أصبحت سائقا خاصا لارملة ٤

الفصل الرابع
“أمي اختفت.”
قالتها نور المنشاوي، ثم انهار صوتها كأن الكلمة الأخيرة خرجت من مكان مكسور داخلها.
وقفت في غرفة صناديق الأمانات وأنا ممسك بالهاتف، والملف المفتوح أمامي، وصورة فؤاد وهو يسكب شيئًا في كوب أمه ما زالت بين أصابعي.
لم أعرف ماذا أقول.
كل الكلمات بدت صغيرة أمام ما يحدث.
سألتها بصوت منخفض:
“اختفت إزاي؟ إنتِ فين دلوقتي؟”
شهقت نور وهي تحاول السيطرة على بكائها.
“أنا في الفيلا. جيت من ساعة تقريبًا. الحراس بيقولوا إنها خرجت مع فؤاد من بدري… بس مفيش حد عارف راحوا فين. تليفونها مقفول. والسواق الجديد بيقول إنه ما شافهاش.”
تجمد الدم في عروقي.
“سواق جديد؟”
قالت بسرعة:
“آه… فؤاد قال إن أمي طردتك الصبح وإنه جاب سواق مؤقت. بس أنا مش مصدقاه. حسن… أمي ما كانتش هتعمل كده إلا لو في حاجة.”
نظرت إلى الرسائل والملفات أمامي.
كانت نور لا تعرف أن أمها فعلت ذلك فعلًا.
لكن ليس لأنها صدقت اتهام السرقة.
بل لأنها كانت تحاول إنقاذي.
قلت لها:
“اسمعيني كويس يا نور. أرجوكِ ما تتكلميش مع حد في البيت عني. ولا تقولي إنك كلمتيني.”
صمتت لحظة.
ثم قالت بخوف:
“إنت عرفت حاجة؟”
نظرت حولي بحذر.
كان مدير البنك واقفًا عند الباب، يحاول ألا يتدخل، لكنه فهم أن الأمر أكبر من مجرد صندوق أمانات.
قلت:
“عرفت حاجات كتير. بس مش على التليفون.”
قالت فورًا:
“طيب أقابلك فين؟”
كان عليّ أن أفكر بسرعة.
لا الفيلا آمنة.
ولا البنك آمن لو كانوا يراقبونني.
ولا بيتي آمن إذا عرفوا عنواني.
قلت:
“تعرفي مسجد الرحمن اللي قريب من الحديقة الدولية؟”
قالت:
“أيوه.”
“بعد نص ساعة. قدام الباب الجانبي. وتعالي لوحدك. من غير سواق. من غير حد من البيت.”
قالت بصوت مرتجف:
“حاضر.”
ثم أغلقت.
وضعت الهاتف في جيبي وأنا أشعر أن قدمي لا تحملانني.
المدير اقترب مني بهدوء وقال:
“هل تحتاج إلى مساعدة قانونية؟ السيدة ليلى تركت اسم محامٍ معتمد ضمن التعليمات.”
التفت إليه بسرعة.
“محامي؟”
هز رأسه.
ثم أخرج بطاقة صغيرة من داخل الصندوق.
كان مكتوبًا عليها:
“محمود الجندي، محامٍ بالنقض.”
وتحت الاسم رقم هاتف.
قلبت البطاقة فوجدت بخط السيدة ليلى:
“هو يعرف جزءًا من الحقيقة، وليس كلها. لا تثق في أحد ثقة كاملة.”
هذه الجملة وحدها جعلتني أشعر أنني داخل شبكة لا أعرف بدايتها من نهايتها.
جمعت الملفات بسرعة.
قال المدير:
“لا يمكنك الخروج بكل هذا دون توقيع استلام.”
قلت بحدة:
“وقّعني.”
ووقّعت.
لكنني لم آخذ كل شيء.
كانت غلطة أن أحمل جميع الأدلة معي.
تركت نسخًا داخل الصندوق، وأخذت فقط الأهم: التقرير الطبي، الصورة، فلاش ميموري، نسخة من التوكيلات المزورة، ورسائل السيدة ليلى.
ثم وضعتها داخل حقيبة سوداء صغيرة أعطاها لي مدير البنك.
قبل أن أغادر، سألته:
“هل أحد غيري يعرف أنني جئت؟”
تردد الرجل لحظة.
وهذه اللحظة كانت كافية لتجعل قلبي ينقبــ,,ـــــض.
قلت:
“قول الحقيقة.”
تنهد.
“منذ عشر دقائق اتصل رجل ادعى أنه من مكتب السيدة ليلى، وسأل هل حضرت أم لا. لم نؤكد له شيئًا.”
“اسمه؟”
“لم يذكر.”
ابتسمت بمرارة.
كانوا قريبين.
أقرب مما أتخيل.
خرجت من البنك من الباب الخلفي بناءً على نصيحة المدير. الشارع كان أهدأ من الواجهة الرئيسية. لكن هدوءه لم يطمئنني.
كل سيارة متوقفة بدت كعين.
كل رجل يمسك هاتفًا بدا كأنه يراقبني.
استقليت تاكسي عاديًا وطلبت من السائق أن يأخذني إلى شارع جانبي، ثم غيرت التاكسي مرة أخرى بعد عشر دقائق. لم أكن رجل مخابرات ولا أعرف شيئًا عن الهروب والمراقبة، لكن الخوف يجعل الإنسان يتعلم بسرعة.
وصلت إلى المسجد قبل الموعد بخمس دقائق.
وقفت بالقرب من البوابة الجانبية، أحمل الحقيبة وكأنها تحمل حياتي وحياة السيدة ليلى معًا.
بعد قليل وصلت نور.
كانت ترتدي عباءة سوداء ونظارة شمسية كبيرة، لكن وجهها كان شاحبًا لدرجة أنني عرفتها فورًا.
نزلت من سيارة أجرة ونظرت حولها بقلق.
اقتربت مني وقالت بصوت منخفض:
“حسن… إيه اللي بيحصل؟”
لم أجب فورًا.
أشرت لها أن تمشي معي ناحية سور الحديقة.
حين ابتعدنا قليلًا، أخرجت رسالة أمها الأولى وناولتها إياها.
قرأتها نور.
ومع كل سطر، كان وجهها يتغير.
وعندما وصلت إلى جملة “هناك من يحاول .ي”، وضعت يدها على فمها.
ثم همست:
“يا رب… يا رب كنت حاسة.”
سألتها بسرعة:
“حاسة بإيه؟”
رفعت عينيها المليئتين بالدموع.
“أمي بقالها فترة خايفة. كانت بتقفل باب أوضتها بالمفتاح. بطلت تاكل من أكل البيت إلا قدامي. مرة قالت لي: نور، لو حصلي حاجة، ما تصدقيش إخواتك.”
“قالت لك أسماء؟”
هزت رأسها.
“لا. كانت خايفة حتى مني. مش لأنها مش واثقة فيّ… لكن لأنها كانت خايفة عليّ.”
فتحت الحقيبة وأخرجت الصورة.
“بصي.”
أخذتها نور.
وفي اللحظة التي رأت فيها فؤاد في الصورة، ارتعشت يدها.
لم تصرخ.
لم تبكِ.
فقط جلست على الرصيف كأن ساقيها خانتاها.
“كنت عارفة إنه طماع… بس مش قاتل.”
قلت:
“الصورة مش الدليل الوحيد.”
أريتها التقرير الطبي.
ثم التوكيلات المزورة.
ثم أخبرتها عن رسالة الصندوق.
كانت تسمعني بصمت.
لكن عينيها كانتا تقولان كل شيء.
هناك نوع من الألم لا يخرج في صورة دموع.
يبقى واقفًا داخل العينين كجرح مفتوح.
قالت بعد صمت طويل:
“لازم نبلغ الشرطة.”
قلت:
“أيوه. بس لازم نعرف أمك فين الأول.”
هزت رأسها وهي تحاول التفكير.
“فؤاد عنده أماكن كتير. شقة في الزمالك. شاليه في العين السخنة. ومخزن قديم تابع لشركة بابا في طريق السويس.”
توقفت عند الكلمة الأخيرة.
“مخزن؟”
نظرت إليّ.
“أيوه. مكان مهجور تقريبًا. بابا كان بيستخدمه زمان لتخزين معدات الشركة. بعد وفاته فؤاد مسك مفاتيحه.”
شعرت أن الجواب أمامنا.
سألتها:
“ليه ممكن ياخدها هناك؟”
قالت بصوت مخنوق:
“علشان محدش يلاقيها.”
وقبل أن نكمل، رن هاتفها.
ظهر اسم فؤاد على الشاشة.
تجمدت نور.
نظرت إليّ.
قلت بسرعة:
“ردي. افتحي الاسبيكر. حاولي تباني طبيعية.”
ضغطت على زر الرد.
جاء صوت فؤاد هادئًا أكثر مما يجب.
“نور… إنتِ فين؟”
ابتلعت ريقها وقالت:
“برّه. بدور على ماما.”
ضحك ضحكة قصيرة.
“ماما كويسة. ما تعمليش قلق.”
قالت:
“كويسة فين؟”
صمت لحظة.
ثم قال:
“عندها كشف مهم. والدكتور طلب إن مفيش حد يزعجها.”
نور ضغطت على يدها بقوة.
“أي دكتور؟”
تغير صوته قليلًا.
“إنتِ بتحققـي معايا؟”
قالت بسرعة:
“أنا بس قلقت.”
قال ببرود:
“ارجعي البيت. وكل حاجة هتبقى واضحة بالليل.”
ثم أضاف بعد لحظة:
“وبلاش تكلمي حسن. الراجل ده طلع حرامي، وماما كانت طيبة زيادة عن اللزوم معاه.”
نظرَت نور إليّ برعب.
هو يعرف.
أو يشك.
قالت بصوت بالكاد ثابت:
“أنا ما كلمتوش.”
ضحك فؤاد.
“كويس. خليكِ عاقلة يا نور. علشان العيلة محتاجة تفضل متماسكة.”
ثم أغلق الخط.
لم نتكلم لثوانٍ.
ثم قالت نور:
“هو عارف.”
قلت:
“أو بيختبرك.”
قالت:
“لا. فؤاد لما يقول جملة زي دي، يبقى بيهدد.”
في تلك اللحظة اتخذت قرارًا.
“هنتصل بالمحامي.”
اتصلت بالرقم الموجود على البطاقة.
رد رجل بصوت هادئ.
“محمود الجندي.”
قلت:
“أنا حسن. السيدة ليلى المنشاوي تركت لي رقم حضرتك.”
ساد صمت قصير.
ثم قال:
“أين أنت؟”
لم يعجبني السؤال.
تذكرت تحذير السيدة ليلى: لا تثق في أحد ثقة كاملة.
قلت:
“قبل ما أقول لحضرتك مكاني، محتاج أعرف أنت تعرف إيه.”
تنهد الرجل.
“أعرف أن السيدة ليلى كانت تخشى على حياتها. أعرف أن بعض أبنائها يحاولون إجبارها على نقل أصول مالية باسمهم. وأعرف أنها تركت أدلة في صندوق أمانات.”
قلت:
“هل تعرف أنها اختفت؟”
صمت.
ثم تغير صوته.
“متى؟”
“النهارده.”
قال بسرعة:
“لا تتحرك وحدك. ولا تذهب إلى الشرطة بأي نسخة واحدة فقط من الأدلة. هؤلاء الناس لديهم علاقات. يجب أن ندخل من الباب الصحيح.”
نور همست:
“اسأله عن مخزن طريق السويس.”
قلت:
“هل تعرف شيئًا عن مخزن تابع للعائلة على طريق السويس؟”
توقف الرجل عن الكلام للحظة طويلة.
ثم قال:
“من أخبرك بهذا المكان؟”
قلت:
“نور.”
قال بقلق واضح:
“إذا كانت السيدة ليلى هناك، فأنتم في خطر شديد.”
نور انتفضت.
“يعني تعرفه؟”
قال المحامي:
“هذا المخزن ليس مهجورًا كما تعتقدون. فؤاد يستخدمه في أمور لا يريد لأحد أن يعرفها.”
سألته:
“أمور إيه؟”
قال:
“تهريب مستندات. تخزين أصول. وربما أكثر.”
ثم أكمل:
“اسمعني جيدًا يا حسن. لا تذهب إلى هناك وحدك.”
نظرت إلى نور.
كانت عيناها تقولان إنها ستذهب سواء وافقت أم لا.
قلت للمحامي:
“لو استنينا، ممكن تمــ,,ـــــوت.”
قال بصرامة:
“ولو ذهبتم بلا خطة، ستمــ,,ـــــوتون أنتم أيضًا.”
كنت أعرف أنه محق.
لكنني كنت أعرف شيئًا آخر.
السيدة ليلى اختارتني لأنها لم يكن لديها وقت.
ولأنها كانت تعرف أن أبناءها سيتحركون بسرعة.
قلت:
“هنتقابل فين؟”
أعطانا المحامي عنوان مكتبه في مصر الجديدة.
قررنا الذهاب إليه فورًا.
لكن قبل أن نتــ,,ـــــحرك، نظرت نور إلى يدي.
“الحقيبة دي فيها الأدلة؟”
أومأت.
قالت:
“لازم نعمل نسخة.”
كانت محقة.
دخلنا إلى مكتبة صغيرة قريبة، ونسخنا الأوراق، وحفظنا محتوى الفلاش على ذاكرة جديدة. ثم وضعت نور النسخة الاحتياطية داخل حقيبتها، بينما احتفظت أنا بالأصل.
كانت خطوة بسيطة.
لكنها أنقذتنا لاحقًا.
في الطريق إلى مكتب المحامي، لاحظت سيارة رمادية تسير خلفنا.
قلت للسائق:
“لو سمحت ادخل الشارع الجاي شمال.”
دخل.
السيارة دخلت خلفنا.
نور فهمت فورًا.
وجهها شحب.
قلت للسائق:
“معلش، وقف عند الصيدلية دي.”
نزلنا بسرعة من البابين.
دخلنا الصيدلية من الباب الأمامي وخرجنا من باب جانبي يؤدي إلى شارع خلفي ضيق.
ركضنا بين المحلات حتى وصلنا إلى موقف ميكروباص.
نور لم تكن معتادة على هذه الفوضى.
كانت تلهث.
لكنها لم تشتكِ.
ركبنا ميكروباص متجهًا إلى العباسية، ثم غيرنا الطريق مرة أخرى.
وبعد ساعة من التوتر وصلنا إلى مكتب المحامي.
كان مكتب محمود الجندي في عمارة قديمة، الطابق الرابع، بلا لافتة كبيرة.
استقبلنا رجل في الستين، شعره أبيض ونظارته سميكة، لكن عينيه يقظتان.
أغلق الباب خلفنا بنفسه.
ثم قال:
“أروني ما معكم.”
وضعنا الملفات أمامه.
قرأ.
تصفح.
مع كل دقيقة كان وجهه يزداد صرامة.
بعد نصف ساعة قال:
“هذه ليست محاولة . فقط.”
نظرنا إليه.
أكمل:
“هذه شبكة تزوير واستيلاء على أموال، وربما غسل أموال. والسيدة ليلى كانت تجمع الأدلة منذ شهور.”
نور قالت بصوت مكسور:
“وأمي؟”
خلع المحامي نظارته.
“أمك كانت ستعقد اجتماعًا معي غدًا لتقديم بلاغ رسمي. إذا اختفت اليوم، فهذا يعني أنهم عرفوا.”
قلت:
“عرفوا منين؟”
نظر إلى الأرض.
ثم قال:
“هناك احتمال أن يكون أحد العاملين معها قد خانها.”
نور قالت فورًا:
“مين؟”
لم يجب.
لكنه فتح ملفًا صغيرًا من مكتبه.
“قبل أسبوع، طلبت مني السيدة ليلى أن أتحرى عن شخص داخل البيت.”
أخرج صورة.
وضعها أمامنا.
كانت صورة ناهد.
مدبرة منزل السيدة ليلى.
المرأة الهادئة التي كانت تفتح لنا الباب دائمًا، وتقدم القهوة، وتقول للسيدة ليلى: “ربنا يخليكي لينا يا هانم.”
نور شهقت.
“ناهد؟ مستحيل. دي معانا من عشرين سنة.”
قال المحامي بهدوء:
“أحيانًا أقرب الناس هم الأسهل في الشراء.”
أحسست بغضب شديد.
كم كانت السيدة ليلى وحيدة؟
حتى البيت الذي عاشت فيه لم يعد آمنًا لها.
قال المحامي:
“سنذهب الآن إلى النيابة، لكن قبل ذلك يجب أن نحدد مكان السيدة ليلى قدر الإمكان. أي معلومة عن المخزن؟”
نور أخرجت هاتفها وفتحت صورًا قديمة.
“كنت هناك مرة وأنا صغيرة. المكان قريب من طريق فرعي بعد بوابة شركة قديمة اسمها المنشاوي للتجارة.”
المحامي أخرج هاتفه واتصل بشخص.
تحدث معه بكلمات مختصرة.
ثم أغلق.
“لدي ضابط أثق به. لن أقول إنه يستطيع التحرك رسميًا الآن دون بلاغ، لكنه سيقابلنا.”
قلت:
“إمتى؟”
“خلال ساعة.”
لكن الساعة كانت رفاهية لا نملكها.
لأن هاتف نور رن مرة أخرى.
هذه المرة لم يكن فؤاد.
كان رقمًا مجهولًا.
ردت بيد مرتجفة.
لم يتكلم أحد في البداية.
ثم جاء صوت ضعيف.
مبحوح.
متقطع.
“نور…”
انتفضت نور واقفة.
“ماما؟”
الصوت كان بعيدًا كأنه يخرج من بئر.
“ما… تثقيش… في فؤاد…”
ثم سمعنا صوت ارتطام.
وصوت رجل يصرخ:
“اقفلي الخط!”
ثم انقطع الاتصال.
نور صرخت:
“ماما!”
حاولت الاتصال مرة أخرى.
الهاتف مغلق.
لكن المكالمة القصيرة كانت كافية.
لأنني سمعت شيئًا في الخلفية.
صوت لم أستطع تجاهله.
صوت قطار بعيد.
وصوت كلاب.
وصوت صفارة مصنع.
قلت بسرعة:
“هي مش في مستشفى.”
المحامي نظر إليّ.
قلت:
“في صوت قطار. ومكان مفتوح. وممكن يكون قريب من طريق السويس فعلًا.”
نور أمسكت بذراعي.
“لازم نروح.”
المحامي قال:
“سنذهب… لكن ليس وحدنا.”
خرجنا من مكتبه بعد عشر دقائق.
كان قد اتصل بالضابط.
واتفق معه على اللقاء قرب الطريق.
ركبنا سيارة المحامي.
أنا في الخلف بجوار نور.
والحقيبة بين قدمي.
طوال الطريق كانت نور صامتة.
تنظر من النافذة، ودموعها تنزل بلا صوت.
قلت لها بهدوء:
“هنلاقيها.”
لم تنظر إليّ.
قالت فقط:
“أمي كانت دايمًا تقول إن البيت الكبير ممكن يبقى أضيق مكان في الدنيا لو اللي جواه ما بيحبوكش.”
لم أعرف ماذا أقول.
بعد حوالي أربعين دقيقة، خرجنا من القاهرة المزدحمة إلى طرق أوسع وأكثر عزلة.
المباني قلت.
والإضاءة أصبحت متقطعة.
والظلام بدأ ينزل على أطراف المدينة.
تقابلنا مع سيارة شرطة مدنية يقودها رجل في الأربعينيات.
نزل منها وعرّف نفسه بسرعة.
“المقدم شريف.”
سمع من المحامي ملخصًا سريعًا، ورأى الصورة والتقرير.
ملامحه تغيرت.
قال:
“لو السيدة موجودة في المخزن، لازم نتــ,,ـــــحرك بحذر. مفيش اقتحام عشوائي.”
نور قالت بانفعال:
“يعني نستنى لما ي.وها؟”
رد بهدوء صارم:
“لو دخلنا غلط، ممكن ي.وها فورًا.”
كانت الحقيقة قاسية.
لكنها صحيحة.
تحركنا بسيارتين.
سيارة الضابط في الأمام على مسافة.
وسيارة المحامي خلفه.
بعد دقائق وصلنا إلى طريق ترابي جانبي.
في آخره ظهرت بوابة حديدية قديمة.
وخلفها مبنى مستطيل ضخم، جدرانه باهتة، ونوافذه العالية مكسورة.
المخزن.
كان المكان مظلــ,,ـــــمًا إلا من ضوء أصفر خافت قرب الباب الخلفي.
توقفنا بعيدًا.
نزل الضابط وتحدث في لاسلكي صغير.
ثم أشار لنا أن ننتظر.
لكن نور لم تكن قادرة على الانتظار.
فتحت باب السيارة بهدوء.
لحقت بها فورًا.
همست:
“إنتِ رايحة فين؟”
قالت:
“لو أمي جوه، هتعرف صوتي.”
“نور، ده خطر.”
التفتت إليّ، ووجهها غارق في الدموع.
“حسن… أنا بنتها. لو هي ماتت وأنا واقفة بعيد، مش هسامح نفسي.”
لم أجد جوابًا.
ربما لأنني كنت سأفعل الشيء نفسه لو كان أحد أولادي في الداخل.
تقدمنا بحذر خلف سور متهدم.
ومن هناك رأينا الباب الجانبي للمخزن.
كان مفتوحًا نصف فتحة.
وصوت رجل يعلو من الداخل.
لم نسمع الكلمات بوضوح في البداية.
ثم اقتربنا أكثر.
وفجأة سمعنا فؤاد.
“كان لازم توقعي من الأول يا أمي. كل ده كان ممكن يخلص بهدوء.”
ثم جاء صوت السيدة ليلى.
ضعيفًا.
لكن ثابتًا.
“كنت فاكر إني خلفت راجل… طلعت خلفت حساب بنكي لابس بدلة.”
ارتجفت نور.
كادت تصرخ.
وضعت يدي على فمها بسرعة وأنا أهمس:
“استني.”
فؤاد صرخ:
“كفاية كبرياء! فين الملفات؟”
قالت ليلى:
“مع واحد أشرف منك.”
ساد صمت.
ثم صوت صفعة قوية.
نور انهارت بين يديّ.
لكنها لم تصرخ.
دموعها كانت تسقط بغزارة.
أنا شعرت أن شيئًا أسود انفجر داخلي.
السيدة العجوز التي اتهمتني لتنجيني كانت تُضــ,,ـــــرب الآن لأنها وثقت بي.
لم أستطع البقاء ساكنًا.
أخرجت هاتفي وبدأت التسجيل.
كان الصوت واضحًا.
فؤاد قال:
“حسن؟ السواق الفقير؟ فاكرة إنه هيحميكي؟ ده لو لقيناه، هنخليه يتمنى إنه فضل حرامي وبس.”
ثم صوت آخر.
صوت ناهد.
“يا فؤاد بيه، الوقت بيعدي. الست تعبت.”
نور فتحت عينيها بصدمة.
ناهد فعلًا معهم.
فؤاد قال ببرود:
“خليها توقع، وبعدها الدكتور يتصرف.”
الدكتور؟
أي دكتور؟
ثم سمعنا صوت رجل ثالث:
“الجرعة دي مش هتستحملها كتير.”
تجمدت.
لم يعد الأمر تهديدًا.
كانوا ينوون .ها الليلة.
في تلك اللحظة، ظهرت يد على كتفي.
كدت أصرخ.
كان المقدم شريف.
همس بغضب:
“قلت لكم تستنوا.”
أعطيته الهاتف والتسجيل.
استمع لثوانٍ.
ثم تغير وجهه.
أشار لرجاله.
كل شيء حدث بسرعة.
رجال يتحركون في الظلام.
أبواب تحاصر.
خطوات مكتومة.
ثم صرخ المقدم:
“شرطة! محدش يتحرك!”
انفجر المكان بالفوضى.
صراخ.
ركض.
صوت كرسي يسقط.
ثم طلقة.
نور صرخت:
“ماما!”
اندفعت قبل أن أستطيع منعها.
ركضت خلفها.
دخلنا المخزن.
رأيت السيدة ليلى مقيدة على كرسي، وجهها شاحب، وشفتاها زرقاوان قليلًا، وعلى ذراعها أثر حقنة.
فؤاد كان يحاول الهرب من الباب الخلفي.
ناهد تبكي وتصرخ أنها مظلومة.
ورجل يرتدي بالطو أبيض يحاول إخفاء حقيبة أدوية.
نور ارتمت عند قدمي أمها.
“ماما! ماما ردي عليا!”
السيدة ليلى فتحت عينيها بصعوبة.
رأت نور.
ثم رأتني.
ولأول مرة منذ عرفتها، ابتسمت.
ابتسامة صغيرة متعبة.
وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
“عرفت إنك هتيجي يا حسن.”
لم أستطع الرد.
فقط انحنيت وفككت الحبل عن يديها.
المقدم شريف صرخ يطلب الإسعاف.
لكن فؤاد، رغم إصابة أحد رجاله، حاول التسلل خلف صناديق خشبية.
رآه المقدم.
“فؤاد المنشاوي! مكانك!”
فؤاد توقف.
رفع يديه ببطء.
ثم التفت إلينا.
كانت عيناه خاليتين من أي ندم.
نظر إلى أمه وقال:
“إنتِ اللي عملتي كده في نفسك.”
السيدة ليلى نظرت إليه بضعف، لكنها قالت بوضوح مؤلم:
“لا يا فؤاد… أنا بس كشفت حقيقتك.”
اقتاده رجال الشرطة.
أما ناهد، فكانت تجلس على الأرض وتبكي.
نور صرخت فيها:
“ليه؟ أمي عملت لك إيه؟”
ناهد لم ترفع رأسها.
قالت وهي تنتــ,,ـــــحب:
“هددوني بابني… قالولي هيدمروه.”
السيدة ليلى أغمضت عينيها.
ربما من الألم.
وربما من الخيبة.
وصلت الإسعاف بعد دقائق بدت كأنها عمر كامل.
حملوا السيدة ليلى على النقالة.
نور ركبت معها.
وقبل أن يغلق المسعف الباب، أمسكت السيدة ليلى بيدي.
قالت:
“الملف…”
قلت بسرعة:
“في أمان.”
ضغطت على يدي بأصابعها الضعيفة.
“ما تسلمهوش غير قدام النيابة… والمحامي… والضابط… مع بعض.”
أومأت.
ثم أضافت:
“وخلي بالك من ولادك.”
لم أفهم الجملة في لحظتها.
لكنني فهمتها بعد ساعة.
عندما اتصلت بي زوجتي وهي تصرخ.
“حسن! في رجالة تحت البيت بيسألوا عليك… وواحد منهم قال لو ما رجعتش، هيطلع لنا.”
تجمدت في مكاني.
كنت أظن أن إنقاذ السيدة ليلى هو نهاية الخطر.
لكن الحقيقة كانت أبشع.
فؤاد لم يكن وحده.
والأدلة لم تكن تهدد عائلته فقط.
كانت تهدد رجالًا أكبر.
رجالًا يستطيعون الوصول إلى بيتي.
إلى زوجتي.
إلى أولادي.
وفي تلك اللحظة، وأنا واقف أمام المخزن والشرطة تملأ المكان، أدركت أن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.
بل بدأت الآن فقط.
يتبع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *