حبست مراتي في البلكونة

حبست مراتي في البلكونة في عز التلج وأنا فاكر إني بربيها بسبب كلمتين بخيتهم اختى فى ودنى عشان تسخنى عليها ، بس لما فتحت الباب بعد كام ساعة ملقيتهاش.. لقيت أثر كف مبلول على السور، ومكنتش أعرف إن الترباس اللي لفيته بإيدي ده، كان بداية لجريمة قتل مفيش عقل يتخيلها
.
لو عايزة تخبي فلوس أوي كده، اطلعي في البلكونة واتجمدي من البرد وأنتِ بتفكري في الفضيحة والعار اللي جيباهم للبيت ده.
دي كانت آخر كلمة قالها شريف ل نور قبل ما يقفل باب البلكونة الإزاز بالترباس.
كانوا عايشين في شقة صغيرة في منطقة الدقي، في حي هادي كان الجيران فيه بيسلموا على بعض بحكم العادة، وبيعرفوا أخبار بعض كلها من الشبابيك. الليلة دي في شهر نوفمبر كان فيها برد غريب من نوعه، من البرد اللي بيدخل من تحت العقب وبيخلي الخشب يتكتك.
كل حاجة بدأت وقت العشا.
فايزة، أخت شريف الكبيرة، وصلت من طنطا ومعاها شنطة فيها سمك بلطي طازة، وجبنة قريش، ومعاها كمان السلطة والتحكم بتوع الشخص اللي فاكر إن صلة القرابة بتديله الحق يحشر مناخيره في كل حاجة.
نور قضت طول السيرفس والمطبخ بتطبخ. جهزت السمك بالتوم والليمون والفلفل الحامي وعملت رز صيادية مفلفل. فرشت السفرة بشكل جميل، وطلعت الكوبيات النضيفة، وحتى اشترت فطير مشلتت وبغاشة عشان عارفة إن فايزة بتحبهم.
بس مفيش حاجة عجبتها.
يا خسارة السمك يا نور قالتها فايزة وهي يا دوب بتدوق قطمة صغيرة. عندنا في البلد السمك ده بيتقلي في زيت مقدوح بذمة وملح مظبوط. إنما اللي أنتِ عاملاه ده عامل زي أكل العيانين في المستشفيات.
نور بوزت ونزلت عينيها في الأرض.
شريف شاف مراته وهي بتضغط بصوابعها على المنديل

جامد، بس ما نطقش. فايزة طول عمرها كده ناشفة، مسيطرة، وحاميه بزيادة عن اللزوم. من وقت ما والدتهم اتمفت، فايزة بقت بالنسبة لشريف زي أمه التانية تقريبًا.
بعد العشا، نور دخلت المطبخ تغسل المواعين.
فايزة استنت لحد ما صوت مية الحنفية بدأ يعلى، وقربت من أخوها وهمست له
شريف، فتح عينيك. ست الحُسن والجمال بتاعتك بتسرقك وبتسحب منك فلوس من ورا ضهرك.
هو ضحك ضحكة صفرا مش مريحة وقال لها
ما تبدأيش يا فايزة بالله عليكِ.
أنا مش بتخيل ولا بتبلى عليها. أنا سمعتها وهي بتتكلم في التليفون. كانت بتقول يا ماما، استحمليني شوية، أنا جمعت قرشين كمان وهبعتلك الباقي. تفتكر الفلوس دي جايباها منين؟
شريف حس بصدمة كأن حد ضربه في صدره.
في نفس الليلة، أول ما نور نامت، فتح تطبيق البنك بتاعه وراجع الحساب. لقى 3 تحويلات ورا بعض تحويلين كل واحد ب 2500 جنيه، وتحويل تالت ب 3000 جنيه. كلهم رايحين لحساب هو ما يعرفوش ولا عمره شاف الرقم ده قبل كده.
تاني يوم الصبح، حاول يسألها بهدوء
نور، هي والدتك محتاجة فلوس في حاجة؟
وشها خطف وبقت بيضا زي الفتلة.
ليه بتسأل؟
رد فعلها ده كان كفاية عشان يخليه يشيط وينفجر فيها
أنتِ حولتي ال 8000 جنيه دول لمين؟!
نور فتحت بقها، بس ما عرفتش تنطق بكلمة. عينيها اتملت دموع.
في اللحظة دي، فايزة ظهرت عند الباب كأنها كانت واقفة مستنية الإشارة
شايف؟ مش قلتلك؟ الستات دول بيعملوا نفسهم متدينين وشرفاء، بس في الآخر أهلهم هما اللي في المقام الأول وفلوسك رايحة ليهم.
نور بكت وانهارت
شريف، عشان خاطري، اسمعني وأنا هفهمك كل حاجة.
بس هو خلاص، الغضب كان عماه ومبقاش سامع حاجة.
الإحساس بالخيانة، الشك، والسم اللي بخته فايزة في ودنه كان بيحرق دمه من جوه.
اطلعي البلكونة أمرها بزعيق. لما تبقي جاهزة تقولي الحقيقة، هخليكي تدخلي.
نور بصت له بنظرة صدمة، كأنها شايفه شخص غريب مش جوزها.
وبعدين طلعت.
شريف رزع الباب الإزاز.
ولف الترباس وقفل عليها.
على الساعة 3 الفجر، شريف صحي من النوم وهو حاسس بكتمة ونغزة في قلبه. مد إيده على السرير، لقى المخدة بتاعة نور ساقعة تلج. الأوضة كانت ضلمة كحل. ومن ورا الستارة، لمح خيال جسم منكمش على نفسه في البلكونة.
قام عشان يفتح لها الباب.
بس في اللحظة دي، شاف حاجةخلت الدم يتجمد في عروقه.
من أول باب الشقة لحد باب البلكونة، كان فيه أثر خطوات مبلولة مية، كأن فيه حد دخل الشقة وهو غرقان ومشي لحد المكان اللي مراته واقفة فيه.
شريف جرى زي المجنون، فتح الترباس وإيديه بتترعش وفتح الباب بسرعة.
البلكونة كانت فاضية تمامًا.
مفيش فيها غير أثر كف إيد مبلول على سور البلكونة، وتحت في الشارع، جنب شجرة، كان فيه كتل بيضا مرمية مش بتتحرك.
شريف بص لتحت وحس إن الدنيا بتلف بيه والأرض بتهد تحت رجليه، وهو مش دريان إن الليلة دي لسه يا دوب بتبتدي…
الجزء الثاني
شريف نزل على السلم حافي، رجليه كانت بتتخبط في الدرج وهو مش حاسس، وفايزة كانت بتزعق وبتنده على اسمه من فوق. في الشارع، كان فيه كذا حد من الجيران متجمعين فعلاً جنب الشجرة. ست من الجيران كانت حاطة إيدها على بقها من الصدمة، وشاب واقف ماسك تليفونه وإيده بترتعش. أول ما قرب، شريف عرف قميص النوم الأبيض بتاع نور. بس لما ركع على ركبته في الأرض، اكتشف حاجة ما كانش متوقعها.
نور كانت لسه عايشة. بتتنفس بالعافية، شفايفها زرقا كحل، وإيدها كانت قافلة جامد على ورقة مكرمشة.
اطلبوا الإسعاف بسرعة! شريف صرخ بأعلى صوته وهو حاسس إن حنجرته بتتقطع.
في مستشفى قصر العيني، الدكاترة دخلوها فوراً العناية المركزة. شريف قضى ساعات طويلة في طرقة المستشفى البيضا، ريحة الكلور والعرق الساقع والخوف مالية المكان. لما الدكتورة خرجت، ملامح وشها ما كانتش تطمن خالص.
قدرنا نستقر حالتها قالت الدكتورة، بس مدام نور وصلت المستشفى وهي عندها حالة تسمم حادة.
شريف حط إيديه الاتنين على دماغه من الصدمة
تسمم؟ تسمم من إيه؟
الدكتورة أخدت نفس عميق وقالت
لقينا في دمها نسبة عالية من المهدئات. بس مش ده الأخطر؛ الأخطر إن ظهر في التحاليل مادة كيميائية صناعية، من اللي بتستخدم في المبيدات الزراعية. والمادة دي مادخلتش جسمها فجأة، دي بقالها أيام بتتراكم في جسمها بالتدريج.
شريف حس إن الأرض بتلف بيه وبتنسحب من تحت رجليه. الموضوع ما بقاش مجرد يأس وخوف، فيه حد كان بيسم نور!
