شعر بنتي حكايات زهره

أنا آسفة يا بابا.. لو مخلصتش مسح وقش الأرضية، الشغالة مش هترضى تخليني آكل لقمة!
مليونير ورجل أعمال رجع بيته فجأة ومن غير ميعاد، ولقى الحقيقة المرعبة اللي مكنش يتخيلها عن بنته الصغيرة اللي عندها ٨ سنين!
سليم رجع الفيلا بتاعته في التجمع الخامس في ليلة ممطرة وصعبة جداً، الدنيا كانت بتمطر بغزارة كأن الشوارع بتغرق، بقاله شهرين كاملين مسافر بين دبي وشرم الشيخ بيخلص صفقات ومشاريع بملايين، ومقضيها نوم في فنادق فخمة ومكالمات شغل بتجيله الساعة ٣ الفجر، كان دايماً بيقنع نفسه إن كل التعب والغربة دي عشان خاطر مستقبل بنته الوحيدة فريدة، فريدة اللي عندها ٨ سنين، اللي ضحكتها كانت بتملى البيت بهجة، وعينيها البني الواسعة كانت دايماً بتفضل واقفة ورا باب الفيلا مستنياه أول ما يرجع من السفر، بس في الليلة دي، وأول ما البوابة الحديد الكبيرة بتاعة الفيلا فتحت، مفيش رجلين صغيرة جريت عليه، ومفيش صوت طفولي فرحان صرخ وقاله بابا جه!، بدل كل ده، ومن ورا زجاج عربيته ال SUV السودا والمغطي بمية المطر، سليم لمح خيال صغير ومنكمش واقف جنب صناديق الزبالة اللي قريبة من الجنينة الورانية، في الأول افتكرها ضلة الشجر، بس أول ما فتح باب العربية ونزل، قلبه وقف من الصدمة؛ دي كانت فريدة! كانت واقفة حافية في المطر والت those الثلج، مبلولة من راسها ل رجليها، وبتترعش رعشة تخوف لدرجة

إنها مش قادرة تقف على رجلها، وفستانها القديم كان مقطوع ومتبهدل طين ونازل واسع على جسمها الصغير اللي خس النص، البنت كانت بتجر في الطين كيس زبالة أسود كبير أوي حجمه أكبر منها مرتين، وكل كام خطوة تتزحلق في الطين وتقع على ركبها، وبعدين تقوم وتغصب على نفسها تكمل كأنها اتمرنت واتعودت على العذاب ده! سليم همس بصوت مخنوق فريدة..، البنت رفعت راسها بالراحة، وأول ما عينيها جت في عينه، فيه حاجة جوة سليم اتكسرت ميت حتة، مكنش فيه أي فرحة في وشها، مفيش راحة ولا لهفة إن أبوها أخيراً رجع، كان فيه حاجة واحدة بس.. رعب! فريدة سابت كيس الزبالة من إيدها فوراً ورجعت لورا وهي بتترعش، وصوتها طلع واطي ومكتوم كأنها بتسمع كلام حافظاه ومجبورة عليه أنا آسفة يا فندم.. أنا آسفة يا بابا.. أنا خلاص بقربت أخلص، حضرتك محتاج مني حاجة ثانية؟، شنطة سليم الجلد وعقود الشغل اللي بملايين وقعت من إيده في الطين والتراب، ومبصش تحت رجليه حتى، وجري عليها وضمها وهو مش مصدق أنتِ بتعملي إيه هنا في المطر والبهدلة دي؟!، البنت همست وعينها في الأرض برمي الزبالة.. ست نجوى قالت لي لازم كل حاجة تكون بتلمع ونضيفة قبل الساعة تمانية، وأنا اتأخرت وهتعاقبني، سليم برّق وقال نجوى؟! مين نجوى؟، فريدة ردت بخوف الشغالة الجديدة، الاسم نزل على سليم زي الصاعقة، جه يشد بنته في حضنه عشان يدفيها، بس فريدة اتخضت ودارت وشها بإيديها الاثنين وصوتت بالله عليك يا بابا متقولش لست نجوى، أنا هعمل كل حاجة بسرعة والله وهخلص، بس متقولهاش!، سليم نزل على ركبه في الطين قدام بنته، سنانها كانت بتخبط في بعضها وشفايفها زرققت وإيديها الصغيرة مليانة جروح وخدوش من النضافة من غير جوانتي، قال لها وصوته بيتقطع فريدة.. بصي في عيني، أنتِ مش هتعملي كدة تاني، لا النهاردة ولا أي يوم، ده بيتك!، فريدة بصت له وهي مش فاهمة وقالت بس ست نجوى قالت لي لو مشتغلتش زي الشغالات، مش هيبقى ليا حق في البيت ده ولا ليا لقمة آكلها!، نار وغضب عمى عيون سليم، بس كتم غيظه عشان بنته متموتش من الرعب، شالها بين إيديه ودخل الفيلا، والبيت مكنش فيه أي ريحة دفا، مفيش رسومات على الثلاجة، مفيش لعب في الصالة، ريحة البيت كلها كلور ومنظفات كيميائية تخنق، البيت بقى بارد وضلمة وزي السجن، قعدها في المطبخ ولفها بفوط نضيفة وعمل لها كوباية كاكاو دافية بإيدين بتترعش، ولما ركز في وشها، الصدمة زادت؛ البنت خست النص، وعضمها بقى باين، وكفوف إيدها مليانة فاقيع مية من كتر التعب، سألها أنتِ أكلتي إمتى آخر مرة؟، قالت له الصبح.. حتة لقمة ناشفة ومية، ست نجوى قالت لي الأكل الغالي مش بتاعك طول ما الحمامات اللي فوق متمسحتش على ركبك!، سليم كبس على الرخام لحد ما صوابعه ابيضت، وسألها عن المربية العجوزة اللي كانت شايلاها في عيونها، قالت له وهي بتبكي زعقت لها وقالت لها أنتِ كبرتي ومالكيش كلمة هنا، وأنا اللي هربيها من أول وجديد عشان تعرف القرش بييجي إزاي!، سليم حس إنه هيموت من القهر، بنته اللي قفل عليها فيلا بأسوار وكاميرات وحراس وفلوس عشان يحميها، طلعت عايشة في سجن مع الشخص اللي ائتمنه عليها، وفجأة فريدة بصت له والدموع في عينيها وهمست بالكلمة اللي جمدت الدم في عروق سليم بابا.. عشان خاطري بلاش تزعل ست نجوى.. المرة اللي فاتت لما زعلت مني، حبستني جوة مخزن الأكل في الضلمة ويومين مكنتش بشوف النور!.. في اللحظة دي، سليم وقف على رجله بالراحة، ومبقاش مجرد أب راجع من السفر.. ده بقى راجل ناوي يقلب الدنيا ويجيب عاليها واطيها ويدمر اللي عمل كدة في بنته!
يا ترى سليم هيعمل إيه في الشغالة الجاحدة دي أول ما تقع تحت إيده؟ وإيه الحقيقة المرعبة التانية اللي سليم هيكتشفها جوة الفيلا عن اللي حصل لبنته بغيابه؟ وإزاي سليم هياخد حق بنته ويخرب بيت كل اللي مد إيده عليها؟

سليم كان واقف في نص المطبخ وباصص لبنته كأن أول مرة يشوفها بجد.
فريدة كانت لافة الفوطة حوالين جسمها الصغير، وقاعدة على طرف الكرسي بخوف، ماسكة الكوباية الدافية بإيديها المرتعشة، وكل شوية تبص ناحية باب المطبخ كأنها مستنية حد يدخل يزعق لها أو يضربها.
سليم قلبه كان بيتقطع.
قرب منها ببطء، ونزل لمستواها وقال فريدة مين عمل

في إيدك كدة؟
البنت خبّت إيديها فورًا ورا ضهرها، بعفوية الأطفال اللي اتعودوا يستخبوا من العقاب.
همست مفيش يا بابا أنا وقعت.
سليم مسك نفس طويل بالعافية.
الكذبة دي سمعها قبل كدة كتير من موظفين مضروبين. ومن ستات معذبة. ومن أطفال اتربوا على الخوف.
بس عمره ما تخيل يسمعها من بنته.
قال بحنان بصيلي يا حبيبتي أنا مش هسيب حد يزعلك تاني.
وفجأة
صوت كعب عالي ضرب في أرضية الرخام.
وبعدها صوت ست صارم الزبالة اترمت ولا لسه؟!
فريدة انتفضت كلها.
الكوباية وقعت من إيدها واتكسرت.
وشها بقى أبيض كأن الدم اختفى منه.
وسليم لف ببطء ناحية الباب.
نجوى كانت واقفة.
ست في آخر الأربعينات، شعرها مربوط بقسوة، وعينيها ناشفين بشكل يخوف، ولابسة يونيفورم شغالات نضيف زيادة عن اللزوم.
أول ما شافت سليم
اتجمدت.
ثانية واحدة بس.
وبعدين رسمت على وشها ابتسامة مصطنعة سليم بيه! حضرتك رجعت؟ يا ألف حمد لله على السلامة.
سليم مردش.
كان بيبصلها بس.
النظرة اللي تخلي أقوى راجل يتوتر.
نجوى حاولت تضحك البنت كانت بس بتتعلم النظام والمسؤولية، أصل حضرتك مدلّعها زيادة شوية.
فريدة بدأت تعيط بصوت مكتوم أنا والله مسحت الحمامات كلها والله ما كنت بلعب.
سليم بص لبنته وبعدين رجع بص لنجوى.
وقال بهدوء مرعب طلعي برة.
نجوى ارتبكت أفندم؟
قولت اطلعي برة المطبخ.
لأول مرة، الست خافت فعلًا.
لكنها حاولت تستعيد قوتها حضرتك أكيد فاهم غلط، دي بنت عنيدة جدًا ولو متشدتش شوية
سليم ضرب بإيده على الرخامة.
الصوت دوّى في المكان.
فريدة شهقت بخضة.
أما نجوى فسكتت تمامًا.
قال وهو بيكز على سنانه أنتِ حبستي بنتي في مخزن ضلمة؟
نجوى بلعت ريقها كان عقاب بسيط عشان تسمع الكلام.
جوعتيها؟
لا طبعًا، بس الطفل لازم يعرف قيمة النعمة.
خليتيها تنظف الحمامات على ركبتها؟
عشان تتربى وتبقى قوية.
سليم ضحك ضحكة قصيرة بس كانت مرعبة.
الضحكة بتاعة راجل وصل لمرحلة أخطر من الغضب.
قال أنا سايب بنتي مع شغالة تطلعلي سجّانة؟
نجوى بدأت تتراجع حضرتك لازم تفهم إن أمها لما ماتت البنت باظت نفسيًا، وأنا كنت بحاول أربيها.
الكلمة نزلت على فريدة كالقلم.
البنت وطت راسها بسرعة كأنها صدقت فعلًا إنها بايظة.
وسليم شاف اللحظة دي.
شاف إزاي بنته بقت مصدقة إنها عبء.
وفجأة
فريدة قالت بصوت مرتعش أنا هبقى شاطرة يا بابا والله هبقى شاطرة.
سليم حس قلبه بيتقطع.
جري عليها وشالها في حضنه.
وقال وهو بيبوس شعرها المبلول أنتِ مش محتاجة تبقي شاطرة عشان تتحبي يا فريدة أنتِ بنتي. وبس.
البنت انفجرت في العياط.
العياط اللي كان محبوس شهور.
بعد ساعة
الفيلا كلها كانت مقلوبة.
سليم استدعى الأمن.
والمحامي.
وكل العاملين.
ولما بدأ يراجع كاميرات البيت
الحقيقة طلعت أبشع من الخيال.
نجوى كانت بتمنع فريدة من الأكل بالساعات.
كانت بتحبسها في المخزن فعلًا.
وكانت تصورها وهي بتنضف وتبعتها لحد على تليفونها.
لكن الصدمة الأكبر
إن الشخص اللي كانت بتبعت له الفيديوهات كان هالة أخت سليم.
أخته الكبيرة.
الوحيدة اللي وثق فيها بعد موت مراته.
سليم وشه اسود وهو بيشغل التسجيلات.
صوت هالة كان واضح اكسرّي دلعها البت دي لو فضلت مدلعة هتاخد كل حاجة لما تكبر.
وفي فيديو تاني خليها تخاف منك الخوف بيكسر العيال أسرع.
إيد سليم اتكلبت على التليفون لدرجة إنه كان هيكسره.
طلع على أوضة أخته اللي كانت قاعدة فيها في جناح الضيوف، وفتح الباب بعنف.
هالة قامت مفزوعة فيه إيه؟
رمى التليفون قدامها.
الصوت اشتغل.
ووشها اصفرّ.
قال بصوت منخفض أنتِ عملتي إيه في بنتي؟
هالة حاولت تتماسك أنا كنت بحميها! البنت كانت هتطلع ضعيفة ومدلعة زي أمها!
أمها كانت أطيب منك بمليون مرة.
الكلمة ضربتها.
لكنها صرخت فجأة وأنا؟! أنا اللي فضلت جنبك بعد موتها! أنا اللي سبت بيتي وجيت أخدمك وأربي بنتك!
سليم قرب منها خطوة أنتِ كنتِ بتعذبيها.
هالة دموعها نزلت بعصبية عشان كنت خايفة عليك! كل فلوسك وثروتك هتروح للبنت دي! وهتفضل طول عمرك عبد لطفلة!
سليم سكت ثواني.
وبعدين قال الجملة اللي أنهت كل حاجة ومن النهاردة لا أنتِ أختي، ولا دي بيتك.
الشرطة خدت نجوى بعد ما اكتشفوا آثار تعنيف وإهمال.
وهالة خرجت من الفيلا في نفس الليلة.
وسليم
فضل صاحي جنب سرير بنته لحد الفجر.
فريدة كانت نايمة وهي مكلبشة في قميصه بإيديها الصغيرة، كأنها خايفة يصحى الحلم ويختفي.
وفي نص الليل
صحيت مفزوعة.
صرخت أنا خلصت المسح والله!
سليم حضنها بسرعة ششش خلاص يا حبيبتي، مفيش حد هيزعقلك.
بصت له بدموع بجد؟
قال وهو بيعيط لأول مرة من سنين أقسم بالله.
الأيام عدت.
وفريدة بدأت ترجع طفلة تاني.
رجعت ترسم.
وتضحك.
وتجري في الجنينة.
وفي يوم، سليم رجع من الشغل بدري.
فتح باب الفيلا
فلقى فريدة جارية عليه بأقصى سرعتها.
رمت نفسها في حضنه وهي بتضحك بابا جه!
شالها ولف بيها وهو مغمض عينيه.
البيت أخيرًا رجع فيه روح.
ولما الخدامة الجديدة سألت فريدة بحنان تحبي تاكلي إيه يا حبيبتي؟
البنت بصت لسليم الأول بتردد.
كأنها لسه مستنية الإذن إنها تبقى طفلة.
فسليم ابتسم وقال البيت ده بيتك والأكل أكلك والعمر كله عمرك يا قلب بابا.
وفريدة حضنته جامد كأنها أخيرًا صدقت إن الجحيم خلص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *