اهلى سلمو الثلاث بيوت 3
سكتت أمي على الناحية التانية من التليفون، والسكوت كان أتقل من الثلج اللي بيخبط على شباكي في تورونتو.
“نادين؟” صوتها طلع مكسور، نبرة الاستعلاء والنعومة المتكلفة اختفت تماماً وحل مكانها خوف حقيقي. “أنتِ بتقولي إيه؟ بيوت إيه اللي النيابة حاطة إيدها عليها؟”
“اسألي ابنك اللي شايل اسم العيلة يا أمي,” رديت ببرود وبنفس الصوت الهادي اللي بيحرق الأعصاب. “اسأليه عن قروض البنك، وعن إقرارات التزوير اللي بصم عليها وهو فاكر إن الشهر العقاري لعبة في إيده.”
صوت دربكة عالي جه من تليفون أمي، السماعة وقعت منها على الأرض، وسمعت صوت أبويا وهو بيصرخ في حازم في الصالة: “ورق إيه ده يا حازم؟! البوليس واقف تحت ليه؟! أنت عملت إيه في البيوت؟!”
حازم صوته كان طالع مخنوق، عياط راجل اتكشف ستره في لحظة: “والله يا بابا كنت هسدد! أنا بس كتبت إن العقارات خالية عشان آخد كاش المعرض.. ماكنتش اعرف إن البت دي مسجلة الرهن القديم!”
أبويا مسك التليفون، أنفاسه كانت عالية ومتقطعة، وصوته بيترعش من الصدمة والغل: “نادين.. أنتِ حاطة عينك على شقا أخوكي من الأول؟ أنتِ جاية تنتقمي عشان كتبنا البيوت باسمه؟”
ابتسمت، وحطيت كباية القهوة على الترابيزة.
“شقا أخويا؟” سألته بنبرة سخرية واضحة. “حازم ماشقيش في جنيه واحد من البيوت دي يا بابا. بيت جدي اللي هدمه عشان يبني كافيه، ولا دوبلكس الزمالك اللي أصلحتها من جيبتي، ولا بيت الساحل اللي أنقذت شركتك بضمانه؟ أنا مانتقمتش.. أنا بس طبقت البند اللي أنت بنفسك مديت إيدك ومضيت عليه لما كنت محتاج فلوسي.”
“أنا أبوكي!” أبويا زعق بصوت شرخ: “واللي بتعمليه ده يودي أخوكي السجن! هتدخلي أخوكي الوحيد السجن عشان شوية أوراق وفلوس؟!”
“أنتوا اللي اخترتوا إن الفلوس والأوراق هي اللي تحدد مين فينا يفرق معاكوا ومين لأ,” رديت بثبات يوجع. “يوم ما زقيتوا العقود وقدمتوا الولد عليا عشان شايل اسم العيلة، نسيتوا إن البنت هي اللي كانت شايلة العيلة كلها من الانهيار. دلوقتي خلوا اسمه ينفعه قدام قاضي التنفيذ.”
“تنازلي يا نادين!” أمي صرخت وهي بتاخد التليفون تاني، صوت البوليس بره كان بدأ يعلى وجرس الباب بيرن بصوت متواصل يقطع الخلفية: “أبوس إيديكي يا بنتي، البوليس بيكسر الباب!تنازلي عن الرهن وإحنا نكتب لك بيت الزمالك باسمك! هنرجعلك حقك والله هنرجعه!”
“تأخرتي أوي يا ماما,” قولتها بهدوء مرعب. “المهلة القانونية خلصت إمبارح الساعة 4 العصر. والأوراق دلوقتي في المحكمة.. والمزاد العلني هيتفتح خلال أيام.”
صوت خبط عالي جداً جه من التليفون، صوت باب الشقة بيتفتح بالقوة، وأصوات ظباط شرطة بيطلبوا البطاقات وأوامر الضبط. أمي صرخت بصوت يهز الأرض، وحازم كان بيبكي وبيستغيث بأبويا، وأبويا بيزعق للمحامي في التليفون الثاني.
في وسط الهرج والمرج ده كله، قربت التليفون من ودني، وقولت لأمي بصوت واطي لكنه كان أوضح من كل الصريخ اللي حواليها:
“بصي على حازم كويس يا أمي وهو ماشي مع البوليس.. وقولي له: البنات بتتجوز وتمشي، بس المحاسبين بيفضلوا فاكرين كل الأرقام.”
وقفت المكالمة.
عملت حظر شامل لكل أرقامهم. أرقام عيلتي، قرايبي، وكل حد ممكن يتوسط لهم.
فتحت اللاب توب، وبعت إيميل محدد للأستاذة فريدة: «تم إخطار الأطراف. استمري في إجراءات المزاد وباعي الأملاك بالكامل لاسترداد أصل الدين والفوائد. أي مبالغ متبقية تودع في حساب المحكمة.»
قفلت اللاب توب. وقفت قدام شباك الشقة في تورونتو، بصيت على الشوارع المتغطية بالثلج الأبيض الصافي. النفس كان طالع مني بارد ومستقر. ماكانش فيه نقطة غضب واحدة جوايا.. كان فيه راحة صدمة الحق لما بيرجع لأصحابه.
لكن.. الراحة دي ماطولتش أكتر من خمس دقائق.
إشعار تليفوني رن بنغمة رسالة نصية قصيرة (SMS).
فتحت الموبايل وأنا فاكرة إنها من البنك أو المحامية.. لكن الرسالة كانت جاية من رقم مجهول برمز دولة غريب، ومكتوب فيها باللغة العربية:
“شاطرة يا نادين.. لعبتيها صح وحبستي أخوكي وأخدتي البيوت. بس للأسف، أنتِ قريتي عقد الدين بتاعك ومقريتيش الخزنة اللي متقفل عليها في سرداب ڤيلا المقطم من سنة 1998.. جدك العطار ماكانش بني البيوت دي بفلوس مقاولات يا شاطرة. والسر اللي هيتفتح مع أول شاكوش هينزل في المزاد العلني، مش هيوديكي أنتِ وعيلتك السجن بس.. ده هيمحي اسم العطار كله من الوجود.”
طفيّت الشاشة، وإيدي لأول مرة تترعش..