الدكتورة سألته لو كانت أكلت حاجة غريبة الفترة الأخيرة. في اللحظة دي، شريف افتكر حاجة فايزة وهي جاية من طنطا، كانت جايبة معاها أعشاب فلاحي من الغيط. قالت إنها ممتازة للمعدة، وطلبت من نور تغليها وتعمل بيها شوربة. نور أكلت منها، وشريف كمان داق منها شوية صغيرة. فايزة وقتها قالت إنها شبعانة ومش قادرة تاكل وما لمستش الطبق.
شريف رجع الشقة وعقله عبارة عن حتت متكسرة. قعد يدور في المطبخ، في الكوبايات، وفي بواقي الأكل. وفي البلكونة، لقى حاجة ما تخصوش لا هو ولا مراته عُقب سيجارة مستخبي ورا قصرية زرع، وشعرة قصيرة، لونها بني فاتح.
لا هو ولا نور بيدخنوا، وفايزة كمان ما بتدخنش… أو ده اللي كان فاكره.
لما فايزة شافته وهو بيفتش في البلكونة، جسمها اتخشب
بتعمل

إيه عندك؟
شريف شال عُقب السيجارة في منديل وقال لها
بدور على الحقيقة.
فايزة نزلت عينيها في الأرض.
وهو في قمة يأسه، شريف كلم حازم، صاحبه الأنتيم اللي شغال ضابط شرطة. اتقابلوا في كافيه قريب من ميدان الفلكي. شريف سلمة الكوباية، عُقب السيجارة، والشعرة، وحكى له كل حاجة بالتفصيل. حازم سمع من غير ما يقاطعه ولما خلص قال له
الموضوع ده ما بقاش مجرد مشاكل متجوزين يا شريف.. طالما فيه سم، يبقى فيه جريمة.
بعدها بكام ساعة، حازم جه لشريف الشقة ومعاه ظرف مقفول بختم
الكوباية كان فيها بقايا من نفس المادة السامة حازم قال لشريف والشعرة دي بتخص ست اسمها ميرفت عبد العال.
شريف عقد حواجبه باستغراب
ماعرفهاش، مين دي؟
حازم بص له بنظرة جادة جداً
بس فايزة تعرفها. دول أصحاب من أيام الثانوي في طنطا. وميرفت دي شغالة في مصنع كيماويات ومبيدات زراعية.
في اللحظة دي، باب الشقة فوق اتفتح. فايزة نزلت على السلم ببطء خطوة خطوة. شريف وقف على رجله وبص لها
فايزة قالها بهدوء يرعب مين ميرفت عبد العال؟ وليه شعرتها تظهر في بلكونتي في الليلة اللي مراتي كانت هتموت فيها؟
فايزة وشها اتخطف وبقى أبيض زي الحيطة. ولأول مرة من ساعة ما الموضوع ده بدأ، ما عرفتش تطلع كذبة سريعة تدافع بيها عن نفسها.
الجزء الثالث والاخير
فايزة ساندت ظهرها على الحيطة كأن رجليها مبقتش قادرة تشيلها.
شريف قرب منها خطوة
أنا سألتك سؤال، ردي عليا.
فتحت بقها، بس مخرجش منه غير صوت شهقة عياط مكتومة
شريف، أنا مكنتش أعرف إن الموضوع هيوصل للدرجة دي.
الكلمتين دول كانوا كفاية عشان يهدوا آخر حبل ثقة كان شريف بيحاول يتمسك بيه.
مكنتيش تعرفي إيه؟ سألها بزعيق مكنتيش تعرفي إن مراتي عيانة؟ إن فيه حد بيسمها؟ إنك ذلتيا وهنتيها لدرجة إنك خليتيها تحس إنها غريبة ولوحدها في بيتها؟
فايزة غطت وشها بإيديها
أنا كان كل همي أساعدك وأحميك.
شريف ضحك ضحكة ناشفة مليانة وجع
تحميني؟
أنا كنت شيفاك شقيان وتعبان وترجع من شغلك هلكان، وهي عمالة تحول فلوس من ورا ضهرك. ميرفت هي اللي قالتلي إن نور دي ست خطيرة، وإنها خربت بيت قبل كده. قالتلي إن فيه طريقة نخوفها بيها، نضعفها شوية عشان تعترف بكل حاجة.
