زعيم المافيا كان مستغرب
زعيم الماڤيا
زعيم الماڤيا كان مستغرب ليه سكرتيرته بتختفي كل يوم الساعة 317 بالظبط ولما قرر يراقبها بنفسه، اكتشف سر في قبو مهجور كسر قلبه لأول مرة في حياته.
كل يوم بعد الضهر، الساعة 317 بالظبط، كانت ندى حسن بتختفي من الدور العشرين في برج الشرقاوي.
لا 316.
ولا 318.
317.
في الأول محدش اهتم.
السكرتيرات عندها مشاوير.
والمساعدات عندها عائلات.
والناس عندها حياة بره المكاتب الفخمة والأرضيات الرخام والأسانسيرات الخاصة وقاعات الاجتماعات اللي الرجالة فيها بتتكلم عن تأخير الشحنات وكأن مفيش مصايب بتحصل ورا الكواليس.
لكن بعد 3 شهور
الكل بدأ يلاحظ.
وبعد 6 شهور
بقى البرج كله بيتكلم عن الموضوع.
ندى كانت بتمشي كل يوم الساعة 317.
ومحدش
لا سامح الديب الرجل اليمين لكريم الشرقاوي.
ولا السواقين المسلحين.
ولا حتى كريم نفسه.
كان مسموح له يسألها رايحة فين.
وده في عالم كريم الشرقاوي
كان شيء غير طبيعي.
كريم الشرقاوي كان راجل بيملك نص البلد.
والنص التاني كان بېخاف منه لدرجة إنه بيتظاهر إنه مش موجود.
شركاته المالية كانت مالية أبراج وسط البلد.
وإمبراطوريته التانية كانت ماشية في الشوارع والموانئ والمطاعم والمكاتب والحسابات السرية زي الدخان.
كان عنده 38 سنة.
بارد الأعصاب.
وبيشتهر إنه بيعرف أسرار الناس قبل ما أصحابها يعترفوا بيها.
يعرف العضو الفلاني بيكدب إمتى.
ويعرف خصومه ناويين على إيه.
ويعرف رجالته خايفين قبل ما هم نفسهم يحسوا بالخۏف.
لكن رغم كل ده
فضل 6 شهور كاملة مش عارف ندى بتروح فين الساعة 317.
والحاجة دي كانت مضايقاه أكتر من أي ټهديد.
وندى كانت حاسة بنظراته كل يوم.
الساعة 315 لما يسكت فجأة وسط الكلام.
والساعة 316 لما تقفل اللابتوب بصوت خفيف يبقى مسموع وسط هدوء المكتب.
والساعة 317 لما تقوم.
وتاخد شنطتها الجلد السودة.
وتمشي 43 خطوة لحد الأسانسير الخاص من غير ما تبص وراها.
جوا الشنطة كان في 3 حاجات بس
محفظة.
مفاتيح.
وصورة صغيرة مطوية ل أطفال بيضحكوا.
الصورة دي
محدش في البرج كله كان يعرف عنها حاجة.
ومحدش كان ينفع يعرف.
ندى دخلت حياة كريم بسيرة ذاتية مضړوبة.
وثلاثة خطابات توصية مستعارة.
واليأس اللي بيخلي الإنسان يا شجاع يا متهور.
وأغلب الأيام كانت مقتنعة إنها الاتنين مع بعض.
كانت بتوصل الشغل الساعة 647 الصبح.
قبل الكل ب دقيقة.
وتجهز مكتب كريم بالطريقة اللي بيحبها.
القهوة بدرجة حرارة معينة.
التقارير مترتبة حسب الأهمية.
والقلم الغالي بتاعه متحطوط بزاوية محددة.
كانت بتدير مواعيده أحسن من أي حد قبلها.
وتمنع المكالمات اللي ملهاش لازمة.
وتتعامل مع رجال أعمال ومحامين وسياسيين وناس كتير.
ولا مرة اتوترت.
ولا مرة سألت سؤال زيادة.
ولا مرة اتأخرت بعد 317.
لحد ما الشائعات بقت غريبة.
ناس قالت عندها حبيب ضابط.
وناس قالت بتسرب معلومات.
وناس قالت عندها ابن مستخبي.
أو جوز سري.
أو دين كبير.
أو قبر بتزوره كل يوم.
لكن الحقيقة
كانت أبسط من كده.
وأخطر بكتير.
لأن الساعة 317
ندى ما كانتش بتبقى سكرتيرة كريم الشرقاوي.
كانت بتبقى الأم الوحيدة اللي باقيه ل أطفال ملهمش حد.
يوم الجمعة ده كان مختلف.
الجو في مكتب كريم كان غريب.
كأنه في عاصفة مستخبية.
الساعة 315 رفعت ندى عينيها.
فلقت كريم واقف عند الشباك.
ضهره
متابعة القراءة
صفحة
1
/ 3
انت في الصفحة 2 من 3 صفحات
ليها.
وكتافه مشدودة تحت البدلة السودة.
لا بيتكلم في التليفون.
ولا بيقرأ.
كان مستني.
ندى حست بالخطړ.
لأنها اتعلمت من وهي صغيرة إن الخطړ عمره ما بيعلن عن نفسه.
بيجي بهدوء.
ويقعد يراقب.
الساعة 316 حفظت الملف.
والساعة 317 قامت.
ومستعجلتش.
لأن الاستعجال معناه خوف.
أو ذنب.
أو ضعف.
مشيت ناحية الأسانسير.
وحست بنظرات كريم على ضهرها.
ولأول مرة من 6 شهور
غلطت.
بصت وراها.
فلقت كريم واقف عند باب مكتبه.
إيده في جيوبه.
وعينيه مثبتة عليها بنظرة عمرها ما شافتها قبل كده.
نظرة فيها فضول.
وعصبية.
وإحساس غريب بالتملك.
يمكن التلاتة مع بعض.
اتقفل باب الأسانسير بينهم.
وندى أخدت نفس سريع.
وأقنعت نفسها إنها بتتوهم.
لكنها ما خدتش بالها من العربية السودة اللي اتحركت وراها بعد ثواني.
ركبت المترو.
وغيرت الخط.
لحد ما وصلت لمنطقة فقيرة في آخر البلد.
المباني متهالكة.
والشبابيك متقفلة بالكرتون.
والناس ماشية وكأنها عايزة تختفي.
وندى كانت ماشية لوحدها.
لا خاېفة.
ولا مترددة.
وصلت لعمارة قديمة من 6 أدوار.
شكلها واقفة بالعافية.
دخلت.
لكن ما طلعتش فوق.
عدت من البهو.
وفتحت باب مكتوب عليه ممنوع الدخول.
ونزلت تحت.
للقبو.
القبو كان مهجور من سنين.
وعشان كده محدش بيدخله.
ولا بيسأل عنه.
في آخر السلم
كان في نور خاڤت.
وسجاد قديم.
وعفش متجمع من الشارع.
مكان قبيح.
وغير قانوني.
لكن كان أقرب حاجة للبيت بالنسبة لهم.
قبل ما تشوف
قبل ما تشوفهم، سمعت صوت ضحكاتهم.. ضحكات بريئة بتملا القبو المظلم وبتحوله لقصة تانية خالص.
فتحت الباب ببطء، فلقيت ال 6 أطفال قاعدين حوالين مائدة متهالكة، بيقسموا رغيف عيش واحد وعلبة جبنة صغيرة. ندى دخلت وشنطتها في إيدها، وبمجرد ما شافوها، سابوا كل حاجة وجريوا عليها، كأنها الشمس اللي بتنور عتمة المكان ده.
ندى بصوت حنون يغطي على قسۏة المكان يا حبايبي.. وحشتوني!
طلعت من الشنطة أكياس الأكل اللي جابتها بمرتبها كله، واللبس اللي اشتراهولهم من أماكن البالة عشان يدفي أجسامهم النحيلة. قعدت بينهم، بتسرح لشعر البنت الصغيرة، وبتسمع حكاياتهم عن مدرسة مبيدخلوهاش، وعن أب وأم مبقوش موجودين.
لكن، وسط الضحك واللعب، كان في عين بتراقب من شق في الباب.
كريم الشرقاوي، زعيم الماڤيا اللي قلبه زي الحجر، كان واقف في الضلمة، نَفَسُه مسموع، وعيونه مش قادرة تصدق المشهد. هو اللي كان متخيل إنها بتروح تقابل عشيق، أو بتخون الأمانة، أو حتى بتخطط لسړقة ملفاته.. لقى نفسه قدام أم مش ولادة، لكنها أم بالروح، بتضحي بكيانها كله عشان تحمي 6 أرواح ملهمش غيرها في الدنيا.
ندى، وهي بتمسح العرق عن جبينها، قالت للصغير اللي فيهم بكرة هحاول أجيب لكم دفايات أكتر، الجو هيبدأ يبرد.
كريم فجأة، وبدون مقدمات، دفع الباب ودخل.
ندى اتجمدت في مكانها. الأطفال اتخبوا وراها بړعب. النور الخاڤت كشف ملامح كريم المذهولة، اللي كانت خالية من أي ټهديد، مليانة بحزن عميق.. حزن أول مرة ېلمس قلبه.
ندى بصوت يرجف، لكنه مليان عزة يا كريم بيه.. أنا.. أنا مستعدة أستقيل، ومستعدة أروح القسم، بس بلاش الأطفال دول.. هم مالهمش ذنب!
كريم ما ردش. فضل باصص للعيال، وبعدين بص للحيطان المتهالكة، وبعدين بص لندى..
متابعة القراءة
صفحة
2
/ 3
انت في الصفحة 3 من 3 صفحات
نظرة عيونه اتغيرت تماماً. نزل لمستواهم، وطلع من جيبه منديل وبدأ يمسح تراب عن وش واحد فيهم.
كريم بصوت أجشّ أنا عشت عمري كله أفتكر إن الناس بتتحرك بالخۏف.. وما كنتش أعرف إن فيه حد لسه بيتحرك بالحب في العالم ده.
قام ووقف، وبص لندى نظرة طويلة، وقال أنا كنت فاكر إنك بتسرقي وقتي يا ندى.. بس طلعتي بتسرقي الرحمة من مكان مفيش فيه رحمة.
خرج من القبو، وندى كانت فاكرة إنه هيحبسها، أو هيطردها.. لكن بعد 10 دقايق، دخلت عربيات نقل كبيرة، ونزل منها رجالة كريم، وبدأوا ينقلوا الأطفال والفرش لأفخم شقة في وسط البلد، ومعاهم أطقم طبية ومربيات.
ندى كانت واقفة مذهولة، ولما كريم عدى من جنبها، وقف وقال لها مش هطردك يا ندى.. بالعكس، هخليكي تديري البيت ده زي ما بتديري مكتبي.. وبنفس الدقة، وبنفس الساعة 317.. بس المرة دي، مش هيبقوا في قبو مهجور، هيبقوا في بيت حقيقي.
ومن اليوم ده، إمبراطورية كريم الشرقاوي مكنتش بس بتخوف الناس.. كانت لأول مرة بتطعمهم.
الدرس اللي اتعلمناه إن القلوب مهما قسيت، بتلين قدام الطيبة الحقيقية، وإن الشخص اللي بيضحي عشان غيره، ربنا بيسخر له القدر في صورة أجدع الناس عشان يحميه.
تمت.