماغها وذكائها، وتخلي اللي فكر يخدعها يدفع الثمن من جسمه وكرامته وسمعته قدام الدنيا كلها.
مرت أسابيع.. وبدأت أرجع لحياتي وطبيعتي. فتحت مشروعي الصغير اللي كنت مأجلاه من زمان، وركزت في مستقبلي ونفسي.
وفي يوم، وأنا ماشية في الشارع القريب من المنطقة، شفته من بعيد!
كان ماشياً بالعافية، ساند على عصاية، رجله لسه فيها عرج خفيف من أثر الكسر، ودراعه سليم بس وشه باين عليه الهوان والكسرة. كان ماشي جنبه واحد من أصحابه وهو بيتكلم بصوت واطي ومكسور.
أول ما عينه جت في عيني بالصدفة، اتسمر في مكانه! ملامح الرعب والخوف رجعت لوشه في ثانية، كأنه شايف شبح! وقفت مكاني ورفعت رأسي فوق، وبصيت له بنظرة سردة وابتسامة ثقة وشماتة هادية.. ابتسامة تخلي أي خائن يفهم إن ربنا مابيرضاش بالظلم، وأن الحق لما بيرجع بتخطيط وذكاء بيبقى له طعم تاني.
لفيت وضهري له ومشيت بخطوات واثقة وأنا سامعة صوته وهو بيتحسر، وعارفة إن الدرس ده هيعلم في حياته لحد آخر يوم في عمره.
بس يا ترى.. هل القصة انتهت لحد هنا؟ ولا الزوجة الثانية هتفجر المفاجأة الأخيرة في الجزء القادم؟
**الجزء السادس والأخير**
مرت ستة أشهر كاملة على الليلة التي تسلمت فيها وثيقة طلاقي وأخذت كافة حقوقي المادية والمعنوية. كانت تلك الأشهر كفيلة بأن تعيد ترتيب كل شائبة في حياتي؛ فتحت مشروعي الخاص، واسترددت شغفي وراحتي النفسية التي سُلبت مني لسنوات تحت سقف واحد مع رجل مخادع.
وفي صباح يوم هادئ، بينما كنت أجلس في مكتبي أتابع عملي، رن هاتف المحمول برقم غير مسجل. رفعت السماعة وأجبت ببرود:
— السلام عليكم، مين معايا؟
جاءني الصوت من الطرف الآخر متقطعاً، محملاً بنبرة أسى وكسرة أعرفها جيداً.. كان صوت الزوجة الثانية:
— أهلاً يا جيهان.. أنا آسفة إني بتصل بيكي، بس كان لازم أكلمك وأشكرك.
توقفت عن الكتابة ورجعت بظهري إلى الخلف وقُلت بصلابة:
— تشكريني؟ على إيه يا بنت الناس؟ أنا أخذت حقي ومظلمتكيش، بس كل واحد فينا اختار طريقه.
تنهدت بصوت عالٍ وقالت:
— أشكرك لأنك فتحتي عيني وعين أهلي قبل ما العمر يضيع أكتر من كده. أنا أخذت حقي منه هو كمان وعن طريق النيابة والمحكمة. الحقيقة إن الجلسة القاضية اللي عملتيها في بيت أهلك خلت المحكمة تثبت نسب الطفل غصباً عنه، ورفعت عليه قض\ية نفقة وتزوير، وأخذت حكم بحبسه سنة مع الشغل لو مدفعش!
سكتت لحظة ثم تابعت بنبرة مليئة بالحسرة:
— طلقني هو كمان بعد ما أهله باعوه ورماهم الفقر والفضائح.. حماكي جاله جلطة من الصدمة ومبقاش بيخرج من البيت، وهو دلوقتي عايش لوحده في شقة إيجار قديمة، بيعرج على رجله، ومحدش من أصحابه ولا أهله بيطيق يسمع اسمه. البنت بتاعة الشات كمان أختها وراتها الوجه الآخر، وأخوها حبسها في البيت ومسحوا أثرها من على التواصل الاجتماعي.. الكل يدفع ثمن خطيئته دلوقتي!
أغلقت المكالمة بعد أن تمنيت لها ولطفلها الصغير السلامة والستر. وضعت الهاتف على الطاولة ونظرت من نافذة المكتب إلى السماء الصافية.
لقد رأيت بعيني كيف تسدد الديون الإلهية في الدنيا قبل الآخرة. لم أستخدم س\لاح الصراخ والردح، ولم ألوث يدي بالباطل، بل استخدمت العقل، والهدوء، والتخطيط المحكم لترتيب الخيوط حتى وقع الظالم في شر أعماله بلسانه وقدميه.
### **الحكمة من القصة**
> **«إن الحق لا يحتاج إلى ضجيج ليعود، بل يحتاج إلى عقل يتفكر وقلب لا يرضى بالظلم.»**
>
1. **الذكاء أقوى من الانفعال:** عندما تكتشف الخيانة أو الظلم، فإن الصراخ والمواجهة العشوائية قد تسلبك حقك وتجعلك تبدو بمظهر الضعيف المخطئ. الاستعانة بالهدوء وجمع الأدلة والتفكير الخالي من العاطفة هو الس\لاح الأبتك لأخذ الحق كاملاً.
2. **الجزاء من جنس العمل:** من يزرع الخداع يحصد الفضيحة، ومن يستغل طيبة الآخرين يُبتلى بمن لا يرحمه. الظلم ظلمات، والدائرة تدور ولو بعد حين.
3. **الكرامة لا تُباع ولا تُشترى:** إن الحياة مع شخص خائن ومخادع هي موت بطيء؛ والابتعاد عنه بكرامة وعزة نفس هو أول طريق للشفاء والنجاح الحقيقي.