شريف حس بغثيان وقرف
تضعفوها؟
فايزة انفجرت في العياط
حلف تلي إن المادة دي مش هتموتها! قالتلي إنها هتعملها شوية دوخة وهمدان بس، عشان أنت تفتح عينيك وتشوف الحقيقة. مكنتش أعرف موضوع المهدئات ده، ومكنتش أعرف إن نور هتحاول تعمل في نفسها…
مقدرتش تكمل الجملة.
شريف افتكر نور وهي محبوسة في البلكونة، حاضنة نفسها من البرد، وفاكرة إن جوزها شايفها حرامية . وافتكر الورقة المكرمشة اللي كانت قفشة عليها في إيدها، واللي قراها في المستشفى.
كان مكتوب فيها سامحني. ماما محتاجة عملية جراحية ضروري. مكنتش عايزة أشيلك الهم وأقلقك. أنا مش زوجة وحشة، أنا بس مكنتش عارفة أقولك إزاي لأني خايفة.
شريف انهار وقعد على أقرب كرسي
الفلوس كانت عشان أمها قالها وصوته مخنوق بالدموع طنط آمال عندها ورم. نور كانت بتجمع القرش على القرش عشان تمن العملية ومكنتش عايزة تشيلني هموم زيادة. وأنتِ… أنتِ شاورني عليها وكأنها حرامية وبتسرقني.
فايزة رفعت راسها وعينيها كانت ورمة من العياط
مكنتش أعرف.
عشان معمرك ما سألتي رد شريف بقهر زيي بالظبط، أنا كمان مسألتش.
السكوت اللي ساد الأوضة بعد كدة كان أصعب وأقوى من أي زعيق.
بعدها بشوية، حازم جه ومعاه أمينين شرطة. وأخدوا فايزة عشان يتسمع أقوالها في القسم. مكلبشوهاش ومجرجروهاش، بس كانت ماشية بنظرة مكسورة، نظرة شخص لسه فاهم حالا إن كلمة تفتيش وشك ممكن تقلب البيت لجنازة.
في نفس اليوم الظهر، الشرطة قبضت على ميرفت عبد العال من المصنع اللي شغالة فيه. وفي شقتها، لقوا قزازة مستخبية، ومسجات ممسوحة من على تليفونها، وأجندة مكتوب فيها تواريخ. التواريخ دي كانت مطابقة بالظبط للأيام اللي فايزة كانت بتجيب فيها الأعشاب الفلاحي لشقة شريف ونور.
بس الصدمة الأكبر مكانتش هنا.
الصدمة كانت في الاعتراف اللي قالته ميرفت.
من تلات سنين، نور كانت شغالة في مصنع تعبئة في منطقة طلوخ. وحصلت حادثة بسبب مكنة قديمة الإدارة كانت رافضة تصلحها. فيه عامل اتزنق جوه المكنة دي… كان اسمه عادل عبد العال.
كان أخو ميرفت الكبير.
نور حاولت تنقذه بكل قوتها، دخلت وسط حديد المكن، وإيدها اتجرحت، وقعدت تصرخ عشان حد يفصل الكهربا. بس لما الإسعاف وصلت، كان فات الأوان.
المصنع رما التهمة على خطأ بشري عشان ميرفعوش تعويضات. وأهل عادل كانوا بيدوروا على أي حد يرموا عليه غلهم وكرههم… وميرفت اختارت نور.
فصليت تلات سنين عايشة على وهم إن نور هي السبب في موت أخوها، تلات سنين بتكبر جواها غل مش عارفة توديه فين.
ولما فايزة حكتلها عن شكوكها في التحويلات، ميرفت لقت الفرصة الذهبية قدامها.
وقالت لفايزة الست دي موتت واحد قبل كده، ودلوقتي جاية تقضي على أخوكِ.
وفايزة، اللي كان عميها الخوف وحب السيطرة، صدقتها وعينها مقفولة.
ميرفت خططت لكل حاجة بصبر. قربت من فايزة وبقت تدلها على نصايح، وتديها الأعشاب المسمومة، وتخترع قصص عن ستات بيخونوا أزواجهم، وعلمتها إزاي تبص لكل حركة بتعملها نور وكأنها دليل إدانة.
ليلة البلكونة، ميرفت دخلت العمارة بنسخة المفتاح اللي فايزة كانت شايلاها مع البواب عشان لو عوزناها في أي وقت. طلعت الشقة بعد ما شريف قفل على نور البلكونة. كانت عايزة تشوفها وهي بتتعذب، وتجبرها تعترف بحاجة معملتهاش.
