انا وولادي اماني السيد الاخير

فتحت ضلفة الدولاب بإيدين بتترعش والدموع مغرقاني، وفتحت الخزنة الصغيرة اللي كنت شايلاها للزمن وما حدش يعرف عنها حاجة أبداً.. طلعت منها علبة مخملية قديمة، أول ما فتحتها لمع فيها الدهب اللي كنت مجمعاه على مدار سنين عمري، مجوهرات وأطقم تقيلة قيمتها وعدتها تعدي تمن الشقة اللي بعتها أضعاف مضاعفة. بصيت للعلبة ودموعي بتنزل بندم حقيقي، وقلت لنفسي: “أنا قسيت وظلمت، والعمى كان على عيني.. لكن لازم أصلح اللي أفسدته بإيدي قبل ما أقابل ربنا. بصيت لعلبة الدهب اللي في إيدي والدموع مغرقة وشي، وقلت لنفسي بنبرة كلها حسرة وندم:
“الدهب ده قيمته أكبر من قيمة الشقة اللي بعتها بكتير.. الدهب ده شقا عمري الحقيقي، وهو اللي هيصلح كل العك والظلم اللي عملته بإيدي.” من غير ما أتردد لحظة، فتحت العلبة وأخدت أكتر من نص الدهب اللي فيها، وقفلت العلبة وشيلت الباقي. أخدت بعضي ونزلت من البيت بالراحة من غير ما أقول كلمة لأي حد، ولا حتى أعرفهم أنا رايحة فين. نزلت السوق، دخلت أكبر محل صاغة وبعت الدهب اللي معايا، ورجعت البيت وأنا شايلة شنطة تقيلة مليانة فلوس. فتحت باب الشقة وبصيت لابني الكبير ومراته اللي كانوا قاعدين في الصالة والهم راكبهم.
قربت من الترابيزة، وحطيت رزمة الفلوس الكبيرة قدام ابني بوضوح، وبصيت له في عيونه وقولتله بصوت ثابت ومخلوط بالبكاء: “خد يا ابني.. خد الفلوس دي كلها، الفلوس دي حقك وحق عيالك. خد منها كل اللي تحتاجه وعالج ابنك واعمله العملية عند أكبر دكاترة.. وبالباقي، تشتري شقة كبيرة وواسعة وتوضبها أحسن توضيب يليق بيك وبمراتك اللي صانتك وصانت بيتك في أشد أوقاتك.. سامحني يا ابني، أنا بعوضك عن كل لحظة ظلمتك فيها.” بصلي ابني بذهول والدهشة معقودة على وشه، عيونه كانت بتتطوح بين الشنطة المليانة فلوس وبين وشي، ومكنش مصدق اللي بيسمعه ولا اللي شايفه قدامه.
قرب إيده بتترعش ناحية الفلوس ويرجعها تاني، وقال بصوت متلجلج ومشطوف من الصدمة: “إيه ده يا أمي؟! إنتي جبتي كل الفلوس دي منين؟” دمعت عيني وابتسمت له بكسرة وأنا بمسح على إيده وبقوله: “من زمان يا ابني.. من سنين طويلة وأنا كل ما يتوفر معايا قرش أشتري بيه دهب، وأبوك الله يرحمه كان عارف إني بحب الدهب وبفضله، فكان دايماً بدل ما يحط فلوسنا في البنك يجيبلي سبايك وجنيهات دهب ويشيلها معايا للزمن. أنا أخدت جزء من الدهب ده ونزلت بعته عشان أبقى عدلت بينك وبين أخوك وما أكونش ظلمتك..
ودلوقتي، خد الفلوس دي، أول حاجة تعملها تعالج ابنك وتعمله العملية وتسدد كل الديون اللي عليك وعلى بيتك، وبعدها تبيع الشقة الضيقة دي وتضيف تمنها على باقي الفلوس، وتشتري شقة تانية كبيرة وواسعة نقعد فيها كلنا . ابني استوعب الكلام بالعافية، وعيونه اتملت دموع ما قدرش يحبسها. اترمى في حضني وبكى بحرقة زي العيل الصغير، وهو يردد: “الله يسامحك يا أمي.. الله يسامحك، إنتي رديتيلي روحي وفتحيلي باب الأمل من جديد.” طلعت مراته من المطبخ وهي مش مصدقة عيونها، الدموع ناشفة على خدودها والذهول مالي وشتها. قربت مني بخطوات خايفة ومترددة، مسكت إيدي وبستها وهي بتقول بصوت مخنوق:
“يا أم أحمد.. أنا والله ما زعلانة منك، ولا عمر شايل في قلبي ناحيتك، أنا بس كان ونفسي ابننا يتعالج ونستر بيتنا.” مسكتها من إيدها وقعدتها جنبي، وبست راسها وقلت لها: “حقك عليا يا بنتي.. أنا اللي العمى كان على عيني، وقسيت عليكي وظلمتك وأنتي الصاينة المصونة اللي شيلتي البيت في أشد أوقاته، ووفرتي من قوت عيالك عشان تستروا جوزك. من النهاردة إنتي بنتي الكبيرة، وحقك فوق رأسي.” في نفس الليلة، نزل ابني يجري حجز للولد عند أكبر دكاترة للعملية، وسدد الدين لصاحبه اللي استلف منه، ودفعت العربون عشان نرجع التليفزيون اللي باعه.
مرت الأيام والولد دخل العملية وقام بالسلامة وزي الفل، والضحكة رجعت تنور البيت الصغير من تاني. وبدأ ابني يدور على شقة جديدة كبيرة وأنيقة توضبها حلو يليق بالخير اللي ربنا فتحها علينا بيه. وفي يوم، وأحنا قاعدين بنلم في العفش عشان نعزل للشقة الجديدة الواسعة، رن تليفوني وكان سامح ابني الصغير.. فتحت الخط وسمعت صوته متوتر وبيقول: “أمي.. الحقيني، أنا والشقة اتزنقنا في مصاريف التشطيب والمهندس عاوز فلوس، والشركة اللي شغال فيها عملت هيكلة ومش عارف أقبض الشهر ده، إنتي معاكي أي حاجة تصرفيني بيها؟”
بصيت لولدي الكبير ومراته وأحفادي وهما بيضحكوا حواليا، وابتسمت بشرود وقلت له ببرود وراحة بال: “والله يا سامح يا ابني.. أنا معنديش فلوس للكركبة والتطفل، تصرف حالك زي ما قلتلي.. أنا دلوقتي قاعدة في وسط اللي صانوني ورعوني، والقرش اللي كان معايا راح للبيت اللي اتفتحلي بجد.” قفلت السكة في وشه، وحطيت التليفون على جنب، وأنا حاسة لأول مرة من سنين إن قلبي مرتاح، وإن العدل والأصل هما اللي بيعيشوا في الآخر. وبعد ما قفلت السكة في وش سامح، حسيت بإحساس غريب كان غايب عني من زمان.. إحساس بالراحة والسكينة إن الكفة اتعدلت.
مرت أسابيع قليلة، وابني الكبير ربنا وفقه ولقى شقة واسعة تلات اوضوصالة كبيرة في حته نضيفة وراقية. اشتراها وسدد تمنها بالكامل من باقي فلوس الدهب بعد ما بعنا الشقة القديمة، كانت الشقه متوضبه بالكامل ومش محتاجه غير اننا ننقل يوم العزال، كانت الفرحة مش سيعانا. مراته كانت طايرة من الفرحة وهي بترتب أوضتها وأوضة عيالها، ومخصصة ليا أكبر أوضة في الشقة بحمام خاص بيها، وجايبالي فيها سرير كبير ودولاب خشب زان وجلسة مريحة عشان أستريح فيها. كانت كل شوية تدخل عليا بكوباية الشاي أو العصير وتقولي: “منورة بيتك يا أمي.. البيت ده بيتك وإحنا كلنا خدامين تحت رجليكي.”
أما أحفادي، فكانوا رايحين جايين يلعبوا في الصالة الواسعة والضحكة مش مفارقة وشوشهم، بعد ما كانوا محبوسين في أوضة واحدة والهم خنقهم وقت تعب أخوهم. في يوم وأنا قاعد على الكنبة في الصالة بشرب القهوة مع ابني الكبير ومراته، التليفون رن تاني.. كان سامح. هالمرة ما رديتش، سبته يرن ويرن لحد ما سكت لوحده. عرفت بعد كده من قرايبنا إنه اضطر يأجل السفر ويتنازل عن حاجات كتير في تشطيب شقته، وياخد قروض عشان يعرف يسد ديونه اتعلمت إن القسوة والتمييز بين الضنا بيخرب البيوت، وإن العطاء الحقيقي بيروح للي يصونه ويثمر فيه.
وبصيت لابني الكبير وهو بيضحك مع مراته وعياله، ورفعت إيدي للسماء وحمدت ربنا إنه هداني قبل ما أظلم نفسي وأظلمهم أكتر من كده، وعشت باقي أيامي معززة مكرمة في وسط البيت اللي اتفتحلي بالحب والأصل الطيب. . تمت