طردتني لاني مبخلفش حكايات نور محمد الاخير
الراجل اللي كان واقف على الباب، وبينهج وعيونه مليانة دموع ورعب، مكنش غريب أبداً…
ده كان “محمود”… أخو أحمد الصغير!
أحمد فضل باصص له ثواني وهو مش مستوعب، الكلمة بتتردد في ودانه كأنها صدى صوت من كابوس: “ابني؟!”
محمود متجاهل أخوه تماماً، دخل الأوضة زي المجنون وزق حماتي وزق أحمد، ورمى نفسه على سرير الطفل وهو بيصرخ: “ابني! عملتوا فيه إيه؟! دكتورة أرجوكي أنقذيه!”
بس في اللحظة دي، مكنش في وقت للصدمات، ولا للفضايح، ولا للأسئلة.
جهاز النبض كان لسه بيصفر، وروح الطفل البريء ده كانت بتنسحب بين إيديا.
صرخت بأعلى صوت عندي، صوت عمري ما تخيلت إنه يطلع مني:
“برااااا! كله يطلع بره الأوضة حالاً! الممرضة تقفل الباب وتجهزلي حقنة الإبينفرين وجهاز الصدمات الصغير فوراً!”
أحمد كان متسمر مكانه، مذهول ومكسور، الممرضات شدوه هو ومحمود والزوجة وحماتي لبره بالعافية وقفلوا الباب.
بدأت أعمل إنعاش قلبي رئوي للطفل.
ضغطة ورا التانية.
العرق كان بينزل من جبيني، ودموعي متجمعة في عيني. الطفل ده ملوش ذنب في كل القذارة دي. ملوش ذنب في جشع جدته، ولا ضعف أمه، ولا خيانة عمه.
“يلا يا حبيبي… يلا أرجوك ارجع…” كنت بهمس له وأنا بشتغل بكل قوتي وتركيزي الطبي.
بعد دقايق مرت كأنها سنين، جهاز النبض اتغير صوته…
(تيت… تيت… تيت).
النبض رجع ضعيف، بس رجع.
أخدت نفسي بصعوبة، بس لسه الخطر قائم. الولد محتاج دم حالاً.
فتحت باب الأوضة بسرعة، لقيت المشهد بره كأنه ساحة حرب. أحمد ماسك محمود من ياقته وبيضرب فيه بهيستيريا، وحماتي واقعة في الأرض بتلطم، والزوجة التانية منهارة في ركن بعيد.
صرخت فيهم بكل حزم:
“أقفوا فوراً! الولد نبضه رجع، بس لو متقلش دم في خلال دقايق هيموت بجد!”
بصيت لمحمود اللي كان وشه بينزف من ضرب أخوه، وقولتله بحسم:
“أنت أبوه البيولوجي؟ فصيلة دمك إيه؟”
رد وهو بيبكي وبيكح: “أيوة… أنا فصيلتي (O) زيه… خدي دمي كله بس يعيش.”
شديته من إيده على المعمل، دكتور التحاليل سحب منه الدم فوراً بعد ما عملنا اختبار التوافق السريع، وبدأنا ننقل الدم للطفل.
وقفت جنب السرير لحد ما لون الولد بدأ يرجع لطبيعته، وحرارته بدأت تنزل، ونفسه انتظم.
كتبت له عمر جديد بإذن ربنا.
المواجهة الأخيرة
بعد ساعتين، العيادة فضيت من كل المرضى، ومابقاش فيها غير عيلة طليقي وأنا.
الولد كان نايم في استقرار.
طلعت للصالة بره، ووقفت قدامهم. المشهد كان يكسر الحجر، بس قلبي كان هادي جداً، هدوء اليقين.
أحمد كان قاعد على الكرسي، حاطط وشه بين إيديه، كبر في الساعتين دول عشرين سنة.
بصلي بعيون حمرا ومليانة انكسار وقال بصوت ميت:
“ليه يا مريم؟ ليه مقولتليش من زمان إن العيب مني؟ ليه خبيتي عليا؟”
رديت عليه بثبات:
“أنا مخبيتش يا أحمد. أنا يوم ما جبت نتيجة التحاليل اللي بتثبت إني سليمة وإنت اللي مريض، جيت عشان أقف جنبك ونعالج المشكلة سوا… بس لقيتك مجهز المأذون، وأمك واقفة وراك بتقولي بكسرة نفس: ‘مش هنستنى عليكي لما تبوري ابننا، إحنا عايزين حتة عيل يشيل اسمه’. طردتوني في نص الليل ومسمعتوش مني كلمة.”
بصيت لـ “صفاء”، حماتي السابقة، اللي كانت قاعدة في الأرض، شموخها الكداب انكسر، وغرورها اتمسح.
قالت بصوت بيترعش: “عملت كده عشان العيلة… عشان عمامك مياكلوش ورثك يا أحمد. محمود أخوك… من دمنا… قولت السر هيفضل مقفول علينا والولد هيشيل اسمك والورث مش هيطلع لبره.”
أحمد قام وقف، وبصلها باحتقار عمري ما شفته في عينه:
“ورث؟! عيلة؟! إنتِ دمرتي العيلة! إنتِ خليتي أخويا يخوني مع مراتي في سريري! خليتيني أعيش مخدوع خمس سنين بربي ابن أخويا على إنه ابني! إنتِ دمرتي شرفنا وديننا عشان حتة أرض وفلوس ملهاش قيمة!”
بص لمحمود ولزوجته وقالهم بكلمات قاطعة زي السيف:
“الولد ده هيفضل هنا لحد ما يخف، وبعدها تاخدوه وتغوروا من وشي… مش عايز أشوف وش حد فيكم ليوم الدين. أنا هتبرى منكم كلكم!”
أحمد مشي ببطء ناحية باب العيادة، وقبل ما يخرج، لف وشه وبصلي.
النظرة دي كان فيها كل الندم اللي في الدنيا. ندم على ظلمي، ندم على تصديق أمه، وندم على تدمير بيته اللي كان مبني على الحلال.
قال بصوت واطي: “سامحيني يا مريم.”
وخرج، وقفل الباب وراه.
عوض ربنا
رجعت مكتبي، قعدت على الكرسي بتاعي، وبصيت للسما من الشباك.
خدت نفس عميق جداً، وحسيت إن في جبل انزاح من على صدري.
سنين طويلة كنت بسأل نفسي: ليه يا رب؟ ليه اتظلمت؟ ليه اتطردت في نص الليل وأنا مكسورة؟
النهارده بس فهمت الإجابة.
ربنا كان بيحميني. كان بيبعدني عن مستنقع من الخيانة والجشع وانعدام الضمير.
ربنا طردني من بيتهم عشان يبنيلي كياني، ونجاحي، واسمي اللي بقيت فخورة بيه.
والنهارده، جابهم لحد عندي، أذلاء ومكسورين، مش عشان أنتقم منهم… لأ، عشان أشوف بعيني عدل ربنا، وعشان إيديا اللي طردوها زمان، تكون هي نفس الإيد اللي تنقذ روح بريئة من الموت.
الولد خف وخرج من العيادة بعد يومين، وعرفت إن أحمد رفع قضايا نسب وطلاق، وعيلتهم اتشتتت وبقت سيرتهم على كل لسان.
أما أنا؟
أنا قفلت صفحتهم للأبد.
لبست البالطو الأبيض بتاعي، وابتسمت للممرضة اللي دخلت تقولي: “دكتورة مريم، في حالات جديدة بره منتظرة حضرتك.”
ابتسمت وقولتلها: “دخليهم يا بنتي.”
النهاية.