قضيت عيد ميلادي في الشغل

قضيت عيد ميلادي في الشغل. فجأة لقيت رسالة من أمي بعنا عربيتك خلاص.. مصلحة العيلة فوق أي حد، واحمدي ربنا إن ليكي مكان تنامي فيه أصلاً.
وبعدها بثواني رسالة تانية
أخوكي دخل الكلية، وإنتي اللي هتدفعي مصاريف أول تيرم.. 300 ألف جنيه.. والفلوس تكون جاهزة الأسبوع ده.
رديت بكلمة واحدة لا.
مفيش ثواني وأبويا كلمني.. كان قالب الدنيا وصوته عالي بشكل عمري ما سمعته قبل كدة.
لمي هدومك.. ملكيش مكان في البيت ده خلاص.
وفعلاً، ده اللي حصل.
لميت حاجتي ومشيت في هدوء.. بس مخرجتش وإيدي فاضية.
على الصبح، كل حاجة اتشقلبت.
أمي مابطلتش عياط.
أخويا كان مرعوب.
وأبويا تليفونه مابطلش رن.
كنت في نص الشفت بتاعي في الكافيه لما جت أول رسالة.. لا كل سنة وإنتي طيبة، ولا عقبال مليون سنة، ولا حتى إيموجي يرفع المعنويات.
مجرد جملة واحدة بتقولي إن الشقا اللي شقيته.. طار.
فضلت أمسح في الرخامة بتاعة الكافيه كأني بحاول أثبت نفسي في الأرض، وكأن ريحة القهوة ممكن تنسيني القرف اللي قريته.
العربية دي مكنتش هدية منهم.. دي كانت شقا سنتين.. صحيان بدري، وسهر للفجر، وتجميع التبس مليم على مليم في صمت.
العربية دي كانت هي حريتي.. الدليل الوحيد إني أقدر أقف على رجلي.
وبعدها تيجي رسالة ال 300 ألف جنيه.
محستش إنه طلب.. ده كان أمر واقع.. كأني مش بنتهم، كأني خزنة ماشية على الأرض.
عشان كدة كتبت لا.
مش عشان أنا قوية.. بس عشان كنت عايزة أعرف هل الكلمة دي لسه ليها وزن في البيت ده ولا أنا مجرد مكنة فلوس؟
التليفون رن فوراً.
صوت أبويا كان هيفجر سماعة الموبايل إنتي فاكرة

نفسك مين؟
وكنت سامعة أمي في الخلفية عمالة تألف في الرواية وتطلع نفسها ضحية.
فضل يزعق ويغلط.. وبعدين قفل السكة في وشي كأني متسواش حتى إنه يكمل كلامه معايا.
لما وصلت البيت، المدخل كان فاضي.
هدوء مرعب.. كأن فيه حاجة اتمسحت من الوجود.
جوه، لقيت أمي واقفة في المطبخ، ماسكة تليفونها وبتبص فيه ببرود.. البرود اللي بيبقى عند الناس اللي فاكرين نفسهم دايماً صح.
سألتها إنتي بجد بعتيها؟
مبصتليش حتى.. وقالت عملنا اللي كان لازم يتعمل.. مستقبل أخوكي أهم من رفاهيتك.
رفاهيتي؟ رديت وأنا مش قادرة أتمالك أعصابي.
أبويا طلع ووقف على الباب وهو مربع إيديه إنتي عايشة تحت سقفنا، ومحكومة بقوانينا.. ملكيش حق ترفضي بعد كل اللي عملناه عشانك.
كل حاجة عملوها..
كأن الحب ده سلف ودين ولازم يترد.
دخلت أوضتي وبدأت ألم شنطتي.
إيدي كانت بتترعش في الأول، وبعدين جمدت.. وبرود غريب سيطر عليا.
الهدوم.. اللابتوب.. الشواحن.. وورقي كله.
وصندوق المجوهرات الصغير اللي كانت جدتي سايباهولي.. الحاجة الوحيدة في البيت ده اللي كانت بتحسسني إن ليا قيمة بعيد عنهم.
أمي وقفت في الطرقة وقالت إنتي فاكرة نفسك هتمشي بجد؟
وأبويا حاول يسد الباب بكتفه.. فاكر إن سلطته هتمحي اللي عملوه.
في اللحظة دي فهمت حاجة
هما مش مصدومين من اللي عملوه فيا.. هما مصدومين إني أخيراً قررت أمشي.
شقة صاحبتي جينا كانت ريحتها بخور رخيص وبواقي أكل.. بس كانت أمان أكتر من أي مكان عشت فيه.
قعدت على الكنبة وأنا جسمي كله مهدود، كأني نسيت يعني إيه استرخاء.
جينا بصتلي وقالت بهدوء يا آفا.. الموضوع كدة مش تمام.
هزيت راسي وسكتت.. لأني لو اتكلمت، هطلب حاجات عارفة إني مش هاخدها.
بليل والكل نايم، فتحت اللابتوب.
إيدي كانت بتتحرك على فولدر ملمستوش من شهور.
ضربات قلبي كانت سريعة جداً.
جينا سألتني بتعملي إيه؟
قولتلها بخرج نفسي من حاجة هما فاكرين إن لسه ليهم سلطة عليها.
ماخدتش حاجة مش بتاعتي.
ولا كذبت.
مش محتاجة أكذب أصلاً.
أنا بس عملت تعديل واحد صغير.
تعديل يبان إنه تافه.. بس مبيبانش غير لما الناس تكتشف إنهم كانوا عايشين على قفا سكوتك.
تاني يوم الصبح، تليفوني مابطلش زن.
مكالمات.. رسايل.. رسايل صوتية بالعبيط.
أمي بتعيط وتصوت.
أخويا ميت من الرعب.
وأبويا بيكلمني مرة ورا تانية.
وبعدين.. رقم مكنتش أتوقعه أبداً ظهر على الشاشة.
رقم بيترجاني أرد.
فضلت باصة للشاشة وهي بتنور.. وأنا عارفة إنهم أخيراً اكتشفوا المفاجأة اللي سبتها ورايا.
لأن مفيش سبب واحد يخلي أبويا يكلمني بالمنظر ده غير حاجة واحدة بس…
المكالمة كانت من المحامي بتاع العيلة.. الراجل اللي أبويا كان دايماً بيهددني بيه. فتحت الخط وأنا كلي برود، فسمعت صوته وهو بيترعش يا آنسة آفا، إنتي عملتي إيه؟ الورق اللي إنتي سحبتيه ده معناه إن البيت والشركة وكل الأملاك مهددة بالحجز!
ضحكت بوجع.. هما نسوا.. نسوا إن العربية اللي باعوها بدم بارد، والفلوس اللي كانوا عايزين يسرقوها مني، كانت متغطية بضمانات بنكية وتوكيلات أنا اللي كنت بديرها بصفتي المحاسبة الوحيدة اللي شالت بلاويهم السنين اللي فاتت.
أنا مغيرتش غير كلمة سر واحدة، ولغيت تفويض كنت عاملاه لأبويا إنه يتصرف في حساباتي التوفير اللي هما كانوا بيسحبوا منها وهما مش حاسين.
أبويا أخد السماعة منه وزعق بصوت مكسور إنتي عايزة تخربي بيتنا يا فاجرة؟ عايزة تشردينا عشان حتة عربية؟
رديت عليه بمنتهى الثبات
أنا مش بخرب البيت.. أنا بس أخدت حقوقي اللي إنت قلت إن ماليش حق فيها.. مش إنت قلت إني عايشة تحت سقفك؟ أديني سيبتلك السقف، وشيلت العواميد اللي أنا كنت بانياها بفلوسي وتعب سهر الليالي.. عيش بقى في سقفك لوحدك.
أمي بدأت تدعي عليا في الخلفية، وأخويا كان بيعيط لأنه عرف إن مصاريف الكلية اللي كان هيعيش بيها ملك زمانه، مابقتش موجودة، لأن الحساب اللي كان هيتدفع منه كان باسمي أنا، مش باسمهم.
قفلت السكة وعملت بلوك للكل.
بصيت لجينا وابتسمت، ولأول مرة من سنين، حسيت إن نَفَسي طالع حر.. لا أنا مديونة لحد، ولا حد ليه فضل عليا.
هما اللي اختاروا يبيعوا سندي، فكان لازم يعرفوا إن السند ده هو اللي كان شايلهم كلهم. ونمت يومها أحلى نومة في حياتي على كنبة جينا المقطوعة، وأنا عارفة إن بكرة ملوش صاحب.. بس على الأقل، بكرة ده ملكي أنا وبس.
أبويا أخد السماعة من المحامي وصوته كان فيه رعشة غضب وخوف في نفس الوقت إنتي عملتي إيه في الحسابات يا آفا؟ السيستم كله واقف، والشيكات اللي المفروض تطلع للموردين بتوع المصنع اترفضت! إنتي عايزة تخربي بيتنا؟
رديت عليه بكل هدوء، وهدوئي ده كان بيجننه أكتر
أنا مخرّبتش حاجة يا بابا.. أنا بس قفلت الحنفية اللي كنتوا بتشربوا منها وتغسلوا رجليكم كمان. العربية اللي بعتوها دي، أنا كنت دافعة أقساطها من حسابي الشخصي اللي مربوط بضمانات الشغل. . لما إنتوا بعتوها، البنك اعتبر إن الضمان سقط، ف أخد حقه من السيولة

لمحة نيوز

اللي باقية.
أمي أخدت السماعة وهي بتصرخ بصوت كله غل يا جاحدة! ده إحنا اللي عملناكي، ده إحنا اللي كبرناكي.. تسيبي أخوكي مستقبله يضيع عشان حتة حديدة؟
قلتلها
أخويا اللي عايز يدخل جامعة ب 300 ألف جنيه في التيرم ده، يقدر ينزل يشتغل زي ما أنا اشتغلت.. يمسح طرابيزات في كافيه، يجمع تبس، ويسهر للفجر عشان يبني نفسه. أنا مش مجرد محفظة بتصرف على طموحاتكم وإنتوا بتهينوني.
أبويا رجع يزعق تاني قدامك ساعة واحدة ترجعي كل حاجة زي ما كانت، وإلا هحبسك بالتوكيلات اللي معاكِ!
ضحكت.. ضحكة أول مرة تطلع من قلبي
التوكيلات؟ نسيت يا بابا إن النهاردة عيد ميلادي ال 21؟ يعني التوكيلات اللي كنت واخدها عليا وإني قاصر قانوناً في بعض المعاملات، انتهت صلاحيتها النهاردة الصبح. أنا لغيت كل حاجة بضغطة زرار واحدة من اللابتوب.
الخط سكت تماماً.. سكون القبر.
فهموا إن اللعبة خلصت، وإن البنت الهادية اللي كانت بتشيل شيلتهم وتقول حاضر كانت هي العصب اللي ممشي حياتهم الرفاهية.
أخويا بعتلي رسالة أخيرة أنا ماليش ذنب في اللي عملوه.
مردتش عليه.. لأنه كان بيتفرج عليا وأنا بتذل وساكت عشان مصلحته.
بصيت ل جينا وقلت لها قومي يا جينا، أنا عازماكي على أحلى فطار في مصر.. بس المرادي، الفلوس اللي هدفعها، هتبقى عشان راحتي أنا وبس.
قفلت تليفوني،

ورميته في الشنطة.
لأول مرة في حياتي، أحس إن لا اللي قلتها دي.. كانت أجمل هدية عيد ميلاد قدمتها لنفسي بعد ساعة من قفلة التليفون، سمعت خبط على باب شقة جينا. خبط مش زق، ده كان رزع هستيري. بصيت من العين السحرية لقيت أخويا عمر واقف ووشه أصفر زي الليمونة.
فتحت الباب نص فتحة، لقيته بيترجاني آفا، أبوس إيدك، بابا هيتجنن.. المحضرين لسه ماشيين من قدام البيت، العربية اللي بعناها طلعت لسه عليها حظر بيع لشركة التأمين لأنك مغيرتيش صفتك في الورق، والراجل اللي اشتراها لبسنا في قضية نصب!
بصيت له ببرود وقلت دي مشكلتكم.. إنتوا اللي استعجلتوا على الفلوس قبل ما تتأكدوا من الورق.
عمر كمل وهو بيعيط ماما جالها هبوط وضغطها عالي، وعمالة تقول إنك السبب في خراب البيت.. بابا بيقولك لو رجعتي السيستم وفكيتي الحظر، هيجيبلك عربية أحسن منها، وهينسوا إنك مشيتي.
ضحكت بصوت عالي لدرجة إن جينا طلعت من المطبخ تشوف في إيه.
يوهب لي؟ بابا نسي إن كل مليم في حساباته دلوقتي هو أمانة في رقبتي أنا قانوناً؟ الورث اللي سابه جدي واللي بابا كان بيصرف منه يمين وشمال، جدي كان كاتبه باسمي أنا، وواصي إن بابا يديره لحد ما أتم ال 21.. والنهاردة، الساعة 12 بالليل، الوصاية دي انتهت.
عمر اتصدم.. مكنش يعرف السر ده، بابا كان مخبي عليهم كلهم إن العز ده كله ملكي أنا.
قلت لعمر وأنا بقفل الباب روح قول لبابا.. البيت اللي إنتوا فيه ده، أنا قدامي شهر بالظبط وأبيعه أو أجرّه، ده حقي.. وال 300 ألف بتوع كليتك، خليهم ينفعوك وإنت بتدور على شغلانة تسندك.
رزعت الباب في وشه.
رجعت قعدت على الكنبة، وفتحت اللابتوب لآخر مرة.
دخلت على حسابي البنكي.. الرقم اللي كان فيه كان يكفي إني أبدأ حياتي في مكان تاني، بعيد عن استغلالهم.
جينا بصتلي وقالت هتعملي إيه دلوقتي؟
رديت بابتسامة صافيه هبدأ أعيش.. النهاردة أول يوم في عمري اللي بجد.
فتحت الشباك، شميت هواء الشارع.. كان طعمه مختلف، طعمه حرية.
العيلة مش دايماً هي الدم.. العيلة هي اللي بتصونك، وإحنا عيلتي باعتني في أول ملف، فكان لازم أبيعهم في أول محطة.
موبايل جينا رن.. كان أبويا. هو عارف إنها صاحبتي الوحيدة.
جينا بصتلي بخوف، شاورتلها تفتح السبيكر.
صوته كان مكسور، مفيش فيه ذرة الجبروت بتاعة الصبح يا بنتي.. قولي لآفا إننا آسفين. إحنا غلطنا، بس بلاش تخرجينا من البيت.. أمك مش هتستحمل، وإنتي عارفة إن البيت ده هو كل تاريخنا.
أخدت الموبايل من جينا ورديت بكلمة واحدة تاريخكم إنتوا.. مش تاريخي أنا. أنا تاريخي في البيت ده عبارة عن غسيل مواعين، وطلبات مابتخلصش، وإهانة وتوفير قرش على قرش عشان في الآخر تبيعوا حاجتي وتدوا لغيري تعبي.
أبويا بدأ يعيط أول مرة في حياتي أسمعه بيعيط طب خدي الفلوس اللي إنتي عايزاها، بس رجعيلي صلاحيات الشركة.. الموردين هيحبسوني يا آفا.
قلتله الشركة دلوقتي تحت إشراف المحامي بتاعي. أي مليم هيطلع، هيطلع بحساب.. وإنت وأمي وأخوكي ليكم مصروف شهري زي ما كنتوا بتعملوا معايا بالظبط. هتاخدوا اللي يكفيكم تعيشوا مستورين، والباقي هيرجع لصاحبه الحقيقي.. ليا أنا.
قفلت السكة قبل ما أسمع رده.
طلعت البلكونة وبصيت على النيل من بعيد. حسيت بتقل جبل انزاح من على صدري. أنا مكنتش شريرة، أنا بس كنت مراية.. عكستلهم وشهم الحقيقي اللي رفضوا يشوفوه طول السنين اللي فاتت.
فتحت تليفوني الشخصي، مسحت كل الرسايل القديمة، وعملت أبديت لحالتي
أجمل هدية في عيد ميلادي ال 21.. إني أخيراً عرفت أقول لا بكرامة.
جينا دخلت عليا ب كوبايتين شاي وقالتلي نويتي على إيه يا آفا؟
شربت أول بوق وحسيت بدفاه في كل جسمي وقلت
هبيع العربية اللي هما باعوها قانوناً للراجل اللي اشترى، وأسوي أموره.. وهشتري لنفسي عربية أحدث، وهفتح المكتب اللي كنت بحلم بيه.. ومن النهاردة، مفيش حد هيتحكم في مليم واحد من شقايا.
الشمس بدأت تغيب، وأنا كنت حاسة إن دي أول شمس تطلع في حياتي بجد. الحكاية مخلصتش بخراب، الحكاية خلصت ب عدل.. والعدل دايماً طعمه بيبقى مر في أوله، بس بيريح في الآخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *