جوزي ومرات اخوه الاخير

عدتُ إلى حجرتي القديمة في بيت أبي، وأمسكتُ بطفليّ اللذين كانا يبكيان ولا يفهمان ما يحدث حولهما. ضممتهما إلى صدري، والدموع تحرق وجهي. أصبحتُ مطلقة، بيتي تهدم، وطليقي يرقد بين الحياة والموت وملاحق بالقضايا، وسيلفتي السابقة محبوسة مطرودة من الرحمة، والبلد كلها تتحدث عن القصة التي هزت الأرجاء.
جلس محمود أمامي في المساء، ونظر إليّ بعينين ملاؤهما الحزن والعزم، وقال: “يا فوزية.. الفضيحة اندفنت، وحقك رجع بالقوة والقانون، وطليقك وبنت عمك أخدوا عقاب السماء قبل عقاب الأرض.. بس الحكاية لسه ما انتهتش، الشرطة فتحت التحقيق، وغداً الصبح لازم تنزلي النيابة تشهدي وتأكدي أقوالك، عشان القفص يتقفل عليهم للأبد وما تقوم لهم قائمة تاني!”
أغمضتُ عينيّ وأنا أستشعر ثقل الغد.. كنتُ أعلم أن الوقوف أمام النيابة لمواجهة بقايا هذا الكابوس سيكون الجولة الأخيرة التي ستحسم كل شيء.
أشرقت شمس اليوم التالي ثقيلةً ومحملة بغيوم قاتمة، كأن السماء تشارك قريتنا هذا الجراب المترع بالأحزان والآثام. في بيت أبي الصعيدي، كان البيت يشبه ثكنة عسكرية هزتها العاصفة وما زالت واقفة على أقدامها بفضل الشرف والدم. أبي، رغم إجهاده وشحوب وجهه، أصر على أن يلبس جلبابه الأبيض وعباءته القصب، ويجلس في صدر المندرة، ممسكاً بعكازه، ليؤكد للجميع أن هيبة هذا البيت لم تنكسر، وأن الشرف الذي أُريد له أن يتمرغ في الطين قد خرج أبيض ناصعاً كصحيفة الوليد.
أخذني محمود أخي وعمي الكبير في سيارة حظرها إخوتي، وتوجهنا نحو مقر النيابة العامة بمركز المحافظة. كان الطريق جميلاً بثرائه الخضري، لكنه في عيني كان يبدو كالمشنقة. العيال تركتهم في رعاية أمي وأختي الصغيرة، وهما يضمانهم بحنان الخوف، وأنا أعد نفسي لمواجهة سأتحدث فيها لأول مرة أمام وكيل النائب العام، لأضع نقطة النهاية في دفتر الخيانة والجريمة.
عندما وصلنا إلى المجمع القضائي، كانت طرقات النيابة تضج بالحركة: عساكر يروحون ويجيئون، محامون يحملون الملفات، وأهالي يقفون بوجوه تعبة. ولكن ما إن وطئت قدم محمود وعمي وعروق الصعيد تبرز من أيديهم طرقة الدور الثاني، حتى اتسعت الأعين وتسامع الناس بالقصة؛ فالخبر كان قد سبقنا إلى التخشيبة وإلى أروقة المحكمة.. “قصة فوزية والشرف المغسول بالدليل”.