بس لقت نور شبه غايبة عن الوعي.
نور من كتر اليأس والخوف، أخدت مهدئات بجرعة زيادة. مكانتش عايزة تموت بالمعنى الحرفي؛ كانت عايزة تنام، تهرب من الوجع، وماتسمعش صوت جوزها في دماغها وهو بيقولها يا كدابة.
ميرفت خافت.
حاولت تحركها، فنور وقعت وسندت على سور البلكونة، وده اللي ساب الأثر المبلول. والمية اللي كانت في الصالة كانت بسبب كوباية ميرفت قلبتها وهي داخلة ومسحتها برجلها وهي رايحة البلكونة. وعُقب السيجارة ورا الزرع كان من ميرفت وهي بتدخن وبتفكر تطلب الإسعاف ولا تهرب؟
في الآخر، هربت وسابتها.
ولولا إن جارتهم كانت نازلة تشتري عيش الفجر وشافت نور واقعة تحت وكلمت الإسعاف، كانت نور ماتت.
لما شريف عرف التفاصيل دي كلها، محسش بالراحة.
حس بالخزي والعار من نفسه.
لأن آه ميرفت هي اللي سمت نور.
وآه فايزة كانت شريكة بجهلها وكبريائها ورغبتها المريضة إنها تطلع صح.
بس هو… هو اللي قفل الباب بايديه.
هو الزوج اللي فضل الشك على إنه يسأل ويطمن.
الزوج اللي ساب أخته تهين مراته على سفرته وفي بيته.
الزوج اللي شاف دموع مراته واعتبرها دليل إدانة.
في اليوم التالت، نور فوقت تماماً.
شريف دخل أوضة المستشفى وإيديه بترتعش. كان جايب معاه ورد، بس لما شاف وشها الباهت عرف قد إيه الحركة دي تافهة وملهاش معنى. مفيش ورد في الدنيا يقدر يداوي اللي حصل.
نور كانت ساندة ضهرها وبتبص من الشباك. كان تحت عينيها هالات سودا غويطة، وفيه شاش على إيدها مكان الكانيولا.
نور همس بصوت واطي.
ملفتش وشها ليه علطول. ولما بصتله أخيرًا، شريف حس بحاجة بتتكسر جواه. مكانش فيه كره

في عينيها… الكره كان هيبقى أسهل بكتير. كان فيه تعب. تعب شديد، كأن مبقاش فيها حيل حتى تعاتب أو تصرخ.
أنا عرفت كل حاجة قالها موضوع والدتك، وميرفت، وأخوها.
نور غمضت عينيها
أنا حاولت أنقذه والله.
عارف.
محدش صدقني وقتها.
شريف نزل راسه الأرض
ولا أنا صدقتك.
أخدت نفس عميق، ونزلت دمعة من على خدها
دي أكتر حاجة وجعتني.
شريف قعد على الكرسي اللي جنب السرير بس ممدش إيده يلمسها
أنا مش جاي أطلب منك تسامحيني النهاردة، ماليش حق أصلاً. أنا جاي أقولك إني هروح أشهد بكل حاجة. اللي عملته ميرفت، واللي عملته فايزة، واللي عملته أنا. لأن حتى لو القانون مش هيعاقبني زيهم، أنا عارف إني خنتك وخذلتك.
نور بصتله بسكوت
ماما محتاجة العملية.
تمنها اتدفع خلاص رد شريف بسرعة كلمت المستشفى في طنطا وحجزنا كل حاجة. ومش بعمل كده عشان أشتري رضاكي أو سماحك، بعمل كده لأن ده اللي كان المفروض يتعمل من الأول… إني أكون ضهرك وسندك.
نور غطت بقها بإيدها وبكت من غير صوت. شريف هو كمان بكى.
مفيش مشهد تصالح من بتوع المسلسلات حصل.
كانوا مجرد اتنين مكسورين، قاعدين في أوضة بيضا، عارفين ومدركين إن فيه جروح مبتلمش بكلمة آسف.
الأيام اللي بعد كده كانت عبارة عن تحقيقات، وجلسات، ومستشفى، وسكوت تقيل. ميرفت اتأحالت للمحاكمة بتهمة الشروع في القتل والتسميم. محاميها حاول يتكلم عن الوجع، والصدمة، وفقدان أخوها، بس القاضي كان حاسم الوجع ميديهاش الحق تخرب حياة غيرها. حكم عليها بالسجن المشدد.
فايزة متسجنتش، بس خسرت حاجة بالنسبة لها كانت أوحش من السجن خسرت مكانتها وأخوها وللأبد.
قبل ما ترجع طنطا، راحت المستشفى. وقفت عند باب الأوضة ومجرتش تدخل
نور قالت بصوت مكسور مش طالبه منك تسامحيني. أنا بس عايزة أقولك إني قرفانة من نفسي وندمانة.
نور بصت لها من على السرير، وفضلت ساكتة كام ثانية، بعدها ردت
الندم مش هيرجعلي الليلة اللي قضيتها وأنا فاكرة إن جوزي بيكرهني وشايفني خاينة.
فايزة حطت إيدها على صدرها بوجع
عارفاة.
خلاص، عيشي بالوجع ده قالت نور وأنا هحاول أعيش باللي حصلي.
فايزة مشيت وهي بتعيط. شريف وصلها لحد موقف الأتوبيس. مكنش فيه عتاب ولا لما ميبقوش عارفين هل هما بيودعوا بعض لكام شهر، ولا العمر كله؟
خلي بالك منها يا شريف قالت فايزة وهي بتركب.
شريف ضغط على سنانه
ده اللي كان المفروض أعمله من الأول.
لما نور رجعت الشقة، كل حاجة كانت زي ما هي السفرة، الكوبايات، قوارير الزرع، الستائر. بس بالنسبة لها، مكانيش حاجة زي الأول. البلكونة كانت لسه واقفة مكانها، ساقعة، ساكتة، وذكرى الليلة دي لازقة في الإزاز.
في يوم الظهر، وقفت قدام باب البلكونة بتطالعها. شريف كان مراقبها من المطبخ.
أنا مش قادرة أعيش هنا قالت من غير ما تلتفت له كل ما ببص للبلكونة دي، برجع أسمع صوت الترباس وهو بيقفل عليا.
شريف حط الكوباية اللي في إيدها وقال
هنمشي.
مش لازم تعمل كده عشان حاسس بالذنب.
مش عشان الذنب قالها عشان البيت ده مبقاش أمان ليكي.
عزلوا ونقلوا لبيت صغير في حي المعادي، قريب من شارع هادي ريحته الصبح بتبقى قهوة وعيش طازة وريحة الشجر المبلول بعد المطر. نور أخدت زرعها معاها، وشريف أخد حاجات قليلة جداً، والباقي كله باعوه أو تبرعوا بيه.
ولشهور طويلة، عاشوا بالراحة وخطوة خطوة.
كان فيه أيام حلوة فطار هادي، تمشية في الهدوء، ومكالمات مع طنط آمال بعد ما عملت العملية ونجحت والحمد لله.
وكان فيه أيام وحشة نور تقعد ساكتة بالساعات مش بتتكلم، وشريف يصحي الفجر مفزوع يطمن عليها ويشوفها لسه جنبه ولا لاء، كأنه راجل محكوم عليه يعيش يفتكر غلطته طول العمر.
وفي ليلة مطر، نور عملت شاي بمرمية، وقعدوا في البلكونة الصغيرة الجديدة. ومحدش فيهم اتكلم لوقت طويل.
شريف قالت أخيرًا أنا مش عارفة لو كان هيجي يوم وأسامحك زي الأول ولا لاء.
هز راسه
فاهم ومقدر ده.
بس في نفس الوقت، مش عايزة أعيش عمري كله وأنا بكرهك.
شريف حس بغصة ونغزة في حلقه. ونور بصت للمطر وهو بينزل على الزرع
اللي حصل ده علمني حاجة مرعبة.. إن الست ممكن تنام جنب جوزها في نفس السرير، وتكون لوحدها تماماً.
غمض عينيه بألم
مش عايزك تحسي إنك لوحدك معايا تاني أبداً.
دي حاجة مش بتتأصل بالوعود يا شريف قالت له دي حاجة بتثبتها الأيام والأفعال.
من وقتها، شريف اتعلم يسأل قبل ما يتخيل أو يشك. اتعلم يسمع الإجابة كاملة قبل ما يدافع عن كبريائه ورجولته. اتعلم إن الأهل مش دايماً بيحموا؛ ساعات بيقتحموا، ويحشروا نفسهم، ويشكوا، ويخربوا البيوت باسم الحب.
واتعلم كمان إن سكوت الست مش دايماً دليل إدانة أو كدب.
ساعات بيبقى قلة حيل وتعب.
ساعات بيبقى خوف.
وساعات بيبقى طريقة انتحار بطيئة عشان متقلقش حد عليها وهي بتتفرفط من الجوه.
نور مرجعتش زي الأول، بس مستسلمتش. رجعت كملت كورس الحلويات بتاعها، وبقت تزور أمها كل أسبوعين. وبدأت تبتسم تاني، مش بنفس البراءة بتاعت زمان اللي فاكرة إن الحب كفاية، بس بقوة الست اللي مرت بالخيانة والوجع ووقفت على رجليها تاني.
بعد سنة، شريف استلم جواب من فايزة مكتوب بخط إيدها
مش بطلب نرجع نتكلم. أنا بس عايزاك تعرف إني كل يوم جمعة بولع شمعة وبدعي لنور. هي علمتني متأخر إن حبك لشخص مش معناه إنك تملك حياته أو تقرر مكانه. لو جه يوم وقبلت تشوفني، هاجي. لو رفضت، هفهم وأحترم ده.
شريف ورى الجواب لنور. قرأته بهدوء، وطبقته وشالته في الدرج
لسه مش دلوقتي.
شريف مألحش عليها.
وده كان درس تاني اتعلمه السماح ملوش جدول مواعيد.
مش بيتفرض.
مش بيتسرع.
ومش بنستخدمه عشان نريح بيه ضمير الشخص اللي أذى.
هو بيجي لوحده، ولو مجاش… بنحترمه.
آخر مرة شريف عدى فيها من قدام شقتهم القديمة، وقف الناحية التانية من الشارع وبص للدور التالت. البلكونة كان محطوط فيها ستائر جديدة وزرع تاني خالص. فيه عيلة تانية عايشة هناك دلوقتي، جايز بيضحكوا، بيتعشوا، أو بيتخانقوا على حاجات تافهة، ومن غير ما يعرفوا إن في المكان ده فيه ست حست إن الدنيا كلها بتطردها براها.
شريف نزل عينه في الأرض.
نور كانت مستنياه في العربية.
أنت كويس؟ سألته لما ركب.
مسك الدريكسيون وبص لها
آه، كنت بفتكر بس قد إيه البيت بيبقى هش وضعيف لما نملاه بالشك والظنون.
نور من طقتش بكلمة، بس حطت إيدها فوق إيده.
مكانش سماح كامل… بس كان حاجة أصدق بكتير.
كان قرار إنهم يكملوا طريقهم مع بعض، ومن غير ما ينكروا الجرح اللي معلم فيهم.
لأن فيه قصص مش بتنتهي بنهاية مثالية وسعيدة زي الأفلام. بتنتهي بحقيقة صعبة إن الحب ممكن يغلط، وإن الأهل ممكن يوجعوا ويخربوا، وإن الثقة ممكن تتدمر في ليلة واحدة… وتأخد سنين عشان ترجع تعيش تاني.
وعشان كده، لو فيه حد في البيت ساكت زيادة عن اللزوم، اسألوه بحنية.
ولو حد بيحوش أو بيحول فلوس من وراكم، اعرفوا حكايته الأول قبل ما تتهموه.
ولو أخت، أو أم، أو أي حد من الأهل جه يبخ سم ويشكككم في شريك
حياتكم، افتكروا إن البيوت مش بتتفتح ولا بتتفهم بإهانة الشخص اللي نايم جنبكم على نفس المخدة.
شريف كان هيخسر مراته بسبب باب قفله في وشها.
وميرفت خسرت إنسانيتها عشان انتقام لغى عقلها.
وفايزة خسرت أخوها عشان فاكرة إن الحب سيطرة وتملك.
ونور… الست الوحيدة اللي حاولت تنقذ الكل في صمت، هي اللي شالت الوجع الأكبر في الآخر.
ساعات المصيبة متبدأش بضربة أو خناقة.
بتبدأ بظن وشك.
بكلمة مسمومة على السفرة.
بسؤال خايفين نسأله.
ولما الحقيقة بتبان في الآخر، ساعات مابتكونش كافية عشان ترجع اللي انكسر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *