عزومه عائليه حكايات سما سامح الاخير
تراجعتُ خطوتين للخلف وأنا أمسك بذراع أبي، الذي تجمد هو الآخر وعيناه معلقتان بالعلبة القطيفة السوداء. الرعب هذه المرة كان ملموسًا، فالشخص الذي يهددنا لم يعد مجرد شبح يرسل رسائل نصية من بورسعيد؛ هذا الشخص تمكن من اختراق شقتنا، وتخطى حراسة العقار، ودخل إلى قلب ملاذنا الآمن ليضع تهديده على الطاولة بكل برود.
أبي، رغم الصدمة، تملكه غضب عارم. صرخ بصوت جهير: «يا حرس! يا عسكري!»، ودخل ضابط الحراسة المكلف بحمايتنا مسرعًا ومعه اثنان من أمناء الشرطة، والأسلحة في أيديهم.
عندما رأى الضابط العلبة والورقة، صرخ في رجاله: «محدش يلمس حاجة! اطلبوا خبير البصمات والمعاينة فورًا، واقفلوا مخارج العمارة وبصوا على كاميرات المراقبة في المحلات اللي تحت!»
أخرج الضابط قلمًا من جيبه، واستخدمه لفتح العلبة القطيفة بحذر شديد دون أن يلمسها بيده. وبمجرد أن انفتحت العلبة، شعرت بغثيان وسحبت نفسي لأقرب مقعد وأنا أرتجف.
داخل العلبة.. لم يكن هناك قنبلة أو رسالة أخرى، بل كان هناك **سوار المستشفى البلاستيكي الخاص بي**.. السوار الأصلي الذي قصه الطبيب من يدي في الطوارئ قبل العزومة بثلاثة أيام ورأيته بعيني وهو يُلقى في سلة نفايات المستشفى وسط القاهرة!
بجانب السوار، كانت هناك رصاصة واحدة لامعة.
الرسالة كانت واضحة ومرعبة: «نحن نعرف أين كنتِ، وأين أنتِ الآن، وحتى النفايات التي تتركينها خلفكِ تحت سيطرتنا».
الضابط التفت إليّ بوجه جاد للغاية وقال: «يا آنسة سلمى، الراجل ده مش بيلعب.. ده بيبعت إشارات واضحة إنه يقدر يوصلك في أي مكان.. تفتكري مين من المستشفى أو الكافيه ممكن يكون عين ليه عليكي؟»
هززت رأسي بنفي هستيري، والدموع تعمي عيني: «ماعرفش! والله ماعرفش! أنا مجرد عاملة في الكافيه، بروح من شقايا لنومي.. ماليش علاقة بحد!»
أبي أمسك برأس الضابط وقال له بعينين يشع منهما جنون أب يحاول حماية ابنته الوحيدة المتبقية: «بنتي مش هتقعد هنا ثانية واحدة.. أنا هاخدها وأختفي».
رد الضابط بحزم: «أستاذ نبيل، التحرك العشوائي دلوقتي خطر.. إحنا هننقلكم فوراً لبيت جندي مؤمن تابع لوزارة الداخلية لحين إنهاء المأمورية في بورسعيد.. واضح إن (إياد) ده بدأ يتصرف بجنون لأن الخناق بيضيق عليه».
في تلك الليلة، تم نقلنا تحت حراسة مشددة إلى شقة آمنة في أطراف القاهرة. لم أذق طعم النوم، كنت أجلس في الزاوية وأبي بجانبي يمسك بيدي، وعيناي معلقتان بالبوابة. كل ما كنت أفكر فيه هو كيف تحولت حياتي البسيطة، المطحونة بين شغلتين وفواتير، إلى مطاردة دولية أكون فيها أنا الرهينة؟
في تمام الساعة الرابعة فجرًا، رن هاتف ضابط الحراسة المرافق لنا في الشقة الآمنة. استمع للطرف الآخر بملامح مشدودة، ثم نظر إلينا وقال بصوت منخفض: «المأمورية في بورسعيد نجحت.. قوات الأمن العام بالتعاون مع الأمن الوطني داهمت المخازن التحفظية في الميناء أثناء محاولة رجال (إياد) تهريب الحاوية وحرق المستندات.. وتم القبض على الذراع اليمين للمتهم ومعه لابتوب يحتوي على كل العقود المزوّرة».
تنفسنا الصعداء أنا وأبي، وظننت أن الكابوس انتهى.. لكن الضابط لم يبتسم، بل تابع بنبرة غامضة ومقلقة: «لكن فيه مشكلة.. الذراع اليمين اعترف إن (إياد) مكنش في بورسعيد أصلاً.. إياد عرف بالكمين قبل ما يتحرك، وأخد خطوة تانية خالص عشان يضمن حريته..»
سألته برعب: «خطوة إيه؟»
أخرج الضابط تليفونه وعرض علينا مقطع فيديو تم إرساله للتو من قطاع السجون.. فيديو أظهر زنزانة حجز النساء التي تتواجد فيها أمي وياسمين.. وكانت الأجواء مقلوبة، والممرضات يهرولن بوجوه مذعورة.
قال الضابط وهو ينظر إليّ بأسف: «إياد وصل لأختك وياسمين ووالدتك جوة الحجز عن طريق حد تبعة.. وتم تسميمهم لمنعهم من الكلام نهائيًا.. والدتك في حالة حرجة.. أما ياسمين..»
لم يكمل الضابط جملته، لتنفتح أمامنا هاوية جديدة من الرعب، فأسرار (إياد) كانت أعمق من أن تُترك لتعيش في النيابة.تابعو صفحه رومانى مكرم
ساد صمت بطعم الموت في الشقة الآمنة. لم أعد أسمع سوى طنين حاد في أذني، وصوت أنفاس أبي التي تحولت فجأة إلى شهقات مكتومة وهو ينهار على ركبتيه.
الضابط خفض عينيه وقال بنبرة حملت كل الأسى: «البقاء لله يا أستاذ نبيل… الآنسة ياسمين توفيت قبل وصول الإسعاف لعيادة السجن. السم كان سريع المفعول، والوالدة نادية في العناية المركزة تحت حراسة مشددة، والأطباء بيحاولوا يغسلوا معدتها، بس حالتها شبه ميؤوس منها».
في تلك اللحظة، شعرت وكأن روحي هي التي تخرج. ياسمين؟ أختي الصغيرة التي كانت قبل يومين فقط تجلس بكامل أناقتها وتتبجح بممتلكاتها ومظهرها في دبي، انتهت حياتها في زنزانة باردة؟ أمي التي كانت تبحث عن الوجاهة الاجتماعية والمثالية الكاذبة، ترقد الآن بين الحياة والموت لأنها وثقت بالشخص الخطأ؟
لم أستطع البكاء، الصدمة كانت أكبر من الدموع. تحولت ملامح أبي من الانكسار إلى جمود مرعب، وقف على قدميه ونظر للضابط وعيناه حمراوان كالجمر، وقال بصوت خرج من أعماق حنجرته: «يعني إيه؟ المجرم ده قتل بنتي، وبيصفّي عيلتي، وبيهدد بنتي التانية.. وأنتوا بتقولوا لي هرب؟ إحنا مش هنقعد هنا مستنيين دورنا!»
رد الضابط بسرعة وهو يحاول تهدئته: «أستاذ نبيل، أرجوك اهدى. تصفية ياسمين مكنتش مجرد انتقام، دي كانت خطوة يائسة من (إياد) عشان يقفل القضية، وده معناه إنه مرعوب لأن التحقيقات وصلت لراسه الكبيرة. الأمن الوطني قلب مصر كلها دلوقتي، والمطارات والموانئ مقفولة في وشه، هو محاصر وما يقدرش يهرب برة البلد».
لم ننم تلك الليلة. قضيناها في ترقب قاتل، حتى أشرقت شمس اليوم التالي، وجاءت سيارة شرطة مصفحة لتأخذنا إلى المستشفى العام تحت حراسة مشددة بناءً على طلب النيابة، بعد أن أفاق ت أمي لدقائق معدودة قبل أن تدخل في غيبوبة قطعية.
دخلنا غرفة العناية المركزة. كانت الأجهزة تصدر أصواتاً رتيبة ومخيفة، وأمي ترقد شاحبة، موصولة بأنابيب التنفس، وجسدها يبدو ضئيلاً ومتهالكاً. عندما رأتني أنا وأبي، تحركت خطوط جهاز دقات القلب بسرعة، ونظرت إليّ بعينين تملأهما دموع الندم والاختناق.
