نزلت الشغل اماني السيد 4

كان المشهد مكتمل الأركان: إمبراطورية تجارية راسخة، رسالة إنسانية نبيلة، وعائلة قائمة على الاحترام والحب والتقوى. أدركتُ حينها أنني لم أسترد حقي المالي والشرعي فحسب، بل استرددت ذاتي وشغفي، وصنعت قصتي الخاصة التي لن تمحوها السنون.

تتكلل رحلة الصبر والإصرار دائماً بنهايات تشبه النور بعد طول ظلام. مرت السنوات سريعة كلمح البصر، وتوجت المسيرة بحفل ضخم أقيم في مقر منظمة الأمم المتحدة للإقليم، حيث جرى تكريمي بجائزة “المرأة الملهمة وصانعة الأثر”، بحضور وفود من مختلف دول العالم. كنت أقف على تلك المنصة العالمية، والضوء المسلط عليّ لا يضيء وجهي فقط، بل يضيء كل ليلة عشتها في القهر والظلم، وكل قطرة عرق سقطت مني وأنا أجمع الجمعيات وأتحمل الحرمان على أمل بناء بيت.

بجواري كان يقف طارق، نظراته تبوح بفخر لا حدود له، وأبنائي “جودي” التي تخرجت هذا العام من كلية الهندسة وقررت إدارة قسم التصميم المعماري في شركتنا، و”يوسف” الذي أصبح شاباً يافعاً يستعد لدخول الجامعة. كان الجميع يبتسم، وكانت مشاعر الفرح الحقيقي تملأ الأرجاء، فرح قائم على الحق، والكرامة، والجهد المستحق.

في تلك اللحظة الحاسمة، وأنا أمسك بدرع التكريم الذهبي، لمحت في مخيلتي صورة “فادية” القديمة.. تلك المرأة المكسورة التي كانت تجلس على أرض الصالة الصلبة، تبكي بحرقة أمام ورقة الطلاق وغدر الزوج الذي جردها من كل شيء حتى الملاية التي اشترتها بعرقها. أبتسمت لتلك الذكرى، لأنني علمت أن كل دمعة سقطت يومها كانت السَماد الذي أنبت هذه الإمبراطورية العظيمة.

أمسكتُ بالميكروفون، ونظرتُ إلى وجوه الحاضرين، وقلت كلماتي الأخيرة التي اختصرت خلاصة التجربة ورحلة العمر:

— “إن الحياة لا تُعطى للضعفاء الذين ينتظرون الشفقة، ولا للذين يرتضون الهوان باسم الصبر الكاذب. لقد تعلمتُ من كل ما مررتُ به أن الظلم قد يملك جولة، لكن الحق يملك الجولة الأخيرة دائماً إذا وجد صاحب حزم لا يستسلم ولا يساوم على كرامته.

الحكمة التي أخرج بها من هذه الحياة وأهديها لكل امرأة ولكل إنسان:

أولاً: لا ترهن استحقاقك ولا شقا عمرك في يد أحد، كائناً من كان. الاستقلال المالي والوعي القانوني ليسا رفاهية، بل هما الدرع والسيف اللذان يحميان كرامتك في زمن غدار.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *