وقفت الست ساندة إيدها على الحلق، وبصتلي وعيونها بتنطق بكل قسوة الدنيا، وبدأت ترمي الكلام في وشي كأنه طوب بيتهد على نافوخي: — من أول يوم دخلت فيه رجليها العتبة دي، وهو مستلمها ذل وإهانة. كان بيكسر نفسها باللقمة اللي بتاكلها، ويعايرها بيك ليل ونهار، يقولها أنتِ مالكيش ضهر، يتيمة وأبوكي بايعك وراميكي ومرتاح من همك! كان حابسها، حارمها من كليتها اللي شقيت عشان تدخلها، كان يرفض نزولها، وزمايلها في الجامعة من وراه كان صعبان عليهم مستقبلها ويجيبولها الكتب والمذكرات لحد أول الشارع في السر. الحارة كلها كانت شيفاها بتدبح وعارفة إن ملهاش حد، الحارة كلها كانت بتقف تتشفع وتتحايل عليه أيام الامتحانات بس عشان يوافق تخرج تمتحن وترجع زي الأسيرة. ضربت كف على كف وهي بتنهج من الغيظ، ومكملة كلامها اللي بيسلخ جلدي: — كانت تطلع من الصبح لبيت أمه، تنضف وتطبخ وتتخدم عليها ذليلة ومهانة، وترجع هنا شقتها، تنضف وتطبخ وتشوف طلباته من غير كلمة اعتراض. ولما عينه بجحت بزيادة، أجبرها تنزل تشتغل وتصرف عليه، وهي وافقت وسكتت، وخدتها حجة عشان تخرج تشوف الشارع وتشم النفس وتروح كليتها، عشان متتخنقش بين أربع حيطان وتلاقي مصاريف كتبها اللي أنت قطعتها عنها. قربت خطوة ودبّت في الأرض، وصوتها طلع مخنوق بالدموع والغضب: ضربت كف على كف وهي بتنهج من الغيظ، ومكملة كلامها اللي بيسلخ جلدي: — كانت تطلع من الصبح لبيت أمه، تنضف وتطبخ وتتخدم عليها ذليلة ومهانة، وترجع هنا شقتها، تنضف وتطبخ وتشوف طلباته من غير كلمة اعتراض. ولما عينه بجحت بزيادة، أجبرها تنزل تشتغل وتصرف عليه، وهي وافقت وسكتت، وخدتها حجة عشان تخرج تشوف الشارع وتشم النفس وتروح كليتها، عشان متتخنقش بين أربع حيطان وتلاقي مصاريف كتبها اللي أنت قطعتها عنها. قربت خطوة ودبّت في الأرض، وصوتها طلع مخنوق بالدموع والغضب: — حملت في بطنها مرتين.. مش مرة واحدة! مرتين وسقطت ومات الجنين في حشاها من كتر الضرب والركل اللي كان بياكلهولها على بطنها وضهرها! الحيطان كانت بتصرخ من صوت ضربها وعياطها، وأنت كنت فين يا سبع الرجال؟ كنت نايم في فرشتك مستريح عشان شلت عبئها ورميته في النار برجليك! سكتت ثواني، كأنها بتستجمع مرار الدنيا كله في بقها قبل ما تكمل، وعيونها كانت بتبصلي وكأنها شايفة وحش مش بني آدم: — وبدل ما يحمد ربنا على النعمة اللي في إيده وصبرها على فقره وقرفه، عينه زافت وبقى يوفر فلوسه اللي طالع بيها من شقاها عشان يصرفها على النسوان والشوارع! اتلم على واحدة وسخة من طينته وقرر يتجوزها، وطرد بنتك من شقتها ورماها لامه تخدمها هناك.. ومش بس كده، دي أمه بقت تعاملها زي الخدامة وأوسخ! كانت تنزل الصبح تشتغل وتطلع عينها عشان تجيب القرش، والفلوس اللي تجيبها تتصرف على أكلهم وشربهم كلهم! تقف في المطبخ تكنس وتطبخ ليهم كلهم.. تخيل؟ بنتك لحمك ودمك، اللي كنت شايفها عبء، كانت بتشتغل بعرق جبينها وبتطبخ عشان تصرف على ضرتها وتخدمها في بيتها! قربت من وشي أكتر وهي بتشاور بإيدها اللي بتترعش في صدري، وصوتها علي وبقى زي الرعد اللي بيزلزل المكان: — ولما يادوب فكرت تشتكي ولا تتكلم، كان حزام البنطلون بيسيب علاماته على جسمها وأمه تتفرج وتشجع! لحد ما جه اليوم المشؤوم.. تعبت من الغلب اللي مبيرحمش، وفاض بيها الكيل، علي صوتها وقالت كفاية ذل وحرام عليكم أنا بشر! تعرف بقى كان مصيرها إيه في الليلة دي؟ تعرف عملوا فيها إيه لما تجرأت وعلي صوتها؟! نزلت دموع الست فجأة مع حرقة صوتها، وبقت تضرب على صدرها بقهر وهي بتكمل: — اتلموا عليها هما التلاتة! هو وأمه وضرتها، مسكوها ضربوها ضرب غل وعدموها العافية، داسوا على وشها بالجزم، وطحنوا عضمها لحد ما كسرولها دراعها! صوت صريخها كان بيجيب آخر الحارة، بتستغيث وبتصوت وتقول «إلحقوني هيموتوني»، صوت كسر عضمها سمعناه في بيوتنا! اتخنقت أنفاسها وهي بتمسح دموعها بضهر إيدها بقرف، ورجعت تزعق في وشي: — الجيران من كتر الرعب كسروا باب الشقة ودخلوا ينتشلوها من تحت رجليهم.. طلعوها زاحفة على السلم، متبهدلة ودمها سايح وبلبس البيت، هدومها كانت متقطعة في إيديهم ولحمها باين! ستات الحارة قلعوا عباياتهم وطرحهم في نص السلم وغطوها وادوهالها عشان يستروها.. الغريب اللي ميعرفهاش قلع هدومه عشان يستر لحم بنتك من الفضايح، وأنت.. أنت أبوها اللي من صلبك راميها في النار وسايب لحمها يتداس بالرجلين ومستكتر عليها حتى تسأل عنها! وقفت متسمر، الكلمات نزلت على دماغي زي مية مغلية شلت حركتي ومسحت عقلي تماماً. لساني تقل، وريقي نشف، وبقيت حاسس إن الحيطان بتلف بيا والسلم بيسحبني لقاع ملوش آخر. كل نقطة دم في جسمي اتجمدت من بشاعة اللي سمعته.. بنتي، حتة مني، اتكسرت واتهانت واتعرت عشان ترضي وسخ كلاب السكك اللي سلمتها ليهم بإيدي. رفعت وشي بصعوبة، وصوتي طلع مهزوم، مكسور، طالع من بير غريق: — هي فين دلوقتي؟ عشان خاطر رحمة ربنا بيكي.. قوليلي هي فين؟ بصتلي باحتقار كأنها بتبص لحشرة مدعوسة في الأرض، وقالت بنبرة تقطر سم: — محجوزة في مستشفى كذا العام، بقالها تلات أيام بين الحياة والموت.. روح، روح شوف شقا عمرك وظلمك عملوا فيها إيه، لعل وعسى ربنا ينتقم منك على كل نفس اتنَفّسته في عذاب. ملحقتش حتى أشكرها، نزلت السلالم جري، كنت بقع وأقوم كالممسوس، مفيش في وداني غير صوت صريخها اللي الست حكته، وصوت كسر عضمها بيرن في جمجمتي. وقفت تاكسي بمليون معافرة، وطول السكة كنت حاطط إيدي على وشي وأنا بنهج وأعيط بهيستيريا، كل لحظة ظلم، كل جنيه استكترته عليها، كل كلمة إهانة قولتهالها ورميتها بيها كانت بتطلع قدامي زي تقطع في لحمي. وصلت المستشفى، جريت في الممرات وريحة البنج والمطهرات بتخنقني، لحد ما وصلت للعنبر وسألت الممرضة عن اسمها ودلتني على سريرها في آخر الطرقة. وقفت قدام الستارة، إيدي كانت بتترعش رعشة جنونية وأنا بزيحها على جنب.. وأول ما وقعت عيني عليها، قلبي وقع في بطني واتصدمت صدمة خلتني أرجع خطوتين لورا وأنا كاتم صرخة في حلقي. دي مش بنتي.. دي متكونش بنتي! اللي نايمة على السرير كانت هيكل عظمي، جلد متشدد بالعافية على لحم ناشف، عضم وشها بارز بطريقة مرعبة، وتحت عينيها سواد غاطس كأنها طالعة من قبرها لسه حالا. دراعها متجبس ومربوط في رقبتها، وشها كله كدمات زرقا وسودا وارمة، شفايفها بيضا ومشققة كأنها مبتاكلش بقالها سنين. كانت نايمة بجسم رفيع وضئيل، ساكنة سكون الموت، أنفاسها طالعة بنهجان خفيف وضعيف يقطع نياط القلب.. شكلها كان شبه الأموات تماماً، مفيش فيها أي أمارة للحياة غير المحلول اللي بينقط في وريدها الأزرق الشاحب. ركبي خانتني ووقعت على الأرض جنب سريرها، وبقيت أمد إيدي المرتعشة ومش قادر ألمسها، خايف تتكسر من لمستي، وبقى كل اللي طالع مني شهقة عاجزة ودموع ندم ملهاش تمن.