أشار الطبيب إلينا بالاقتراب بسرعة لأن وقتها ينفد. انحنيت فوقها، فمسكت يدي بوهن شديد، وحاولت الكلام من خلف قناع الأكسجين. نزعت القناع بصعوبة وقالت بصوت أشبه بالهسيس المتقطع: «سامحيني يا سلمى… أنا اللي طمعت… أنا اللي دمرت أختك… إياد… إياد مش في دبي ولا بورسعيد… إياد…»
سعلت أمي بقوة وبدأ الدم يخرج من فمها، فتدخل الأطباء بسرعة لإبعادنا، لكنها صرخت بأخر ما تملك من قوة وهي تنظر لأبي: «المخزن يا نبيل! إياد يبقى صاحب…»
وفجأة، أصدر جهاز دقات القلب صوتاً متصلاً مستمراً… وصعدت روح أمي إلى بارئها، لتأخذ معها نصف الحقيقة، وتتركنا أمام اللغز الأخير.
أبي وقف مذهولاً، يردد الكلمة: «المخزن؟ صاحب المخزن؟»
وفجأة، التفت إليّ وعيناه تتسعان بصدمة غير مسبوقة، وكأنه ركب مكعبات الصورة كاملة في عقله. نظر إليّ وقال: «سلمى… أنتِ لما وقعتِ من الإعياء قبل العزومة بثلاث أيام… وقعتِ في مخزن أنهي كافيه بالظبط؟ ومنين مدير الكافيه جاب رقم تليفوني الطوارئ، وأنتِ أصلًا قايلالي إنك مكنتيش كاتبة رقمي في ملف الشغل عشان ميزعلش إنك بتتبهدلي؟»
شعرت برعشة تضرب عمودي الفقري. المدير! مستر أمجد، صاحب سلسلة الكافيهات الشهيرة وسط القاهرة التي أعمل بها، الرجل الهادئ الوجيه الذي كان يعاملني بعطف زائد ويصر على أن أستلم رواتبي بانتظام من مكتبه الخاص، والذي كان يعرف كل تفاصيل حياتي، وسكني، وتحركاتي…
وفي تلك اللحظة بالذات، اهتز هاتف الضابط المرافق لنا، وأتاه اتصال من الإدارة العامة للمباحث. استمع الضابط، ثم تراجع خطوة وهو ينظر إليّ بذهول وقال: «أستاذ نبيل… الأمن العام لسه مخلص فحص للاب توب اللي اتمسك في بورسعيد… الاسم الحقيقي للمتهم الهارب (إياد) في الأوراق الفيدرالية… هو (أمجد الساوي)… صاحب الكافيه اللي سلمى شغال فيه!»
وقبل أن نستوعب الصدمة، انطفأت أنوار المستشفى بالكامل، وساد الظلام الدامس، وصوت خطوات سريعة وثقيلة بدأت تقترب من باب الغرفة المظلمة… وفي يد أحدهم، لمعت شفرة حادة.
في تلك الثواني المعدودة التي غرق فيها الممر بالظلام، انقبض قلبي وكأن شفرة الموت قد استقرت فيه بالفعل. صوت الخطوات الثقيلة كان يقترب بانتظام، ترافقه حشرجة أنفاس شخص لا ينوي الخروج من هنا دون إنهاء مهمته.
أبي، بدافع الأبوة الأعمى، دفعني خلف ظهره وتحرك في عتمة الغرفة يتحسس أي شيء يدافع به عني، حتى استقرت يده على حامل المحاليل الحديدي وجذبه بقوة. أما ضابط الحراسة، فقد كان الأسرع رد فعل؛ تحرك كظله نحو الباب، وضغط على زر الأمان في سلاحه الميري، وصاح بصوت زلزل الممر: «اثبت مكانك! شرطة!»
لم يتوقف صاحب الخطوات، بل اندفع نحو الباب بقوة، وفي عتمة الليل لمعت الشفرة الحادة وهي تشق الهواء. أطلق الضابط رصاصة تحذيرية في السقف دوت في أرجاء المستشفى، وتلاها صوت اشتباك عنيف وجسد يرتطم بالأرض بقوة. تعالت الصرخات في الممر، وخلال لحظات، اشتغلت المولدات الاحتياطية للمستشفى، ليعود الضوء فجأة ويكشف عن المشهد الذي حبس أنفاسي.
على الأرض، كان ضابط الحراسة يثبت رجلاً ضخم البنية، يرتدي ملابس عمال النظافة بالمستشفى، وسقطت من يده سرنجة طبية معبأة بسائل شفاف، وشفرة حادة. لم يكن هذا الرجل هو أمجد (إياد) بنفسه، بل كان القاتل المأجور الأخير الذي أرسله ليتخلص مني ومن أمي قبل أن تنطق بالاسم بالكامل، لكنه وصل متأخرًا… فأمي كانت قد فارقت الحياة بالفعل، والشرطة كانت في الانتظار.
أمسك رجال الأمن بالمستشفى بالقاتل، وبينما كان يُساق مكلبشًا، صرخ فينا بنبرة تشفٍّ مرعبة: «فاكرين أنكم كسبتوا؟ أمجد بيه زمانه برة البلد… الشحنة اللي راحت مش هتعدي بالساهل!»
لكن الضابط التفت إليه وقال بابتسامة ثقة منتصرة: «أمجد بيه بتاعك كان فاكر إنه أذكى من الأجهزة الأمنية… المطار كان مجرد تمويه، وإحنا كنا راصدينه من ساعة ما خرج من الكافيه بتاعه».
بعد ساعتين في مقر مديرية الأمن، رن هاتف الضابط مجددًا. أشار إلينا بالاستماع، وجاء صوت قائد العمليات عبر اللاسلكي حاسمًا: «تم القبض على المدعو أمجد الساوي، المستعار باسم (إياد)، أثناء محاولته استقلال مركب صيد غير شرعي من سواحل الإسكندرية هربًا إلى إيطاليا. المتهم اعترف تفصيليًا بكل خطوط التهريب والدفاتر المحرزة معه تؤكد براءة المجني عليها سلمى نبيل من أي علم بالنشاط».
في تلك اللحظة، انهار كل الخوف الذي كان يحبس أنفاسي طوال تلك الأيام. سقطت دموعي بغزارة، لا خوفًا هذه المرة، بل إعلانًا لانتهاء الكابوس. تطلعت إلى أبي، الذي كان يبكي بصمت قهرًا على زوجته وابنته اللتين ضاعتا ضحية للطمع والمظاهر الكاذبة، لكنه في نفس الوقت ضمني إلى صدره بقوة وهو يردد: «الحمد لله يا بنتي… حقك رجع، والظالم أخد جزاءه».
بعد مرور ستة أشهر…
كنت أقف أمام مرآة غرفتي الجديدة في شقة أبي. نظرت إلى معصمي؛ لم يعد هناك سوى أثر خفيف جداً لسوار المستشفى البلاستيكي، وأثر أكبر في قلبي أتعافى منه يوماً بعد يوم.
أمي وياسمين دفعتا الثمن الأغلى لأنانية المظاهر، وأمجد نال حكمًا بالسجن المؤبد في قضايا الجنايات العسكرية والتهريب الدولي والتزوير.
أما أنا، فقد تركت العمل في الكافيهات للأبد. وبمساعدة أبي، بدأت مشروعي الصغير الخاص، معتمدة على شقائي وتعب سنواتي الماضية، ولكن هذه المرة بوضوح وشرف، ودون أي أقنعة. لم يعد بيتنا مثاليًا كما كانت تحلم أمي أن تظهره للناس، لكنه أصبح أخيراً بيتاً حقيقياً، مبنياً على الصدق… والصلابة التي لا تكسرها العواصف.
الحكمة التي تخرج من عمق هذه المأساة تتلخص في حقيقة واحدة: **«المظاهر الزائفة تبني بيوتًا من زجاج، والصدق والشرف هما الجدران الحقيقية التي لا تسقط.»**
ويمكننا أن نستخلص من القصة ثلاثة دروس حياتية قاسية:
* **هوس المظاهر يلتهم صاحبه:** أمي وياسمين بحثتا عن “البرستيج” والمثالية الكاذبة أمام الناس، فكانت النتيجة أنهما دفعتا حياتهما ثمنًا لهذه المظاهر. المظاهر قد تشتري شنطًا ماركة وسفرًا، لكنها لا تشتري راحة البال ولا الشرف.
* **الطريق السهل نهايته دائمًا هاوية:** في الوقت الذي كانت فيه سلمى تطحن نفسها في العمل الشريف وتتحمل المرض والجوع، كانت ياسمين تظن أنها ذكية بسلكها طرقًا ملتوية ومشبوهة، لكن النهاية أثبتت أن شقاء الشرف، مهما كان مريرًا، يحمي صاحبه في النهاية، بينما المال الحرام يدمر صاحبه.
* **خيانة الأقربين هي الأشد إيلامًا:** الصدمة الحقيقية لم تكن في المجرم “أمجد”، بل في العائلة التي من المفترض أن تكون السند، فالتضحية بسلامة وصحة فرد من العائلة من أجل رفاهية فرد آخر هي بداية النهاية لأي ترابط أسري.